المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حضارة الإسلام


Eng.Jordan
03-30-2013, 08:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
حضارة الإسلام
الشيخ: ناصر الأحمد

ما هي الحضارة؟ وماذا نقصد بحضارة الإسلام؟
الحضارة كما يقول ابن خلدون: "عبارة عن مجموعة من القيم الأخلاقية المنبثقة من أسس دينية إما من نبوة أو من دعوة حق". وبناءً على هذا التعريف للحضارة يكون التحضر هو: التدين. والدين هو الذي يضبط علاقات الإنسان بالمجتمع والعالم والكون. ولهذا يخطئ من يظن أن الحضارة الغربية حضارة غير متدينة، ومع كل أسف الذين نقلوا لنا الحضارة الغربية صوروها بأنها كانت خالصة من سلطان الدين، وهذا غير صحيح. الحضارة الغربية حضارة فيها جانب الدين مؤسس وقائم بدور رئيس في صياغة الحياة والفكر والتماسك في المواقف السياسية تجاهنا وبشكل لا يقاس به ما كتب عنهم في لغاتنا ولا يقاس به الموقف الرسمي في عالمنا الإسلامي.
إن عمارة الأرض أمر مطلوب من المسلم ففي سورة هود يقول الله - تبارك وتعالى -: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [(61) سورة هود] فعمارة الأرض كما يسميها ابن خلدون هي إقامة الحضارة، وهي من مهمات الإنسان الأساسية الكبرى، وقد قام بها الإنسان جيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة، وكلما تعبت أمة تلقت الراية أمة فتيّة، وراح اللاحق يبني على جهود سلفه ويزيد ويطور.
في أخبار من مضوا قبلنا ممن كان لهم قدم في بناء الحضارات عبرةٌ لمن يتذكر منا، عبرةٌ تحثنا على سلوك طريق الصالحين الناجين، ومجانبة سبل المكذبين الهالكين.
لقد قص القرآن علينا أنباء أقوام كانوا قبلنا، سكنوا الأرض وعمروها، وحرثوها وزرعوها وأنشؤوا حضارة عريقة، وكانوا أولي بأس وقوة وشدة، لكنهم كذبوا المرسلين غروراً بما لديهم من قوة، وما عندهم من علم، فأخذهم الجبار أخذ عزيز مقتدر، فأصبحوا أثراً بعد عين، وعبرةً للعالمين، قال الله تعالى: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [(21-22) سورة غافر]. كان منهم عاد قوم هود - عليه الصلاة والسلام - سكنوا الأحقاف بين عمان وحضرموت، زمنهم بعد نوح -عليه الصلاة والسلام-، فهم أولُ أمة اضطلعت بالحضارة والعمران بعد الطوفان الذي أغرق المكذبين من قوم نوح -عليه الصلاة والسلام-. أنعم الله على عاد بكل مقومات القوة والعمران، كما هو ظاهر في قول هود -عليه السلام- لهم: {وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [(69) سورة الأعراف] وقوة عاد وجبروتهم مشهورة حتى إنهم لما جاءهم هود -عليه الصلاة والسلام- بالنذارة استكبروا {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [(15) سورة فصلت] ووصفهم نبيهم بقوله: {وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [(130) سورة الشعراء]. لقد بلغ من قوتهم وشدة بأسهم أنهم بنوا في طرق أسفارهم أعلاماً ومنارات تدل على الطريق كيلا يضل السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي تمحو الآثار، واحتفروا وشيدوا مصانع للمياه تجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار، وبنوا حصوناً وقصوراً على أشرافٍ من الأرض، وفي شأن هذا العمران العظيم قال لهم نبيهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [(128-131) سورة الشعراء]. إن عاداً غرتهم قوتُهم وبطروا نعمتهم، فرانت على قلوبهم الغفلة، واستحكمت فيهم الشهوة، فعميت أبصارهم عن رؤية الآيات، وصُمَّت آذانهم عن سماع المواعظ، كما هي حال كثير ممن يوعظون فلا يستمعون وينصحون فلا يتعظون، بل يستكبرون ويستهزئون ويجاهرون بعصيانهم، ولا يخافون نقمة الله وعذابه، ولذا قالوا لهود - عليه السلام-: {قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}[(136-138) سورة الشعراء]. فما كان عاقبة تكذيبهم إلا العذاب المهلك، حيث نجى الله هوداً والمؤمنين معه، واستأصل المكذبين المعاندين {فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [(72) سورة الأعراف]. لقد كانت نهاية عاد أليمة، وعاقبة كفرهم وخيمة، جمع الله لهم فيها عذاب القلب مع عذاب البدن {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [(25) سورة الأحقاف]. انتهت حضارتهم، وذهب عمرانهم، وما أغنت عنهم قوتهم من عذاب الله شيئاً وحقت عليهم لعنة الله في الدنيا وفي الآخرة {وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [(60) سورة هود]، إنها لآية للمعتبرين، وعظة للمتعظين، ينتفع بها من ألقى لها سمعه، ووعاها قلبه فهل من مدَّكر؟!.
لقد كانت قصة عاد من أعجب القصص التي تتكرر في بني البشر، وقليل منهم من يعتبر، دلت على أن الإنسان إذا أنعم الله عليه، ولم يتترس بالإيمان ضد الشياطين والشهوات كان الهلاك مصيره، والخسران عاقبته مهما بلغ ماله وجاهه، ومهما كانت قوته وغلبته، ومهما كان سلطانه وحضارته {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [(6-8) سورة الفجر].
