المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معارك محمود محمد شاكر الأدبية


عبدالناصر محمود
03-26-2013, 02:29 PM
معارك محمود محمد شاكر الأدبية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

*ـ بقلم : حلمي محمد القاعود :ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ


معارك محمود محمد شـاكر الأدبيـة
تهدف هذه السطور إلى قراءة الخطوط العامة للمعارك الأدبية التي خاضها العلامة الأديب الراحل محمود محمد شاكر ( ـ م) بقصد فهم العناصر المحركة لها والغايات التي تمخضت عنها، بوصفها حالة فكرية وأدبية ميزت أدبنا الحديث، وألقت بظلالها عليه، وما زال تأثيرها قائما حتى اليوم.. حيث يدخل إلى ساحتها العديد من الباحثين سعيا لاستخلاص بعض الدروس أو النتائج ورغبة في استيعاب بعض القيم والدلالات.وقد اشتهر محمود محمد شاكر بتحقيقاته وقراءاته في مجال التراث، وقد أخرج للمكتبة العربية الحديثة عددا من الكتب الأمهات، فكانت عنوانا على وعي فريد ويقظ بالتراث ومكنوناته، وأبعاده، وعلامة على دقة نادرة في العمل والإنجاز، ودليلا إلى نمط فذ في المهارة والإتقان، وعرف القراء في العالم الإسلامي عن طريقه تحقيقا ومراجعة أجود قراءة لتفسير الطبري جزءا، وطبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي، وجمهرة نسب قريش للزبير بن بكار، والوحشيات لأبي تمام، وشرح أشعار الهذليين لأبي سعيد السكري ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني.ولا ريب أن الرجل، وقد عكف على قراءة التراث وتقديمه للناس، لم يتوقع له أحد أو منه، أن يشارك في ضجيج الحياة الأدبية والثقافية، إذ أن التحقيق من الأعمال الصعبة التي تتطلب صبرا وهدوءا واعتزالا، وكان الرجل يملك الصبر والهدوء، وقد اعتزل الناس والمجتمع والوظائف الرسمية، منذ زمان بعيد، ولكنه كان يملك إلى جانب ذلك موهبة الأديب والشاعر والباحث، فقد كان كاتبا يزود الصحف الأدبية مثل البلاغ والرسالة والمقتطف منذ الثلاثينات بمقالاته وآرائه، بل إنه أنشأ مجلة باسم العصور توقفت بعد وقت قصير، ثم إنه كان شاعرا من نمط متميز، نشر بعض شعره في الدوريات وحجب كثيرا منه في أوراقه الخاصة، وإن كان قد أظهر بعضه الآخر في كتاب القوس العذراء محاكيا القصيدة الشهيرة للشاعر المخضرم الشماخ بن ضرار ـ رضي الله عنه ـ () وشعر محمود شاكر بصفة عامة ينبئ عن حس رهيف وتذوق رفيع، وتفاعل عظيم مع اللغة ومفرداتها وصورها ومدلولاتها، مع خصوصية يدركها من له صلة بشعرنا العربي في نماذجه الرفيعة.. ومحمود شاكر بعد ذلك باحث، له منهج ويملك قدرة على فهم النص، وإدراك مراميه وعلاقته الخفية، واستنباط مفاهيمه وأفكاره البعيدة.. وكان كتابه المتنبي الذي خصصت له مجلة المقتطف عددا خاصا احتفالا بالذكرى الألفية للمتنبي، تقديرا من جانبها للمؤلف محمود محمد شاكر ودليلا عل قدرته المعرفية بوصفه باحثا يملك الرؤية الناضجة، والأداة الماهرة، والمنهج المتميز.كان المتوقع من محمود محمد شاكر وقد اشتهر بالتحقيق، والتزم بمتطلباته من هدوء وصبر وعزلة عن ضجيج الحياة الثقافية، أن يعزف عن الدخول في الصراعات الأدبية والمعارك الفكرية، التي تنشأ عادة بين المشتغلين بالنقد الأدبي والمتابعات الإبداعية، في صحف يومية أو دوريات أسبوعية أو شهرية أو نحوها.. ولكن الرجل فاجأ الحقل الأدبي بمعركتين ضخمتين كانا من أبرز معالم حياته الأدبية والفكرية، وتفرع عن كل منهما مايمكن أن نسميه بمعارك صغيرة أو محاور فرعية للصراع. ومن المفارقات أن المعركتين كانتا بسبب شاعرين من أكبر شعراء العربية أولهما المتنبي والآخر المعري!ومعركة المتنبي كانت مع أستاذه طه حسين، ولها ملابسات وأسباب تعود إلى جذور أبعد من صدور كتاب المتنبي، وقد كان طرفا فيها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عدد من الأدباء والكتاب، مثل سعيد الأفغاني، ومصطفى صادق الرافعي، وعبدالوهاب عزام، وعباس محمود العقاد.أما معركة المعري فكانت أوسع مجالا، حيث دخلها عدد من الأطراف بالنيابة عن الطرف الأصلي مثل محمد مندور، ومحمد عودة، وكتاب مجلة روز اليوسف اليسارية، وكتاب من الأهرام والجمهورية وسامي داود، ومحيي الدين محمد، وغالي شكري، وغيرهم، فضلا عن أطراف مؤيدة لشاكر، وضمت كتاب مجلتي الرسالة والثقافة من أمثال عبده بدوي وعباس خضر ومحمد جلال كشك وعامر بحيري، وغيرهم.. وكان لهذه المعركة أثر واسع المدى بحكم ظروف الفترة التي جرت فيها..ولكن سؤالا مهما يطرح نفسه: لماذا اندفع شاكر إلى دخول معمعة الصراع، وتحمل مسئوليته الثقيلة وثمنه الباهظ؟ ـ ـيمكن أن نجمل الإجابة على السؤال السابق في نقطتين أساسيتين. أولاهما تتعلق بتكوين محمود محمد شاكر ونشأته، والثانية تتعلق بموقف مبدئي من الحضارة الغربية وموقفها من الحضارة الإسلامية.