المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقويم المؤسسات التطبيقية للاقتصاد الإسلامي


Eng.Jordan
03-12-2013, 02:21 PM
النوافذ الإسلامية للمصارف التقليدية

د. سعيد بن سعد المرطان

الرئيس التنفيذي – مصرف البحرين الشامل

(طبعة تمهيدية)

حمل المرجع من المرفقات




ملخص البحث


تعتبر تجربة ممارسة المصارف التقليدية للعمل المصرفى الاسلامي من خلال نوافذ أو فروع اسلامية ، تجربة ناجحة نظرا لما ترتب عليها من نتائج ايجابية ملموسة تمثلت فى نمو العمل المصرفى الاسلامى بمعدل سنوى يقدره الباحثون بـ 15% سنويا ، وفى التزايد المستمر لعدد المصارف الممارسة لهذا العمل وانتشارها فى كل أنحاء العالم ، ومع التزايد المستمر أيضا فى حجم الأموال التى تقوم بادارتها.
وبرغم تعدد المداخل التى تبنتها المصارف التقليدية فى ولوجها ميدان الصيرفة الإسلامية فإن التجربة المميزة للبنك الأهلي التجاري السعودى فى تبنيه مدخل التحول التدريجي لتطوير وتنمية العمل المصرفي الإسلامي فيه تعتبر خير مثال على نجاح العمل المصرفى الإسلامى من خلال بنك تقليدي. وهى تجربة تختلف فى الواقع في كثير من جوانبها عن فلسفة عمل الفروع والنوافذ الاسلامية في المصارف التقليدية الاخرى. فهى استهدفت فى المقام الأول خدمة قطاع الأفراد ، دون الاقتصار على قطاع الشركات الذى كان فى الغالب محل اهتمام البنوك التقليدية الأخرى. كما أنها تجربة لم تكن تستهدف فى الأساس مجرد تعبئة مزيد من الودائع أو الإستثمارات من خلال إختراق شريحة أخرى من شرائح العملاء في السوق ، وإنما كان الهدف هو السعى الحريص والمدروس نحو التوسع في العمل المصرفي الإسلامي وتطويره بغير سقوف أو حدود. ولا شك أن نجاح هذه التجربة ، يجعلها محط أنظار وإنتباه المصرفيين والمتخصصين لمتابعة إنجازاتها والنظر اليها كحالة مصرفية تستوجب الإستيعاب والدراسة. ومن ثم فقد تم إيلاء هذه التجربة إهتماما خاصا فى هذا البحث.
ومن ثم ، وبرغم من إعتراضات البعض ، فإن الباحث فى الواقع لا يرى غبارا على ممارسة العمل المصرفى الإسلامى من خلال بنوك تقليدية طالما كان الإنضباط الشرعى هو عنوان هذه الممارسة. فالممارسة المنضبطة للعمل المصرفى الإسلامي ، بغض النظر عن الشكل الذى تأخذه هذه الممارسة ، ستكون هى الضمان لسلامة العمل وإستمراريته.
1. مقدمة
ترجع بدايات الصيرفة الإسلامية بمفهومها الواسع إلي الأيام الأولى للتشريع الإسلامي وقيام الدولة الإسلامية، أي منذ القرن السابع الميلادي. غير أنه بإنحسار فترة المد الإسلامي وإنكسار دولة الخلافة ، والدخول في العصور الإستعمارية وما صاحبها من نظم سياسية وإقتصادية غربية ، خفتت شعلة الإهتمام بالتطبيقات الإقتصادية الإسلامية في مجملها ، فاسحةً المجال لإنتشار النظم الإقتصادية الغربية وعلى رأسها النظام المصرفي الربوي المتعارف عليه في البنوك التقليدية.
إلا أنه منذ أربعة عقود تقريبا نشط المفكرون والإقتصاديون الإسلاميون في إعادة النشاط إلي الفكر الإقتصادي الإسلامي بمفرداته ومكوناته الجزئية والكلية ، الأمر الذي نتج عنه ظهور النظام المصرفي الإسلامي في شكله المعاصر منذ منتصف السبعينات تقريبا. ولم يقتصر تقديم الخدمات المصرفية الإسلامية على المصارف الإسلامية وحدها وإنما سارعت إلي ذلك أيضا وبأشكال مختلفة الكثير من المصارف التقليدية على المستويين المحلى والدولي.
