المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حماية الأطفال من سوء استخدام الإنترنت وجرائم المعلوماتية


Eng.Jordan
03-09-2013, 07:14 PM
مداخلة ضمن مؤتمر تشريعات الطفولة والعائلة في لبنان في إطار القواعد الدستورية والحقوقية
تنظيم المجلس الأعلى للطفولة والمؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم بالتعاون مع منتدى الحوار وبنك بيروت والبلاد العربية
مجدليون – صيدا
25/6/2005


الدكتور نضال الشاعر
قاضٍ متدرّج،
عضو جمعية إنماء المعلوماتية القانونية في لبنان ADIL

باتت إمكانية قراءة المعلومات والتواصل عبر الشبكات متاحة اليوم بطريقة سريعة، مبسطة وزهيدة أمام الأكثرية الساحقة من الناس. فتكنولوجيا المعلومات والإنترنت تشهدان نمواً مستمراً بحيث يصحّ القول إن هناك ثورة في عالم المعلومات كان لها الفضل في تطوير المجتمعات العالمية وقلبها رأساً على عقب. ولعلّ الشمولية في استعمال البريد الإلكتروني وإمكانية دخول مواقع الويب عبر الإنترنت هما خير مثال على هذه الظاهرة.
ورغم أن عمليات التوسع والتطور أحدثت تغيّرات إقتصادية لم تشهد الدول مثلها من قبل، إلاّ أنها فتحت المجال أمام أساليب جديدة من الإجرام، ألا وهي "جرائم المعلوماتية" ومنها: جرائم الإباحية ودعارة الأطفال على الإنترنت.
أمام هذا التحدي، قامت معظم الدول المتطورة وبعض من الدول النامية باتخاذ إجراءات تقنية من أجل حماية الأنظمة المعلوماتية إضافة إلى إجراءات وقائية وقانونية تعاقب شتى أنواع الإعتداءات على هذه الأنظمة.
فمن الإجراءات التقنية نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، تقنيات التشفير. فمع توسع ونمو شبكة الإنترنت بدأت "الكتابة المشفرة" تفرض ذاتها كوسيلة معمّمة، لا غنى عنها، في توفير أمن وسرية وسلامة المبادلات والصفقات الجارية من قبل جمهور من المستخدمين لا يتوقف عن النمو والإزدياد.
أما من بين الإجراءات والوسائل الوقائية والردعية، نذكر واجب التوعية والتوجيه والتنسيق والتشاور المستمرين مع كافة الأجهزة المعنية القائمة أو تلك التي يجب إستحداثها لهذه الغاية. وقد بادر الكثير من الدول إلى إستحداث أجهزة متخصصة بمكافحة الإجرام المعلوماتي، نذكر من بينها فرنسا الي أنشأت في 15 أيار 2000 مكتباً مركزياً لمكافحة الجرائم المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والإتصال تابع لوزارة الداخلية الفرنسية، مهمته كشف وملاحقة وردع هذه الأنواع الجديدة من الجرائم.
أما الإجراءات القانونية فتتمثل بوضع قوانين وتشريعات تعاقب شتى أنواع الإعتداءات على الأنظمة المعلوماتية. ففي فرنسا صدر القانون رقم 468/98 تاريخ 17 حزيران 1998 الذي أدخل تعديلاتٍ على بعض من مواد قانون العقوبات وقانون اصول المحاكمات الجزائية وقانون الصحة العامة.
فالمادة 227 من قانون العقوبات الفرنسي، في بنودها 23 و24 و25 و26 و27-1 و27-3 عُدّلت بالقانون المذكور بحيث أصبحت تعاقب مرتكبي جرائم الإباحية ودعارة الأطفال على الإنترنت. وهذه الجرائم هي :