بالنسبة للنقطة الأولى، فإن طبيعة محمود محمد شاكر تعودت على الجدية وما يصحبها من إتقان وإخلاص للعمل، لذا فهو يرفض أن يرى شططا في الفكر أو غلوا في التفسير، أو مغالطة في الوقائع والأحداث أو سطوا على الغير ويقف صامتا بل لابد من المواجهة أيا كانت النتائج والثمار.. وقد كانت المعركة الأولى والمعركة الثانية نموذجا للشطط والغلو والمغالطة والسطو، سواء كان المتهم طه حسين، أو لويس عوض، أو من انتسب إليهما.إن طبيعة محمود محمد شاكر حادة وصارمة، ولا تعرف مايسمى بالمواءمة أو الملاينة أو الدوران حول الموضوع، ولكنها تؤثر المباشرة والحسم مع شيء من الأوصاف العنيفة، اعتقادا منه أنه يضع الأمور في نصابها، أو موضعها الصحيح.لقد تفتحت عينا الرجل على ثورة في مصر، ووجد أسرته تشارك في هذه الثورة، ورأى أن التضحيات هي الطريق لمواجهة الظلم والاستلاب، وقد تأثر بهذه النشأة بلا ريب، وإذا عرفنا أن أسرته الجد والوالد والعم والأشقاء، سجلت لنفسها صفحات في سجل الشرف الوطني دفاعا عن الإسلام والعربية.. فلن يكون هو بعيدا عن مناخ التضحية والجهاد، مما يعني أن كتاباته لابد أن تصب في بحر الدفاع عن العقيدة واللغة أو تراث الأمة بمعنى أشمل وأرحب.يقول عن نفسه:وكان مما قدر الله أن أفتح عيني على ثورة مصر سنة ، وعلى دار تموج بالثوار، فعقلت من الأمر يومئذ ما عقلت، ورأيت بعيني رجالا، وسمعت بأذني آراء، ورضيت بقلبي أو سخطت، وأعانتني فطرتي بضرب من التمييز، كان يرج نفسي رجا شديدا، وأنا بعد في غضارة الصبا، ولم أكد حتى انطلقت أجوب مجتمعا يفور بالمتنقاضات، ويتشقق بالصراع المر في ميادين مختلفة: من الدين، إلى العلم إلى الأدب، إلى الفن، إلى السياسة، إلى السنن الموروثة فخضت محنة زماني، في أول نشأتي، بنفس غضة مجرحة بالتجارب، ومضت بي الأيام، وأثخنتني التجارب، وهلك رجال، ونشأ رجال، فرأيت وسمعت، ورضيت وسخطت، وعلمت من أسرار الصراع مالم أكن أعلم.فصار حقا علي واجبا أن لا أتلجلج، أو أحجم، أو أجمجم، أو أداري، مادمت قد نصبت نفسي للدفاع عن أمتي ما استطعت إلى ذلك سبيلا.. الخ ()إذن فالرجل له تكوين ذاتي، صقلته التجارب، يدفعه دفعا إلى مواجهة العدو الخفي للأمة، من خلال بعض القضايا والآراء التي تنشر على الناس باسم هذا أو ذاك من الناس، لايبالي بماوراء هذه المواجهة من آثار ونتائج.وبالنسبة للنقطة الثانية، فإن هيمنة الثقافة الغربية على الثقافة الإسلامية، قد خلقت ما يسمى بفساد الحياة الثقافية طوال القرن العشرين، وخاصة بعد أن تصدر أتباع الثقافة الغربية ميادين التعليم والفكر والأدب والسياسة والاقتصاد.. لقد نبت صراع عنيف بين أنصار كل من الثقافتين، أسفر عن حالة الفصام، وعن تدهور اللغة القومية، وضعف الأدب، والخلل في شتى نواحي الحياة الاجتماعية، إنه صراع بين حضارتين مختلفتين في جذورهما أشد الاختلاف.. إحداهما كانت غافية فقامت تتمطى وتطرد الفتور عن أعضائها ومفاصلها، وأخراهما يقظة تهب حذرة، وتتأهب للسطو على الغافية بالبغي والعدوان والقوة والبطش والضراوة وحب الغلبة وبسط السلطان.ولم يتعب محمود محمد شاكر من تكرار الحديث في هذه النقطة، فقد أشار إليه وتناوله في أكثر من كتاب من كتبه، حيث نعى على الحياة الثقافية فسادها وسطحيتها وضحالتها، وتسلط المستبدين من خدام الثقافة الغربية على مقدرات الثقافة الإسلامية والعقل الإسلامي، ويمكن الرجوع إلى ما كتبه تحت عنوان لمحة من فساد حياتنا الأدبية في الجزء الأول من كتابه المتنبي ليجد تفصيلا وإسهابا حول هذه النقطة يتناول جوانب الفساد، وخاصة ما كان على يد دنلوب في نظام التعليم ونظام البعثات العلمية، والاستشراق، والفنون الأدبية المسرح والقصة على وجه الخصوص، حيث صار السطو والتقليد للغرب أمرا مألوفا، ويؤكد أنه مازال مستمرا بقوة إلى يومنا هذا، وبالثرثرة واللجاجة في الصحف والمجلات، صارت هذه الظاهرة مألوفة لاغبار عليها، وزادها رسوخا إثارة قضية كثيرة الضجيج، محفوفة بألفاظ مبهمة مغرية تقبلها النفوس بلا ممانعة، وهي قضية القديم والجديد والتجديد وثقافة العصر! والنظر في حقيقة هذه القضية يفضي إلى شيئين ظاهرين: ميل ظاهر إلى رفض القديم والاستهانة به، دون أن يكون الرافض ملما إلماما بحقيقة هذا القديم وميل سافر إلى الغلو في شأن الجديد دون أن يكون صاحبه متميزا في نفسه تميزا صحيحا بأنه جدد جديدا نابعا من نفسه، وصادرا عن ثقافة متكاملة متماسكة، بل كل ما يميزه أن الله قد يسر له الاطلاع على آداب وفنون وأفكار تعب أصحابها في الوصول إليها من خلال ثقافتهم المتماسكة المتكاملة!! وكفى الله المؤمنين القتال! ()لقد ألحت مسألة فساد الحياة الأدبية على قلم محمود محمد شاكر إلحاحا شديدا، وتوقف عندها كثيرا في كتابه أباطيل وأسمار بل إن آخر كتبه