إن الإنسان المعاصر الذي ينتظم في منظومة هذه الحضارة الزاهية، وينعم بترفها قد أنعم الله تعالى عليه بنعم لا تحصى، ذلل له الأرض حتى مهّدها وعبّدها، والجبال فألانها وهدّها، وأقام عليها بروجاً عظيمة، وشيد عمراناً كثيراً، ألان الله له الحديد فابتنى به مصانع كثيرة، واستخدمه في منافع عديدة، حتى اتخذ المراكب التي تنقله في البر والبحر والجو، فصار في مقدوره أن يقطع الأرض من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها في ساعات معدودة. حفر الإنسان الأرض فاستخرج كنوزها، وشغّل الحديد بطاقتها، فدارت الآلات في المزارع والمصانع تنتج للناس ما يأكلون وما يشربون وما يلبسون، وما به يتنعمون ويترفون. حضارة عتيدة، وعمران ضخم، وتقدم سريع، ولكن هل اعتبر الإنسان بمن مضوا في القرون السالفة، والحضارات البائدة؟ فسخر ما أنعم الله به عليه فيما يرضيه {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}[(6-7) سورة العلق] طغى على ربه فجحد نعمته، وأعلن إلحاده وكفره حينما ظن أنه مركز الكون، والمتصرف فيه كيف يشاء، وأن عصر تدفق المعلومات سيلغي ما يسمونه بالأيديولوجيات بما فيها دين الإسلام والعياذ بالله! وطغى الإنسان على الإنسان فحاربه وجوَّعه، حتى قُتلت أمم من بني الإنسان لا تعلمُ لِمَ قُتِلَتْ، ولا فِيمَ قُتِلَتْ! وترمي الدول التي تسمي نفسها العظمى فائض الطعام في البحار في الوقت الذي يموت فيه في كل لحظة بشر من الجوع، وتشيَّد في بلاد الغرب البيوت والملاجئ والمستشفيات للقطط والكلاب في وقت يموت فيه بشر في العراء. بل تجاوز طغيان الإنسان غيره حتى طغى على نفسه فارتكب ما يوبقها، وصنع ما يهلكها من آلات لهو وفساد، وأسلحة دمار شامل وغير شامل. كيف ستكون حضارة بني الإنسان إذا كان من يسيرها قد أعرض عن ذكر الله وركب هواه؟! إنها إلى دمار ماحق، وهلاك عاجل أو آجل! إنه لن ينجي البشرية من شقائها، ولن يحافظ على حضارتها وعمرانها إلا التزام دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده والاستمساك به ولا شيء غير ذلك.
يعيش أهل الإسلام اليوم معركة صراع قاسية، ويواجهون زحف حياة عصرية، وحضارة غربية مادية، ومدنية دنيّة، عاريةً عن القيم والأخلاق والآداب، مدنيّة السراب، وحضارة الإرهاب، اصطلى صانعوها بها، وذاقوا ويلاتها، ما هي إلا بلاء وشقاء، وشرور وفجور، وتمرد واضطراب، وانتحار واختطاف وإجهاض وشذوذ وإدمان. حضارة لا تفرق بين المشروع والممنوع، والنافع والضار، أسواقها لاغية، أنديتها لاهية، قلوب أهلها خاوية، وذلك جزاء المعرضين عن شريعة رب العالمين. حضارة أنتجت واخترعت، فإذا هلاكها في ما صنعت، وإذا دمارها في ما أبدعت {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [(26) سورة الأنعام]. واليوم يزحف العالم الكافر بحضارته وحضيرته إلى العالم الإسلامي في محاولة مستميتة لطمس معالم هويته الذاتية، وجرّه إلى تقليد الأنماط الغربية في جميع النواحي الحياتية، العقدية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها يقول -جل وعلا- في كتابه المبين: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [(89) سورة النساء] حاصروا بلاد الإسلام بثورة إعلامية، وتقنية اتصال عالمية، وهاجموها بقنوات فضائية شهوانية شيطانية، سم زعاف يقضي على الكرامة والعفاف، وهجمة شرسة مستعرة، تتعرض لها أجيالنا الحاضرة، تُفجّر غرائزهم، وتدمر أخلاقهم، وتُشِيع الرذيلة في صفوفهم، وتجعلهم هائمين على وجوههم، يبحثون عن سبيل مشروع أو غير مشروع لتصريف ما أثير من شهواتهم. وأغرقت أسواق المسلمين بكثير من المحرمات والمنكرات، ولم تسلم المرأة المسلمة من تلك الهجمة الحاقدة، فحاربوا حجابها و***ابها، وسعوا في إغوائها وإغرائها بما تصنعه دور الأزياء الخليعة وبيوتات الموضة المنحلّة، ودَعَوها إلى الاختلاط، وأخلطوها وأهانوها ودنسوها. وجاءت الدعايات المضللة تدعو المسلمين إلى السياحة والترفيه في بلاد الكفر والفجور، ليس فيها إلا مصائد هلاك وحياة عابثة صاخبة. وإن مما يذيب القلب كمداً أن يذهب بعض المسلمين إلى تلك البلاد بزوجاتهم وبناتهم وفلذات أكبادهم، ولا تسل عما يحدث بعد ذلك من الشرور وعظائم الأمور. كل ذلك ليسايروا ركب الحضارة المشؤوم، ويسلكوا درب المدنيّة المزعوم، إنها فتن مغرقة وآثام موبقة، لا عاصم منها إلا بالتمسك بأهداب الدين جملة وتفصيلا.
كيف تسير الأمة المسلمة إلى غازيها طواعية؟ كيف تنقاد إلى جزارها راضية؟ كيف تقتدي بعدوها في سلوكها وأخلاقها ومعايير فهمها وتفكيرها؟ كيف ترغب عن تعاليم الإسلام وما جاء به سيد الأنام محمد وتركن إلى تقليد الكفرة الفجرة؟. ما فائدة حضارة ينحدر فيها مستوى الإنسان إلى العبودية لغير الله ليصبح عبد ديناره ودرهمه؟ عبد شهوته ومادته ورغبته؟ ويسقط في التعاسة والانتكاسة كما تعست وانتكست البشرية التي تسيطر عليها هذه المدنية المعاصرة؟ يقول رسول الهدى: ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)) [أخرجه البخاري].
