المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرقابة الشرعية على المصارف والشركات المالية الإسلامية


Eng.Jordan
01-08-2012, 05:45 PM
الأستاذ الدكتور/ محمد عبد الغفار الشريف
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية سابقا
جامعة الكويت



(طبعة تمهيدية)


المقدمة:
الحمد لله أهل الحمد ومستحقه، حمداً لا نهاية لحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعـد …
1 – فإن المصارف الإسلامية – رغم قصر عمرها الزمني(1) – قد حققت نجاحاً لا يستهان به، فقد استطاعت خلال السنوات الماضية تحقيق معدلات أرباح جيدة(2)، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على رغبة الناس بالرزق الحلال، حيث إن المصرف الإسلامي مؤسسة تلتزم في جميع معاملاتها، ونشاطها الاستثماري، وإداراتها لجميع أعمالها بالشريعة الإسلامية ومقاصدها، وكذلك بأهداف المجتمع الإسلامي – داخلياً وخارجياً(3).
ولضمان التزام المصارف الإسلامية بأحكام الشريعة يجب أن تكون هناك جهة رقابية شرعية، تتابع أعمال هذه المصارف، للتأكد من مشروعيتها، ولتقويم الخاطئ منها، وتقديم البديل الشرعي عنها.
يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي – حفظه الله - :
لا يخفى أن الرقابة الشرعية ضرورة حيوية للمصارف الإسلامية، لتعرف منها ما يحل لها وما يحرم عليها من المعاملات، وفق أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها، وحتى يطمئن المسلمون المتعاملون معها أنها تطبق المبدأ الذي قامت على أساسه على وجه مرض شرعاً.
ذلك أن الأساس الذي قامت عليه المصارف الإسلامية : أنها تقدم البديل الشرعي للبنوك الربوية التقليدية، التي أقامت الاستعمار في البلاد الإسلامية أيام حكمه لها وتسلطه عليها، بوصفها جزءً من النظام الرأسمالي الوضعي الغربي الذي حل محل الشريعة الإسلامية في أوطان المسلمين.
وتكون وظيفة هذه الهيئة الشرعية الفتوى والفصل في أعمال المصرف الإسلامي، ولا سيما في صياغة العقود الجديدة صياغة شرعية محكمة وتنقية العقود القائمة من الشوائب المخالفة للأحكام الشرعية، ووضع الضوابط اللازمة لسير العمل المصرفي وفق توجيهات الشريعة وأحكامها. وهنا نجد أن ثقافة (الإلمام الشرعي) لا تكفي لحل المشكلات التي تطرأ باستمرار على المصرف، والإجابة عن التساؤلات التي تطرحها الوقائع المتجددة. وبخاصة أن هناك معاملات جديدة شائكة ومعقدة اختلف فيها المتخصصون من أهل الفقه، فكيف بغيرهم ؟ لهذا كان لابد من الرجوع إلى أهل الذكر والخبرة. كما قال تعالى : ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ((1)، وقال سبحانه : ) ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ((2).
وهذا بحث " الرقابة الشرعية على المصارف والشركات المالية الإسلامية " كنت قد شاركت به كتعقيب على بحثي الأستاذين الجليلين؛ الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور أحمد علي عبد الله، بعنوان " تفعيل آليات الرقابة على العمل المصرفي "، وقد نال – بحمد الله وفضله – إعجاب المشاركين – خصوصاً المصرفيين منهم – بندوة البركة التاسعة عشر للاقتصاد الإسلامي، التي عقدت بمكة المكرمة في الفترة من 7 – 8 من رمضان لسنة 1421هـ. ثم رأيت أن أطور البحث وأهذبه وأحكمه لعلي أستفيد من ملاحظات المحكمين الكرام والقراء الفضلاء، ثم أقدمه كمشروع قانون إلى الجهات المختصة.
وقد قسمت البحث إلى تمهيد، ومقدمة تاريخية عن الرقابة الشرعية، ثم بينت مهمة هيئات الرقابة الشرعية، وضرورة تمهين(3) هذه الرقابة، ثم عرضت مشروع قانون الرقابة الشرعية، وأخيراً ختمت بالنتائج والتوصيات، وبيان المراجع التي اعتمدت عليها.
وقد استفدت في إعداد مشروع القانون من قانون مهنة تدقيق الحسابات الأردني، الصادر في 1985م، ومرسوم بقانون مزاولة مهنة مدقق الحسابات الكويتي، الصادر في سنة 1981م، وضوابط هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، الصادرة في سنة 1999م.
2 – مقدمة تاريخية عن الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية :
بدأت الرقابة الشرعية بشكل مستشار شرعي في بنك دبي الإسلامي، وبيت التمويل الكويتي، وكان المستشار يختار من العلماء المعروفين، دون التدقيق في تخصصه في فقه المعاملات وما يليه من علوم مساعدة أصولية وفرعية، وما زالت بعض المصارف الإسلامية كذلك.
ومن خلال التجربة نشأت الحاجة إلى تفضيل المتخصصين في فقه المعاملات مع الإلمام بالعمل المصرفي، باعتبار أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وأن الفتوى كما تحتاج لمعرفة الحكم الشرعي تحتاج لفقه الواقعة. ومن هنا نشأت الحاجة إلى تعيين أفراد ذوي تخصصات قانونية أو اقتصادية ممن لهم إلمام بالشريعة الإسلامية في هيئات الرقابة، حتى يتكامل العلم الشرعي مع فقه الواقع.
وهذا التزاوج أوضح ما يكون في التجربة السودانية على مستوى هيئات الرقابة الشرعية الفرعية، وعلى مستوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية، ثم جاءت هيئة معايير المحاسبة والمراجعة والضوابط للمؤسسات المالية الإسلامية فنصت في معيار الضبط للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (1) تحت عنوان تعيين هيئة الرقابة الشرعية وتكوينها وتقريرها على ما يلي :
أ – هيئة الرقابة الشرعية جهاز مستقل من الفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات. ويجوز أن يكون أحد الأعضاء من غير الفقهاء على أن يكون من المتخصصين في مجال المؤسسات المالية الإسلامية، وله إلمام بفقه المعاملات.
ب – يجب أن تكون هيئة الرقابة الشرعية من أعضاء لا يقل عددهم عن ثلاثة، ولهيئة الرقابة الشرعية الاستعانة بمختصين في إدارة الأعمال و / أو الاقتصاد و / أو القانون و / أو المحاسبة وغيرهم(1).
