المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غسل الأموال في النظم الوضعية .. رؤية إسلامية


Eng.Jordan
03-12-2013, 02:24 PM
أ.د محمد بن أحمد صالح الصالح
أستاذ الدراسات العليا
وعضو المجلس العلمي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية






(طبعة تمهيدية)



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعاءٍِ بدعوته واهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الثقافة القوية تفرض نفسها على الثقافة الضعيفة وتستمد الثقافة قوتها من قوة الدولة التي تتبعها والحضارة التي تلتصق بها وقد سادت الثقافة الإسلامية في عصر ازدهار الإسلام، وعمت المفاهيم والأفكار والمصطلحات الإسلامية مشارق الأرض ومغاربها حيث أنه لم تخل لغة من اللغات من بعض المصطلحات والكلمات العربية، وفي العصر الحاضر غلبت الثقافة الغربية على الفكر الإسلامي وكثرت المصطلحات الأجنبية في بلاد الإسلام، سواء مما تعلق منها بالمحسوسات
أو المعقولات.
ففي مجال المحسات كثرت مسميات الآلات الحديثة في ميادين شتى وجرت على الألسنة، وفي مجال المعقولات وفدت إلينا أسماء واصطلاحات كثيرة وأصبحت لغة التداول في وسائل الإعلام مثل مصطلح "غسل الأموال" وتبيض الأموال، "تطهير الأموال" وغيرها من المصطلحات بدلاً من المال الحرام ولست أدري : هل القائمون على أمر هذه الأشياء هم الذين أطلقوا عليها هذه التسميات لتبقى معماة أو طلقها غيرها لاعتبارات رأوها، وإن وردت بعض التعليلات لبعض الأسماء لكن تبقى أسماء أخرى لم يرد لها سبب للتسمية.
وهذا ما جعلني أكتب هذا البحث ردّاً المصطلحات الحديثة إلى أصول إسلامية ثم استبدال الألفاظ فيها بغيرها، حتى تتسم بسمة الفكر الغربي لكرههم لكل ما هو إسلامي، وإقامة الدليل على أن الإسلام سبق جميع النظم في علاج هذه الظاهرة، وقد عالجت هذا الأمور في إطار الموضوعات التالية:
1. مفهوم مصطلح غسل الأموال وسبب التسمية.
2. مجالات غسل الأموال ومصادر التحصيل.
3. مراحل غسل الأموال.
4. أسباب تفشي ظاهرة غسل الأموال.
5. آثار غسل الأموال.
6. الجهود والقوانين الدولية لمكافحة غسل الأموال.
7. دول مجلس التعاون ومكافحة غسل الأموال.
8. موقف الشريعة الإسلامية من غسل الأموال.
ويقتضينا واجب الدراسة في الختام أن ننتهي إلى الخلاصة المناسبة.
أولاً: مفهوم مصطلح "غسل الأموال" وسبب التسمية:
تقديم : تعتبر كل عملية من العمليات المتعددة والمتداخلة لغسل الأموال "القذرة" واحدة من الصور الإجرامية المستحدثة ذات البعد الاقتصادي الذي لا يقف عن حدود دولة بعينها بل يتخطاها إلى دول عديدة، ومن ثم فإنه لاغرابة والحالة هذه في اعتبار جريمة غسل الأموال بجميع عملياتها من الجرائم الاقتصادية الدولية المنظمة بل هي أخطر هذه الجرائم مجتمعة وذلك لما لها من اتصال وثيق بالأنشطة الاقتصادية غير المشروعة والتي تقع تحت ما يعرف بالاقتصاد الخفي ومن اتصال وثيق بحركة التجارة الدولية والاستثمار الدولي ومن اتصال وثيق بالدور الثقافي للمؤسسات المالية (البنوك) في انتشارها ومكافحتها ويوجد في أدبيات الفكر الاقتصادي والقانوني العالمي مجموعة من التعريفات لغسل الأموال من أبرزها:
- أنها "مجموعة من العمليات والتحويلات المالية والعينية على الأموال القذرة، لتغيير ضفتها غير المشروعة في النظام الشرعي وإكسابها صفة المشروعية، بهدف إخفاء مصادر أموال المجرمين. وتحويلها بعد ذلك لتبدو وكأنها استثمارات قانونية".
وعلى ذلك فإن الأنشطة الخفية الإجرامية والاتجار في المخدرات وتجارة الرقيق الأعضاء البشرية ، و الدعارة ،و القوادة ،وأعمال المافيا ، هي مصادر للأموال القذرة التي يحاول أصحابها تغيير صفتها غير المشروعة وإكسابها صفة جدية مشروعة من خلال عمليات غسيل الأموال". (1)
- إنها "مجموعة العمليات المالية المتداخلة لإخفاء المصدر غير المشروع للأموال (القدرة) وإظهارها في صورة أموال متحصلة من مصدر مشروع، أو الإسهام في توظيف أو إخفاء أو تحويل العائد المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة ومن ثم فإن جريمة غسيل الأموال هي جريمة تابعة تفترض ابتداء سبق ارتكاب جريمة أولية (أصلية) ينتج عنها أموال غير مشروعة، ثم تأتي في مرحلة تالية، عمليات غسيل هذه الأموال لتطهيرها في إحدى صور الغسيل".(2)
-غسيل الأموال عبارة عن "مجموعة من العمليات المالية تستهدف إضفاء الشرعية على أموال متحصلة من مصدر غير شرعي، بحيث تنطوي هذه العلميات على إخفاء مصدر المال المتحصل عليه من أنشطة إجرامية، وجعله يبدو في صورة مشروعة، مما يمكن الجناة من الاستفادة من حصيلة جرائمهم علانية.
والجاني في غسيل الأموال يقوم بإجراء عمليات مالية متداخلة هدفها إدخال هذه الأموال غير المشروعة إلى حركة التداول المشروع لرأس المال، وهو ما يؤدي إلى إدماج هذه الأموال في النظام (الهيكل ) المالي للدولة التي تتجه إليها هذه الأموال ويصبح من الصعب اقتفاء أثرها أو الوقوف على مصدرها غير المشروع".(3)
- غسيل الأموال هو "تحويل الأموال الناتجة من أنشطة إجرامية إلى أموال تتمتع بمظهر قانوني سليم خصوصاً من حيث مصادرها".(4)
- غسيل الأموال هو "إضفاء المشروعية على الأرباح المستمدة من أي نشاط غير مشروع".(5)
- وعرفه الدكتور محي الدين عوض بأنه "يطلق على إخفاء حقيقة الأموال المستمدة من طريق غير مشروع عن طريق القيام بتصديرها أو إيداعها في مصارف دول أخرى أو نقل إيداعها أو توظيفها أو استثمارها في أنشطة مشروعة للإفلات بها من الضبط والمصادرة وإظهارها كما لو كانت مستمدة من مصادر مشروعة وسواء أكان الإيداع أو التمويه أو النقل أو التحويل أو التوظيف أو الاستثمار في دول متقدمة أم في دول نامية".(6)