في مجال التحقيق، وهو أسرار البلاغة تضمن بيانا مهما حول فساد الحياة الأدبية وأبعاده وأسبابه، تمنيت أن يقرأه المثقفون العرب المعاصرون، وخاصة من يعملون في حقل الدراسات الأدبية ليعرفوا مواطن الفساد كي يتجنبوها.. وأبرزها العبث بأصول ثقافتنا الإسلامية والكذب عليها، والاستهانة وقلة المبالاة والتحريض على تغيير التاريخ. إن أساتذتنا الكبار ـ كما يقول شاكر ـ استهانوا بما يقولون وتركوا ألسنتهم تطول وترعى في مرتع وخيم، واستهانتهم هذه لم تقتصر جنايتها على العلم أو الأدب، أو التاريخ، أو الدين، بل جنت أيضا على الحياة السياسية التي جاءت بعد ثورة مصر سنة م، بل استشرت أيضا حتى جنت على ما هو أعظم، جنت على عامة الناس في حياتهم اليومية، وأعمالهم التي يزاولونها بأيديهم وعقولهم ليكسبوا بها رزق أيامهم().وكما نرى، فإن محمود محمد شاكر يقوم بدور المقاتل العنيد ضد الاستهانة بتراثنا، وضد فساد الحياة الأدبية والثقافية، وهو مؤهل لذلك، مسلح بالعلم والوعي والنشأة.. ولاريب أن الرجل أدرك واجبه تجاه أمته وفكرها وثقافتها، فواجه التيار الجارف الذي صنعته الحضارة الغازية المهيمنة بإيمان راسخ، وعقيدة ثابتة، لا تعبأ بما تجلبه هذه المواجهة من مضاعفات أو مضايقات أو أزمات، وفي الوقت ذاته كان فاهما لمعنى التجديد أو التقدم الحقيقي الذي تصنعه الأمة من خلال معرفتها بذاتها، ومعرفتها بما لدى الآخرين، لبناء المستقبل المأمول.ومن ثم، فقد دخل إلى معاركه الأدبية بقلب جسور، وعقل واع، ومعرفة عميقة، دون أن يهتز قلمه أو تزل قدمه، مع أنه واجه خصوما يملكون شهرة أو هيمنة تجعل من أي طرف يواجههم يتردد ألف مرة قبل أن يخط حرفا واحدا ضدهم. ـ ـالمعركة الأولى الرئيسية، التي ثارت بسبب المتنبي، لها جذر أو جذور أبعد من كتاب المتنبي الذي ألفه محمود محمد شاكر ونشره في عدد خاص من المقتطف، فالطرف الرئيسي في معركة المتنبي هو الدكتور طه حسين ـ أستاذ شاكر في كلية الآداب بالجامعة المصرية، وقد كان سببا أن يترك التلميذ دراسته في الكلية، لينصرف إلى التحصيل الذاتي في شتى فروع المعرفة، وعلى رأسها اللغة العربية وآدابها، وقد برع التلميذ في التحصيل والاستيعاب إلى درجة المعايشة الحية للنصوص الأدبية وعناصرها.كان التلميذ بحكم انتمائه إلى أسرة خدمت اللغة والأدب والإسلام على صلة وثيقة بالشعر وخاصة شعر الجاهليين وشعر صدر الإسلام والدولة الأموية، وقد سمع من أستاذه كلاما يشكك في الشعر الجاهلي ونسبته إلى الجاهليين، فثار التلميذ، وعارض أستاذه في هذا الرأي، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين رد رأي الأستاذ إلى مصدره الأصلي وهو المستشرق مرجليوث، حيث نقل الأستاذ عن مرجليوث مغالطته الخبيثة، ورددها على طلابه في كلية الآداب.. وكانت الجفوة بين الأستاذ والتلميذ..وقد عرف التلميذ أن أستاذه قد سطا سطوا مجردا على مقالة مرجليوث لأنه ـ أي التلميذ ـ قرأ هذه المقالة في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية (عدد يوليه م) تحت عنوان نشأة الشعر العربي وتستغرق نحو اثنتين وثلاثين صفحة من صفحات المجلة، وفيها يشك مرجليوث في صحة الشعر الجاهلي ويراه شعرا إسلاميا وضعه الرواة المسلمون في الإسلام، ونسبوه إلى أهل الجاهلية، وبعد تردد واجه التلميذ أستاذه بما في نفسه، وبدأ حديثه أمام الطلاب عن هذا الأسلوب الذي سماه الأستاذ منهجا وعن تطبيقه لهذا المنهج في محاضراته، وعن هذا الشك الذي اصطعنه، ماهو؟ وكيف هو؟ وبدأ يدلل على أن الذي يقوله عن المنهج وعن الشك غامض، وأنه مخالف لما يقوله ديكارت، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم تسليما لم يداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجئ الطلاب بكلام التلميذ للأستاذ، وما كاد التلميذ يفرغ من كلامه حتى انتهره الأستاذ وأسكته، وخرج الجميع من القاعة مستنكرين غاضبين مما قاله زميلهم، ثم أرسل الأستاذ ينادي التلميذ فعاتبه بالقسوة حينا والرفق حينا آخر، والتلميذ صامت لا يستطيع الرد، ولم يستطع أن يكاشفه بأن محاضراته مسلوخة من مقالة مرجليوث، ولكنه كان على يقين أن الأستاذ يعلم أن تلميذه يعلم بهذه الحقيقة.. ومن يومها خرج التلميذ ويبس الثرى بينه وبين الدكتور طه إلى غير رجعة()كان شاكر قد اهتدى إلى منهج لفهم الشعر، وخاصة الشعر القديم، يقوم على التذوق والمقارنة، بحكم نشأته وسط بيئة أسرية تحب الأدب واللغة والإسلام، وهذا المنهج هو الذي دفعه للوقوف من محاضرات أستاذه موقفا رافضا، فضلا عن اطلاعه على مقالة مرجيلوث التي سبقت الإشارة إليها، ومع أن شاكر يذكر جميلا لأستاذه حين توسط له في الدخول إلى كلية الآداب، وهو من طلاب القسم العلمي الذين لا يحق لهم الدراسة في الآداب فإن ذلك لم يمنعه من مناقشة أستاذه، وإذاعة سر مقالة مرجليوث بين الطلاب، وكان يبلغ الأستاذ مايذيعه التلميذ، وكان الصراع غير متكافئ بين الاثنين، فترك التلميذ الجامعة ومصر جميعا، غير مبال بإتمام دراسته الجامعية، طالبا العزلة حتى يتبين وجه الحق في قضية الشعر الجاهلي بشعابها المختلفة.