المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستثمار الأجنبي المباشر من منظور إسلامي


Eng.Jordan
03-17-2013, 01:17 PM
حمل المرجع كاملاً من المرفقات




الاستثمار الأجنبي المباشر من منظور إسلامي

د. عمر بن فيحان المرزوقي (*) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)


المقدمة:

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن تبع هداه، وبعد:


تسعى غالبية الدول النامية – إن لم يكن كلها – لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، باعتباره وسيلة تمويل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي قد أصبحت هدفاً رئيساً، تسعى إلى تحقيقه هذه الدول، ومنها الدول الإسلامية، من أجل زيادة دخلها القومي، ومن ثم زيادة متوسط دخل الفرد، والإرتقاء بمستواه المعيشي.

باعتبار أن تحقيق هذه الأهداف، والغايات النبيلة يتطلب توفير موارد مالية، تفوق في الغالب ما يمكن تعبئته من مدخراتها المحلية، التي تتسم أصلاً بالضعف، بسبب ضعف متوسط دخل الفرد حيناً، وتسرب بعضها في أغراض غير اقتصادية حينا آخر, وهروبها إلى الخارج تارة، لتحرم بلدانها من الموارد المالية المتاحة، التي يمكن الاستفادة منها في تمويل الاستثمار المحلي. الأمر الذي يجعل العديد من الدول الإسلامية مضطرة لا محالة إلى الاستعانة بمصادر التمويل الدولي، ومنه الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كي تشارك هي الأخرى في تمويل التنمية الاقتصادية التي تعتبر التحدي الكبير الذي يواجه جميع الدول الإسلامية.

ويهدف هذا البحث إلى بيان موقف الشريعة الإسلامية من الاستثمار الأجنبي المباشر، على أن يسبق ذلك استعراض لمفهوم ذلك الاستثمار، والآثار المحتملة له في الاقتصاد المضيف.

ولتحقيق هذا الهدف فقد تم تقسيم البحث إلى قسمين، كل قسم يضم المواضيع التالية:
- القسم الأول: الاستثمار الأجنبي المباشر.
· أولاً : تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر.
· ثانياً: أهم أشكال الاستثمار الأجنبي المباشر.
· ثالثاً: الآثار المحتملة للاستثمار الأجنبي المباشر على اقتصاد الدولة المضيف.

- القسم الثاني: موقف الشريعة الإسلامية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
· أولاً: موقف الشريعة الإسلامية من إقامة الكافر في الحجاز وسائر البلاد الإسلامية الأخرى.
· ثانياً: موقف الشريعة الإسلامية من مشاركة الكافر للمسلم في المشروعات الاستثمارية.
· ثالثاً: الضوابط الشرعية للاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول الإسلامية.

وأخيراً نسأل الله العلي القدير أن يبارك في هذا الجهد المتواضع, ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



القسم الأول
الاستثمار الأجنبي المباشر

أولاً: تعريف الاستثمار:

أ- الاستثمار في اللغة: مشتق من الثمر، أي حمل الشجر وأنواع المال، ويقال: ثمر الرجل ماله: نماه, وأثمر الرجل: كثر ماله(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2).

ب- الاستثمار في الفقه الإسلامي: قد يتعذر الوقوف على تحديد صريح لمفهوم الاستثمار من المنظور الفقهي, نظراً لعزوف الفقهاء السابقين عن استخدام مصطلح الاستثمار، واستبداله بلفظ الاستنماء حيناً، ولفظ التنمية حيناً آخر، ولفظ النماء تارة(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3).

فقد ذكر الكاساني، في كتابه بدائع الصنائع، عند تعريفه لعقد المضاربة "أن المقصود من عقد المضاربة هو استنماء المال ..."(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4).

كما ذكر الفقيه المالكي الامام الدردير، في كتابه الشرح الصغير, لفظ التنمية للدلالة على معنى الاستثمار, في باب القراض, حيث قال: "القراض جائز, لأن الضرورة دعت إليه، لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم, وليس كل أحد يقدر على التنمية بنفسه(4) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5).

بينما استخدم الشافعية لفظ نماء للدلالة على معنى الاستثمار, وهذا نص ما قاله النووي: "الأثمان في المقارضة لا يتوصل إلى نمائها المقصود إلا بالعمل, فجاز المعاملة عليها ببعض النماء الخارج منها"(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6).
بينما قال الشيراهزي: "التجارة يطلب بها نماء المال" (2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7).

ج- مفهوم الاستثمار الأجنبي المباشر من المنظور الاقتصادي المعاصر: ذهب بعض الكتاب إلى تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر بأنه "تكوين منشأة أعمال جديدة, أو توسيع منشأة قائمة، وذلك عن طريق مقيمي دولة معينة ضمن حدود دولة أخرى"(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8). "أو بأنه نشاط استثماري طويل الأجل يقوم به مستثمر غير مقيم في بلد مضيف، بقصد المشاركة الفعلية أو الاستقلال بالإدارة والقرار"(4) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9).
وانتهى كتاب آخرون إلى تعريفه بأنه "الحصة الثابتة للمستثمر المقيم في اقتصاد ما في مشروع مقام في اقتصاد آخر"(5) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10).
وبشكل عام فان تلك التعاريف كلها تفيد أن الاستثمار الأجنبي المباشر هو: المال الوافد إلى دولة غير دولته، بقصد الحصول على الربح.