إن من المؤسف حقاً أن يقف بعض من هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا سماسرة للغرب، يتشدقون بتضخيمه وتعظيمه، ويدعون بكل صفاقة إلى تقليده واحتذاء أساليبه، معاول هدم وتخريب، ودعاة ضلال وتغريب، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.
إليكم نماذج مما يحدث في دول الغرب مما يسمونه تحضراً وتقدماً لندرك إلى أين وصلت الحضارة الغربية:
لقد انتشرت في دول الغرب صور عجيبة من الاعتداء على الأطفال من الضرب الجسمي الوحشي، والتعذيب بالآلات الحادة، وإطفاء السجائر بأجسام الأطفال الرقيقة، والسجن في أماكن مظلمة، وربط الطفل في زاوية من زوايا البيت لفترات طويلة، وبيع الأطفال مقابل مبلغٍ من المال والطرد والإبعاد عن المنـزل في سن مبكرة جداً، إلى آخر هذه الأساليب الوحشية المفزعة. وقد يدهش المرء عند سماع مثل هذه الحالات المذهلة من التعذيب، وقد يصف هذه المجتمعات بالوحشية والبهيمية لكنه سرعان ما يتضح له خطأ هذا الوصف والتشبيه، إذا علم أن ما يتعرض له أطفال الحضارة المعاصرة من أساليب التعذيب والتفنن فيها إنما يحدث من أقرب المقربين منهم، ممن يقومون على رعايتهم وتربيتهم، بل وفي كثير من الحالات من آبائهم وأمهاتهم. نعم إن الوحوش الكاسرة لتعطف على صغارها بدافع الفطرة التي فطرها الله عليها، والرحمة التي أودعها في قلوبها تجاه صغارها بل وأحياناً تجاه أبناء جنسها.
فليس الذئب يأكل لحم ذئب



ويأكل بعضنا بعضاً عياناً



ولنأخذ شريحة من شرائح المجتمع الغربي، وهو المجتمع الإنجليزي المتحضر كما يدّعون، فالحكومة البريطانية تستعد الآن لإصدار كتاب يتعلق بمشروع قانون حماية الطفولة المزمع طرحه على مجلس العموم، وقد وعدت الحكومة بأن تأخذ في الاعتبار اقتراحات وُصفت بأنها مثيرة؛ لأنها تعطي الطفل الحق في أن يطلب قضائياً الانفصال عن أبويه إذا تعرض للإساءة من جانبهما. بل لقد وصل الأمر في بريطانيا أن الاعتداء الجنسي على الأطفال أصبحت ظاهرة، فلقد أنشئ خط هاتفي جديد في مدينة ليدز البريطانية لمساعدة الأطفال الذين تعرضوا لمثل هذا النوع من الاعتداء ولقد تلقت محطة تلفزيون الـ bbc البريطانية ما يتراوح بين ثلاثين إلى خمسين ألف مكالمة هاتفية خلال الإثنتي عشرة ساعة الأولى التي فُتحت فيها الخطوط الهاتفية للأطفال، لكن ألفي مكالمة فقط تمكنت المحطة من الإجابة عليها. ولنر الآن ما موقف القانون البريطاني من هذه المشكلة؟ وما مدى مساهمته في حلها والقضاء عليها؟. ليست الغرابة في وقوع مثل هذه الأشياء لديهم، لكن الغريب موقف الحضارة الغربية منها:
يقول مدير الخدمات الاجتماعية في مجلس إحدى المقاطعات: "إن المشكلة تكمن في أن القانون لا يحمي هؤلاء الأطفال حيث إننا نخسر كثيراً من الحالات عندما نحاول أخذ هؤلاء الأطفال للعناية بهم، وذلك بسبب عبء الإثباتات". ويقول الدكتور هوبز: "إنه من الصعوبة بمكان اتخاذ أي إجراء ضد الشخص المغتصِب إلا إذا اعترف بذلك حتى لو كان التشخيص الطبي يثبت هذا الشيء، إن القانون أصبح حصانةً للمغتصِب والشرطة تعرف ذلك، وقليل جداً من الحالات ترسل إلى المحكمة".
هذا هو إسهام القانون في حل المشكلة، حماية المجرم ووضع العراقيل أمام المصلحين والعقلاء، والنتيجة زيادة الجريمة والانحطاط الخلقي والاجتماعي وتفشي الأمراض، والمزيد من النفقات الاقتصادية لعلاج ذلك كله. وهذه المشكلة لم تنشأ من فراغ، بل إنها جاءت نتيجة انحراف موجه في مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وثالثة الأثافي تساهل القانون في القضاء على الجريمة. وإن لوسائل الإعلام حصة الأسد من إشاعة مثل هذه الجرائم فما يُعرض في قنوات التلفاز من أفلام ولقطات تحرض على الجريمة الجنسية، وما يعرض في أشرطة الفيديو والمسارح والمجلات التي تعرض وتباع على مسمع ومرأى، بل وبحماية من القانون والسلطات كل هذا مما يزيد معدل هذه الجريمة. وليست الخمور والمخدرات من الساحة ببعيدة في مثل هذه الجرائم. إذاً كل شيء في بلدان الحضارة المعاصرة يحرض على الجريمة، وبصفة قانونية رسمية يحارب القانون نفسه من يحارب الجريمة أو يحاول أن يقف في طريقها.
إنه القانون الوضعي، إنه البعد عن منهج الله، إنه الضياع...
