المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحاجة إلى تحديث المؤسسة الوقفية بما يخدم أغراض التنمية الاقتصادية


Eng.Jordan
03-17-2013, 01:08 PM
بحث معد خصيصاً لفعاليات المؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي المنعقد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة أم القرى
محرم 1424هـ – مارس 2003مـ






الدكتور محمد بوجلال

أستاذ محاضر بكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير –جامعة فرحات عباس ، سطيف- الجزائر
مستشار مالي – سابقا- بالأمانة العامة للوقف – الكويت








ملخص البحث
إن الأوقاف بشكلها التقليدي - الثابت والمنقول - لا يمكن أن تكتسب دوراً بارزاً في العملية التنموية لأنها لا تلبي شروط النماء الاقتصادي كما عرفها أهل الاختصاص ، ويهدف هذا البحث إلى سد هذه الحلقة المفقودة بالدعوة إلى تحديث المؤسسة الوقفية وتمكينها من مواكبة التطورات الجديدة التي تميز الحياة الاقتصادية المعاصرة في عالم تعددت فيه المنتجات المالية سواء تعلق الأمر بتعبئة الموارد أو بتوظيفها. يقترح هذا البحث صيغة وقفية جديدة تخدم أغراض التنمية من حيث تراكم رأس المال في المنبع وكذلك في المصب . وقد أسمينا هذه الصيغة الجديدة بالوقف النامي الذي يقتضي إرساء مفاهيم جديدة للعمل الوقفي بما يتفق مع الأحكام الشرعية ومتطلبات التنمية بمفهومها المعاصر.
ومن هذا المنطلق يأخذ الوقف النامي شكل المؤسسة المالية الوسيطة التي تسعى إلى التقريب بين جمهور الواقفين من جهة ووحدات العجز من جهة أخرى ... ويمضي البحث في إيضاح الأبعاد المؤسسية للوقف النامي من حيث تعبئة الموارد الوقفية وتوظفيها بما يخدم أغراض التنمية الاقتصادية وكذلك طبيعة العلاقة التي تربط بين الواقفين ووحدات العجز.
ولم يهمل البحث الأشكال الوقفية الأخرى سواء العقارية منها أو الخدمية التي بها يكتمل الهيكل التنظيمي للقطاع الوقفي في ثوبه الجديد.


Abstract
Waqf endowmentsneed to be upgraded so as to make them more appropriate to contribute to economic development. There is an urgent need to allow the waqf institution to benefit from recent development of financial products as regards to mobilization as well as utilization of financial resources. The paper proposes a new institutional setting which we have called “the increasing waqf “ (al_waqf al_nami).
It takes the form of a financial intermediary that mobilizes philanthropic resources and use them in profitable projects through the islamic modes of finance in the same way islamic financial institutions proceed.
Other waqf properties such as real estate endowments or specific purpose projects have also been treated in the paper, which contains an organization chart of the waqf sector in its new form.