وتجربة إدارة الفتوى والبحوث وهي في صورتها المستقلة تعتبر تجربة سودانية وقد يكون من المفيد أن نثبتها كما وردت في وثائق المؤسسة التي أخذت بها، وهي بنك التضامن الإسلامي بالخرطوم، والفلسفة الأساسية من وراء إنشاء مؤسسة للفتوى على هذا النحو هو محاولة بناء الجسور لتصل الفجوة بين فقه الحكم الشرعي الذي بعد عن التطبيق العملي في مجال الاقتصاد، وبين الواقع الاقتصادي عموماً، والمصرفي منه على وجه الخصوص، الذي مضى في ركاب الحضارة الغربية وبعد عن الإسلام، ورؤي أن يتم ذلك عن طريق عملية بحث واجتهاد في شعب العلوم ذات الصلة وهي الشريعة والاقتصاد والقانون.
تعتبر هذه المدرسة من الرقابة الشرعية رائدة في مجال التجربة السودانية إذ مثلت حضوراً كثيفاً على المستويات الإدارية كافة في البنك، وظلت تمثل مرجعاً سهلاً لكل المصارف الإسلامية وحتى للبنك المركزي في الفترة السابقة لإنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية، كما طرحت على بساط البحث الكثير من القضايا المصرفية العملية، أشركت فيها جل أصحاب الشأن وما زال عطاؤها متجدداً.
ويؤخذ على هذه المؤسسة أنها لا تتمتع بالاستقلالية التي نجدها – على الأقل من الناحية القانونية – لدى هيئات الرقابة الشرعية، وإن كان القانون قد اجتهد لتوفير الحماية لها بأن نص على تعيين مديرها من قبل مجلس الإدارة بأغلبية معينة هي ذات الطريقة التي يتم بها تعيين رئيس مجلس الإدارة والمدير العام ونائبه.
ومن التطورات الإيجابية في الرقابة الشرعية إحساس المؤسسات المالية الإسلامية بالحاجة إلى رقابة مركزية، تمثل درجة أعلى ومرجعية متخصصة لتوحيد نمط العمل المصرفي سواء في كل قطر على حدة، أو على المستوى العام، وتحول هذا الإحساس إلى سعي جاد أنتج أنماطاً من الرقابة المركزية؛ منها الهيئة العليا للرقابة الشرعية للاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية. وكان الهدف منها تجميع الخبرات التي تكونت لدى المصارف الإسلامية، التي انتشرت سريعاً بدعم إيجابياتها وتفادي سلبياتها، وبغرض توحيد الخيارات الفقهية كلما كان ذلك ممكناً، وتنسيق الجهود لتطوير الفقه المصرفي وتفعيله في صورة صيغ تمويلية وأدوات مالية، تلبي المصالح المشروعة للأمة الإسلامية.
وكان تكوينها واجتماعها التمهيدي باستضافة من بنك دبي الإسلامي في 12 – 13/4/1983م، وتلاه الاجتماع الثاني بعد عام في 22 – 24/ 3/ 1984م بإسلام آباد – باكستان، والثالث بالقاهرة في آخر عام 1984م، ثم تباعدت اجتماعاتها حتى توقفت.
وبدأت هذه الهيئة بمناقشة قضايا عملية غاية في الأهمية، وأصدرت عدداً من الفتاوى فيما عرض عليها من الأعمال، ووضعت لائحة إجرائية لاجتماعاتها وتنظيم إصدار قراراتها، غير أن النجاح الأكبر في مثل هذه الأعمال يقتضي الاستمرارية والمتابعة للأعمال الشيء الذي لم يكن يتوافر لهذه الهيئة.
ثم ظهرت الهيئة الشرعية الموحدة للبركة، ولهذه الهيئة أمانة عامة موسعة، تجمع إلى جانب التخصصات الشرعية التخصصات الاقتصادية والمصرفية، وهي من أنشط الأمانات العامة من حيث عقد المؤتمرات والندوات والمناشط المصرفية الأخرى التي تتناول القضايا المصرفية العملية الملحة في المصارف الإسلامية، وهي من أنشط الأمانات الأخرى إنتاجاً في الفتاوى والقرارات والدراسات والأبحاث، ومن أكثرها نشراً، فهي مثال يحتذى في هذا الخصوص.
ثم أنشئ المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. وقد بدأت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بلجنة شرعية تقوم بمراجعة وإجازة الدراسات الشرعية الممهدة لإصدار معايير المراجعة والمحاسبة والأخلاقيات، كما تعمل على مراجعة هذه المعايير عند إعدادها بوساطة مجلس المعايير ولجانه. وفي عام 1999م تم رفع هذه اللجنة إلى مجلس شرعي يوازي مجلس المعايير، ويقوم المجلس بذات الأغراض التي كانت تقوم بها اللجنة الشرعية ولكن من مؤسسة ذات عضوية أكبر، وللمجلس ثلاث لجان متخصصة تمهد له الدراسات المطلوبة، وتمثل الأمانة العامة لهيئة معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أمانة المجلس الشرعي، وقد عين فقيه في الأمانة العامة ليتولى الإشراف على أعمال المجلس الشرعي.
يظهر من هذا أن نظام الرقابة الشرعية شهد تطوراً وتنوعاً في الخبرات والأشكال والدرجات وأفرز هذا التطور بدوره تنوعاً في منتجات هذه الهيئات .. وتبودلت التجارب والخبرات عبر المناشط المتنوعة والمتعددة، التي ظلت تجمع أعضاء هذه الهيئات مع العاملين في المؤسسات المصرفية الإسلامية وبعض مجالس إداراتها، ومن ذلك المؤتمرات الجامعية والمتخصصة، والندوات المتخصصة في القضايا العملية، وورش العمل والمحاضرات، ونتج عن ذلك حشد من الدراسات والبحوث والإصدارات واسعة الانتشار، وبعض المواقع على شبكة الإنترنت، والمجلات المتخصصة، كما نظمت دورات للتأهيل والتدريب على المستوى المؤسسي والقطري، والإقليمي والعالمي(1).
