المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراطيس في نقد الشعر


عبدالناصر محمود
03-25-2013, 11:07 PM
قراطيس في نقد الشعر
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ للشيخ/ الطاهر بن عاشور .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وقع في ترجمة ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي الأديب من كتّاب الوفيات لابن خلكان قال : أنشدني له بعض الفضلاء بمدينة حلب أبياتاً منها قوله :
ألسْتَ مـن الولدان أحلى شمائلاً * فكيف سكنْتَ القلب وهو جحيمُ ؟
ثم قال : انتقدوا في بغداد هذا البيت , فأفكرت فيه ثم قلت : لعل الانتقاد من جهة أنه لا يلزم من كونه أحلى شمائلاً من الولدان أن لا يكون في جهنم . فقال : نعم هذا الذي أخذوا عليه ا هـ .
يعني أن قوله : فكيف سكنت القلب , استفهام تعجب و تحيّر : أي كيف أمكن أن يسكن قلبي إذ هو جحيم بنار المحبة وأنت أحسن من الولدان , فشأنك أن تكون معهم في الجنّة .
وأنا أقول : يحتمل أن يكون انتقاد أدباء بغداد البيت من جهة معناه أو من جهة لفظه , فإن كان الانتقاد من جهة معناه , فبيانه أن مراد الشاعر بالولدان , الولدان المعهودون وهم المذكورون في القرآن ( وَيَطُوفُ عَلَيٌهِمْ وِلْدَان مُّخَلَّدُونَ إذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنْثُورًا ) وهؤلاء الولدان مقرّهم الجنّة , فأراد الشاعر أن يثبت كون المتغزل فيه منهم , ويتعجب كيف كان مقرّه في قلبه الذي هو جحيم , ولكنه لم يُثبت كون المتغزل فيه من الولدان , بل غاية ما أثبته أنه أحسن من الولدان في الطبائع والمحاسن , وإذا كان أحسن فلا يتم له التعجب ، إذ قد يكون من جنس آخر غير جنس الولدان . هذا حاصل انتقادهم مع توجيهه وتبيينه .
وهو عندي انتقاد زائف لأن الشاعر بنى معنى بيته على أن المتغزَّل فيه قد فاق الولدان في محاسنه , وذلك يوجب أن يكون أولى بسكنى الجنّة من بقية الولدان ، لأن الجنة جديرة بمنتهى الحسن إذا فيها ما لا عين رأت , ولذلك استقام له التعجب من حلوله في جهنم القلب , وذلك كله إغراق في التخيل من ثلاث جهات : كون الموصوف أحلى شمائل من الولدان , وكون ذلك موجباً سكناه الجنّة , وهذان معنيان عزيزان , وكون قلب المحبّ جهنم , وهذا معنى قديم شائع , ولكنه أخرجه إلى العزّة ما اقترن به من التعجب , كما أخرجه في نظيره قول بعض الشعراء فيمن اسمه إبراهيم على طريقة التلميح :
أيا نيرانه كـوني سلاماً * وبرداً إنّ إبراهيم فيه
وأما الانتقاد من جهة لفظ البيت , فهو أنه قدم المفضّل عليه على اسم التفضيل , وذلك لا يقع في كلام العرب إلا إذا كان المفضل عليه مستفهماً عنه : نحو من أيهم أنت أكرم ؟
وقد يوجّه البيت بتوجيه يدفع عنه كلا الانتقادين , وهو أن نجعل قوله ألست من الوالدان جملة مستقلة , ويكون الاستفهام إنكارياً داخلاً على نفي , وتكون من تبعيضية غير تفضيلية : أي ما أنت إلا من الولدان . ونجعل قوله أحلى شمائلاً جملة مستأنفة مسوقة مساق تغليط نفس القائل على سبيل الترقي , فكأنه يقول : بل أنت أحلى من الولدان شمائل , فتكون هذه الجملة في موقع بدل الغلط من الجملة التي قبلها التي اقتضت كونه من الولدان بدون تفوق عليهم , فيندفع النقدان المعنوي واللفظي ويكون التخيل في البيت من جهتين : جهة التغليط في التسوية , وجهة التعجب من سكنى القلب الذي هو الجحيم نفسه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-25-2013, 11:12 PM
قراطيس في نقد الشعر
ــــــــــــــــــــــــ
*ـ الشيخ / الطاهر بن عاشور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يحوى قرطاسنا هذا حديثاً بديعاً غريباً من أحسن ما ورد في أخبار نقد الشعر والمراجعة فيه بين ناقديه وشاعره , وهو ما ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب ( دلائل الإعجاز ) أن عنبسة الفيل قال : قدم ذو الرمة الكوفة فوقف بالكنّاسة وهو على ناقته فجعل ينشد الناس قصيدته التي أولها :
أمنزلتـي ميّ سلام عليكمـا * على النأي والنّائي يـودُّ وينصحُ
حتى بلغ قوله :
إذا غيّر النأيُ المحبّينَ لم يكدْ * رسيسُ الهوى من حبِّ ميَّةَ يبرَحُ
وكان عبد الله بن شبرمة حاضراً فناداه : يا غيلان أراه قد برح ، ( يعني أن رسيس الهوى قد زال بعد ذلك لقوله : لم يكد يبرح ) قال عنبسة : فشنق ذو الرمة ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم أعاد البيت هكذا :
إذا غيّر النأي المحبين لم أجد * رسيس الهوى من حب مية يبرح
وفي رواية : لم تجد .
قال عنبسة : فلما انصرفت حدّثت أبي بما كان , فقال أبي : أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة , واخطأ ذو الرمة حين غيّر شعره لقول ابن شبرمة , إنما هذا كقول الله تعالى : ( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَم يَكد يَراهَا ) ، وإنما هو لم يرها ولم يكد .