في الغرب البلايين من الدولارات تصرف على الكلاب والقطط والملايين تعيش تحت مستوى الفقر. يقول خبراء اجتماعيون من جامعة "بنسلفانيا" إن محبي الحيوانات في الولايات المتحدة وحدها ينفقون أكثر من ثمانية بلايين دولار للاعتناء بحيواناتهم من القطط والكلاب، أي أكثر من الدخل الوطني في أكثر من دولة من دول العالم النامي، هذا ما ينفقه الشعب الأمريكي المتحضر على الكلاب والقطط سنوياً، يتم هذا في الوقت الذي يموت فيه الآلاف من الجوع والأمراض الناتجة عن سوء التغذية في كثير من الدول الأفريقية والآسيوية وغيرها. بل إن هذه البلايين من الدولارات تصرف على الكلاب في أمريكا رائدة الحضارة الغربية في الوقت الذي يعيش فيه الملايين من الشعب الأمريكي نفسه في فقر مدقع، فلو قدر لك أن تدخل حياً من الأحياء الفقيرة في مدينة نيويورك أو غيرها من كبريات المدن الأمريكية وخصوصاً الأحياء التي تقطنها أغلبية سوداء لحدثتك نفسك أنك في بلدٍ من أفقر بلدان العالم الثالث وما الدول الغربية الأخرى عن هذا ببعيدة إن لم تكن أسوأ حالاً منها.
ففي بريطانيا مثلاً: نشرت صحيفة بريطانية تقريراً أعدته مجموعتان من مجموعات ممارسة الضغط على الحكومة: إن أحد عشر مليون شخص يعيشون حالياً دون مستوى الفقر. وهذا العدد كما لا يخفى يشكل حوالي 20% من العدد الإجمالي للسكان وليس الشعب البريطاني بأقل شغفاً بالقطط والكلاب من نظيره الأمريكي، ولا هو بأقل صرفاً وإنفاقاً عليها، فهذه بعض تناقضات وتفاهات الحضارة الغربية:
تموت الناس في الصحراء جوعاً



ولحم الضأن يرمى للكلاب



وإذا تركنا القطط والكلاب جانباً بهذه البلايين من الدولارات التي تصرف عليها، ونظرنا إلى ما يصرفه الشعب البريطاني من الملايين على الخمور، هذا الشعب الذي يحتضن بين جنبيه أحد عشر مليون فقير، إذا نظرنا إلى ذلك فإننا نزداد ثقة بتعاسة هذا المجتمع الغربي المتحضر –زعموا-.
ففي تقرير أعده خبراء الصحة ونشرته صحيفة التايمز جاء فيه: إن البريطانيين ينفقون 35 مليون جنيه استرليني يومياً على المشروبات الكحولية، ويدخل خزانة الدولة سنوياً 6 بلايين جنيه كضرائب على هذه المشروبات، لكن الفاتورة السنوية التي تصرفها الدولة من جراء مفاسد هذه المشروبات قدرت بـ مليار و680 مليون جنيه، وذلك نتيجة التغيّب عن العمل الناجم عن الأمراض التي تسببها الخمور، وأجور العلاج في المستشفيات، فماذا بقي من حضارة مجتمع ينفق أكثر من 12 مليار جنيه سنوياً على الخمور فقط؟ في وقت يعيش فيه 11 مليون من أبنائه تحت مستوى الفقر؟. في التقرير سابق الذكر أكثر من 25 ألف شخص يموتون سنوياً في بريطانيا كنتيجة مباشرة لسوء استعمال الكحول.
إن السراب الذي يتطلع إليه المخدوعون بهذه الحضارة لتعكسه هذه الأرقام والإحصائيات فيظهر جلياً على حقيقته وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم التنـزيل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [(219) سورة البقرة] نعم، قد تجني الدولة الملايين كضرائب على الخمور، وهذا في ظاهره نفع وغنيمة، لكنها تنفق أضعافها نتيجة الحوادث والجرائم الناجمة عن تعاطي هذه الخمور، والشعب يدفع عصارة جيبه، وكدّ جبينه كي يطرب ويلهو ويسكر، فإذا أفاق دفع فاتورة هذا الطرب والسكر مرةً أخرى لا بالمال هذه المرة، لكن بما يعانيه من ازدياد في الجرائم والحوادث والأمراض، فأي نفع يقارن بكل هذه المفاسد والآثام، فعلام إذاً تشرئب الأعناق إلى هذه الحضارة وينادي بالسير على خطاها المنادون؟ وهل ينادي بها بعد ذلك إلا السذج والبُلهاء ولهؤلاء نقول: هذه حقيقة هذه الحضارة فهل أنتم منتهون؟.
وإلى أبناء أمتنا نسوق هذه الأمثلة التي تعكس الوجه المظلم للحضارة المعاصرة مستهدفين أن يزداد أبناء هذه الأمة تمسكاً بما لديهم من منهج حكيم ومن شرع إلهي أنزله الله الحكيم الخبير بما يُصلح عباده فهو الملجأ والعاصم من أمثال هذه الجرائم. وصدق الله القائل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [(107) سورة الأنبياء]. فيا من وُليتَ أمراً من أمور التعليم والتربية أو وسيلةً من وسائل التوجيه في عالمنا الإسلامي: اتق الله فيما وليت، ولتكن هذه الأمثلة ماثلة أمامك، وأنت تضع الخطط والبرامج، ولا يغرنّك خبراء التعليم والإعلام في العالم الغربي أو الشرقي، فالنتيجة كما ترى مزعجة مفزعة ولو كان عندهم خبرة شاملة كاملة لاستفادت منها بلادهم. ولقد خاطبنا ربنا قائلاً: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} [(45) سورة إبراهيم] والعاقل من اتعظ بغيره.
