المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تلوث الهواء والانحباس الحراري


Eng.Jordan
03-12-2013, 09:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


تلوث الهواء والانحباس الحراري

أعداد الأستاذ الدكتور نادر بن محمد صيام
أستاذ الجغرافية المناخية في قسم الجغرافية
جامعة الملك سعود.

1- علاقة الانحباس الحراري بتلوث الهواء:
تعد مشكلة التلوث بشكل عام، وتلوث الغلاف الجوي (Atmospheric Pollution) بشكل خاص، واحدة من أهم المشاكل البيئية وأخطرها، التي تهدد مستقبل البيئة الطبيعية والحياة العضوية الإنسانية الحيوانية والنباتية على سطح الأرض، ذلك بما تسببه من أضرار صحية ومادية جسيمة في المناطق التي تصيبها، تنعكس في انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة بين الإنسان والحيوان وتلف النبات الطبيعي والمحاصيل الزراعية وخراب للحياة العضوية الدقيقة. والمثير حقاً، أنه حتى وقت قريب كان يعتقد إنه لا وجود لمثل هذه المشكلة، أو إنها على الأقل لا تشكل مسألة خطيرة على الإطلاق. فكان الاعتقاد السائد أن الغلاف الجوي عظيم الاتساع، يستطيع ببساطة أن يستوعب كل ما يحقن فيه من مواد وغازات ملوثة ويشتتها خلال مخزونه الهوائي الهائل، ومن ثم يتخلص منها بطريقة أو بأخرى، ولذلك فإنه قادر على تنظيف نفسه بنفسه باستمرار.
لكن سرعان ما تقوض هذا الاعتقاد أمام نتائج أبحاث كيمياء الغلاف الجوي ومكتشفاتها الحديثة، التي أكدت ازدياد تراكم المواد والغازات الملوثة وتركيزها في الغلاف الجوي خلال العقود القليلة الماضية، الذي تزامن مع بداية الثورة الصناعية العالمية، و تعاظم مع التطور الصناعي والمدني العالميين المتسارعين.
إن ازدياد تركيز بعض الغازات، وخاصة غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) وغيره من الغازات في الغلاف الجوي، لن يؤدي إلى تغييرات كيميائية في تركيب الغلاف الجوي فقط، وإنما سيؤدي أيضا إلى ما يعرف بظاهرة الانحباس الحراري (Heat Trapping) التي ستؤدي إلى زيادة حتمية في درجة حرارة الغلاف الجوي وسطح الأرض تقود إلى تغيرات مناخية (Climate change) عميقة أكيدة، ستصبح ملحوظة خلال العقود القليلة القادمة.


2- مفهوم تلوث الغلاف الجوي للأرض:
يقصد بتلوث الغلاف الجوي ازدياد تركيز بعض الغازات ومركباتها والجسيمات وغيرها من المواد الضارة وتراكمها فيه، مما يؤدي إلى تغير خصائصه وتركيبه إلى حد يصبح عنده ذو لون وطعم ورائحة ومضر لصحة الإنسان والمخلوقات الحية الأخرى، جسدياً ونفسيا،ً ومضر بالممتلكات والأبنية.
ومن أهم الغازات الملوثة للغلاف الجوي تلك التي تكون ناشطة كيميائيا ومصادرها وفيرة، مثل: ثاني أكسيد الكربون (CO2) وأحادي أكسيد الكربون (CO) وثاني أكسيد الكبريت (SO2) وأكسيد النتريك (NO) وثاني وأكسيد النتروجين (NO2) وأكسيد النتروز (N2O) والميثان (CH4) والأوزون (O3).
بالإضافة إلى مركبات كلوروفوركاربون (CFCS) أو كلوروفلوروميثان (CLFS)، مثل:(CF2CH2,CFC-12,CFC-11,CFC-13) وغيرها من هذه المركبات المعروفة تجارياً بالفريون (Freon). وذرات الغبار العادية (Dust) والجسيمات الدقيقة الغروية " إيروسولز" (Aerosols).
كما تشتمل على الجزيئات وجسيمات العناصر المعدنية والمواد الأخرى التي تكثر في هواء المدن الصناعية مثل: جسيمات الحديد (Fe) والرصاص (Pb) والزنك (Zn) والكروم (Cm) والمنجنيز (Mn) والنيكل (Ni) والصفيح (Sn) والنحاس (Cu) والتيتانيوم (Ti) والفاندوم (V) والكربون (C) وغيرها. وتشتمل أيضا على أيونات (شوارد) السلفات (SO4--) والنترات (NO3-) والكربونات (CO3--) والأمونيوم "النشادر" (NH4+) التي تتحول إلى جسيمات ثانوية صلبة أو مائعة بوساطة التفاعلات الكيميائية مع الغازات الموجودة في محيطها.
كما تشتمل على مركبات هيدروكاربونية (VOCS ) كثيرة خطرة مثل مركبات البنزوبايرن (C20H10)، وأخطرها ما يعرف بمركب 3.4 بنزوبايرن "3.4 Benzopyrene) ومركب بنزو- ألفا- بايرن (Benzo-α-Pyren) المسببة لمرض السرطان، بالإضافة إلى مركبات الفلوريدات والعضويات المنحلة بالبنزين (C6H6)، وقطران ودخان وجسيمات غبارية. كما تحتوي على كميات كبيرة من السخام (Soot) أو ما يعرف بالكربون الأسود “Black carbon” (BC) أو الكربون العنصري “Elemental Carbon” (EC) المكون من حبيبات متلاصقة على شكل عناقيد من جزيئات الكربون الصافي التي تعرف أحياناً (C60). بالإضافة إلى مركبات الضباب الدخاني " الضبخان" (Smog).