هذا ما نقل من هذا المشهد الأدبي الرائع .
فوجْه ما انتقده ابن شبرمة على ذي الرمّة أنه شاع في كلامهم أن يقال : ما كاد فلان يفعل ولم يكد يفعل , في أمر هو قد وقع إلا أنه ما وقع إلا بعد لأي وعناء , وقد كان بعيداً في الظنّ أن يفعله , كقوله تعالى : ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) . قال في الكشاف : " قوله وما كادوا يفعلون استبطاء لهم وأنهم لتطويلهم المفرط ما كادوا يذبحونها وما تنتهي سؤالاتهم " . اهـ . أي ثم انتهت , فلما قال ذو الرمة : لم يكد رسيس الهوى قد برح , حمله ابن شرمة على هذا المحمل ، فقال له : أراه قد برح ، أي لأن مثل قوله : لم يكن يبرح , يقتضي أنه قد برح بعد ذلك .
وأما وجه رد معدان نقد ابن شبرمة , فأن كلام ذي الرمة جرى على أصل دلالة ذلك التركيب بحسب الوضع , فإن نفي فعل المقاربة يدل بأصله على انتفاء مدلول الفعل وهو المقاربة , فتنتفي مقاربة وقوع الفعل بالصراحة , فيدل يطريق اللزوم على نفى وقوع الفعل بالأولى , وذلك كقوله تعالى : ( إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا ) ، فإنه مبالغة في انتقاء رؤية الرائي يده في تلك الظلمات , ولهذا الاعتبار فسّر الكشاف قوله تعالى : ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَد يَراهاَ ) فقال : " مبالغة في لم يرها , أي لم يقرب أن يراها فضلاً عن أن يراها , ومثله قول ذي الرمة :
إذا غيّر النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حبِّ مية يبرح
أي لم يقرب من البراح فما باله يبرح " . . فرأي صاحب الكشّاف موافق لرأي معدان الفيل , ورأي عبد القاهر أن الوضع وبعض الاستعمال شاهدان لبديهة ذي الرمة ولمعدان الفيل , وأن الاستعمال العرفي قد جرى أيضاً بأن يقال ما كاد يفعل ولم يكد يفعل في فعل قد حصل , يشيرون بذلك إلى أنه ما حصل إلا بعد جهد وبعد أن كان بعيداً في الظن حصوله كقوله تعالى : ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) ، وأن ذلك هو الذي أوهم ابن شبرمة وأوقع ذا الرمة في مثل ذلك الوهم فغيّر بيته بعد التفكير .
أما أنا فأرى أن عربية ذي الرمة ما كانت لتحيد به عن كلامه الأول إلى إصلاحه , لولا أنه رأى نقد ابن شبرمة متجهاً وحقاً , ولا سيما وهو قد غيّربيته بعد أن خلا بنفسه وفكّر ملياً , ولم يزل ذلك البيت مثبتاً في ديوانه عندنا على الوجه الذي أصلحه به , فما هو إلا أن ذا الرمة بعد تفكره وقع بين رأيين :
أحدهما : أن يكون رأي دلالة نفي كاد على انتفاء مقاربة الفعل بحسب أصل الوضع دلالة غير صريحة في الاستعمال لورودها في ذلك النفي في الاستعمال بوجهين كما في آية : ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) ، وآية : ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَد يَراهَا ) بحسب ظاهرها على تفسير الزمخشري , فأراد أن يتجنب تركيباً محتمل الدلالة مطروقاً للنقد , فغيّر ذلك البيت بما هو دونه في الجزالة , إذا لا يخفى ضعف قوله لم أجد أو لم تجد . وهذا ما ظنّه به العلامة ابن مالك في شرح التسهيل .
الرأي الثاني : أن يكون رأى أن نفي كاد نقل في الاستعمال من دلالته الوضيعة إلى دلالة أخرى , فصار قولهم : ما كاد يفعل , بمنزلة كاد أن لا يفعل , كقوله تعالى : ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) ، حيث جمع بين إثبات وقوع الفعل وبين نفي المقاربة , بحيث صار بيت ذي الرمة خطأ في المراد , إذ اقتضى أن رسيس الهوى كاد أن لا يبرح ، أي وقد برح , ويكون قوله تعالى : ( لَمْ يَكَد يَراهاَ ) ليس المقصود منه أنه لا يرى يده و لا يقارب , بل المقصود منه أنه يكاد أن لا يراها ، أي بحيث يراها بجهد وعناء على غير ما فسر به صاحب الكشّاف , فيكون ذو الرمة قد اخطأ في عربيته في بيته الأول فأصلح بيته لذلك بالإصلاح الثاني . وهذا الاحتمال يدخل مغمزاً في الاحتجاج بعربية ذي الرمة . وأنا أرجّح هذا الاحتمال الثاني , و أرى أن نفي كاد في كلام العرب صار من طرق القلب , فهو قلب مطّرد نقل به ذلك التركيب من ظاهره إلى خلاف مقتضى الظاهر , ولا أحسب أن العرب ينفون كاد ويريدون نفي بلاغتهم فيما تحققناه من استعمالهم , وأن قوله تعالى : ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَد يَراهَا ) جاء على ذلك الاعتبار , أي يكاد لا يراها , لأن الذي يسير في البحر ظلمات يرى يده إذا أخرجها بعناء , وبذلك يدخل الشك في سلامة ذوق ذي الرمة في بديهته حين رمى بيته الأول على عواهنه , ويجعلنا نعدّه في صف أهل العلم باللغة , لأنه ما أصلح بيته إلا عن تأمل وتفكير .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ام زهرة
04-17-2013, 11:07 PM
جزاك الله خيرا وبارك الله فيك
نقل موفق وجهد مبارك