المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المصارف الإسلامية وما لها من دور مأمول وعملي في التنمية الشاملة


Eng.Jordan
03-17-2013, 01:05 PM
حمل المرجع كاملاً من المرفقات



المستشار / عبد الملك يوسف الحمر

رئيس مجلس معايير المحاسبة الإسلامية

أبو ظبي / دولة الإمارات العربية المتحدة

(طبعة تمهيدية)



تمهيد :
تهدف هذه الدراسة إلى :
أولاً : التذكير والتوعية بظاهرة المؤسسات المصرفية من منظور مقاصد الاقتصاد الإسلامي.
ثانياً : علاقة المصارف الإسلامية بالتنمية، وذلك من خلال تحليل استبانة وزعت على عدد محدود من المصارف ذات العلاقة لكي توضح مرونة التطبيقات حسبما تعرضه بعض الحالات كأمثلة للعمليات المصرفية.
ثالثاً : إشارات إلى أهمية تصحيح مسيرة التنمية بوجه عام، ولكن دون تفصيل لأساليبها والتي من أهمها :
(‌أ) الحاجة إلى تشريعات مستمدة من الشريعة الإسلامية للاستثمارات بأنواعها.
(‌ب) خطة لتدريب وإعادة تأهيل الأطر البشرية لضمان إدارة مصرفية ذات كفاءة متطورة متجددة.
(‌ج) إجراء بحوث خاصة بالمنتجات المصرفية الإسلامية وأدواتها لاستكمال سوق مالي إسلامي معاصر، وخير مثال على ذلك معايير المحاسبة الإسلامية.
وأود أن أشير هنا أن فترة المعارضة للمشروع الإسلامي عامة وللمؤسسات المالية بما فيها المصارف الإسلامية خاصة تكاد تنقضي إلا أن المتشككين ما فتأووا يطلقون أسئلتهم سعياً وراء الحصول على الحل الصحيح للمشكلات الاقتصادية التي يعانون منها، ذلك أن القرن الواحد والعشرين أو الألفية الثالثة هو أكثر فترات الحياة البشرية حدة وتنافساً، إن لم نقل تحاربا في الشئون الاقتصادية.
مقدمــة :
حول مقاصد الاقتصاد الإسلامي :
مع بداية القرن الواحد والعشرين تبرز عدد من الصراعات لعل أهمها، بعد التصادم العقائدي، الحروب الاقتصادية بكل أبعادها. ولا حاجة للتذكير بحالة التبعية عامة لبلدان الأمة العربية/ الإسلامية، والتبعية الفكرية فالاقتصادية بصورة خاصة. ومن هنا فإننا في حاجة إلى مراجعة دور المؤسسات المالية بما فيها المنشآت المصرفية تأصيلاً وتطبيقاً بقصد التحرر من التبعية. ولنأخذ مثلاً، أزمة التبعية المهيمنة على ذهنيتنا حينما نعالج مسيرتنا التنموية فنضع الأولوية لا شعورياً للتنمية الاقتصادية بكل مادياتها بما في ذلك المعايير الكمية قبل أن نعنى بالتنمية الاجتماعية أي الإنسانية، فيحدث الاختلال وتستمر حالة فقدان التوازن في مجتمعاتنا. فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما هو شائع ترجمة غير دقيقة، إذ إن الأصل " عند الآخرين " اجتماعية بشرية أولاً ! هذه إشكالية فكرية تحتاج إلى مراجعة مجتمعية ونقد ذاتي تقتضي تصحيحاً عماده : تخلية وتحلية وتجلية. وباختصار شديد علينا أن ندرك أن عظم المسئولية الملقاة على المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية كافة وهي تواجه هيمنة الرأسمالية الجديدة واقتصاديات السوق.
(1) الاقتصاد الإسلامي نظام ومنهج له أصول أهمها :
الاقتصاد الإسلامي مذهب ونظام، فأصول هذا المذهب ثابتة، أما تطبيق النظم فمتغير بضوابط محددة (مرجع رقم 1). والمذهب الذي نحن بصدده له مبادئ، أهمها :
(1) أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه.
(2) ضمان حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي، حتى لغير المسلمين.
(3) تحقيق العدالة الاجتماعية وحفظ التوازن الاجتماعي بين أفراد المجتمع.
(4) احترام الملكية الخاصة للنساء والرجال سواسية، ولأهل الذمة كذلك.
(5) الحرية الاقتصادية المقيدة : } ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل { (البقرة/ 188).
(6) التنمية الاقتصادية الشاملة للقطاعات والأنشطة كافة.
(7) ترشيد الاستهلاك والإنفاق مع مراعاة الادخار أيضاً.
والاقتصاد الإسلامي نظام من حيث التنظيم والتطبيق : أي تحويل الأصول المذكورة أعلاه إلى معاملات تلبي حاجات ومشكلات المجتمع المتغيرة، وذلك عن طريق الحلول الاقتصادية المناسبة التي تتولاها عادة الدولة (الحكومة) والمؤسسات الاختصاصية ذات العلاقة. ومن أمثلة التطبيقات التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي :
