المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : احتلال بالجوائز


عبدالناصر محمود
03-25-2013, 07:34 AM
احتلال بالجوائز


لم يَمَلَّ الغرب من محاولات احتلالنا، لكنه أدرَك أن السلاح ليس وحده كافيًا للوصول لهدفه، ورغم أنه يَفوقنا في نوعية الأسلحة التي تَضمَن له الفوز عسكريًّا، لكن المقاومة في أي بلدٍ عربي أو مسلم يُحتل، لَم ولن تكُفَّ عن تكبيده الخسائر، التي وإن لم تكن بحجم ما تَخسره هي من الأرواح والمُمتلكات، لكن المحتل دائمًا جبان، يَختفي وراء أسلحته وبداخل حصونه، ووعوده الكاذبة ككلِّ ظالم يَخشى مواجهة صاحب الحق الذي يَمتلك إيمانًا ويقينًا يَحملانِه على الموت دون خوفٍ أو تراجُع، فالحق أقوى سلاحٍ، وأكبر دافع للمقاومة.


السلاح وحْده لا يكفي لتحتل كل الدول التي يَطمعون في السيطرة عليها، والتحكُّم في شؤونها الداخلية، فلتكن وسائل أخرى إذًا!


احتلال الفكر هو الأخطر، فتشكيل العقل العربي هو الأهم، وعندما تُشكَّل العقول، لن يكون الغرب في حاجة لاستخدام الأسلحة، أو المواجهة المباشرة في حروب تُكبِّدهم خسائر، بل سيكون في حاجة للتأثير على الأخلاق والمبادئ، التي عرَفوا أنها سبب القوة ومصدر اليقين والمقاومة، وبشكل غير مباشر بدأَت خُططهم التي كان أبطالها عربًا مسلمين غالبًا.


الإعلام كان هو الوسيلةَ، بدايةً من برامج الأطفال التي تبُث قِيَمًا سلبية ومعانيَ تَهدِم بمرور الوقت كلَّ المبادئ السليمة التي يجب أن يتحلَّى بها الطفلُ المسلم، وفي ظل غياب الوعي الأُسري، تكون المهمة أسهلَ، ثم تأتي القنوات التي يكون أهم العاملين فيها إعلاميين تلقَّوا تعليمَهم بالخارج، أو تَشكَّل فكرُهم بما يتناسَب مع نجاح الأهداف الغربية، وسواء أدرَك هؤلاء أنهم وسيلة أو لم يدركوا، فإن تأثيرهم يزداد يومًا بعد يوم، خاصة باستقطاب هذه القنوات لبعض مَن يحبهم الجمهور، عن طريق تقديم المُغريات المادية، ولا مانع أن يكون من ضمن مَن يعمل بهذه القنوات بعضٌ ممن يَنطقون بالحق؛ لتكون طريقة السم في العسل هي الوسيلةَ الفُضلى للوصول لأهدافهم في تشتيت العقول، وإظهار الأحداث بغير حقيقتها، والقضاء على وَحْدة الصفوف، وتجميع الشعوب حول مَن أو ما يخدم مصالح دُوَلهم.

ولأن البُعد عن الدين هو الأهم بالنسبة للغرب، فليس من المُستغرب أن تكون وسيلتهم هي تشويهَ صورة كل مَن انتسَب للدين، خاصة مَن كانوا على الحق، أو مَن التفَّ حولهم الناسُ لتديُّنهم، وللأسف يساعدهم في ذلك مَن يُسيئون للدين بأفعالٍ وأقوالٍ ليستْ من أصل الدين، لكنها تشوِّش تفكير العامة، والذين يُمكن استغلالهم واستخدامهم كقوة مضادة؛ من خلال الأساليب المُلْتَوِية لهذه القنوات، والتي تُشكِّل الأحداث وتُحلِّل الواقع بما يخدم أهدافها.


ولأن الأدب يُشكل العقول، ولأن الفئة الأخطر على مصالح الغرب في الشرق هم الشباب، ولا سيَّما المثقفُ منهم، فكان لا بد أن يدسُّوا السُّمَّ فيما يقرَؤه الشباب، والأساليب تتعدَّد، فمنها ما كان على شاكلة القنوات التي تَخدم مصالحهم؛ مثل: الجرائد والمجلات التي تنشر الشائعات، وتُحرِّض على الفوضى، أو التي تعمل على تغييب العقول وإبعادها عن الواقع بشتَّى الطرق.