3 – واجبات وحقوق الرقيب الشرعي :
هذه الواجبات والحقوق للرقيب الشرعي – سواء كان عضواً بالهيئة الشرعية أو مراقباً أو مستشاراً شرعياً – أخذت من القوانين واللوائح والنظم الأساسية التي صدرت عند إنشاء المصارف الإسلامية. وهذه الواجبات والحقوق ليست موحدة في كل المصارف الإسلامية.
أ – الواجبات :
1 – وجود منهج شرعي واضح؛
حددت بعض المصارف الإسلامية عند إنشائها الآراء الفقهية المعتمدة، ومعاني الربا والودائع الحسابية وبعض صيغ التمويل الإسلامية ومثال لذلك : البنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار، والبنك الإسلامي القطري. فقد ورد في قانون إنشاء البنكين في المادة الثانية ما يلي :
يكون للكلمات والمصطلحات الواردة في هذا القانون المعاني المحددة لها أدناه، إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك :
الآراء الفقهية المعتمدة : الأحكام الفقهية التي يلتزم بها البنك حسب قانونه ولوائحه المطبقة، وذلك على أساس الاختيار بين سائر المذاهب الإسلامية، وفقاً للمصلحة الشرعية الراجحة، ودون التقيد بمذهب معين.
الربــــا :
………………........
الخ.
الأعمال المصرفية غير الربوية :
………………........
الخ.
الودائع الحسابية :
………………........
الخ.
سندات المقارضة :
………………........
الخ.
المضاربة المشتركة :
………………........
الخ.
التمويل بالمضاربة :
………………........
الخ.
المشاركة المتناقضة :
………………........
الخ.
بيع المرابحة للآمر بالشراء :
………………........
الخ.

2 – المشاركة في وضع نظم المصرف الإسلامي :
ويشتمل ذلك على المشاركة في وضع التعليمات واللوائح، ونماذج العقود الشرعية للمعاملات، ومراجعتها وتصحيحها وإقرارها. وفيما يلي بعض الأمثلة : ما جاء في الفصل الثامن (الرقابة الشرعية) ضمن المادة رقم (28) من مشروع قانون البنك الإسلامي القطري :
يشتمل عمل المراقبين الشرعيين على إجراء الدراسة الشاملة لتعليمات العمل، ولوائحه، وشروطه، ونماذج العقود؛ للتحقق من عدم احتوائها على ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وورد في النظام الأساسي لبنك فيصل الإسلامي تحت عنوان : (هيئة الرقابة الشرعية ضمن البند رقم (2) من المادة رقم (69) ما يلي :
يعهد لهيئة الرقابة بالاشتراك مع المسئولين بالبنك وضع نماذج العقود والاتفاقات والعمليات العائدة لجميع معاملات البنك مع المساهمين والمستثمرين والغير، وتعديل وتطوير النماذج المذكورة عند الاقتضاء، وإعداد العقود والاتفاقات التي يزمع البنك إبرامها مما ليس له نماذج موضوعة من قبل. وذلك كله بقصد التأكد من خلو العقود والاتفاقات والعمليات المذكورة من المحظورات الشرعية(1).
3 – الرقابة :
إن من أهم واجبات وأغراض وجود هيئة رقابة شرعية، أو مستشار، أو رقيب شرعي مراقبة أعمال المصرف الإسلامي للتأكد من مطابقة أعماله لأحكام الشريعة الإسلامية، ولذا نصت كثير من اللوائح والقوانين الخاصة بإنشاء المصارف الإسلامية والنظم الأساسية على ذلك صراحة، كما يتم التأكيد على ذلك في التقارير المقدمة للجمعيات العمومية، ونمثل لذلك بما ورد في تقرير هيئة الرقابة لبنك فيصل الإسلامي المصري :
… بعد التدقيق والمراجعة … وبعد استعراض الهيئة ما قامت به من أعمال وإنجازات وقرارات طوال العام المذكر، واستعراض الهيئة كذلك ما ارتبط به البنك وفروعه من أعمال استثمارية وخدمات مصرفية على أساس ما رسمته الهيئة من قواعد فقهية وأحكام شرعية.
4 – الرد على الأسئلة والاستفسارات الفقهية :
وهي التي ترد إلى الهيئة الشرعية، أو المستشار الشرعي طوال العام من كل من لهم صلات أو اهتمام بأعمال المصرف الإسلامي، سواء من العاملين بالمصرف، أو المتعاملين معه، وكذلك الأسئلة التي ترد بعد نهاية السنة المالية من المساهمين، ويتم الرد عليها أمام الجمعية العمومية.
ويتم عادة إصدار مطبوعات خاصة بالفتاوى الصادرة من هيئات الرقابة الشرعية تشمل الأسئلة الواردة إليها من مختلف الفئات وإجاباتها.
5 – توعية العاملين والمتعاملين مع المصرف الإسلامي :
العاملون بالمصرف الإسلامي لهم وضع حساس في المجتمع، فيجب أن يكونوا قدوة عملية، تبعث بالثقة في التعامل مع المصرف؛ ولذا يجب توعيتهم أو تثقيفهم ثقافة تؤهلهم للقيام بواجباتهم.
كما أن كثيراً من المتعاملين مع المصرف لديهم استفسارات وشبهات يحتاجون إلى من يجليها ويبين حكمها الشرعي.
6 – الشهادة أمام الجمعية العمومية :
يقوم المستشار، أو الرقيب الشرعي، أو رئيس وأعضاء هيئة الرقابة الشرعية بتقديم تقرير سنوي إلى الجمعية العمومية للمساهمين يبين مشروعية المصرف من الناحية، مع بيان ما قامت به الرقابة الشرعية وأساليب متابعتها ورقابتها للنواحي الشرعية، وأهم ملاحظاتها، وبيان مدى تجاوب الإدارة والعاملين لتوجيهاتها وقراراتها … الخ.
وقد صار ذلك عرفاً معمولاً به في معظم المصارف الإسلامية، حتى ولو لم ينص على ذلك القانون.
ب – الحقوق :
1 – حقوق مالية :
يقوم الرقيب الشرعي بواجبه في الرقابة والتوجيه حسبه لله عز وجل، ولكنه يقتطع جزءاً من وقته للقيام بالرد على استفسارات البنك وعملائه؛ ولبيان مدى جواز أخذه الأجر على عمله لابد من آراء العلماء لمعرفة مدى مشروعية ذلك اتفق العلماء على أن :
الأولى للمفتي أن يكون متبرعاً بعمله، ولا يأخذ عليه شيئاً, لكنه إن تفرغ للإفتاء فله أن يأخذ عليه رزقاً من بيت المال على الصحيح عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة، واشترط الفريقان لجواز ذلك شرطين :
الأول : أن لا يكون له كفاية.