ثانياً: أهم أشكال الاستثمار الأجنبي المباشر:
يأخذ الاستثمار الأجنبي المباشر عدة أشكال لعل من أهمها(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11):
1- مشروعات ملكيتها مشتركة (الاستثمار المشترك):
وتعتبر هذه المشروعات مشتركة بين المستثمر الأجنبي والمستثمر المحلي, وبنسب متفاوتة, تتحدد وفقا لاتفاق الشركاء، وحسب القوانين المنظمة لتملك الأجانب, حيث تنص قوانين كثير من الدول التي يقام فيها المشروع المشترك على أن لا تتجاوز نسبة المستثمر الأجنبي عن 49% من رأس مال المشروع, وذلك تفادياً للهيمنة الأجنبية على جانب مهم من مشروعات الاقتصاد المحلي. إذ أن الدول التي تستضيف الاستثمارات الأجنبية تحرص على أن تكون القرارات التي يتم اتخاذها في إطار الاستثمار الأجنبي تأخذ في اعتبارها المصالح الحيوية والهامة لاقتصادها المضيف, وعادة يكون تحقيق هذا الهدف من خلال الاستثمار المشترك متاحاً أكثر مما لو كان المشروع مملوكاً بالكامل للمستثمر الأجنبي, وما قد يثيره ذلك من شك وريبة ضد السيطرة الاقتصادية للمستثمر الأجنبي(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12).

2 - مشروعات تملكها الشركات الأجنبية بالكامل في الاقتصاد المضيف: وهذا الشكل من الاستثمارات يتيح للعنصر الأجنبي السيطرة الكاملة في اتخاذ القرار, ولهذا لا تحبذه الكثير من الدول المستثمر فيها, خشية أن يؤدي إلى التبعية والهيمنة الاقتصادية من قبل المستثمر الأجنبي.



3- الشركات المتعددة الجنسية:

وهي الشركات التي تملك مشاريع كثيرة، في دول مختلفة من العالم، حيث تتميز هذه الشركات بضخامة أعمالها وأنشطتها، "ويمكن القول بأن الاستثمار الأجنبي المباشر والشركات متعددة الجنسية شيئان متلازمان، اعتاد الاقتصاديون على الجمع بينهما بطريقة مترادفة"(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13).


وتعد ظاهرة الاستثمار الأجنبي المباشر عن طريق الشركات المتعددة الجنسية، أو ما يسمى بعابرة القوميات، من أبرز الظواهر التي طرأت على صعيد العلاقات الاقتصادية الدولية، خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14).


ورغم ما يثار حول الاستثمارات الأجنبية المباشرة من جدل واسع، وغالباً ما كان ينظر إليها في الماضي بنظرة يشوبها الحذر والسلبية، لاسيما من أصحاب الفكر الماركسي، فقد أصبحت مؤخراً مصدراً من مصادر التدفقات المالية المعاصرة، الذي لا غنى عنه للتنمية الاقتصادية في الدول النامية. فلقد ارتفعت نسبة هذا الاستثمار خلال الفترة 1981 – 1997م لمجموع التدفقات المالية للدول النامية من 13% إلى 38%(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15). وقد أخذت الدول النامية، بما فيها الدول الإسلامية، تتسابق في جذب المزيد من هذا النوع من التدفقات – بعد إدراكها لإيجابياته – وذلك عن طريق منحه مختلف الإمتيازات والإعفاءات، كما تكشف ذلك قوانين تشجيع الاستثمار الأجنبي، التي صدرت في العديد من هذه الدول في السنوات الأخيرة، كإعفاء واردات المشاريع الاستثمارية من الرسوم الجمركية، والإعفاء من الضرائب على الدخل لفترة محدودة، والتأكيد على عدم التأميم والمصادرة والحجز، وحماية منتجات المشروع من المنافسة الخارجية الضارة(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16). فضلاً عن تسارع هذه الدول إلى الدخول في اتفاقيات دولية، ثنائية وجماعية، لتشجيع تدفق هذه الاستثمارات داخل أراضيها، باعتبارها هي الضمانات الحقيقية التي تشجع تدفق رأس المال الأجنبي إليها، دون تخوفه من تغيير الاتفاقيات والضمانات المنصوص عليها في القوانين الداخلية للدولة المضيفة، التي هي في الواقع عرضة للتعديل والتغيير، أو حتى الإلغاء بإرادة الدولة المنفردة، مما يجعلها غير كافية على تبديد مخاوف المستثمر الأجنبي، من احتمال تعرض استثماره في الدولة المضيفة للمخاطر(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17).