1- العمل على انحراف القاصر: Corruption d’un mineur فكل من يحمل قاصراً على الإنحراف بواسطة شبكات الإتصال الإلكتروني ومنها الإنترنت يعاقب بخمس سنوات حبس و 75000 يورو غرامة.
2- الدعارة أو الإباحية التي تطال مباشرة القاصر: Pornographie mettant en scene un mineur فمجرّد تسجيل او انتاج صور اباحية لقاصر بهدف نشرها او ارسالها، يعاقب عليه بثلاث سنوات حبس و 45000 يورو غرامة، وهذه العقوبة تصبح خمس سنوات حبس و 75000 يورو غرامة عندما تستعمل الإنترنت كأداة لبث ونشر هذه الصور لجمهور غير محدد.
3- انتاج وبثّ صور وكتابات ذات طابع عنيف أو اباحي: Fabrication, diffusion de message a caractere violent ou pornographique وفي هذه الحالة، يعاقب بثلاث سنوات حبس و45000 يورو غرامة كل من يبثّ او ينشر صور خلاعية (أكانت لقاصر أو لراشد) على مواقع لا تحتوي على طريقة تحمي القاصر من الدخول عليها، بمعنى أنه بمجرد الدخول إلى الموقع يكون المستخدم قد اطلع على هذه الصور دون أي انذار او تحذير. (تحت 18 أو فوق 18...)
4- جرم تخبئة الصور الخلاعية التي تتناول الأطفال: Recel d’images de pornographie enfantine يعاقب على هذا الجرم بخمس سنوات حبس و 375000 يورو غرامة، وتشدّد العقوبة اذا ارتكب هذا الجرم بواسطة عصابات منظمّة. (كحفظها على أقراص مدمجة أو غيرها من وسائل الحفظ والتسجيل).

فالدول الغربية التي بدأت بإصدار تشريعات جديدة تباعاً في هذا المضمار، استبقت هذه العملية ومهّدت لها بدراسة وافية للواقع التنظيمي والتشريعي القائم في الدولة المعنية وبتحليل الحاجات والمتطلبات على هذا الصعيد وصولاً إلى وضع تصور إجمالي حول ماهية وشكل التعديلات المطلوبة بالنسبة إلى جميع الفروع القانونية وحول آلية ووسائل تنفيذ هذه التعديلات في صيغة مشاريع واقتراحات قوانين محددة.