- اعتمد المجلس الأوربي تعريفا لغسيل الأموال فحواه غسيل الأموال هو:"تغيير شكل المال من حالة إلى أخرى وتوظيفه أو تحويله ونقله مع العلم بأنه مستمد من نشاط إجرامي أو من فعل يعد مساهمة في مثل هذا النشاط وذلك بغرض إخفاء, أو تمويه حقيقة أصله غير المشروع أو مساومة أي شخص متورط في ارتكاب النشاط الإجرامي لتجنب النتائج القانونية لعمله".(7)
- وقد عرفه د.صلاح جودة قائلاً:"عبارة غسيل الأموال يقصد بها سلسلة من التصرفات أو الإجراءات التي يقوم بها صاحب الدخل غير المشروع أو الناتج عن الجريمة بحيث تبدو الأموال أو الدخل كما لو كان مشروعاً تماما مع صعوبة إثبات عدم مشروعيته بواسطة السلطات الأمنية أو القضائية، ويحقق ذلك عندما ينجح صاحب الدخل غير المشروع في قطع الصلة بين أصل المال غير المشروع وماله
النهائي"(8)
وفي قانون مكافحة غسيل الأموال المصري ورد التعريف لغسيل الأموال بأنه "كل سلوك ينطوي على اكتساب مال أو حيازته أو التصرف فيه أو إدارته
أو حفظه أو استبداله أو إيداعه أو ضمانه أو استثماره أو نقله أو تحويله إذا كان


حمل المرجع من المرفقات