مع أن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الدول الإسلامية هي الضمان الأساسي لجذب الاستثمار الأجنبي، وتبديد المخاوف التي تعتريه في اقتصاديات هذه الدول، حيث تؤكد الشريعة الإسلامية على حرمة الملكية الخاصة للإنسان، وعدم نزعها منه إلا إذا تعارضت مع المصلحة العامة، لأنه من المقرر شرعاً: أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، كما يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام مع تعويض صاحب الملكية الخاصة عما أنتزع منه تعويضاً عادلاً، لقوله تعالى: "... ولا تبخسوا الناس أشياءهم"(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18). وعلى منع الظلم والاعتداء من قبل المسلمين على غيرهم "ألا من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته أو انتقصه أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة"(4) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19). وعلى وجوب الوفاء بالعقود والالتزامات والاتفاقيات(5) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20).

(*) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) أستاذ مساعد, قسم الدراسات الإسلامية, كلية التربية, جامعة الملك سعود.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2)(1) تاج العروس من جواهر القاموس ص 6/149 مادة ثمر.
- لسان العرب، 4/406 مادة ثمر.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3)(2) د.قطب مصطفى، الاستثمار أحكامه وضوابطه في الفقه الإسلامي، دار النقاش للنشر، الأردن، ط1، 1420، ص 20،17

(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، جـ6 / ص 88، دار الكتاب العربي، لبنان ، ط 2، 1402.

(4) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) الدردير، الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، جـ5 / 181، مطبعة الحلبي.


(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6)(1) النووي, المجموع شرح المهذب, جـ14/189, الناشر زكريا يوسف, مطبعة الإمام .

(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7) الشيرازي, المهذب في فقه الإمام الشافعي, جـ1/159, مطبعة الحلبي بمصر .

(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8) جون هدسون، مارك هرندر،العلاقات الاقتصادية الدولية، تعريب طه منصور، دار المريخ الرياض ص 699.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9)(4) ا لشركة العربية لمصا ئد الأسماك، الاستثمار الأجنبي المباشر بالدول العربية، بحث مقدم لندوة الحوافز الممنوحة للاستثمار الأجنبي
المباشر في الدول العربية 1997، المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، ص 177.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10)(5) جامعة القاهرة، تقرير التمويل الدولي في جمهورية مصر، إعداد د. منير هندي وآخرون، 1999، ص 37.


(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11) د. حسن خربوش, د. عبد المعطي رضا, الاستثمار والتمويل بين النظرية والتطبيق, دار زهران للنشر, عمان, 1999,ص188.
- الشركة العربية لمصائد الأسماك ، الاستثمار الأجنبي المباشر بالدول العربية، مرجع سابق، ص 178.

(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref12) إبراهيم بن سلمة، الاستثمار الأجنبي الخاص في المملكة "تجربة سابك" بحث مقدم إلى ندوة الاستثمار الأجنبي الخاص في المملكة، وزارة الخارجية، الرياض، 1418، ص 27.

(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13) د.عبد الله السلامة, الاستثمار الأجنبي المباشر والدول النامية, بحث مقدم إلى ندوة الاستثمار الأجنبي بالمملكة, وزارة الخارجية,الرياض, 1418, ص174.

(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref14) الأمانة العامة لاتحاد الغرف العربية الخليجية, دور الشركات المتعددة الجنسية في التنمية الاقتصادية, 1989, ص25.

(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15) باسل البستاني, الاقتصاد السياسي للفقر, ورقة عمل مقدمة إلى اجتماع فريق خبراء بشأن تحسن مستويات المعيشة في دول المشرق العربي, اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا, الأمم المتحدة, 1999, ص17.

(1) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref16) برهان الدجاني، الاقتصاد العربي بين الماضي والمستقبل، ج 5، الناشر اتحاد الغرف العربية، 1990، ص 77.
- الغرفة التجارية بالدمام، الحوافز المتاحة للاستثمارات الصناعية الأجنبية بالممكلة ودول عربية وآسيوية، بحث مقدم إلي ندوة الاستثمار الأجنبي بالمملكة, وزارة الخارجية، الرياض، 1418، ص 220.

(2) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17) د. رشيد العنزي، قواعد المعاملة في الاتفاقيات الدولية المنظمة للاستثمار، بحث مقدم لندوة الاستثمار الأجنبي الخاص في المملكة، وزارة الخارجية، الرياض، 1418، ص 253.

(3) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref18) سورة الأعراف آية (85).

(4) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19) أبو يوسف، الخراج، تحقيق محمد البناء، دار الإصلاح للنشر، ص 258.

(5) (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref20) د. شوقي دنيا، القواعد الشرعية المنظمة للعلاقات الاقتصادية بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية، بحث مقدم إلي مؤتمر اقتصاديات الدول الإسلامية في ظل العولمة، جامعة الأزهر، 1420، ص 18.