3- مصادر العناصر والمواد الملوثة للغلاف الجوي:
تعود هذه الملوثات جميعها في أصولها أو مصادرها إلى مصدرين أساسيين، فإما أن تكون مصادرها طبيعية أو إنسانية. وبناء على ذلك يمكن تصنيفها إلى:
3- 1- الملوثات الطبيعية:
وهي الملوثات الناتجة عن العمليات الطبيعية المتمثلة باحتراق الغابات والأحراش والإنفجارات البركانية والزوابع والعواصف الرملية والغبارية وانتثار المياه البحرية والتفاعلات الكيميائية والحيوية الجارية في التربة وتفسخ الأغشية الحية والعضويات الدقيقة بعد موتها. ويلاحظ أن كل هذه المواد، على الإطلاق تقريباً تتكون وتتطور عند سطح الأرض أو على الأقل تتكون أصولها هناك، وما يأتي من مواد وذرات من الفضاء الخارجي في شكل مخلفات وبقايا احتراق النيازك يظلل قليلاً جداً.
3-2- الملوثات الإنسانية:
وهي الملوثات الناتجة عن النشاطات الإنسانية المتمثلة بالمخلفات الصناعية والتعدينية بمختلف أصنافها وأشكالها وحرق الوقود المستحاث "الأحفوري" (البترول والفحم الحجري)، وحرق الوقود الطبيعي " الكتلة الحيوية"، وعن النشاطات الزراعية العديدة واستخدام الأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية والعطور المنزلية المتنوعة، وعن عمليات البناء المختلفة.
4- أصناف الملوثات وفقاً لطرق تشكلها:
كما تصنف الملوثات، إن كانت ملوثات طبيعية أو ملوثات إنسانية، وفقاً لطرق تشكلها إلى صنفين رئيسين هما:
4-1- ملوثات أولية (Primary Pollutants):
وهي ملوثات تحقن في الغلاف الجوي مباشرة، وتبقى محافظة على طبيعتها وخصائصها الفيزيائية والكيميائية.
ملوثات ثانوية (Secondary pollutants ): وهي ملوثات تتشكل في الغلاف الجوي نفسه بواسطة تفاعلات كيميائية وفوتوكيميائية تجري بين الغازات والمواد الموجودة فيه مع بعضها البعض، أو بينها وبين الملوثات الأولية التي تنبعث خلاله. والجدير بالاهتمام هنا، أن كثير من الغازات والملوثات الأولية لا تصبح مضرة إلا بعد أن تتحول إلى ملوثات ثانوية.