(1) تقدير المستوى اللائق للمعيشة وذلك ببيان مقدار حد الكفاية لكل مواطن أو مقيم.
(2) إجراءات تحقيق عدالة التوزيع وتقليص الفوارق بين أفراد المجتمع.
(3) التخطيط الاقتصادي بما يحقق كفاية الإنتاجية ومتابعة تنفيذ الخطط المتغيرة.
(4) بيان المعاملات المالية والمؤسسية مثل الربا وصور الفائدة المحرمة.
(5) بيان نطاق الملكية العامة ومحدودية تدخل أو توجيه الدولة في النشاط الاقتصادي.
ولا شك أن جانب المتغيرات أي المباح يقتضي التوصل إليه بالطرق الشرعية المقررة من قياس واستصحاب واستحسان واستصلاح، وذلك في معالجة المشكلة الاقتصادية، وإيجاد الحلول المناسبة لها فيما تقتضيه المصلحة العامة.
وفي هذا السياق نذكر أن للحكم الشرعي التكليفي خمس مراتب عند جمهور الفقهاء :
(1) الواجب : وهو ما يثاب عليه فاعله ويعاقب تاركه بنوعيه :
أ – فرض عين : مثل الزكاة والوفاء بالعقود.
ب – فرض كفاية : مثل الصنائع وتوفير الكفاية للفقراء.
(2) المندوب : أي المستحب الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
(3) المباح : وهو مالا يثاب فاعله ولا يعاقب فاعله.
(4) المكروه : وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
(5) الحرام : وهو ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله.
ونظراً لتوسط مرتبة المعاملات، فإننا نحتاج إلى سياسة شرعية تشمل أحكام المعاملات المالية والمصرفية بما يتفق ومتطلبات المجتمع المعاصر بضوابط دون أن نحل حراماً أو نحرم حلالاً.
والاقتصاد الإسلامي يجمع بين العلوم النقلية (عقيدة، عبادات، وفقه) والعقلية في الشئون المالية والاجتماعية. لذا هناك ارتباط وثيق بين علوم الدين والاقتصاد كمذهب ونظام، أي أن الاقتصاد الإسلامي له خصوصيته المرتبطة بمنظومة من القيم مثل العدالة، والحرية المسئولة من أجل تحرير الإنسان، والتوكل الإيماني الذي لا يكون أصيلاً إلا بعد العلم والعمل واتخاذ الأسباب، والتوازن بين مصالح الفرد والجماعة، والاستقلالية المؤدية إلى عدم التقليد الأعمى للآخرين وذلك عن طريق التدبر والتعلم والاجتهاد، وكذلك المداومة على الصبر : فقد ورد في الحديث : " ما أعطى أحد عطاءاً خيراً وأوسع من الصبر ". (متفق عليه)، وذلك ما يحتاجه المؤمن اليوم من مصابرة ومرابطة ومثابرة في الصراع الحضاري بين الأمم. ناهيك في هذا السياق عن أهمية العمل (عبادة) والإنتاجية (استخلاف) في عمارة الكون وتنميته.
وأدبيات الوظائف الاقتصادية للدولة (الحكومة) متوفرة متطورة في التراث الإسلامي، فنذكر منها على سبيل المثال :
(1) إحياء الموارد مع التأكيد على عدالة توزيع الثروات.
(2) النهوض بأعباء المالية العامة (موارد ونفقات) وموازنة الدولة بما في ذلك الزكاة وتوفير الضمان الاجتماعي.
(3) إصدار النقود وإدارتها والإشراف على المؤسسات المالية.
(4) الحسبة ومراقبة الأسواق بما فيها من أموال (سلع) وأعمال (أجور) ومنافع (كذالإيجارات) مع التأكيد على منع الاحتكار.
(5) مسئولية تأسيس مشاريع البنية الأساسية ومرافقها العامة بما في ذلك الخدمات الحيوية.
(6) إدارة القطاع العام الاقتصادي مثل الصناعات المعدنية والاستخراجية.
(7) النهوض بأعباء السياسة الشرعية المتعلقة بالشئون المالية والنقدية وكذلك الاقتصادية حفاظاً على المصلحة العامة، بما في ذلك إمكانية تقييد المباح عند اللزوم لمواجهة الظروف المتغيرة.
(8) الاهتمام بالتخطيط المستقبلي لفترة زمنية تضع خلالها المقاصد المستهدفة مع أولويات يحتاجها المجتمع ليواكب متطلبات عصره، آخذاً بعين الاعتبار تشجيع الادخار وتدوير الاستثمارات في نظام اقتصاديمتكامل لتحقيق أهداف التنمية الشاملة، مع استنبات خبرات عملية متراكمة أو كما كان يراها ابن خلدون ذات تقنية متميزة.
(9) رعاية منظومة القيم في جانب الثوابت التراثية لكل فرد كي نحفظ لمجتمع الأمة خصوصيته في العدل والشورى وحقوق الإنسان، وكذلك فتح باب الاجتهاد مع التأكيد على احترام العمل المنتج بنوعية عالية.