ومنذ عام م تاريخ صدور كتاب في الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين، حتى عام م تاريخ صدور كتاب المتنبي لمحمود محمد شاكر، فهم الأخير أن الأول تراجع عن أقواله وآرائه، وإن لم يكتب شيئا صريحا يتبرأ به مما قال أو كتب.. وقد توهم شاكر أن الدكتور طه سوف يبدأ عهدا جديدا في تفكيره، وخاصة بعد أن كتب ما يوحي بذلك في حديث الأربعاء ( يناير م).. إلا أن صدور كتاب المتنبي لشاكر اشعل حدة الصراع، فقد أصدر عبدالوهاب عزام بعد شهور من صدور كتاب المتنبي لشاكر، كتابه ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام وأصدر طه حسين كتابه مع المتنبي.ويتصور شاكر أن الرجلين اغتصبا جهده الذي بذله في كتابه، وأثبت فيه من خلال منهجه علوية المتنبي ودحض دعوى ادعائه النبوة، ورجح حبه لخولة أخت سيف الدولة.. وقد أفاض شاكر في الحديث عن سطو عزام وطه على كتابه، ووصف كتابيهما بأنهما حاشية على كتابه.. ويبدو أن الذي حز في نفسه، هو إغفالهما لاسمه، فلم يذكره أي منهما، وإن كان الأول قد أشار إليه إشارة خاطفة بوصف كاتب المقتطف!عقب صدور كتاب المتنبي في المقتطف، أثنى كثيرون على الكتاب وصاحبه، منهم الشاعر الكبير أحمد محرم كما سخر منه كثيرون من بينهم الأستاذ علي عبدالرازق والأستاذ محمد هاشم عطية.. وكان مصطفى صادق الرافعي أستاذ شاكر وصديقه الحميم، قد تبنى الكتابة عن الكتاب بالثناء والتقريظ، ومما جاء في كلام الرافعي حوله:إن هذا المتنبي لا يفرغ ولا ينتهي، فإن الإعجاب بشعره لاينتهي ولا يفرغ. وقد كان نفسا عظيمة خلقها الله كما أراد، وخلق لها مادتها العظيمة على غير ما أرادت، فكأنما جعلها بذلك زمنا يمتد في الزمن، وكان الرجل مطويا على سر ألقي الغموض فيه من أول تاريخه، وهو سر نفسه، وسر شعره، وسر قوته، وبهذا السر كان المتنبي كالملك المغصوب، الذي يرى التاج والسيف ينتظران رأسه جميعا، فهو يتقي السيف بالحذر والتلفف والغموض، ويطلب التاج بالكتمان والحيلة والأملويضيف الرافعي مادحا للمؤلف:ومن هذا السر بدأ كاتب المقتطف يقصد شاكر، فجاء بحثه يتحدر في نسق عجيب، متسلسلا بالتاريخ كأنه ولادة ونمو وشباب، وعرض بين ذلك شعر أبي الطيب عرضا خيل إلي أن هذا الشعر قد قيل مرة أخرى من فم شاعره على حوادث نفسه وأحوالها.. الخ().ومع اعتزار شاكر برأي أستاذه وصديقه الرافعي، فقد كان يطمع من العقاد أن يكتب عن الكتاب، ولكن العقاد لزم الصمت بعد أن أهداه شاكر نسخة منه، وتبدو المرارة واضحة لدى المؤلف من موقف العقاد، الذي كان نتيجة لعلاقة المؤلف بالرافعي، ومعروف ما كان بين العقاد والرافعي من سجال هبط إلى درك سحيق، استنكره شاكر فيما بينه وبين نفسه وتمنى ألا يحدث ().بيد أن الذي عكر صفو شاكر هو صدور كتابي عزام وطه دون أن يتناولاه بالاسم، كما سبقت الإشارة، وقد خصص في كتابه عند طبعة عام م نحو خمس وعشرين صفحه في السفر الأول يتحدث فيها عما فعله عزام وعما اقترفه من سطو جريء، وعدد كثيرا من المواضع التي كانت محلا للسطو، وذكر ماجرى بينهما في دار الرسالة من نقاش حول كتابه وكتاب عزام.. ثم يختم كلامه بفقرة يقول فيها:إنما عرضت مثلا مما في الكتاب (يقصد كتاب عزام) لا أكثر، أما سائر ما أخذه الأستاذ عزام اجتراء مجردا أو سطوا عريانا، فلم أتعرض له هنا، وقارئ كتابه وكتابي قادر على أن يراه، كما رأى بعضه ذلك الشاب العراقي الذي لم يدخل جامعة ولكنه ثقف نفسه بالقراءة، وهو جالس في دكان صغير يبيع فيه الكتب، فكتب إلي رسالة يذكر فيها أكثر من ثلاثين موضعا في كتابي، أخذها الأستاذ يقصد عزام فوزعها بالعدل والقسطاس على أبواب كتابه، ورحم الله الشاب قاسم الرجب الكتبي، فقد كان مثالا لليقظة في شباب وشيوخ كثير، قد نامت عقولهم، واسترخت تحت التخدير الثقافي!().وواضح أن محمود محمد شاكر يعتز بما كتبه اعتزازا شديدا، ولعل هذا هو السر وراء حدته، وغلوه في هذه الحدة، مع أنه يصف عزام بالخجل والحياء والأدب الجم.. ولا ريب أن عدم إشارة عزام إلى كتاب شاكر وجهده وخاصة في ترتيب قصائد ديوان المتنبي ودحض دعوى النبوة، يمثل قصورا علميا ما كان ينبغي لمثل عزام أن يقترفه، وإن كان الرجل صاحب جهد مشكور في العديد من الميادين، وقد أشار شاكر نفسه إلى جهد عزام المتميز في ترجمة الشاهنامة والتعليق عليها.