المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دعهم يتقاتلون حتى يخسروا كل شيء


Eng.Jordan
03-29-2013, 03:02 PM
ليون برخو
في الوقت الذي كانت فيه الحرب العراقية - الإيرانية في أوجها في الثمانينيات من القرن الماضي، وهي تطحن الحرث والنسل ولا تبقي ولا تذر، كانت ماكينة الغرب تشتغل ليل نهار كيف تجعل الطرفين يستمران في الاقتتال حتى تنهك قواهما ويخسرا كل شيء.
وهكذا لم يخرج من تلك الحرب العبثية المدمرة أي منتصر. هذه كانت عندئذ إرادة الغرب، وأكدها هنري كيسنجر في لقاء مهم له مع مجلة ''نيوزويك'' - كان مصادفة أن أكلف بكتابة تقرير صحافي عنه.
إن تقاتلت فئتان من المسلمين أفضل دواء ناجع لهما اليوم - حسب التوجهات الغربية - هو العمل الحثيث على استمرارهما في الاقتتال. الحروب والفوضى في صفوف العرب والمسلمين تضعفهم وتنهكهم، ولكن لها منافع استراتيجية للغرب وإسرائيل.
المعادلة لم تكن أوضح وأكثر وقعا مما هي عليه الآن. اقتتال العرب والمسلمين فيما بينهم قوة إضافية للغرب. كلما ضعف العرب والمسلمون زادت قوة الغرب. كلما قويت شوكة العرب والمسلمين ضعفت شوكة الغرب.
وهكذا لم تنته الحرب العراقية - الإيرانية إلا بعد مضي ثماني سنوات بالعد والتمام، ولم تضع أوزارها إلا بعد أن سقطت الدولتان عسكريا واقتصاديا، وتم تخريب تركيبتيهما الاجتماعيتين وتدمير بناهما التحتية.
الإنهاك هو الذي أنهى تلك الحرب العبثية وليس الحكمة التفاوضية ومنطق الحوار - إن كان من الطرفين أو نتيجة مساع حميدة من أطراف أخرى.
خرج العراق - الذي ادعى النصر كما ادعته إيران - وهو يلعق جرحه البليغ، حيث تجاوز عدد القتلى والجرحى مليون شخص. خرج بخزانة خاوية وديون فلكية، وبدلا من أن يلتفت إلى مداواة جرحه زاده إيلاما وأوقع نفسه في هاوية رهيبة ما زال قابعا فيها حتى اليوم، إثر غزوه المشؤوم للكويت.
الغربيون اليوم تعلموا فن الحوار للأثر البالغ الذي تركه في ثقافتهم فلاسفة براجماتيون مثل هبرماس ودوي وبيرس وجيمس ورورتي. مشكلاتهم كثيرة جدا، ولكنهم محاورون من الطراز الأول فيما بينهم. يلتئمون في غضون ساعات على مستوى أعلى القيادات للنقاش والمحاورة للوصول إلى أفضل الحلول الممكنة، وتجنب العنف فيما بينهم. منذ الحرب العالمية الثانية والغرب ينعم في أوطانه بالسلام والأمان ورغد العيش الذي لم تشهد له البشرية مثيلا. عند تعلق الأمر بأوطانه وشعوبه، يبذل الغرب ما وسعه كي يجنبها الفوضى والمآسي. الغرب يعمل اليوم مثل الجسد الواحد ''إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى''. انظر كيف يهرعون لإنقاذ بعضهم بعضا في أزمتهم المالية الحالية.
اقتباسي جزءا من حديث شريف كان متعمدا لأنه كان يجب على العرب والمسلمين أن يكونوا جسدا واحدا حسب وصية نبيهم الكريم، يهرعون لحل مشكلات بعضهم بعضا ويلجأون إلى الحوار والمناقشة والمجادلة بالتي هي أحسن لوضع حلول لمشكلاتهم الكبيرة وحروبهم الأهلية المدمرة، التي يبدو أنها في طريقها إلى أن تلتهم الكل.
ما نراه اليوم هو تبعثر لهذا الجسد وتمزيقه وتفتيته إلى أشلاء وتحويله إلى منطقة تجارب لدول استكبارية، لا ترى في ضعف العرب والمسلمين إلا قوة لها. وهكذا يستمر الدمار المنظم والممنهج في أكثر من بلد عربي اليوم، دون أن يكون هناك في الأفق ما يبشر بالخير.