والثاني : أن لا يتعين عليه. فإن تعين عليه، بأن لم يكن بالبلد عالم يقوم مقامه، أو كان له كفاية لم يجز(1).
وألحق الخطيب البغدادي والصميري بذلك : أن يحتاج أهل بلد إلى من يتفرغ لفتاويهم، ويجعلوا له رزقاً من أموالهم، فيجوز. ولا يصح ذلك إن كان له رزق من بيت المال. قال الخطيب : وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه للفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف، ويكون ذلك من بيت المال. ثم روى بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار في السنة(1).
وأما الأجرة، فلا يجوز أخذها من أعيان المستفتين على الأصح عند الشافعية، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، قال الحنابلة : لأن الفتيا عمل يختص فاعله بأن يكون من أهل القربة، ولأنه منصب تبليغ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال له : لا أعلمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة؛ قالوا : فهذا حرام قطعاً، وعليه رد العوض، ولا يملكه، قالوا: وتلزمه الإجابة مجاناً لله بلفظه أو خطه إن طلب المستفتي الجواب كتابة، لكن لا يلزمه الورق والحبر.

وأجاز الحنفية وبعض الشافعية أخذ المفتي الأجرة على الكتابة، لأنه كالنسخ(2).
وقال المالكية : يجوز للمفتي أخذ الأجرة على الفتوى إن لم تتعين عليه(3).
مما سبق يتبين لنا أنه لا بأس بأخذ أعضاء هيئة الرقابة الشرعية مكافأة على قيامهم بعملهم في المصارف الإسلامية، لأنهم قد اقتطعوا جزءاً من وقتهم للقيام بعمل يخص هذه المصارف؛ لأن الفتوى لم تتعين عليهم، لوجود غيرهم.
2 – إلزامية قرار الرقيب :
إن الرقيب الشرعي تم اختياره بناء على شروط معينة، وأن له دوراً هاماً في قيام المصرف الإسلامي بأعماله وفقاً للشريعة الإسلامية، ولن يؤدي الرقيب الشرعي دوره ما لم تكن قراراته ملزمة واجبة التنفيذ؛ ولذا فإن من حقوق الرقيب الشرعي الهامة أن تكون قراراته ملزمة للجميع، حتى ولو لم ينص على ذلك قانوناً.
3 – الآثار القانونية لتقصير الرقيب الشرعي أو خطئه :
مما لا شك فيه أن تقصير الرقيب الشرعي أو خطأه تترتب عليه آثار خطيرة، فقد ينتج عن ذلك اختلاط الأموال بالربا، أو ضياع حقوق لأي طرف – سواء المصرف أو المساهمون أو المودعون أو المستثمرون -.
وقد لا يقتصر وقوع الضرر على هؤلاء فقط، بل قد يمتد ليقع على المجتمع المسلم الذي يوجد به المصرف الإسلامي، وقد يؤثر تأثيراً سلبياً على العمل بأحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع؛ لأنه مصرف إسلامي يرفع الإسلام شعاراً له ويعلن محاربة الربا والغرر، وأكل أموال الناس بالباطل، ويدعي أنه مثال للتطبيق العملي لأحكام الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي، ثم لا يفعل ما يقول، ولا يلتزم التزاماً تاماً بأحكام الشريعة. وذلك كله يسيء إلى التجربة، وقد يؤدي إلى شعور كثير من أفراد المجتمع ببعض الإحباط في إمكانية النجاح في محاربة والعمل بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.
وبمراجعة العديد من النظم الأساسية واللوائح والقوانين الخاصة بالمصارف الإسلامية لم نقف على نصوص قانونية خاصة بالآثار القانونية المترتبة على خطأ أو تقصير الرقيب الشرعي، سوى بعض النصوص الخاصة بعزل الرقيب الشرعي عن طريق الجهات التي عينته مثل الجمعية العمومية أو مجلس الإدارة. ويرى الباحث أن الرقيب الشرعي تقع عليه الالتزامات القانونية التي تقع على مراقب الحسابات، طالما أن له سلطة وحقوق مراقب الحسابات. وذلك كحد أدنى من الالتزام القانوني أمام المتضررين. ويمكن اللجوء إلى المحاكم العادية المختصة بمثل هذه الأمور؛ لأن النصوص القانونية المتعلقة بالمسئولية التقصيرية نصوص عامة، وتوجب التعويض على كل من تسبب في الضرر بغيره، سواء كان المتسبب عامداً أو مهملاً.
ونقترح أن ينص عند التعاقد مع الرقيب الشرعي على تحمله مسئولية تعمده الخطأ أو التقصير، وإذا لم يثبت تعمده الخطأ أو التقصير يتحمل المصرف مسئولية خطئه أو تقصيره(1).
4 – إيجابيات هيئات الرقابة الشرعية الحالية :
أ – إلزامية قرارات الهيئة في بعض المصارف :
اتضح من تقارير الرقابة الشرعية السنوية للعديد من المصارف الإسلامية، أنه يوجد التزام بتنفيذ قرارات الرقابة الشرعية في معظم المصارف الإسلامية. وتلتزم معظم المصارف الإسلامية بضرورة مراجعة الرقابة الشرعية للعقود من الناحية الشرعية، وصياغتها بما يتفق مع الحكم الشرعي، والالتزام بما تقرره الرقابة الشرعية.
ب – الصراحة والوضوح في تقارير الرقابة الشرعية :
مما لا شك فيه أن صراحة ووضوح التقارير السنوية للرقابة الشرعية تطمئن جمهور المساهمين والمتعاملين مع المصرف والعاملين به، وتزيد الثقة بالرقابة الشرعية، ومثال للتقارير الصريحة الواضحة؛ التقارير التي قدمها المستشار الشرعي للمصرف الإسلامي الدولي بالدانمرك، وفيما يلي نموذج من هذه التقارير :
ورد ضمن التقرير المقدم عن عام 1984م ما يلي :
( … سوف يستبعد المصرف بعض الممارسات التي هي من المشتبهات غير المتضح أمرها للكثير من الناس .. لقد تمكن بفضل العقود المصرفية الشرعية الجديدة من أن يستثمر 82% من مجموع أصوله كما في آخر 1984م في أنشطة مطابقة للشريعة الإسلامية. وأمكن أن تستوعب هذه الاستثمارات الإسلامية جميع الودائع الإسلامية في المصرف. وعوائد الاستثمارات الإسلامية مفصولة دائماً في سجلات الصرف، لقد بلغ مجموع العائد لعام 1984م من هذه الأنشطة 54% من الدخل الإجمالي للمصرف، بينما بلغ العائد من الاستثمارات غير الإسلامية 46%، وهذه الاستثمارات قد تم تحويلها من رأس مال المصرف الذي خصص منذ البداية لتطوير الخطوات اللازمة لحماية قاعدة المصرف في الدانمرك … ).