ويبقى الصراع مع طه حسين، لب المسألة عند محمود محمد شاكر. فالمواجهة بينهما قديمة منذ كان المؤلف طالبا، وطه أستاذا ولأن الطالب يومئذ كان يشعر بالذل والعجز عن إفحام أستاذه، فقد وجد الفرصة مواتية عندما أصدر الأستاذ كتابه مع المتنبي فصوب إليه سهام النقد بدءا من المدة التي قضاها في تأليفه لا تتعدى ثلاثة أشهر وفقا لرسالة من طه حسين إلى توفيق الحكيم وانتهاء بالمنهج والمعالجة.أخذ شاكر يكتب في البلاغ سلسلة مقالات بعنوان بيني وبين طه ()، جمعها فيما بعد في الجزء الثاني من كتابه المتنبي في طبعته الثانية (م)، وفي هذه المقالات النارية وجه شاكر إلى أستاذه أعنف التهم مثل السطو والتلخيص وعدم البصر بالشعر والتكرار والثرثرة، ويبين شاكر أنه حدد طريقه تحديدا كاملا في مواجهة الدكتور بثلاث حقائق هي:الحقيقة الأولى أنه في أكثر أعماله يسطو على أعمال الناس سطوا عريانا أحيانا، أو سطوا متلفعا بالتذاكي، والاستعلاء والعجب أحيانا أخرى. والحقيقة الثانية أنه لا بصر له بالشعر، ولا يحسن تذوقه على الوجه الذي يتيح للكاتب أن يستخرج دفائنه وبواطنه، دون أن يقع في التدليس والتلفيق.والحقيقة الثالثة أن منطقه في كلامه كله مختل، وأنه يستره بالتكرار والترداد والثرثرة ().ويركز شاكر في مقالاته بيني وبين طه على عدد من النقاط التي أثارها طه حسين، ويقارن بين ما كتبه كل منهما ليثبت لنفسه السبق في قضايا عديدة، ولطه السطو العريان أو المقنع!ومن النقاط التي عالجها شاكر في مقالاته، نسب المتنبي الذي شك فيه الدكتور طه، وكذلك عروبته، وعلاقته بالعلويين وغربته عن الكوفة وانتسابه إلى القرمطية.. وغيرها.ويلاحـظ أن مسألة قرمطية المتنبي، قد أثارها عبدالوهاب عزام في كتابه أيضا، وقد توقف شاكر عندها طويلا ليدحضها، ويكشف تهافت المصدر الذي اعتمد عليه كل من عزام وطه، وهو ما قاله بلا شير في دائرة المعارف الإسلامية، وفصله فيما بعد في كتابه عن المتنبي ().. ويرى شاكر أن قذف المتنبي بالقرمطية يقوم على التلفيق والتدليس، وإفساد النصوص وإسقاطها وتجاهلها، والتزيد فيها بالوهم الكاذب أو بإثبات بعضها على وجه غير صحيح ولا أمين ولاثقة.. فإن كان أمرها كذلك، فكل ما يأتي منها وما يخرج وما يتفرع وما يتشعب، فهو تلفيق ولغو وعبث وباطل لا أصل له، لأن الأصل الذي خرجت منه هو ذاك الأصل! ().وكانت قضية نبوة المتنبي أو ادعائه النبوة مثار معركة اشترك فيها طرف آخر، وهو الأستاذ سعيد الأفغاني ـ من دمشق ـ الذي لم يقتنع بنفي النبوة عن المتنبي في كتاب شاكر، فكتب مقالتين في مجلة الرسالة (العددين ـ ) يرد فيهما ما ذهب إليه شاكر معتمدا على الأخبار الواردة في كتب موثوقة. وقد رد عليه شاكر في الرسالة، وأخذ السجال الأدبي مسارا بعيدا عن الحدة التي رأيناها فيما كتبه شاكر عن عزام وطه، وقد وصف ما كتبه الأفغاني في الرسالة بأنه اعتراض وليس نقدا، والاعتراض شبهة، والشبهة يزيلها البيان. أما النقد فأمر آخر لم يسوغ للأخ (يقصد الأفغاني) أن يظفر بالقدرة عليه فيما كتب ().ومع أن كلا من الطرفين كان يتعصب لرأيه ويعتد بنفسه، فإن السجال كان غنيا بالمعرفة والبحث والتنقيب، وأثمر مجموعة من المقالات المهمة حول قضية النبوة التي ألصقت بالمتنبي، وقد انتهت المقالات بانسحاب الأفغاني، حيث جاءت مقالته الأخيرة تطلب حكم القراء ضمنا وكلام كلينا معروض لمن أراد تثبتا وصحف الرسالة أحوج إلى أن تملأ بالحقائق والبرهان، منها إلى الدعوى والانتقاص وإن القراء لا يخفى عليهم وجه الحق في كلام اثنين وألا يصرفهم عنه نيل من صاحبه ومراوغة في الحط منه، وحرام أن أقتل الوقت في تتبع المزالق التي زل فيها صاحبنا.. ().وإذا كانت معركة المتنبي قد بدت في بعض جوانبها ذاتية وشخصية، وكأنها تصفية حسابات بين كاتب شاب آنئذ يعتد بنفسه، وبين كاتبين كبيرين مشهورين، فإن القضية العلمية ظلت مهيمنة على مسار المناقشات ودارت دائما حول المتنبي، وأفادت المجتمع الأدبي برؤى جديدة وتحليلات أصيلة. ـ ـبيد أن معركة المعري، كانت في أغلب جوانبها قضية عامة، تمس كيان الأمة وواقعها ومستقبلها، ومع أن الطرف المثير للمعركة لم يرد على ما وجه إليه من نقد وتصويب، واستعلى على المواجهة العلمية والنقاش الفكري، إلا أن المعركة بدت في زمانها منتصف الستينيات معركة حضارية تخوضها الأصالة ضد استباحة الأمة وهيمنة طلائع الثقافة الغربية على مقدرات الثقافة العربية.ومن المفارقات أن هناك من فسر استعلاء لويس عوض الطرف المثير للمعركة، على الرد والمواجهة والنقاش، بأنه يرى أن من ينقدونه ويصوبون أخطاءه وخطاياه، أقل منه، وليسوا في قامته العلمية والفكرية حتى لو كان أبرزهم محمود محمد شاكر! ()، وقد حاول لويس أن يوحي بأنه ليس في معركة مع أحد، ولكنه لم يجد مفرا إلا أن يرد، ليس بالعلم والمنطق والحجة، ولكن بالسب والتحريض والسخرية والتهكم في كتاب ألفه خصيصا لذلك بعنوان المحاورات الجديدة ويحمل عنوانا فرعيا هو دليل الرجل الذكي إلى الرجعية والتقدمية وغيرهما من المذاهب الفكرية، وقد صور فيه خصومه بصورة كاريكاتورية تحقق السخرية منهم والتهكم عليهم من خلال أقنعة مسرحية.