إن الحضارة الغربية حضارة يبوء كاهلها بالمتناقضات: تناقض في الأفكار وتناقض في القيم، وتناقض في المواقف، وتناقض بين الأقوال والأفعال. لكنها رغم ذلك كله هي الحضارة السائدة التي يعدها أهلها ويعدها بقية العالم إلا من رحم ربك حضارة العصر، الحضارة التي يجب أن يحذو حذوها كل من يريد أن يتبوأ مكانة محترمة ومقبولة في هذا العصر. ولعل من أبرز أنواع التناقض بين أقوال هذه الحضارة وأفعالها تناقضها بين ضجتها الصوتية العالية عن حرية الأفراد والشعوب، وسلوكها كل سبيل لفرض قيمها الخُلُقية، وتجربتها السياسية، ونظمها الاقتصادية، بل ومعتقداتها الدينية على سائر شعوب الأرض، ووصم كل ما يخالفها، بل كل ما يتعارض مع مصالحها بكونه انتهاكاً للحقوق الإنسانية، أو إضراراً بالمصالح العالمية، أو ممارسة للإرهاب، أو سبباً للتخلف، وما شئت من تهم جائرة، بل وأحيانا أقوال آفكة.
إن واقع المسلمين اليوم يشكل تخلفاً في فهم بدهيات الدين، نعم بدهيات الدين فضلاً عن فروعه. فهناك تخلف في فهم معنى حاكمية الإسلام، وفي معنى الولاء والبراء، وفي معنى يُسر الشريعة، حتى وصل التخلف إلى مفهوم شهادة أن لا إله إلا الله، حتى الشهادة لم يَعِ معناها الحق كثير من المسلمين وإن كانوا يتلفظون بها في اليوم مرات عديدة، بل لقد بلغ التخلف في فهم هذا الدين إلى أقصى درجاته في معرفة الرب -جل وعلا- حيث يوجد في ديار الإسلام من ينكر وجوده، ومن يدعي شريكاً له تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. إذن: أي حضارة نطالب بها؟.
إننا لا نريد حضارةً جوفاء كحضارة الغرب الكافر اليوم، لا بد أن يكون معيناً للتقدم والرقي الحضاري من أساسه لا من مظاهره، حتى لا تكون حضارتنا جوفاء. إن الحضارة تقوم على الإنسان أولاً قبل أن تقوم على إنجازاته. فلا بد أن يكون الإنسان في نفسه راقياً متحضراً قبل أن تكون منجزاته كذلك، ورقيه يكون بتحقيق الغاية التي من أجلها خُلق، فعلى رِسْلكم يا دعاة الحضارة والتقدم على رِسْلكم. المضمون أولاً ثم الأثر، الإسلام الصحيح، ثم الاستخلاف في الأرض.
نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر أن ألمانيا في عهد النازية الهتلرية والولايات المتحدة الأمريكية حتى عشية الحرب العالمية الثانية كانتا تفتقران إلى أي مشروع أخلاقي أو إنساني يمكن أن يحملاه إلى العالم، فالأولى ارتكزت إلى التفوق العرقي الذي أباح للألمان اجتياح العالم وتدميره بوحشية، أما الثانية فكان يطاردها شؤم الإبادة الجماعية للهنود الحمر، بالإضافة إلى افتقارها إلى التراكم الحضاري الممتد عبر التاريخ، أي أنهما كانا يعانيان بوعي أو بغير وعي من عقدة العجز عن القيام بدورهما الرسالي، ولم يجدا عوضاً عن هذا العجز إلا أن يشهرا في وجه العالم تقدمهما المادي لإيهامه بأنهم الأكثر تحضراً.
إن صناعة الأمجاد وبقاء الأمم، يكمن في خلود الحضارات، وسر بقاء أمجاد الشعوب وخلود حضارات الأمم، يكمن في مجموعة عناصر رئيسة يأتي في طليعتها عقيدةٌ إيمانية، ومُثُلٌ وقيم أخلاقية، والمتأمل في تاريخ الحضارات الإنسانية يجد أنها تعيش تقلبات شتى، بين ازدهار وانحدار، وقيام وانهيار، بل لعل بعضها كُتب لها الاضمحلال والدمار، لفقده عناصر البقاء والاستمرار. وأنبل حضارة عرفها التاريخ البشري هي الحضارة الإسلامية، فما الحضارة الغربية اليوم إلا نتاج اتصالها بحضارتنا الإسلامية في الأندلس وغيرها، بيدَ أن سبب إفلاسها اعتمادها على النظرة المادية في منأى عن الدين والأخلاق مما كان سبباً في شقاء الإنسانية، وما كثرة حوادث الانتحار والاضطرابات النفسية، وانتشار أماكن الدعارة والانحرافات الخلقية، وهذا الجنون المسعور في إطلاق الشهوات لدى الغرب عبر قنوات خصصت للجنس، أو مواقع إباحية على شبكة الانترنت، إلا انحدارٌ سحيق وتردٍ عميق في هُوّة فنائية كبرى يتنادى في قعرها العقلاء لاستدراك ما فات، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. لقد تعرّت حقائق الحضارة الغربية واهتزت مصداقيتها في الاضطلاع بالمؤهلات التي تؤهلها لقيادة العالم نحو إسعاد الإنسان، وتحقيق استقراره، وضمان حقوقه، ورعاية مُثله الإنسانية الرفيعة، وقيمه الأخلاقية العليا، ليحصل له الأمن المنشود، والحياة الكريمة المبتغاة وليس هناك من يستطيع النهوض بالمشروع الحضاري العالمي إلا أمةٌ واحدة، هي أمة الشهادة على الناس {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [(143) سورة البقرة] أمة الرحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[(107) سورة الأنبياء] أمة الخيرية على العالم {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [(110) سورة آل عمران] أمةٌ التمكين في الأرض {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [(41) سورة الحـج].