جـ – القيام بالتوعية والرد على الاستفسارات وإصدار الفتاوى :
تقوم الرقابة الشرعية في بعض المصارف الإسلامية بتوعية العاملين بالمصرف، والاشتراك في الدورات التدريبية التي تعقد لهم، وتقوم أيضاً بتوعية جمهور المتعاملين بإصدار نشرات وكتيبات ومقالات … الخ، بالرد على الاستفسارات والأسئلة التي تقدم طوال العام من مختلف الفئات، والأسئلة التي يتقدم بها المساهمون في الجمعيات العمومية، والرد على ما يرد من استفسارات ومناقشات للمساهمين. وتصدر المطبوعات الخاصة بفتاوى الرقابة الشرعية بالمصرف(1).
د – مراجعة الخسائر في بعض المصارف :
تقوم الرقابة الشرعية في بعض المصارف بمراجعة الخسائر التي تتم في المصرف، وذلك للتثبت من وقوع الخسائر، وتحديد مدى مسئولية الإدارة عنها، لما يترتب على ذلك من أحقية تحمل المودعين للخسائر كلها أو بعضها أو عدم تحمل شي منها.
ومثال ذلك : البنك الإسلامي الأردني، حيث نصت المادة (23) من قانون البنك على ما يلي:
يقوم المستشار الشرعي المعين حسب أحكام هذا القانون بالتحقق من وجود السند الفقهي المؤيد لتحميل البنك أية خسارة في نطاق عمليات الاستثمار المشترك.
وكذلك البنك الإسلامي القطري، حيث نصت المادة (22) بند (ا) من قانون إنشاء البنك على ما يلي :
تخضع الخسارة الواقعة في عمليات التمويل الداخلة في المضاربة المشتركة لفحص خاص من قبل لجنة مؤلفة من المراقبين الشرعيين، وعضوين من مجلس الإدارة، ومن ممثل فاحصي حسابات البنك، وذلك لإجراء التحقيق فعلاً في وقوع الخسارة، وبيان الأسباب المؤدية لوقوعها.
هـ – المساهمة في حل بعض المنازعات :
تقوم بعض هيئات الرقابة الشرعية بالمساهمة في حل المنازعات بين المصرف والآخرين – ولو بدور محدود؛ ومثال ذلك بنك فيصل الإسلامي المصري، حيث ورد في المادة (18) من النظام الأساسي للبنك بخصوص هيئة التحكيم في النزاع بين البنك وأحد المستثمرين أو المساهمين، أو بين البنك والحكومة، أو أحد الشخصيات الاعتبارية العامة، أو إحدى شركات القطاع العام أو الخاص، أو الأفراد ما يلي :
في حالة نكول أحد الطرفين عن اختيار محكمة، أو في حالة عدم الاتفاق على اختيار المحكم المرجح، أو لرئيس هيئة التحكيم في المدد المحددة في الفقرة السابقة يعرض الأمر على هيئة الرقابة الشرعية لتختار المحكم أو الحكم المرجح أو الرئيس حسب الأحوال(1).
5 – سلبيات هيئات الرقابة الشرعية الحالية :
أ – سلبيات تتعلق باختصاصات الرقابة الشرعية في بعض المصارف :
وهي سليبات تتضح من الاطلاع على اللوائح والقوانين، وتقارير مجلس الإدارة في كثير من المصارف الإسلامية، وبالإطلاع – أيضاً – على تقرير لجنة تقويم الدور الشرعي بالمصارف الإسلامية بالمعهد العالي للفكر الإسلامي بالقاهرة عام 1993م، وقد تم حصرها بما يلي :
1 – عدم مشاركة الهيئة في وضع نظام اختيار العاملين؛ حيث أظهرت الدراسة أن الهيئة ليس لها دور بنسبة 89.3%، وأن لها دوراً بنسبة 5%، وغير معلوم دورها في 5.7% من مجتمع الدراسة(2).
2 – عدم القيام بدورها في مراجعة ورقابة ما يتعلق بالزكاة والقرض الحسن.
أظهرت الدراسة أن الهيئة ليس لها دور في الزكاة بنسبة 53%، ولها دور بنسبة 38%، وغير معلوم دورها بنسبة 9% تقريباً من مجتمع الدراسة(3).
- وأظهرت الدراسة – بالنسبة للقرض الحسن – أن الهيئة لها دور في التعامل بالقرض الحسن بنسبة 11.9%، وليس لها دور بنسبة 42.5%، وغير معلوم دورها بنسبة 45.6% من مجتمع الدراسة(4).
3 – عدم المشاركة في وضع التعليمات التنفيذية الخاصة بالتشغيل داخل البنك أظهرت الدراسة أن الهيئة ليس لها دور في هذا الخصوص بنسبة 51.4%، ولها دور بنسبة 7.8%، وغير معلوم دورها بنسبة 40.8% من مجتمع الدراسة(1).
4 – عدم إبداء الرأي في الضمانات المقدمة من المتعاملين بالمصرف، أظهرت الدراسة أن الهيئة ليس لها دور في هذا الموضوع بنسبة 40%، وأن لها دوراً بنسبة 8.6%، وغير معلوم دورها بنسبة 51.6% من مجتمع الدراسة(2).
5 – عدم مشاركة الهيئة للإدارة في المشروعات والأنشطة ودراسات الجدوى وإبرام العقود، أظهرت الدراسة أن الهيئة ليس لها دور بنسبة 57.2%، ولها دور بنسبة 22%، وغير معلوم دورها بنسبة 20.8% من مجتمع الدراسة(3).