وقد بدأت المعركة مع لويس عوض عندما أخذ ينشر في الأهرام مجموعة من المقالات تحت عنوان على هامش الغفران عام م، ملأها بالخلط والتدليس والتزوير، وكانت الطامة الكبرى عندما نشر في مقدمة مقالاته بالأهرام بعض أبيات المعري بخط النسخ محفورة على الزنك، خطأ على النحو التالي:صليت جمرة الهجير نهاراثم باتت تغص بالصلبانسقط الزند، في وصف حلب.أعباد المسيح يخاف صحبيونحن عبيد من خلق المسيحا؟سقط الزند في الحروب الصليبية.البيت الأول ليس صحيحا كما أورده لويس عوض وشكله.والبيت الثاني صحيح ولكنه لم يرد في الحروب الصليبية كما زعم لويس عوض.وكان حريا بالمجتمع الأدبي أن ينهض ليرد الرجل عن شططه وغلوه، وتورطه في التعصب الطائفي الذي بدأ مستفزا لكل الناس العقلاء حتى الذين يتمتعون بالصبر الجميل، والحلم إلى أقصى مدى!لم تعد القضية بحثا أدبيا حول التأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب الأوربية.. ولكنها تجاوزت إلى محاولة فرض النموذج الغربي وتأكيد هيمنته من خلال تزوير التاريخ وخلط الأوراق والتدليس على الناس من خلال منهج قاصر ومعيب.وقبل أن نشير إلى بعض ما قاله محمود محمد شاكر، فإن البيت الأول يأتي صحيحا هكذا:صليت جمرة الهجير نهاراثم باتت تغص بالصليانالفعل: تغص، بمعنى تمتلئ وتشرق، والصليان ـ بالياء المثناة ـ نبات ترعاه الإبل، وتسيغه إذا كان رطبا، وتشرق به أي تغص إذا كان يابسا، إذا الصليان بالياء المثناة، وليست الصلبان بالباء المفردة كما ذهب لويس.أما البيت الثاني الذي ذكر لويس أنه ورد في الحروب الصليبية، فقد كان ضمن قصيدة للمعري يمدح بها الشريف العلوي بعد أن أرسل إلى أبي العلاء أبياتا أولها:بعادك أسهر الجفن القريحاودارك لاتني إلا نزوحاوإذا عرفنا أن المعري مات قبل بداية الحروب الصليبية بنحو أربعين عاما على الأقل، فإن المسألة لدى لويس عوض تخرج عن مجال البحث العلمي المجرد، إلى مجال آخر ليس علميا وليس مجردا، هو مجال التعصب الطائفي، والدعاية الفجة لأعداء الأمة ().أيضا، فإن لويس عوض، قام بتفسير أحد الأبيات التي وردت في قصيدة أبي العلاء النونية يقول فيه:فإذا الأرض، وهي غبراء، صارتمن دم الطعن وردة كالدهانفقد جعل لويس الصفة وردة اسما، وفسرها على هواه، حيث قال:والمعري نفسه ينسج على صورة الوردة في سقط الزند، ويجعلها في الأرض لا في السماء، يعني كما في سورة الرحمن وكما في دانتي الذي أخذ عنهما الوردة السماوية (روزا مسكيتا)!! في حين أن المعري يقول: إن الطعن والقتل قد استمر فسالت الدماء حتى غشت الأرض فصارت أرض الميدان بالدماء حمراء كالأديم الأحمر المشرق ().وهذه الأخطاء المقصودة وغيرها تدل على أن لويس عوض يفتقد أبسط مبادئ الأمانة العلمية، ويفتقر إلى منهج البحث العلمي الدقيق، وهو ما توقف عنده محمود محمد شاكر طويلا، وكشفه بوضوح عندما تبين أن الرجل لم يرجع في كلامه عن أبي العلاء إلى مرجع أصيل واحد يتعلق بشعر أبي العلاء أو حياته أو تفسير القرآن الكريم أو الأسماء الواردة في كلامه، فوقع في التخليط والتلفيق، ويستحسن أن ننقل هنا ما قاله محمود محمد شاكر على طوله، حيث يلخص أخطاء لويس عوض العلمية والفكرية. يقول:.. هذا الرجل الذي طلع علينا في طيلسان وجلاجل، قد ادعى منهجا كمناهج الأساتذة الجامعيين سلكه في دراسة رسالة الغفران، وتاريخ شيخ المعرة، فحاكمته إلى أوائل ما يعرف الطلاب الصغار عن المنهج، فاتضح أنه يجهل منهج الدراسات الأدبية جهلا تاما، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.ولكني لم أقنع بذلك حتى أبرئ ذمتي، فكشفت عن أكبر خطيئة لا تغتفر لطالب صغير مبتدئ، وهي العجلة في قراءة النصوص، فأثبت أنه نقل نصا من كتاب واحد هو كتاب الدكتور طه حسين، لم يقرأه قط في غير هذا الكتاب، ومع ذلك فهو إنما قرأ أسطرا كالملهوف وترك ما بعدها من الأسطر، وهي التي فيها نقد الدكتور طه لهذا النص نفسه، وكان من الغثاثة والادعاء أنه استخرج من هذا النص الفاسد المستحيل المعنى، أحكاما ألقاها للناس كأنها حقيقة مفروغ منها، وهذا غش فاضح وعبث. وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.ولكني لم أقنع بذلك فأبرأت ذمتي أيضا ببرهان قاطع على أن هذا الرجل، قد ادعى في كلامه أنه قرأ كتبا بأعيانها، وهو في الحقيقة خطاف جريء، يتكئ على كتاب الدكتور طه وحده بلا بصر ولا فهم، فمن أجل ذلك أخذته بادعائه ومخرقته، حتى اكشف للناس أنه لم يقرأ شيئا مما ذكر من الكتب ولا رآها، ولا عرف ماهي، ولامن أصحابها، وصدقته في ادعائه الكاذب، ليكون ذلك أشنع له، لأنه يكون عندئذ قد قرأ نصا لم يعرف معناه، ولم يعرف كيف يدرسه طالب جامعي مبتدئ ضعيف، وكان هذا أيضا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.