وأول هذه المميزات الحضارية وركيزتها، عقيدة التوحيد الخالصة، عقيدةٌ تحث على العلم، وتحترم العقل، وترعى الخُلق، وتسعى إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ورعاية حقوق الإنسان في حفظ دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه، وتربي الضمير، وتعلي الروح الإيجابية البناءة، وتحض على التوسط والاعتدال والرفق واليسر والتوازن والعدل والرحمة، ومهما قال المتحذلقون عنها فقد قال الحق - تبارك وتعالى -: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [(33) سورة الأنعام]. وإن أحداً من المنصفين لا ينكر أنه لم يشهد العالم حضارة أكثر منها رحمة بالخَلْق، وسمواً في الخُلُق، وعدالة في الحكم على مر الدهور وكر العصور، ويوم أن سقطت الحضارات الموهومة في مستنقعات المادية، وعانت من الأزمات الأخلاقية حتى غرقت في أوحال التمزّق والضياع، فإن أمتنا الإسلامية هي الجديرة بإمساك زمام القيادة وامتطاء صهوة السيادة والريادة على العالم، وحينها فلن تتخذ من التقدم الحضاري أداةً لاستغلال الشعوب، واستنـزاف خيراتها، وإهدار كرامتها، وصب القنابل فوق المدنيين بلا سبب، ولن تتخذ من الاكتشافات والاختراعات طريقاً إلى الإلحاد ودعم الإرهاب، ولن تتخذ من الآلات العسكرية والتقنيات الحربية ذريعة إلى تهديد أمن الدول والشعوب، والعمليات الهمجية والوحشية والبربرية بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل، ولن تُسخِّر وسائل الإعلام وسائل لتضليل الرأي العام والشارع العالمي والمحيط الدولي، وتلك أعباء حمل الرسالة الإسلامية لإنقاذ البشرية وإسعاد الإنسانية التي تتيه اليوم في أنفاق مظلمة من الظلم والشقاء.
لقد تركت حضارتنا الإسلامية آثاراً خالدة في مختلف النواحي العلمية والخلقية وغيرها، وحققت دوراً عظيماً في تاريخ تقدم الإنسانية، وخلّفت آثاراً بعيدة المدى قوية التأثير فيما وصلت إليه الحضارات الحديثة وليس هذا من المبالغة في شيء، ولا ضرباً من التفاخر الكاذب والادعاء المذموم بل سِجِلّ التاريخ ناصح بأحرفٍ من ذهب، ومدادٍ من نور، وإليك أيها المنصف بعض الشواهد الواقعية والنماذج الحية من تاريخ حضارتنا المشرق الوضاء، الذي ينضح عدلاً ورحمةً وإنصافاً حتى مع المخالف، واسمع وقارن بين هذا النموذج وما ذكر قبل قليل من أمثلة من واقع الحضارة الغربية، فما أشبه الليلة بالبارحة.
لقد زخرت كتب السير والتاريخ بوقائع كثيرة، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، يرى مرة في السوق شيخاً كبيراً يسأل الصدقة، وكان يهودياً من سكان المدينة، فيسأله -رضي الله عنه- عن حاله وإذا بعُمر يقول له: "ما أنصفناك إذ أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك شيخاً" وأخذ بيده إلى بيته، فقدم له من طعامه، ثم أرسل إلى خازن بيت المال أن افرض له ولأمثاله ما يغنيه ويغني عياله. يعجزُ اللسانُ نطقاً والقلمُ تعبيراً أمام هذه الروعة الحضارية في تاريخ أمتنا المجيد.
وثمة جانب مشرق في حضارتنا الإسلامية ألا وهو جانب أخلاقنا الحربية فقد أشرقت شمس الحضارة الإسلامية والعالم كلُّه تحكمه شريعة الغاب، حتى تردّى إلى عالم الوحوش الكاسرة، فوضعت حضارتنا الضوابط الحربية محرِّمة الحرب للنهب والسلب، وإذلال كرامة الشعوب، وسحق المجتمعات، وجعلت لها غايات نبيلة، منها الدفاع عن عقيدة الأمة وأمن المجتمع وردّ عدوان المعتدين {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [(190) سورة البقرة] فالحرب لا تنسينا مبادئنا، ولذلك جاءت الوصايا الكريمة حينما يشتد الوطيس: "لا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا شيخاً ولا وليداً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له" جاء هذا في وصية أبي بكر الصديق حينما أنفذ جيش أسامة - رضي الله عنهما-.
ويمضي تاريخنا المجيد مسجلاً هذه الروائع، ففي حروب التتار وقع بأيدي التتار كثيرٌ من أسرى المسلمين وأهل الذمة، فتدخل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في فك الأسرى، فأجابه الوالي إلى فكّ أسرى المسلمين فقط، فأبى شيخ الإسلام ذلك وقال: "لا بد من افتكاك الجميع، من أهل ديننا وأهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة" ولما فتح صلاح الدين -رحمه الله- بيت المقدس كان فيها ما يزيد على مائة ألف من غير المسلمين فبذل لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، وسمح لهم بالخروج منها لقاء شيء يسير يدفعه المقتدرون منهم، ومن لا يقدر من الفقراء ففداؤه عليه - رحمه الله -. هذه حضارة الإسلام في روائعها، فما هي حضارتهم في شنائعها وفظائعها؟ وما يوم حليمةَ بسرّ.