لكن ما لَم يَلتفِت إليه أحد، هو تشكيل الوعي والعقل العربي؛ من خلال منْح الجوائز الأدبية لبعض الأعمال التي أنتجها أُدباء العرب، والذين لهم ثِقَل وجماهيرية، ويَشهد لهم الكثيرون بجودة أعمالهم الأدبية، لكن ما هو العمل الذي يستحق الجائزة العالمية؟ هذا هو الأهم! فكيف ستكون هذه الجائزة - هي نفسها - سلاحًا ضد عقول الشباب والأُدباء المبتدئين أيضًا؟


إن العمل الأدبي الذي يُمنَح جائزة عالمية، يكون قد اكتسَب الأفضلية واتسَعت شُهرته، بل ويتباهى مَن امتلَك نسخة منه، ولن يكون هناك لقاءٌ أو حوار مع صاحبه "الأديب"، إلا وانفرَد هذا العمل بالجزء الأكبر منه، إذًا الموضوع جِدُّ خطير!


غالبًا ما سيكون هذا العمل - من ناحية البلاغة والأسلوب - جيدًا، بحيث يستحق الجائزة، لكن الأهم - وهو ما كان سببًا لاختياره ومنْحه الجائزةَ - الفكرة أو الأفكار داخل العمل، وكيفيَّة سرْدها أو توصيلها.


ومن المنطقي أن كون العمل حازَ على تقديرٍ عالمي من جهات لها وزنُها وسُمعتها، فإن جزءًا كبيرًا من الأُدباء المبتدئين أو حتى المتمرسين، سوف يحاولون حَذْوَ نفس منهج العمل الذي فاز بالجائزة؛ لعلهم يَبلغون ما بلَغ صاحبُه من شهرة وتقديرٍ، وهنا يَكمُن الخطر، وهنا أيضًا تَبدأ خُطتهم في الاحتلال من خلال الجوائز في النجاح.


دَعُونا نركِّز على معظم الأعمال الأدبية "العربية" التي نالت جوائزَ عالمية، هل تخدم مصالحنا نحن؟ هل فيها ما يَجمع شمْلنا ويبني بداخلنا القِيم؟ أم كانت العكس؟!


يتردَّد كثيرًا أن السبب في انتقاد أي عملٍ أدبي حازَ على جائزة عالمية، هو الحقد أو ربما الجهل! وهذا أيضًا نجاح جديد لمن أرادوا تشكيل العقول، فمجرَّد منْح الجائزة لعملٍ أو آخرَ، يَجعله مُحصَّنًا غالبًا ضد الانتقاد، ومَن يَنتقد - وإن كان محقًّا - سيواجه الاتهامات.


إذًا يَمنحون الجوائز التي لا تُكلفهم الكثير لعملٍ أدبي يشكِّل فكرًا، وبعد قليل يُكوِّن اتجاهًا، وعلى المدى البعيد تتحقَّق أهدافهم في زعزعة المبادئ، واستخدام المُبتذل من الألفاظ والتعبيرات، ويُصبح الحق منبوذًا، والدين له أماكنه وأشخاصه الذين يتحدَّثون فيه وبه! وللأديب مطلق الحرية أن يُعبِّر بما يحلو له من تعبيراتٍ؛ كي يَخدم النص، ويوصِّل الفكرة، ويَرسُم المشهد، والدينُ محلُّه القلب!


نعَم،؛ الدين محله القلب، لكن يجب أن يُصدِّقه العمل والقولُ والفكر، ومَن استخدم قلمه في نشْر ما يتنافى مع قواعد الدين وأصوله، فلا يجب أن يُسمي ما يكتبه "أدبًا"، وإن شاء فليَعكسها.


ومنْح الجوائز لا يجب أن يكون مصدرَ هجوم علينا، نفتح له أبواب حصوننا بأيدينا، فليتَّق اللهَ فينا من بيده الأمر، ويَفهم نواياهم، ولْيَعِ مَن ينقاد، وليفكِّر كثيرًا في كل ما يَمنحه الغرب؛ فهم أُناس لا يُؤمَن جانبُهم.


كان حديثي للحذر والاحتياط والتفكير فيما يأْتينا، وليس دعوة للتشكيك أو للبُعد عن العالمية، ولم أقصِد أيضًا أن كلَّ الأعمال العربية التي نالت جوائزَ عالميةً تحتاج لمراجعة؛ إنما جاء حديثي بعد قراءة عدة أعمال أدبيَّة نالت من الشهرة الكثير؛ لأنها مُنِحت جوائز، مع أن بها ما يَجعلنا نقف أمامه كثيرًا؛ لمخالفته للأخلاق العامة، أو لإثارته الفتنَ.


فليتَّق الله فينا من بيده الأمر، ويفهم نواياهم، ولْيَعِ مَن ينقاد، وليفكِّر كثيرًا في كل ما يَمنحه الغرب؛ فهم أُناس لا يُؤمَن جانبهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
{ شبكة الألوكة ـ رؤى محمود عليوة }
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