المقدمة:
إن طريق العودة إلى الحياة الإسلامية أمر مرغوب لكنه محفوف بالمخاطر والصعاب التي تستدعي شد الهمم وتسخير القدرات العلمية لتعبيد هذا الطريق قبل الخوض فيه . وبعيداً عن العراقيل السياسية التي سرعان ما يشار إليها عند تناول هذا الموضوع ، فمن واجبنا كمسلمين يتطلعون إلى مكانة بين الأمم في وقت تدخل البشرية القرن الواحد والعشرين الميلادي شعارها التكتل من أجل السيطرة على الأسواق العالمية ، أقول من واجبنا أن نستدرك العجز التنظيري الذي نعاني منه بعد غياب عن المسرح العالمي لفترة طويلــــة ، بل أن الموروث من التراث لا يجدي نفعاً إذا نحن لم نتمكن من استيعاب ما يدور من حولنا في عالم يشهد الكثير من التطورات و بخاصة في المجال الاقتصادي . فعملية التنظير هذه ليست من اليسر بمكان إذ تتطلب دراية ثاقبة بمقاصد الشريعة الإسلامية من جهة ، واطلاع واسع على ما أنجزه الفكر البشري بمختلف مدارسه ومذاهبه . فالاضطلاع بمهمة ربط الفقه الشرعي بفقه الواقع تمثل لب التحدي الذي يجب التنبيه إليه عند الدعوة لأي بناء مؤسسي في إطار إسلامي .
وهكذا فإن عملية التنظير تلامس بعدين مهمين هما : الأحكام الشرعية من جهة والواقع المعاش من جهة أخرى . وإذ شهد العقدان الماضيان مساهمات طيبة في هذا الاتجاه ، خاصة في المجال الاقتصادي بعد انتشار المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بشكل ملفت للنظر ، فإن مؤسسة الوقف ظلت منسية[i] (http://www.shatharat.net/vb/#_edn1) من قبل الباحثين المسلمين رغم أهميتها في البناء المؤسسي للاقتصاد الإسلامي ، ولا يجدي نفعاً أن نظل نثني على الدور الكبير الذي قام به الوقف قديماً ومساهمته في بناء الحضارة الإسلامية المجيدة ، بل يجب أن نسعى لجعل هذه المؤسسة المرموقة واقعاً معاشا مدعمة بتأصيل شرعي سليم وتنظير علمي متين .
وإذ نريد لمؤسسة الوقف أن تقوم بدور متميز في تنمية المجتمع المسلم ، فإنه لابد من الإشارة إلى أن مصطلح "تنمية" ليس كلمة عابرة تقال في كل مناسبة، بل هو خزان من المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تفرعت عنها مدارس فكرية متعددة . وإذ نحاول في بحثنا هذا معالجة هذه المسألة الحساسة المتمثلة في تحديث المؤسسة الوقفية وربطها بالتنمية ، فإننا سنركز على الجانب الاقتصادي بحكم الاختصاص ، ونترك الجوانب الأخرى لأصحابها تحرياً للدقة العلمية.
إن الحديث عن المؤسسة الوقفية يقتضي التعرف على أهمية القطاع الثالث في البناء الاقتصادي في المجتمعات المعاصرة ، ذلك أن الكثير من الدارسين لعلم الاقتصاد اليوم يغفلون عن الدور الكبير الذي تقوم به الجمعيات الخيرية والمؤسسات التطوعية في دعم المجهود التنموي الذي تقوم به الدولة. كما أن القطاع المؤسساتي في الدول الحديثة عرف تطورات هامة تستدعي الوقوف عليها لتحديد مكانة القطاع الثالث في البناء المؤسسي للدول الحديثة.
1 - مكونات القطاع المؤسساتي في الدول الحديثة
يتشكل القطاع المؤسساتي للدول الحديثة من مجموعة من الوحدات المؤسساتية (unités institutionnelles) والتي تعرف أيضا بالوكلاء الاقتصـاديين
(agents économiques). وإذا استثنينا التعامل مع العالم الخارجي، فإنه يمكن تجميع هذه الوحدات في ستة قطاعات مؤسساتية هي:

1- الشركات الإنتاجية التي تقوم بإنتاج سلع وخدمات (غير مالية) بغرض تحقيق الربح، وتشمل الشركات العامة والشركات الخاصة.
2- مؤسسات الإقراض أو المؤسسات المالية التي تقوم بدور الوساطة المالية بتعبئتها للمدخرات وتقديم التمويل للمؤسسات الإنتاجية، وهذه المؤسسات تشمل البنوك بجميع أنواعها وغيرها من المؤسسات المالية غير النقدية. وتشمل بالطبع البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية التي تهدف إلى تحقيق الربح.
3- شركات التأمين التي تقوم بتأمين الأشخاص والممتلكات ضد قائمة محددة من الأخطار في حالة حدوثها، وذلك نظير أقساط محددة يدفعها العميل على وجه الخيار عموما والإلزام أحيانا.
4- الإدارة العامة المتمثلة أساسا في مؤسسات الدولة والإدارات المحلية التي تقدم خدمات مجانية مثل التعليم والصحة والأمن وخدمات الحالة المدنية، والجباية، الخ…
5- التنظيمات الخاصة التي لا تهدف إلى تحقيق الربح مثل النقابات العمالية والجمعيات المدنية ، الخ…
6- الأسر (Ménages – Households ) : وتشمل جميع الوحدات الاستهلاكية المتمثلة أساسا في أصغر خلية في المجتمع وهي الأسرة. وفي بعض الدول مثل فرنسا، فإن الأسرة تشمل حتى المؤسسات الفردية مثل صغار التجار والحرفيين لأنهم بالأساس يقومون باستهلاك جملة من السلع حتى وإن كانت لأغراض إنتاجية محدودة.
وتتفرع عن التقسيم السابق وحدات مؤسساتية ذات سلوك اقتصادي متشابه، أو بعبارة أخرى فإن القطاع المؤسساتي يتشكل من مجموعة من الوحدات المؤسساتية التي تقوم بالوظائف الأساسية التالية:
· إنتاج سلع وخدمات (غير مالية).
· إنتاج خدمات لا يقصد من ورائها تحقيق الربح.
· الاستهلاك، خدمات التمويل والتأمين.
· إعادة توزيع الدخل.