حكمنا فكان العدل فينا سجيةً
وما عجبٌ هذا التفاوت بيننا



فلما حكمتم سال بالدم أبطَحُ
فكل إناء بالذي فيه ينضح



لقد شهد التاريخ المعاصر وحشية القوم وإرهابهم على الرغم من الشعارات البراقة التي تُمتهن عملياً في كل لحظة، ورغم العهود الدولية والمواثيق العالمية التي تنادي بحقوق الإنسان في مواثيق موهومة وديمقراطيات مزعومة، تخرقها جرائم بشعة أمام سمع العالم وبصره، ولا يُغفل التاريخ المخازي النكراء في التعصب ضد المسلمين في الحروب الصليبية وفي الأندلس وفي الواقع المعاصر، مما يطأطئ رؤوسَهم خجلاً وحياءً لو كان لديهم حياء، بل إن مخازيهم في الاضطهاد والتعصب لا يطمرها التاريخ، وما أفعال النازية ومآسي محاكم التفتيش بخافية على أهل الإسلام، بل لا نذهب بعيداً فهذه أحقادهم في الحربين العالميتين مهما أعلنوا في المحافل الدولية، وفي مواثيق هيئة الأمم الحديثة إنسانيتهم وهم على أرض الواقع يمارسون وحشيتهم وضراوتهم، وإن التخلّق يأتي دونه الخُلُق. إنها شعارات تختبئ وراء شعار السلام والاستقرار، وهي تزرع الإرهاب والاستعمار، وقد كشفت الأحداث العالمية والمجريات الدولية وزر قسوتهم، مما يؤكّد على مر العصور أنهم سفّاكو الدماء ووحوش التعصب وعبيد القسوة. فكيف تُشَنّ الحملات الإعلامية المغرضة ضدَّ الإسلام والمسلمين متهمة إياهم بالإرهاب والوحشية وهذه شنائعهم؟ ولن ينس الغيورون على أوضاع أمتهم مذابح صبرَا وشاتيلا، ومجازر قانا وجنين، وفضائح البوسنة والهرسك، والإجرام الذي حصل على أفغانستان، والوحشية التي مُورست على أرض الشيشان، وما يحصل اليوم على أرض العراق، وعناقيد الغضب الصهيوني ضد إخواننا في فلسطين المجاهدة، حيث تتحدث الحجارة هناك.
سكت الرصاص فيا حجارةُ حدثي



أن العقيدة قوة لا تُهزم



لقد سقطت الأقنعة عن الإعلام الغربي المعاصر حينما تأكد للمراقبين أن أكثر وكالات الأنباء وقنوات الفضاء العالمية تسيطر عليها المنظمات الصهيونية، بل إنها تُمثِّل دُمى في يد اللوبي الصهيوني العالمي.
والسؤال المطروح على الرأي العام العالمي وعلى وسائل الإعلام الغربية: هل ما يجري على أرض فلسطين وما تمارسه إسرائيل الحاقدة هذه الأيام يتماشى مع الحق والعدل والإنسانية والحضارة؟ وإذا لم تكن ممارسات الصهيونية في فلسطين إرهاباً فما هو الإرهاب إذاً؟.
وأخيراً: الإنسان: الإنسان في أي أمة هو أساس الحضارة، وصعود حضارة أو هبوطها دائماً ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى فاعلية الإنسان، فإذا اتسم سلوك الإنسان في أي أمة بالفاعلية، كان النهوض الحضاري لهذه الأمة، أما إذا انعدمت فاعلية الإنسان، وتوارى جهده فإن مستقبل هذه الأمة لا يحمل لها إلا التخلف والانحطاط الحضاري. ولقد كان الإنسان في الأمة الإسلامية هو مدار الحركة الحضارية، وتمثل حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام والأجيال الأولى من المسلمين هذه الحقيقة تمثيلاً واضحاً. وإلاّ فمن الذي دخل في الصراع مع الشرك حتى قضى عليه؟ من الذي نشر الإسلام وما جاء به من الهداية والحق والعدل والخير؟ دماءُ مَنْ جرت في سبيل إنقاذ الإنسان المسحوق من عبادة العباد وهدايته إلى عبادة الله وحده؟ من الذي ترجم نتاج الحضارات الأخرى، واستخرج منها حضارة مستقلة بصبغة إسلامية؟ ألم يفعل كل ذلك وغير ذلك الإنسان المسلم الذي كرمه الإسلام وأعاد إليه حقيقته الإنسانية في الواقع والحياة بعد أن كان عبداً للشركاء والأنداد.
ومن هنا: كانت حركة المسلمين الأوائل في سبيل بناء الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية تقوم على أساس أن العمل وحده هو الذي يخُط مصير الأمة في واقع الحياة، وأن عَرَقَ الأحياء في عمل جماعي مشترك هو الذي يتكفل ببناء حضارة هذه الأمة، وأن وجود الحق في الأمة وحتى الانتساب إليه لا يكفي في التمكين له في الأرض، إلا أن يكون من يحمل هذا الحق يعمل من أجل تمكينه ونصرته.
إن الأفكار تبقى ميّتة حتى لو كانت صادقة وصحيحة حين لا تكون ذات فاعلية في إطار زمني محدد، والأشياء تصبح باهتة ومجرد أكداس إذا لم تكن متأتية عن حركة الحضارة ومتسقة مع وظيفتها، والأشخاص يتحولون إلى البداوة وعدم التحضر عند فقدهم للروابط التي تفسر اجتماعهم وعملهم المشترك في سبيل أهدافهم الحضارية.
إن الأرض الإسلامية من المحيط إلى المحيط هي بقدر من الله أغنى بقعة في الأرض وأكثرها خيرات، وقد كانت وما تزال حتى هذه اللحظة لم تستثمر الاستثمار الكامل، الذي يستغل كل مواردها وكل طاقاتها ولذلك: فإن أهل تلك الأرض الإسلامية رغم بترولها، ومعادنها، ومواردها المائية، وقوّتها البشرية هم أفقر أهل الأرض جميعهم وأكثرهم مشكلات! إن السبب وراء فقر الأرض الإسلامية وكثرة مشكلاتها ليس قلة مواردها، وإنما هو التقاعس، والتواكل، والضعف العلمي، ووهن العزائم، والانصراف عن عمارة الأرض، والرضا بالفقر على أنه قدر من الله لا ينبغي السعي إلى تغييره خوفاً من الوقوع في خطيئة التمرد على قدر الله. إنه ليس من الضروري ولا من الممكن أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض، وإنما ينهض بالرصيد الذي وضعه الله بين يديه: الإنسان، والتراب، والوقت.