6 – عدم إبداء الرأي في الديون المتأخرة، وتحديد ما إذا كان المتعامل مع المصرف معسراً أو مماطلاً قادراً على الدفع وما يترتب على ذلك، أظهرت الدراسة أن الهيئة ليس لها دور في هذا الخصوص بنسبة 32% تقريباً، ولها دور بنســـبة 17% تقريباً، وغير معلوم دورها بنسبة 51% من مجتمع الدراسة(4).
ب – ضعف الرقابة الشرعية على الاستثمارات المحلية خارج المصرف :
عندما تدخل بعض المصارف الإسلامية في عمليات استثمارية مع الغير مثل المساهمة في إنشاء مشروع أو الدخول في مشاركة أو مضاربة مع بعض المتعاملين مع المصرف، فإنه غالباً ما تكتفي الرقابة الشرعية بمراجعة العقود والرد على الاستفسارات فقط، ثم لا توجد متابعة بعد ذلك ومراقبة للتأكد من شرعية تنفيذ هذه الاستثمارات، وينطبق ذلك أيضاً على توظيف الأموال بالأساليب الشرعية لدى بعض الجهات الرسمية، ومثال ذلك ما يلي :
أن بنك فيصل الإسلامي يوظف أكثر من 30% من إجمالي الاستخدامات في مضاربات لدى البنك المركزي المصري. وهي نسبة كبيرة تستوجب ضرورة مراقبة هيئة الرقابة الشرعية، للتأكد من شرعية تنفيذ البنك المركزي المصري للمضاربات وفقاً للعقود المبرمة بينه وبين بنك فيصل الإسلامي المصري، وأن لا تكتفي بمراجعة العقود، وما يرد من البنك المركزي من إشعارات.
جـ – قصور الضبط الشرعي في التعامل مع البنوك الخارجية غير الإسلامية بصفتها (مراسلين أو وكلاء) من خلال معاملات التجارة الدولية والاعتمادات المستندية، حيث إن نظم هذه البنوك غير إسلامية، وموظفيها غير مسلمين، وبالتالي ينقصهم الحد الأدنى من معرفة أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية، وينقصهم – أيضاً – الحس الإسلامي العام الذي يشعر به الموظف المسلم، مما يؤدي معه إلى احتمال كبير في حدوث أخطاء شرعية في التنفيذ على الرغم من شرعية العقود، ولا يمكن الاطمئنان تماماً إلى ما يصدر عن هذه البنوك من بيانات وإشعارات ونماذج.
وعلى الرغم من أن نسبة التوظيف الخارجي عن طريق البنوك غير الإسلامية مرتفعة لدى معظم المصارف الإسلامية، فإنه يوجد قصور بالنسبة لمعظم هيئات الرقابة الشرعية بالمصارف الإسلامية في تتبع ومراقبة شرعية هذه المعاملات على أرض الواقع بالخارج، باستثناء بعض هيئات الرقابة الشرعية التي حاولت التأكد من شرعية المعاملات الخارجية التي يجريها **** المصرف، ومثال ذلك : ما ذكره بنك دبي الإسلامي عن دور ال**** في معاملات المرابحة الدولية ونصه :
يعتمد البنك على ****ه في الخارج في شراء البضائع نقداً من البائع الأصلي، وبيعها للمشتري أو التعامل نيابة عن البنك بالأجل في السوق الدولية. والمتبع أن يقوم البنك ال**** بتزويدنا بالمستندات الثبوتية الدالة على تملكه البضائع وصوراً من عقود الشراء أو الفواتير التجارية. وأن تسافر لجنة من إدارة البنك والرقابة الشرعية للتدقيق على هذه المعاملات من وقت لآخر والتحقق منها(1).
د – اهتزاز الثقة بالرقابة الشرعية في بعض المصارف :
عندما تحدث أخطاء شرعية في مصرف إسلامي، فإن ذلك يسبب اهتزاز الثقة في الرقابة الشرعية في هذا المصرف أو فقدها، ومثال ذلك ما جرى من تجاوزات شرعية في عمليات مرابحة للآمر الشراء في بعض المصارف الإسلامية، مما دفع ببعض الاقتصاديين المهتمين بتجربة المصارف الإسلامية إلى أن يصف عملية بيع المرابحة بأنها حيلة بنكية(2).
6 – تمهين الرقابة الشرعية :
أدركت بعض المصارف الإسلامية أوجه الشبه بين وظيفة الرقابة الشرعية ووظيفة المراجعة الخارجية، ولذا نرى الاقتباس من مهنة المراجعة الخارجية الوسائل والاختصاصات بعد تحويرها بما يتلاءم وفكرة الرقابة الشرعية؛ لأن مهنة المراجعة الخارجية قد قطعت شوطاً طويلاً في مجال التطوير وإرساء القواعد.
ونرى أن عدم وجود معايير للرقابة الشرعية قد يؤدي إلى أخطاء فادحة. تهز ثقة الناس بالنظام الاقتصادي الإسلامي. وأن هذه الاحتمالات واردة في ظل غياب معايير تحدد مستوى التأهيل المطلوب لمن يقوم بالمراجعة الشرعية، وتؤكد على استقلاليته عن إدارة الجهات التي يقوم بمراجعتها، وتحدد الأعمال المطلوبة منه كي يستطيع إبداء رأيه بثقة، وبناءً على أدلة إثبات. ويجب أن تحدد هذه المعايير كيفية توصيل نتائج المراجعة الشرعية للمستفيدين من نتائجها، الذين يهمهم الاطلاع والاطمئنان على التزام هذه المصارف والمؤسسات الإسلامية بالشريعة الإسلامية.
ولكي ندرك أهمية وجود معايير للمراجعة الخارجية لعل من المستحسن إلقاء بعض الضوء على التطور التاريخي لمهنة المراجعة الخارجية. فقد بدأت مهنة المراجعة الخارجية تاريخياً لخدمة التاجر الفرد وبالتالي كان نطاقها محدوداً.
ثم تطورت مهنة مراجعة الحسابات الخارجية بظهور شركات المساهمة، إلى أن أصبحت في الوقت الحاضر تؤدي وظيفة اجتماعية في غاية الأهمية، ولا يمكن أن نتصور قيام أي اقتصاد حر في الوقت الحاضر من غير المراجع الخارجي.