ولكني لم أقنع بذلك فأبرأت ذمتي مرة ثالثة، بالدلالة الحاسمة على أن هذا الذي كتب ما كتب عن شيخ المعرة لم يقرأ شيئا من آثار شيخ المعرة، وبخاصة شعر سقط الزند، وهو الشعر الذي يتعلق بالخبر الذي ادعى متنفخا أنه قرأه، فهو لم يفهم إذن منه حرفا على وجه يليق بمبتدئ جامعي، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.ولكني لم أقنع بذلك حتى أبرأت ذمتي مرة رابعة، وذلك حيث زعم بمخرقته أنه جاء يعرف الناس بحقيقة شيخ المعرة، وحقيقة تاريخه، فذكر أكاذيب وأوهاما لا أصل لها إلا في خيالاته وسماديره، فكشفت بلا ريبة عن أن هذا الدعي لم يقرأ كتابا واحدا في ترجمة شيخ المعرة، ومع ذلك فهو يأتي بلا خجل، ولا حياء فيذكر كذبا صراحا مناقضا للمعقول من حياة الشيخ، ومن حياة أسرته، ومن حياة أمته التي عاش فيها، وكان هذا هو حسبي وحسب صحيفة الأهرام.ولكني لم أقنع حتى أبرأت ذمتي مرة خامسة، بدلائل قاطعة على أن هذا الرجل الذي يدارس نصا عربيا من أعظم النصوص، لا يملك أي إحساس أدبي، بأي نص يقرؤه، ولو ظل يكتب في الأدب عشرات المجلدات، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.ولكني لم أقنع بذلك، حتى أبرأت ذمتي مرة سادسة، فبينت جهل هذا الرجل وادعاءه ببرهان فاصل من نص كلامه هو في صفة نفسه، إذ قال:إن إحساس لويس عوض باللغة العربية ضعيف جدا، وأجنبي جدا، ومع ذلك فهو يعمد إلى النصوص الأدبية في لغة العرب فيدرسها بمخرقة شنيعة، وبلا حياء، ولا يقنع بهذا، بل ينتهي به ما أطبق عليه من الهوس والجرأة، فيعمد إلى آية من القرآن الكريم العظيم، فيفسرها بغباوة وجهل راسخ، ثم لا يستحي فيدعي نسبة ذلك إلى كتب المفسرين المسلمين، موهما أنه لا يفهم، ويزعم أن الرجل الذي يدرسه قد جاء في شعره بألفاظ هذه الآية، بالمعنى الذي يفسره هو!! ().ولا شك أن هذا الملخص لأخطاء لويس عوض وخطاياه يكشف عن أهمية المعركة التي احتشد لها شاكر على مدى خمس وعشرين مقالة طويلة نشرت في مجلة الرسالة على مدى عامي ، م، وانتهت بإغلاقها مع معظم المجلات التي كانت تصدرها وزارة الثقافة والإرشاد القومي آنئذ، وانتهت أيضا بإيداع الرجل السجن لأكثر من سنتين، خرج بعدهما ليجمع هذه المقالات في كتابه أباطيل وأسمار مضيفا إليها مقالة قصيرة ضمنها بعض أبيات المعري الدالة على عمق المحنة التي تعرض لها على المستوى الشخصي، وتتعرض لها الأمة على المستوى الفكري والثقافي والحضاري().وكما رأينا في هذا الملخص، فإن لويس عوض حين تجرأ على تناول رسالة الغفران ليزعم أن المعري قد تأثر بالآداب الأوربية القديمة، لم يستخدم منهجا صحيحا، ولم يتسلح بمعرفة جيدة، ولم يدخل إلى الموضوع بتجرد الباحث المنصف، ولكنه كان مقصرا في العناصر كافة اللهم إلا تعصبه للحضارة الأوربية ومفرداتها العنصرية.. ومن ثم، فقد امتدت المعركة لتتجاوز المعري إلى قضايا أخرى عديدة، تخص الواقع الثقافي العربي المعاصر، أو بمعنى آخر تخص الصراع القائم بين حضارة الأمة المستباحة، والحضارة الغازية القاهرة.. وهو ما ألح عليه شاكر في مواضع عديدة أشرنا إلى بعضها من قبل وأكد عليه في مقدمة الكتاب الذي حمل مقالاته في الرسالة، حيث قال: وقد سرت في هذه الفصول المتشعبة المعاني (يشير إلى مقالات الكتاب) سيرة واحدة، فضمنت جميعها بابا أو أبوابا من النظر إلى حقيقة الصراع الذي دار، ولم يزل يدور على أرضنا وفي عقولنا، وفي ضمير أنفسنا، وأشرت في مواضع كثيرة إلى أن هذا الصراع صراع بين حضارتين مختلفتين في جذورهما أشد الاختلاف: حضارة طال عليها الزمن فغفت غفوة آمن مستريح لا يفزعه شيء، وحضارة واتاها الزمن فهبت يقظة متلفتة جريئة لا تأمن أحدا ولا تطمئن إليه...ثم أضاف بعد حديث عن بداية الصراع الحديث وطبيعته وأساليبه الجيوش ـ التجارة ـ المبشرين:وأطبقت على رقعة العالم العربي والعالم الإسلامي ضبابة كثيفة، ووطئ عليها تاريخ يسحق القوى وينسفها نسفا.. وكانت قصة طويلة متمادية، تقطر دما وغدرا وخيانة، وترشح مكرا وخبثا وخسة وفظاطة.ويستطرد محمود محمد شاكر، في بيان أن الثقافة والأدب والفكر من أخطر ميادين هذا الصراع، ويزيده خطورة أن الذين تولوا كبره والذين ورثوهم من خلفهم رجال منا، من بني جلدتنا، من أنفسنا، ينطقون بلساننا، وينظرون بأعيننا، ويسيرون بيننا آمنين بميثاق الأخوة في الأرض أو في الدين، أو في اللغة، أو في الجنس.. ().وهكذا يتبين لنا أن المعركة تجاوزت مسألة تزوير أبيات المعري، التي أشرنا إليها من قبل لويس عوض، وتعمده أن يوظف هذا التزوير لإشباع ميله إلى التعصب، ورغبته في الإعلاء من شأن العالم الصليبي، وصارت القضية الكبرى هي الصراع بين الحضارتين، الحضارة الغافية حضارة الإسلام والحضارة اليقظة الصليبية، وتعدد أساليب الصراع وميادينه..