ولذلك: فإن الجهد الأكبر لا بد أن يوجه لصناعة الرجال الذين يتحركون في الواقع، مستخدمين التراب والوقت والمواهب من أجل بناء نهضة الأمة الإسلامية.
إذن: فإن الخطوة الأولى على طريق الحضارة هي التفكير في الإنسان الذي لم يتحضر بعد، ومحاولة توفير الشروط التي تحقق له ما ينبغي من الفاعلية التي تؤهله لحمل رسالته وبناء حضارة أمته، فحاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد، الإنسان المتحضر، الإنسان الذي يعود إلى التاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الجهاز الدقيق الذي يسمي الإنسان لا تتم بمجرد إضافة جديدة إلى معلوماته القديمة، لأنه سيبقى هو قديماً في عاداته الفكرية، وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية، ولكي نوضح ما نقصده بقولنا: إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد، الإنسان الفعال، وأنه لابد من توفير الشروط التي تحقق له ما ينبغي من الفاعلية: ننظر إلى واقع بلد مثل اليابان، ذلك البلد الذي يعيش في منطقة فقيرة في المواد الخام كالبترول والمعادن، كما أنها ليست إستراتيجية من ناحية الوضع الجغرافي، ولكنه في ظل هذه الظروف الصعبة يتقدم يوماً بعد يوم، بل ويغزو إنتاجه العالم الغربي.
لقد كانت مصر واليابان ذات يوم متأخرتين على مستوى واحد أو متقارب، ودخلتا الخضم في وقت واحد أو متقارب، فمضت اليابان في الشوط حتى سبقت السابقين الذين تتلمذت عليهم من أهل الغرب، وتعثرت مصر في خطواتها، وتخاذلت، وانتكست عدة مرات. لماذا؟
أحست اليابان بالحاجة إلى النهوض وهي محتفظة بذاتيتها، فأعطت من نفسها العزيمة المطلوبة، وبذلت الجهد المطلوب، وأحست مصر بالحاجة إلى النهوض وهي مسلوبة الشخصية، فلا شخصيتها الإسلامية كانت حية تدفعها إلى العمل، ولا اكتسبت وهي في موضع التقليد ذاتية مستقلة لأن التقليد يقتل الذاتية ولا ينميها، ومن ثم: ظلت في مكانها، أو تحركت خطوات متخاذلة متعثرة، لا توصل إلى شيء ذي بال.
إن الأمة الإسلامية قادرة على أن تنهض من تخلفها وعجزها وهوانها وواقعها الراهن، كما نهضت اليابان من تحت أنقاض هزائمها وكوارثها ودمارها المادي والمعنوي، لتصبح رغم ضيق مساحتها، وحرمانها من الثروات الطبيعية الضرورية تصبح الدولة الثانية في العالم بمقياس التقدم الصناعي والتجاري. ما الذي ينقصنا عن الشعب الياباني الذي لم يكن يملك غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية إلا مدناً خربة، وصناعةً مدمَرة، فشق طريقه بعزيمة صادقة، وإرادة صارمة، ووسائل مكافئة للحاجة والأهداف، حتى غزت صناعته أسواق العالم وأصبح الغرب يبحث عن سبيل اللحاق بهذا الشعب. وكذلك الشعب الألماني، صاحب أقوى دولة أوربية اقتصاديّاً، كيف خرج من الحرب العالمية الثانية؟ لقد خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية وهي تحمل ذكرى عشرة ملايين قتيل، ولا تمتلك إلا أنقاض حضارة سادت ثم بادت، ولكنها بالعمل الجاد البصير المستمر تغلبت على مشاكلها، وتقدمت واستعادت كل قوتها وأكثر، وأصبحت في سنوات معدودات أهم دولة في أوروبا، وواحدة من أهم دول العالم في الصناعة والتجارة والاقتصاد والتقدم العلمي.
إن سر تقدم الأمم يكمن دائماً في القدرة على تسخير القوى المتاحة، وإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تنهض وتتقدم، فليس أمامها من سبيل إلا أن تتصرف في حدود ما تملك فعلاً، لا أن تحلم بما هو خارج عن أيديها لأن مثل هذه الأحلام لا تثمر في النهاية إلا الحسرة والندامة، وحين تتصرف الأمة الإسلامية فيما تملك وفق السنن، التي فطر الله عليها أمور الخلق فإنها بهذا تستثمر الطاقات المتاحة على أحسن وجه.
إن التنمية الناجحة تعتمد أساساً على تحول الإنسان، ولذلك فلا بد أن يتحول اهتمامنا بالتكنولوجيا ورأس المال إلى الإنسان، كيف نعيد تشكيل عقله وفق المنهج الإسلامي؟ وكيف نعيد إليه الفاعلية التي يمنحه إياها ذلك المنهج؟ وكيف نحرره من روح الاتكالية، وندفعه إلى التطلع إلى التقدم؟ فإذا استطعنا الإجابة على هذه الأسئلة، فقد وضعنا أقدامنا على أول الطريق للتقدم والخروج بالأمة من مرحلة القصعة المستباحة إلى التمكين والريادة.
إن الأمة الإسلامية لن يكون لها مكان على خريطة المستقبل إلا إذا تاب أبناؤها من خطيئة الكلام الكثير والعمل القليل، وشمّر كل منهم عن ساعديه، وتعبد لله في ليله ونهاره بالعمل الكثير، وبدون ذلك تبقى هذه الأمة بين مطرقة الغرب الحاقد، وسندان أفعال أبنائها العاجزة، التي لا تعدو في كثير من الأحيان مجموعة من الكلمات.
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..