ولقد مر هذا التطور بمراحل حرجة كادت أن تفقد جمهور المتعاملين الثقة بهذه المهنة، بل بالنظام الاقتصادي الرأسمالي ككل، لولا تدارك الدول المعنية وأرباب المهنة للأمر، وإعادة تنظيم وظيفة المراجعة ووضع ضوابط ومعايير لها. ولعل أزمة الكساد الكبير التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل القرن الماضي عام 1929 – 1932 هي أهم حدث أثر تأثيراً كبيراً على مهنة المراجعة. فقد كان من أهم أسباب تلك الأزمة ضعف مهنة المراجعة الخارجية، وعدم وجود معايير محددة، واضحة تحكم وتنظم عمل المراجع، وتحدد طبيعة مهمته، وحدود الرأي الذي يتوصل إليه؛ الأمر الذي مكن بعض مديري الشركات من التلاعب في الحسابات، وإظهار نتائج الأعمال والمركز المالي بصورة مغايرة للواقع؛ بهدف التأثير على أسعار الأسهم. وقد حدث ذلك فعلاً فارتفعت أسعار أسهم العديد من الشركات الوهمية بصورة غير مبررة، وكان من الطبيعي أن يتم اكتشاف حالات التلاعب والغش هذه ولكن بعد فوات الأوان، فلما حدث الانهيار في سوق الأسهم تأثرت كافة الشركات، سواء تلك التي كانت عرضة للتلاعب والغش أو غيرها، الأمر الذي أدى إلى فقد المستثمرين ثقتهم بسوق الأوراق المالية، وفقد ثقتهم في مهنة مراجعة الحسابات الخارجية.
وبعد هذه الأزمة قام المختصون في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول التي تسير على النظام الرأسمالي بدراسة أوجه الخلل، التي أدت إلى هذه الكارثة، وبالتالي إدخال الإصلاحات على مهنة المراجعة الخارجية. ومنها ما قام به معهد المحاسبين الأمريكي؛ بناءً على دراسات مستفيضة من قبل العديد من مفكري المحاسبة، والمهتمين بالمهنة من وضع معايير للمراجعة مثلت أول وأشهر معايير للمراجعة، وتبعتها العديد من الدول بعد ذلك.
وتتكون هذه المعايير من عشرة أجزاء تم تقسيمها إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى تحتوي على ثلاثة معايير، أطلق عليها المعايير العامة أو الشخصية، وهي تتعلق بالصفات المطلوبة فيمن يقوم بمهمة المراجعة الخارجية. المجموعة الثانية تحتوي على ثلاثة معايير، سميت معايير العمل الميداني، وهي خاصة بمتطلبات تنفيذ عملية المراجعة. واحتوت المجموعة الأخيرة على أربعة معايير خاصة بتوصيل نتائج المراجعة إلى المستفيدين، وأطلق عليها معايير التقرير(1).
7 – نحو مشروع قانون للرقابة الشرعية في المصارف وشركات الأموال الإسلامية :
لضمان استقلالية هيئات الرقابة الشرعية استقلالاً تاماً عن إدارة المصارف، ولضمان حيادها تماماً – وإن لم نشهد خلال عملنا الطويل مع مصارف وشركات عديدة ما يستدرك على هيئاتها من محاباة، والحمد لله – نرى أن يتم عمل هيئات الرقابة الشرعية من خلال مكاتب تدقيق شرعي كمكاتب تدقيق الحسابات. وتعتمد هذه المكاتب من قبل المصرف المركزي، أو وزارة التجارة أو وزارة المالية – كل بحسب اختصاصه -، وتعمل وفق معايير منضبطة، ولتكن معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية؛ لذا نقترح مشروعاً لقانون الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية.
مادة (1) : تعريف مكتب التدقيق الشرعي :
هو مؤسسة فنية تنشأ وفقاً لقانون خاص يصدر بشأنها، ينظم عملها في مراقبة أعمال المصارف والشركات المالية الإسلامية من الناحية الشرعية. وتعتمد تقاريرها من قبل الهيئات الرسمية.
مادة (2) : تكوين مكتب التدقيق الشرعي :
يتكون المكتب من مختصين في فقه المعاملات الشرعية – خصوصاً فقه المصارف -، ومن محاسبين قانونيين كما يشترط وجود مستشار قانوني أو أكثر. ويشترط في العاملين خبرة عملية في هذا المجال لا تقل عن خمس سنوات، ويصدر قرار من محافظ المصرف المركزي بتحديد المؤهلات والشروط المطلوبة.
مادة (3) : تعيين مكتب التدقيق الشرعي :
تعيين الجمعية العمومية لكل مصرف أو شركة مالية إسلامية مكتب التدقيق الشرعي، الذي يرتضيه المساهمون لتدقيق الأعمال الشرعية في مؤسستهم في اجتماعها السنوي، كما تحدد المكافأة السنوية للمكتب مراعية أسعار السوق. ولا يجوز مباشرة المؤسسة لعملها دون تعيين لمكتب التدقيق الشرعي.
مادة (4) : الاستغناء عن خدمة مكتب التدقيق الشرعي :
يتم ذلك إما بانتهاء العقد الموقع مع المكتب، وعدم رغبة أحد طرفي العقد بتجديده. وفي حال الاستغناء عن خدمات المكتب لإساءته، يرفع تقرير بذلك إلى الجهة المركزية المختصة.
مادة (5) : تقرير مكتب التدقيق الشرعي :
يجب أن يحتوي التقرير على العناصر التالية :
أ – العقود والعمليات التي تم فحصها والاطلاع عليها.
ب – الجهات المسؤولة في المصرف أو المؤسسة عن إجراء العمليات التي تم فحصها، ومراحل إنجازها.
جـ – القواعد المرجعية لتلك العقود والعمليات.
د – المخالفات الشرعية – إن وجدت – سواء في العقود أو في تنفيذ العمليات، وكيفية التخلص منها، ومدة التخلص المقترحة.
هـ – البدائل الشرعية لتلك المخالفات.
و – تاريخ الزيارات التدقيقية، ونتائجها.
ز – توقيع المدقق، ومسؤول المكتب.
مادة (6) : يجب نشر تقرير مكتب التدقيق الشرعي ضمن التقرير السنوي للشركة.
مادة (7) : لا يجوز أن يكون عضو الرقابة الشرعية رئيساً لمجلس إدارة شركة مساهمة أو عضواً منتدباً فيها أو عضواً بمجلس إدارتها أو موظفاً فيها.