5- الانحباس الحراري:
تعبر الأشعة الشمسية قصيرة الأمواج الواردة إلى سطح الأرض الغلاف الجوي دون أن تتمكن جزيئات غازاته من امتصاص شيئاً منها، عدا النذر اليسير المتمثل بالأشعة الشمسية فوق البنفسجية التي تمتصها طبقة الأوزون الموجودة في طبقة ستراتوسفير(بين ارتفاع 11- 50 كم وسطياً).
عندما تسقط الأشعة الشمسية على سطح الأرض ينعكس أو يرتد جزء منها مباشرة إلى الفضاء، متمثلا بنسبة مئوية منها يعرف بمعامل انعكاسية السطح أو ألبيدو (Albedo)، يتباين مقداره أساساً بين السطوح بسبب اختلاف ألوانها، فيكون كبيراً للسطوح البيضاء وفاتحة اللون وقليلاً للسطوح السوداء وقاتمة اللون. وما تبقى من الأشعة الشمسية يمتصها السطح فتتحول إلى طاقة حرارية محسوسة تزيد من درجة حرارته الداخلية. يقوم سطح الأرض بإشعاع طاقته الحرارية المكتسبة على شكل أمواج إشعاعية حرارية طويلة الأمواج تعرف بالأشعة الأرضية تحت الحمراء طويلة الأمواج. تتمكن بعض جزيئات غازات الغلاف الجوي والجسيمات المعلقة فيه في المستويات القريبة من سطح الأرض من امتصاص بعض الأشعة الأرضية المذكورة، ذلك مما يزيد درجة حرارة الأجزاء السفلى من الغلاف الجوي، ومن ثم تعمل على إشعاعها من جديد إلى سطح الأرض، مما يؤدي إلى زيادة درجة حرارته.
إذا فعملية الانحباس الحراري تتمثل بامتصاص بعض جزيئات الغازات والجسيمات في المستويات الدنيا القريبة من سطح الأرض الأشعة الأرضية تحت الحمراء طويلة الأمواج، ومنعها من الفرار إلى الفضاء الخارجي، ومن ثم إشعاعها إلى سطح الأرض مرة أخرى، وتعرف هذه العملية بتأثير الغلاف الجوي (Atmosphere Effect). وهي مشابهة للعملية التي تجري في ما يعرف بالبيوت الخضراء (Green Houses) الزراعية الزجاجية أو البلاستكية، المستخدمة لزراعة الخضار والأزهار في المناطق والفصول الباردة التي من شأنها أن تسمح بدخول الأشعة الشمسية بحرية إليها، وبالوقت نفسه تمنع الأشعة الأرضية الحرارية من مغادرتها موفرة بذلك درجة الحرارة المناسبة لنمو النباتات وتعرف هذه العملية بتأثير البيوت الخضراء (Greenhouse Effect).
6- نتائج الانحباس الحراري:
يتوقع بعض علماء المناخ، أنه مع نهاية القرن الحالي، حدوث زيادة في درجة حرارة الغلاف الجوي وسطح الأرض تتراوح بين 0.6 ْ – 0.7 ْ ، ذلك مما سيؤدي إلى ذوبان الجليديات في القطبين الشمالي والجنوبي سينجم عنه ارتفاع في مستوى سطح البحار والمحيطات يتراوح بين 9- 88 سم وسطياً، ويرى بعض العلماء أن هذا الأمر قد بدأ فعلاً. كما يتوقع، وبحلول عام 2100م، ارتفاع درجة الحرارة المذكورة بين 1.5 ْ – 5.8 ْ. ويتوقع البعض نتيجة لهذه الأمور ستغمر مياه البحار والمحيطات للعديد من المدن والموانئ الساحلية في العالم. وستشهد الأرض تغيراً مناخياً حقيقياً.
لا شك في أن بعض الدراسات تتعمد الإثارة والتخويف عند معالجة مشكلة تلوث الغلاف الجوي والانحباس الحراري وتوقع نتائجها، وتعرضها بشكل مأساوي رهيب وتقدم صورة قاتمة بائسة للمستقبل الذي ينتظر الحياة على سطح الأرض. لكن مع ذلك لا يمكن بأي شكل من الأشكال نكران وجود مشكلة تلوث الغلاف الجوي وظاهر الانحباس الحراري ، ولا التغاضي عما يمكن أن تؤدي إليه من أخطار لأن أي تأخر أو تردد في معالجتها قد يؤدي إلى عواقب وخيمة في المستقبل وسيكون من الصعب جداً التغلب عليها. وعاجلاً أو آجلاً ستجد المجتمعات البشرية نفسها أمام تحد لا يستهان به من بعض مظاهر تلوث الغلاف الجوي التي تستطيع أن تثبيت وجودها في البيئة الطبيعية وتؤدي إلى انحباس حراري وتغير مناخ الأرض.
4 - غازات الانحباس الحراري:
يقصد بغازات الانحباس الحراري، أو الغازات الحرارية, تلك الغازات القادرة على امتصاص بعض الأشعة الأرضية تحت الحمراء الحرارية وتمنعها من الفرار إلى الفضاء الخارجي، ثم تعود وتشعها إلى سطح الأرض ذلك مما يؤدي إلى زيادة درجة حرارته وحرارة الجزء الأسفل من الغلاف الجوي. تعرف هذه الظاهرة بظاهرة الانحباس الحراري (Heat trapping). وتدعى هذه الغازات أيضا بغازات البيوت الخضراء (greenhouse gases) لأنها تقوم بدور مشابه لدورا لبيوت الخضراء (البيوت الزجاجية وقد لاحظنا أن هذه الغازات تشمل كل من غاز بخار الماء (H2O) وثاني أكسيد الكربون (CO) والميثان (CH4) وأكسيد النتروز (N2O) ومركبات كلوروفلوروكربون (CFCS) التي ذكرت سابقا. ويعد CO2 أهم هذه الغازات لكثرته من جهة، ولديمومته في الغلاف الجوي، وكذلك الأمر بالنسبة لبخار الماء. وتستطيع هذه الغازات امتصاص أمواج الأشعة الأرضية الحرارية الطويلة في طيف واسع منها. فيمتص بخار الماء الأمواج الأرضية الإشعاعية التي تتراوح أطوالها بين 1- 8 وأكثر من 12 مايكرومتر. ويستطيع ثاني أكسيد الكربون امتصاص الأمواج الإشعاعية التي تناهز أطوالها 4 وبين 13- 17 مايكرومتر. ولا تستطيع الغازات الحرارية المذكورة من امتصاص الأشعة الأرضية بين 8- 11 مايكرومتر التي تفر عبر الغلاف الجوي إلى الفضاء، ولذلك تعرف هذه الأمواج الإشعاعية بنوافذ الغلاف الجوي (Atmospheric ******s). ومن المعروف أن أطوال الأمواج الإشعاعية الحرارية التي يشع سطح الأرض طاقته الحرارية تتراوح بين 1- 40 مايكرومتر، وبذلك فإن معظم هذه الأشعة يمتصها كل من بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والغازات الحرارية الأخرى.
والحقيقة أنه لولا وجود الغازات الحرارية في الغلاف الجوي لتدنت درجة حرارة سطح الأرض إلى ما دون -20 ْ مئوية، أي أقل مما هي عليه الآن بنحو 35 ْ مئوية.
مما تقدم تلاحظ العلاقة القوية بين ظاهرة الاحتباس الحراري وتلوث الهواء بالغازات الحرارية. فكلما زادت نسبة تركيز هذه الغازات في الغلاف الجوي كلما تفاقمت مشكلة الاحتباس الحراري. وهذا الأمر واضح في هواء المدن الذي تكثر فيه نسبة تركيز هذه الغازات والجسيمات الأخرى التي تؤدي إلى زيادة درجة الحرارة فيها ما حولها من المناطق بنحو 12 ْ مئوية مشكلة ما يعرف بالجزر الحرارية.