2 - التقسيم القطاعي للاقتصاد الحديث
وبالنظر إلى تداخل النشاط الاقتصادي وتعقيداته المتزايدة فإن الاقتصاديين دأبوا على تقسيم الاقتصادات الحديثة إلى ثلاثة قطاعات رئيسية وهي:
1- القطاع العام بشقيه الربحي وغير الربحي
2- القطاع الخاص وهو قطاع ربحي بالأساس
3- القطاع الثالث وهو القطاع الخيري الذي يختلف عن القطاعين السابقين لأنه لا يهدف نظريا إلى تحقيق الربح كما أنه يقوم على سبيل التطوع من قبل المتبرعين وذوي الإحسان والصلاح من أفراد المجتمع.
إن الملفت للنظر أن القطاع الثالث (الذي هو محل اهتمامنا في هذا العرض) الذي لم يكن يحض باهتمام الاقتصاديين أصبح يشكل رقما هاما في المعادلة الاقتصادية في الكثير من الدول الصناعية. ففي دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية فإن الإحصائيات[ii] (http://www.shatharat.net/vb/#_edn2) الخاصة ببداية التسعينات من القرن العشرين تشير إلى أن القطاع الثالث كان يمثل :
- 6,8 % من الناتج المحلي الإجمالي بمداخيل تقدر بـ 315,9 مليار دولار.
- يشغل أكثر من 9,3 مليون شخص بصفة دائمة أي ما يعادل 6,7 % من مجموع العمالة الأمريكية.
-أنفق على الأجور مبلغ122,20 مليار دولار أو ما يعادل 5,2 % من مجموع الأجور الأمريكية.
-النسبة الكبيرة من هذه العوائد المحصلة في هذا القطاع أنفقت على الصحة، التعليم، الثقافة والفن وبعض المشاريع الاجتماعية والمدنية.
إن هذه الأرقام توضح بجلاء مدى مساهمة القطاع الخيري والتطوعي في تعزيز اقتصاد أكبر دولة في العالم من حيث الدخل القومي والذي سيشهد اختلالات خطيرة في غياب هذه المساهمة إذا ما تصورنا مثلا أن اليد العاملة المشغلة من قبل القطاع الثالث ستحال على البطالة. حينها سنقول أن الاقتصاد الأمريكي يعرف ركودا كبيرا بسبب ارتفاع نسبة البطالة التي أصبحت المؤشر الأساسي للحكم على سلامة أي اقتصاد قومي.[iii] (http://www.shatharat.net/vb/#_edn3)
3 - أهمية القطاع الثالث في الاقتصاديات المعاصرة

[/URL]الهوامش
[i] ليس من المستغرب أن يوجه رئيس البنك الإسلامي للتنمية الدكتور أحمد محمد علي دعوة عاجلة للجهات الرسمية والأكاديمية للاهتمام بمؤسسة الوقف . انظر يومية الشرق الأوسط 2/9/1996 "الأوقاف : مؤسسة إسلامية يجب مشاركة الجميع في تحديثها"

[URL="http://www.shatharat.net/vb/#_ednref2"][ii] (http://www.shatharat.net/vb/#_ednref1) انظر D.R Young & Steinberg , Economics for nonprofit Managers, The foundation center, U.S.A, 1995

[iii] (http://www.shatharat.net/vb/#_ednref3) من المؤسف أن أصبح القطاع الثالث –على ضعفه-في البلدان الإسلامية يحارب حربا شعواء ويتهم عن باطل من قبل أكبر قوة عالمية في وقت تبقى الشعوب الإسلامية في أمس الحاجة إلى العمل الخيري والتطوعي لمؤازرة المجهودات الحكومية في التغلب على التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأمة من المحيط إلى الخليج. لاشك أن ذلك يشكل وجها من وجوه الصراع الحضاري المفروض على الأمة.







حمل المرجع كاملاً من المرفقات