مادة (8) : لا يجوز أن يكون عضو الرقابة الشرعية :
أ – شريكاً في الشركة أو قائماً بأي عمل إداري فيها.
ب – شريكاً أو موظفاً لدى أحد ممن ذكروا في المادة (7) أو في الفقرة السابقة.
جـ – قريباً حتى الدرجة الرابعة لمن يشرف على إدارة الشركة أو حساباتها.
مادة (9) : لمحافظ المصرف المركزي أن يحيل عضو الرقابة الشرعية إلى لجنة التأديب إذا نسبت إليه مخالفة أحكام هذا القانون، أو أصول المهنة، أو ارتكاب إهمال جسيم، أو فعل مخل بالشرف أو الأمانة، أو تبين فقده لشرط من الشروط المنصوص عليها في هذا القانون.
وإذا تبين للمحافظ أن الواقعة المنسوبة إلى عضو الرقابة الشرعية تكون جريمة جزائية أحال الأوراق إلى النيابة العامة.
مادة (10) : المكتب الشرعي المركزي :
ينشأ في المصرف المركزي مكتب شرعي مركزي، يكون من مهامه مراقبة عمل مكاتب التدقيق الشرعي، وترفع إليه تقارير هذه المكاتب للنظر فيها، وفق المعايير المعتمدة من قبل المكتب المركزي. كما يقوم بالتفتيش الدوري على هذه المكاتب للتأكد من كفاءتها، ومؤهلات العاملين فيها، والتزامها بالشروط القانونية المطلوبة.
نتائج البحث
(1) المصارف الإسلامية والشركات المالية الإسلامية حاجة أساسية للمسلمين لاستثمار أموالهم استثماراً شرعياً صحيحاً.
(2) هيئات الرقابة الشرعية أداة رقابية على أعمال المصارف والشركات الإسلامية، لتحقيق حسن سير عملياتها وفقاً للقواعد الشرعية.
(3) رقابة الهيئات سابقة بالتأكد من صحة العقود وإجراءاتها، ولاحقة للتأكد من حسن تطبيق شروط العقود، واتباع تعليمات الهيئة.
(4) ضرورة إلمام أعضاء الهيئة بالقواعد الاقتصادية والمالية علاوة على تمكنهم من فقه المعاملات.
(5) ضرورة قيام أعضاء الهيئة بتدريب موظفي المؤسسات المالية الإسلامية على مبادئ وأسس المعاملات الشرعية.
(6) ضرورة استقلال الهيئة الشرعية عن مجالس إدارات المؤسسات المالية؛ لتمكنها من الرقابة التامة الصحيحة.
(7) لضبط عمليات الرقابة ضرورة إيجاد رقابة شرعية داخلية وأخرى خارجية تتمثل في مكاتب التدقيق الشرعي، أسوة بمكاتب تدقيق الحسابات.
(8) المسارعة بإصدار قانون ينظم عمل مكاتب التدقيق الشرعي.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.











المراجـــع
(1) حيث بدأ نشاط المصارف الإسلامية الفعلي عام 1977م [انظر نقود وبنوك للدكتور باشا 75].
(2) انظر [التنمية في المصارف الإسلامية – المجلة العلمية لكلية الشريعة والقانون بطنطا 1420هـ].
(3) التنمية في المصارف الإسلامية للشريف 518.
(4) النحل آية 43.
(5) النساء آية 83، تفعيل آليات الرقابة على العمل المصرفي للدكتور القرضاوي – باختصار – ندوة البركة التاسعة عشرة، مكة المكرمة 1421هـ.
(6) أي جعلها مهنة أي صنعة [انظر المعجم الوسيط 2/ 890].
(7) معايير المحاسبة والمراجعة والضوابط للمؤسسات المالية الإسلامية المادة
(2)، والمادة (7) من الضوابط.
(8) تفعيل آليات الرقابة على العمل المصرفي للدكتور أحمد عبد الله بتصرف، وانظر (تفعيل آليات الرقابة للقرضاوي 3 وما بعدها، الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية لداود 18 وما بعدها).
(9) انظر القانون رقم (13) لسنة 1978م (قانون البنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار)، وأيضاً مواد مشروع قانون البنك الإسلامي القطري ص 2 – 4.
(10) النظام الأساسي لبنك فيصل الإسلامي السوداني ص 16.
(11) المجموع للنووي 1/ 46، وشرح المنتهى 3/ 462.
(12) المجموع 1/ 46.
(13) حاشية ابن عابدين 4/ 311، وإعلام الموقعين 4/ 232، وشرح المنتهى
3/ 462.
(14) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/ 20.
(15) الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية حسن داود 21، نحو معايير للرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية د. محمد بهجت 17 – مجلة بحوث الاقتصاد الإسلامي، الضوابط الشرعية لمسيرة المصارف الإسلامية د. أبو غدة 431 – ضمن بحوث في المعاملات والأساليب المصرفية الإسلامية.
(16) انظر [فتاوى هيئة الرقابة الشرعية ببنك فيصل الإسلامي المصري، فتاوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني، والفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية " بيت التمويل الكويتي "، فتاوى شرعية في الأعمال المصرفية " ببنك دبي الإسلامي "، دليل الفتاوى الشرعية في الأعمال المصرفية " مركز الاقتصاد الإسلامي، المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية، القاهرة "].
(17) انظر (الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية 43 وما بعدها، نحو معايير للرقابة في البنوك الإسلامية 15 وما بعدها، الضوابط الشرعية لمسيرة المصارف الإسلامية 431).
(18) انظر تقرير لجنة تقويم الدور الشرعي بالمصارف الإسلامية، 99، 98.
(19) المرجع السابق.
(20) المرجع السابق.
(21) المرجع السابق.
(22) المرجع السابق.
(23) المرجع السابق.
(24) المرجع السابق.
(25) تجربة بنك دبي الإسلامي، دراسة مقدمة إلى ندوة تقييم البنوك الإسلامية، القاهرة 27 – 28 شعبان 1420هـ، ص 11.
(26) يوسف كمال، مجلة الدعوة، القاهرة، إبريل 1980م، الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية 39 وما بعدها.
(27) نحو معايير للرقابة الشرعية 36، أساسيات التدقيق في ظل المعايير الأمريكية والدولية للقاضي ودحدوح.