أى أن أهم ما يميز المرحلة الماضية من تطور العمل المصرفي الإسلامي هو حداثة العهد بالصيرفة الإسلامية فى شكلها المعاصر وكونها لا تزال تشكل أرضا خصبة لمزيد من التطور والإنتشار من ناحية ، وتعدد مداخل المصارف التقليدية وصولا إلي حلبة هذا العمل المصرفي ، مع إختلاف مدلولات وإنعكاسات كل مدخل منها ، من ناحية أخرى.
ومن هنا تأتي أهمية ما نقوم به من إستعراض لهذه المداخل المتعددة وإخضاعها للمراجعة والتقويم بغرض التعرف على ما صاحبها من تحديات ومصاعب ليمكن تذليلها في المرحلة القادمة حتى تأتى العملية التطويرية المنشودة في مكانها وزمانها الصحيحين. ولذلك فإن مجال البحث في هذه الورقة كما يدل عليها عنوانها هو تقويم تطور العمل المصرفي الإسلامي من خلال إنشاء فروع أو نوافذ إسلامية في البنوك التجارية التقليدية. آخذين في الإعتبار أن محاولة التقييم هنا لا تمتد بأى حال من الأحوال إلي تقييم العمل المصرفي الإسلامي نفسه وإنما تنسحب فقط على تقييم المداخل إلي تقديمه من خلال نوافذ او فروع إسلامية لمصارف تقليدية بطبيعة نشأتها الأولى.
ولكي تأتى عملية المراجعة والتقييم صحيحة لابد لنا من أن نعرض فيما يلي ملخصا سريعا لنشأة الصيرفة الإسلامية في شكلها المعاصر.
2. العمل الصيرفة الإسلامية : خلفية تاريخية
· نشأة الصيرفة الإسلامية
الصيرفة الإسلامية في شكلها المعاصر ليست إلا إحياءا وتجديدا لجانب من جوانب النظام الإقتصادي الإسلامي الذي نشأ مع الدولة الإسلامية منذ أيامها الأولى ، والذي هو جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية ذاتها. ومن ثم فالصيرفة الإسلامية ليست ظاهرة حديثة كما يعتقد الكثيرون خاصة في العالم الغربي ، وإنما هي نظام عقيدي ومنظومة حياة لها جذورها في التاريخ وفي النفوس على حد سواء. ولذلك لم يكن غريبا لنا ان نلحظ هذا الإنتشار السريع للعمل المصرفي الإسلامي ونموه بمعدلات هائلة منذ منتصف السبعينيات ، حيث يقدَر عدد المؤسسات المالية والصيرفة الإسلامية بحوإلي 250 مؤسسة تنتشر وتتوزع عبر القارات الأربع الرئيسية في العالم ، إضافة إلي قيام أكبر المؤسسات المالية والصيرفة التقليدية على مستوى العالم بتقديم العديد من الخدمات المصرفية الإسلامية خاصة في مجإلي التمويل والإستثمار ، وذلك في تطور متسارع على أشكال ومستويات مختلفة نوجزها في الجزء التالي من هذا البحث.
ولأن لكل شىء سبب يحدثه ، فقلد إرتبطت عملية إحياء النظام المصرفي الإسلامي ، بظاهرتين مميزتين تمثلت إحداهما في بداية الصحوة الإسلامية المعاصرة في أعقاب حصول الكثير من الدول العربية والإسلامية على إستقلالها السياسى منذ الخمسينيات من القرن الماضى ، بينما تمثلت الثانية في ظاهرة الطفرة النفطية خلال عقد السبعينيات وماصاحبها من إنتعاش اقتصادي ، مع تعاظم الثروات لدى الأفراد والمؤسسات في المنطقة. وبترافق هاتين الظاهرتين برزت الرغبة والحاجة إلي إحياء ثقافتنا وتراثنا الإسلامي ، فتتابعت الخطوات من الإحياء النظرى للنظام الإقتصادى الإسلامي إلي التطبيق العملى لهذا النظام متمثلا في نظامه المصرفي اللاربوى في المقام الأول. وما أن بدأت العجلة تدور حتي تسارعت في دورانها فتزايد عدد المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية وإتسعت السوق ، كما سبقت الإشارة ، وأصبح العمل المصرفي الإسلامي جزءا لايستهان به بل لا يمكن تجاهله في الصناعة المصرفية والمالية العالمية.