لقد وقف إلى جانب محمود محمد شاكر عدد كبير من الكتاب، وخاصة في مجلتي الرسالة والثقافة وقد أسهموا في كشف أخطاء لويس عوض وخطاياه.. ومن ناحية أخرى فقد واجه لويس عملية كشف الأخطاء والخطايا بطريق غير مباشر عن طريق بعض أصدقائه وتلاميذه ومعظمهم من اليساريين، وقد تولوا الدفاع عنه، وتحويل المسألة إلى صراع سياسي بين الرجعية والتقدمية أو بين أعداء النظام من الرجعيين ويمثلهم شاكر ومن معه ومؤيدي النظام من الاشتراكيين التقدميين، وقد برز من هؤلاء كما سبقت الإشارة محمد مندور، ومحمد عودة، ومحيي الدين محمد، وغالي شكري، وكتاب مجلة روز اليوسف وصحيفتي الأهرام والجمهورية وقام لويس عوض بعد أن سكنت العاصفة، وأغلقت المجلات، ودخل شاكر وآخرون السجن، بإعلان بهجته واحتفائه بما يسميه معجزة صيف م (يقصد إغلاق المجلات وسجن الخصوم) ومطالبة الكتاب والفنانين والمفكرين بمقاتلة الرجعية وأفكارها، بعد أن اتهمهم بالتقصير أو إنهم كانوا يعانون أزمة نفسية جماعية بلبلتهم وأخرجت زمامهم من أيديهم ().ثم إن لويس عوض أفرغ ما في نفسه بالسب والقذف في هؤلاء الرجعيين من خلال كتابه المحاورات الجديدة الذي سبقت الإشارة إليه، وللأسف فإنه لم يتخذ منهجا علميا أو موضوعيا للرد على أخطائه وخطاياه، بل إنه تجاهلها تماما وراح يسخر من الرجعيين والمتمسكين بالتراث ويتهكم عليهم ويصورهم تصويرا كاريكاتيريا باردا.. وكان حرصه الأول في كتابه على التحريض ضد هؤلاء الرجعيين من عينة قوله:.. الميثاق (بيان أصدرته الحكومة وجعلته مشروعا للعمل القومي) نادى بالتقدمية والنظر إلى الأمام. ومجلات وزارة الثقافة ـ يقصد الرسالة والثقافة وغيرهما ـ نادت بالرجعية وعبادة السلف.. الميثاق نادى بمساواة المرأة بالرجل وبتحرير المرأة من أغلالها ومجلات وزارة الثقافة نادت بانحطاط المرأة وبضرورة اعتقالها في الحريم.. الميثاق نادى بالاشتراكية العلمية ومجلات وزارة الثقافة نادت بالاشتراكية البورقيبية.. الميثاق مجد رفاعة الطهطاوي ولطفي السيد، وفلسفة الأخذ والعطاء مع الحضارات الأخرى، ومجلات وزارة الثقافة مجدت إغلاق النوافذ وتحسرت على انسلاخ مصر من الامبراطورية العثمانية.. الميثاق دعا لتنظيم الأسرة كجزء من برنامج التنمية ومجلات وزارة الثقافة كافحت تنظيم الأسرة.. الخ ().وعلى هذا النحو يمضي لويس عوض في توجيه التهم إلى مجلات وزارة الثقافة والتحريض ضدها وضد من يحررونها ممن يسميهم بالرجعيين، دون أن يشير أدنى إشارة إلى خطأ واحد أو خطيئة واحدة مما اقترفه في كتابه على هامش الغفران فيرد أو يعلل أو يصحح! ـ ـ لا شك أن قلم محمود محمد شاكر في معركته الأولى المتنبي قدم نموذجا للأديب الشاب الذي يملك إلى جانب الأداة والثقافة، جرأة كبيرة في الإعلان عن نفسه وعن منهجه، ومواجهة الأطراف الأخرى بثقة وإصرار، مهما بلغت هذه الأطراف من العلم أو المكانة أو المنزلة الاجتماعية، وقد حقق في هذه المعركة أكثر من هدف، منها أن المتنبي صار حديث الناس، وأن ما يتعلق بشعره وحياته، وخاصة ما أثير حول انتمائه العلوي، وادعائه النبوة، وانتسابه إلى القرامطة.. صار موضع بحث ومحاورة ومساجلة (كما رأينا مثلا في مساجلته مع سعيد الأفغاني).وإذا كانت النزعة الذاتية قد بدت في بعض جوانب معركة المتنبي وخاصة مع طه حسين، فإنها اتسمت بالنزعة العلمية في معظم جوانبها الأخرى.أما معركة المعري. فكانت معركة العصر الأدبية والفكرية بلا جدال، إذ إن الوقت الذي أثيرت فيه المعركة كان يشير إلى عدم التكافؤ بين طرفي المعركة، فالطرف الذي يمثله شاكر، كان مطلوبا من أطراف أخرى داخلية وخارجية.. وكان وصمه بالرجعية وعداء الاشتراكية وما أشبه مسألة فوقية تريدها السلطات المحلية والقوى الأجنبية في آن. أما الطرف الثاني الذي يمثله لويس عوض فهو الطرف المدلل لدى السلطة، ولدى القوى الأجنبية جميعا، فهو داعية للقضاء على هوية الأمة ومواريثها، وداعية إلى اللحاق بالآخر الغربي وقيمه ومثله وقد عبر عن ذلك بوضوح لإخفاء بعده في سيرته الذاتية التي صدرت قبيل وفاته بعنوان أوراق العمر (م).. وقد أدى في فترة الستينيات دورا جيدا كوفئ عليه بتعيينه مستشارا ثقافيا للأهرام، وهي أول مرة ينشأ فيها مثل ذلك المنصب الرفيع في تلك الجريدة العريقة.. فضلا عن اكتسابه ما يشبه الحصانة داخل الأهرام وهيمنته على بقية الصحف والمجلات الحكومية.. أما الطرف الأول. فقد كانت مكافأته السجن، وإغلاق المجلات التي كانت تصدرها وزارة الثقافة. ومحاصرة الأقلام التي كشفت الأخطاء والخطايا لدى لويس عوض..بيد أن النتائج النهائية لهذه المعركة كانت بلا ريب في صالح الطرف المهيض الجناح، إذ أن المجتمع الأدبي بعد نحو ثلاثين سنة تقريبا من السجال، أسقط لويس عوض .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