لم يعد خافياً على أحد العلاقة بين تسارع الإنتاج الصناعي واستخراج المعادن من الناجم واحتراق الوقود الأحفوري من فحم حجري وبترول وغيرها وبين تزايد الملوثات بمختلف أشكالها وأنواعها في الغلاف الجوي وتفاقم أثرها الضارة وبينها وبين حدوث احتباس حراري وتغير لمناخ الأرض. لذلك فهناك صراع خفي وعلني بين الدول الصناعية الكبرى التي ترى في زيادة متوجاتها الصناعية، ولو إنها فائضة عن الحاجة العالمية، استمرار لقوتها وهيمنتها على شؤون العالم وبين الدول الأخرى التي تعاني من مشاكل التلوث الناجمة عن مخلفات الإنتاج الصناعي في الدول المذكورة. ولذلك تعقد المؤتمرات العديدة على الصعيد العالمي بإشراف الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى سعياً لإيجاد حلول توفيقية مناسبة لهذه المشاكل ترضي جميع الأطراف. مع ذلك على سكان العالم إدراك حقيقة إنهم، في بلدان العالم جميعها، شركاء في كوكب الأرض ومعنيين جميعهم بالمحافظة عليه وضمان استمرار الحياة الرغدة للأجيال القادمة. وعليهم معرفة أن تأثيرات مشاكل التلوث والانحباس الحراري ليست مشاكل محلية وإنما هي عالمية، ومهما يكن مصدرها فإن نتائجها الضارة ستطال الجميع.