الجــزء الأول :
أولاً : ظاهرة المصارف الإسلامية :
يعتبر المصرف وسيطاً في المبادلات التي كانت تشمل أساساً النقود ثم السلع وبعض الخدمات. والمصارف (البنوك) كمعاملات كانت معروفة عند عدد من الأمم القديمة مثل الإغريق والرومان (حوالي القرن الرابع قبل الميلاد) حينما كان الناس يودعون أموالهم (نقودهم) لدى المعابد الدينية للمتاجرة بها … وكذا الحال لدى العرب في الجاهلية وفي الصدر الأول الإسلامي حينما كانت تحفظ " الأموال " كأمانات أولاً ثم سلف/ قرض يتجر بها إلى أن تحولت مع ازدهار الأسواق التجارية إلى معاملات استثمارية بمصطلحات متعارف عليها مثل البيع أو الديون أو القروض (سلف) أو المتاجرة .. ومرة أخرى أؤكد أن الشواهد التاريخية منها ما قبل الإسلام في المعابد ومع فجر الإسلام كان المقصود من تلك الأمانات أو الودائع على اختلاف مسمياتها مثل القروض التي يتم المتاجرة بها بداية دون ربح محدد سلفاً، ومن ثم تكون المشاركة بحصة من ربح يتفق عليه.
ولا تخرج تلك الودائع أو سلف القروض لدى الصحابي الجليل وولده ابن الزبير وعبد الله .. وكذا لدى ولدي ابن الخطاب عبد الله وعبيد الله عن المتاجرة أولاً بتلك الأموال فيما تم تعريفه فقهياً بالمضاربة.
ومع فجر الإسلام كانت هناك شريحتان من المعاملة : إحداهما : رأس مال مع حصة من الربح على أساس القراض (المضاربة)، والأخرى معاملة مالية بزيادة معلومة أي ربا الجاهلية.
ولما كان الإسلام خاتم الرسالات فقد جاء مصححاً لكل المعاملات بما في ذلك المالية والنقدية التي تزخر مراجعنا الأصيلة بوثائق متواترة متصلة عبر العصور شاملة المؤسسات المصرفية الإسلامية.
والمصارف هي إحدى المؤسسات المالية التي تلتزم العمل بالشريعة الإسلامية بجانبيها المذهبي (الثابت) والنظامي (المتغير) في كل ما يتعلق بأموال المسلمين حفظاً كأمانات أو ودائع بأنواعها مطلقة أم مقيدة وتمويلاً للتجارة واستثماراً للإنتاجية، ومشاركة بالمشروعات التنموية مع المحافظة على منظومة القيم والمبادئ التي أشرنا إليها أعلاه.
وشهدت السبعينات تأسيس عدد من المصارف الإسلامية (المرجع رقم 2) : بنك ناصر الاجتماعي (1971)، بنك دبي الإسلامي (1975)، البنك الإسلامي للتنمية (1975)، مصرف فيصل الإسلامي في كل من القاهرة والخرطوم جنباً إلى بيت التمويل الكويتي عام (1977)، ثم أعقبه البنك الإسلامي الأردني عام (1978) … وفي أقل من ثلاثة عقود تضاعف عدد المصارف الإسلامية إلى 176 وحدة، هذا بالإضافة إلى عدد آخر من الشركات والمؤسسات الاستثمارية. وفي هذا وتتضح أهمية المصارف الإسلامية من وظائفها الخمس الرئيسية وهي :
(1) مذهبية عقدية ترتكز على الثوابت …. إيمانية.
(2) متاجرة في الأموال دون (فوائد ربوية) … تجارية.
(3) استثمارية بمنتجات متجددة متطورة متعددة … استثمارية.
(4) تنموية اجتماعية فاقتصادية شاملة … تنموية.
(5) عالمية … عبر الحدود.
ويرى كثير من الباحثين اختزال تلك الوظائف أو غيرها في خاصتين أساسيتين هما :
(1) المعاملات في نطاق مبدأ الحلال والحرام.
(2) عدم التعامل بالربا (الذي حرمه الله) أي الابتعاد عن الفوائد الربوية.
وهنا موقف لابد لنا من الإفصاح عنه والعمل به وهو خصوصية المصارف الإسلامية مقارنة بكل أنواع المصارف (البنوك) السائدة في العالم حسب النظام الرأسمالي (الجديد خاصة). وما ذكرناه أعلاه من وظائف يختص بها المصرف الإسلامي لا يمكن أن تنطبق – كالالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية بصورة خاصة – على أية مصرفية أخرى. بل لا نأخذ بالتوجه إلى طرح " البديل الإسلامي" وإنما نؤكد على أهمية الأصيل في المعاملات الإسلامية والتي من أجلها عقدت المؤتمرات العلمية منذ عام 1965، واحتضنتها بعد ذلك اجتماعات المجامع الفقهية مؤكدة حتى تاريخه بأن "الفائدة" على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي، لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين ". (المرجع رقم 3).



حمل المرجع من المرفقات