ما هو الوضع في لبنان اليوم؟

مما لا شك فيه أن لبنان يحتل موقعاً متميزاً في تطوره التقني إذ يعتبر من بين أولى الدول في الشرق الأوسط في استخدام الإنترنت وذلك مقارنةً لعدد مستخدمي الشبكة بعدد السكان.
هذا الموقع المتميز والمتطور على الصعيد التقني، يقابله غياب تشريعات واضحة وصريحة خاصة بالمجتمع المعلوماتي. ففي ظل واقع لبنان القانوني، معظم الملاحقات القضائية والدعاوى التي تجري نتيجة الإعتداءات على الأنظمة المعلوماتية في شبكة الإنترنت، تتم إستناداً إلى المواد التقليدية لقانون العقوبات. هذه الأخيرة لا يمكنها أن تجاري التطور المُتسارع لتقنيات المعلومات والإتصالات، أضف إلى ذلك أن المشترع اللبناني لم يتوقع إرتكاب مثل هكذا جرائم عند إصدار قانون العقوبات عام 1943.
وقد واجه القضاء اللبناني في العام 2000 قضية فيها تعرّض خطير للآداب والأخلاق العامة، تمكن من معالجتها، رغم حصولها بواسطة شبكة الإنترنت، حيث تمكنت السلطات الأمنية اللبنانية بالتعاون مع الأنتربول من توقيف شخص لبناني كان يبثّ وينشر صوراً إباحية لأطفال عبر الإنترنت بأمر من النيابة العامة التي أحالته أمام قاضي التحقيق في بيروت الذي ظنّ عليه سنداً للمواد 531 و532 و533 عقوبات، التي تعاقب كلّ تعرّض للآداب والأخلاق العامة، وفقاً لمطالعة النيابة العامة وأحاله موقوفاً أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت الذي أدانه سنداً للمواد المذكورة بالحبس والغرامة.
أمام هذا الواقع القانوني العاجز اليوم عن مواكبة التطور التكنولوجي، تبرز أهمية إصدار تشريعات خاصة بجرائم المعلوماتية والإنترنت يكون من شأنها الإحاطة بشتى أنواع التعديات الإلكترونية التي أظهرتها ثورة تكنولوجيا المعلومات.
وفي وقت تبحث فيه الدول الغربية عن أفضل السبل لتحديث قوانينها من أجل التصدي للجرائم المعلوماتية، نلاحظ أن لبنان لم يَعُدََّ بَعد عُدَتَهُ الكاملة لبدء ورشته التشريعية، سيما وأن هكذا إعداد بات أولوية ضرورية من أجل مواكبة ما يحمله القرن الواحد والعشرين من تحديات في هذا المجال.
ونشير في هذا السياق إلى أن هيئة تحديث القوانين التابعة لمجلس النواب اللبناني أعدّت على مدى سنوات عديدة مشروع قانون يرمي إلى تعديل وتحديث قانون العقوبات اللبناني بكامله. إن هذا المشروع هو قيد التمحيص والدراسة من قبل لجنة فرعية منبثقة عن لجنة الإدارة.
وتجدر الإشارة إلى أن هيئة تحديث القوانين كانت قد أعدت ضمن إطار تعديل قانون العقوبات فصلاً يتعلق بمكافحة الجرائم المعلوماتية وغني عن القول أنه بالنظر للسرعة في تطور وتنوع أساليب الإجرام المعلوماتي أضحى هذا المشروع بحاجة إلى إعادة نظر شبه شاملة.
إضافة إلى ذلك هناك عدة مشاريع قوانين حول تجريم الإعتداءات على الأنظمة المعلوماتية مقدمة من بعض السادة النواب في المجلس النيابي. هذه المشاريع لم يُبتّ فيها نهائياًَ بعد بحجة أنها بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتعمق.
وإننا نقترح وجوب إدخال سلسلة من المواد المجرّمة لهذه الأنواع من الجرائم بفصلٍ خاص تحت عنوان "الإعتداءات على الأنظمة المعلوماتية" في قانون العقوبات اللبناني. يتضمن هذا الفصل – من جملة ما يتضمنه – مواداً تجرّم كلّ من أقدم بقصد على انتاج أو نشر أو تداول أو الحصول لنفسه أو لغيره أو حيازة كلمات أو رسوم أو أشرطة تلفزيونية أو سواها مخلّة بالحياء أو الآداب العامة وذلك عن طريق شبكات الإتصال الإلكتروني.
آن الأوان إذاً لتحضير لبنان وتهيئَتِه وتحصينِه من أجل أن يواكبَ ثورة المعلومات والانترنت بشكل أفضل، ومن أجل أن يواجِهَها أيضاً بأجدى الوسائل. والمسألة لا تنحصر فقط بجرائم المعلوماتية والإنترنت، بل تتعداها لتشمل ورشة تنظيمية واسعة النطاق تطال سائر الإشكالات التي تطرحها تكنولوجيا المعلومات والإتصالات على الصعيد القانوني والتي تستدعي وضع تنظيمات جديدة خاصة بها. وفي هذا المجال نشير إلى مشروع التجارة الإلكترونية في لبنان المعروف ب "Ecomleb" الذي تنفذه وزارة الإقتصاد والتجارة منذ بداية عام 2004 بالإشتراك مع خبراء من قبل الإتحاد الأوروبي وبالتعاون مع جمعية إنماء المعلوماتية القانونية في لبنان. هذا المشروع يهدف إلى إصدار تشريعات بخصوص مجموعة مسائل مطروحة وأبرزها:
• جرائم المعلوماتية
• التوقيع الإلكتروني
• العقود الإلكترونية
• حماية المستهلكين
• الملكية الفكرية
إضافة إلى غيرها من المسائل.

ونشير هنا إلى أنه إذا تحققت النتائج المرجوة من هذا المشروع، سيشكل دون شكّ خطوة متقدمة في إقرار التشريعات الإلكترونية في لبنان، ولما لا؟ ربما سيكون الدافع مستقبلاً نحو إصدار إتفاقيات عربية موحدة.