المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشروع استيطان شرق افريقيا


Eng.Jordan
04-01-2013, 11:24 AM
1- مشروع الكونغو

في اطار تعثر مشاريع الاستيطان اليهودية في قبرص والعريش وشرق افريقيا وغيرها، قام هرتزل عام 1903م بالاتصال بالمستثمر اليهودي البلجيكي فرانتز فيليبسون الذي كان يملك احتكارات كبيرة في الكنغو بافريقيا، وذلك لاجل استمالته والتوسط لدى ملك بلجيكا. وكعادة هرتزل مع الدول والزعماء، عرض ان تدفع المنظمة الصهيونية مبلغا من المال سنويا للحكومة البلجيكية للتخفيف من اعبائها المالية، مقابل سماح بلجيكا بتوطين عدد من اليهود في الكنغو واستثمار خيرات المنطقة في اطار حكم ذاتي لليهود.

رفض فيليبسون الفكرة ولم يقم بالوساطة، رغم انه من المؤيدين لفكرة توطين اليهود بسبب خوفه من قدوم منافسة من مستثمرين جدد قد تؤثر على مصالحه الواسعة.

2- مشروع استيطان شرق افريقيا
أهم المشاريع التي لم يؤخذ بها كان مشروع شرق أفريقيا أو مشروع أوغندا، الذي كان يهدف إلى إنشاء محمية إنجليزية يهودية اسماً وفعلاً تابعة للإمبراطورية البريطانية. وهو المشروع الذي قدمته بريطانيا لليهود عام 1903م لكي يقيموا عليه وطنا لهم على هضبة مساحتها 18 الف ميل مربع في كينيا الان، وليس أوغندا كما اصبح شائعا في المطبوعات، حيث ان هرتزل كان قد فهم خطأ من وزير المستعمرات البريطاني حينما كان الاخير يغريه بمشروع شرق افريقيا قائلا عن المنطقة، بان خط السكة الحديدية الذي يعبر أوغندا الى المنطقة المقصودة (كينيا) قد اكتمل، فظن هرتزل بان مشروع توطين اليهود في شرق افريقيا سيكون في أوغندا لهذا تم الالتباس. اذن كان المشروع سينفذ في كينيا وليس في أوغندا.

يعتبر "جوزيف تشمبرلين" رجل السياسة البريطاني، المنظر الحقيقي لمشروع شرق افريقيا، فقد قيل بان تشمبرلين هو الذي اختار لنفسه منصب وزير المستعمرات في بريطانيا وظل في هذا المنصب من 1895 لغاية 1903م.

كان تشمبرلين واسع الافق ولديه مقدرة على الابتكار، فعمل على تحسين صورة الامبراطورية البريطانية في الخارج، وجعلها مقبولة اكثر لدى الاخرين واخرجها من عزلتها، شق الطرق في المستعمرات واهتم بالزراعة على اسس حديثة، وشجع على مد خطوط السكك الحديدية، واهتم بزيادة العنصر البشري الغربي.

كان تشمبرلين عنصري جدا، فقد كان يؤمن بتفوق العرق لانه يحدد السمات الاساسية للحضارات. كان يؤمن ان تكون السياسة الخارجية للامبراطورية البريطانية موضوعة على اساس عرقي وعلمي دقيق لكي تستند عليها التحالفات. كانت رؤيته للعرق هرمية، على القمة يكون "الانجلو- سكسون" ثم يليهم التيتون او اهل شمال ايطاليا فرنسيين والمان وغيرهم من شعوب اوروبا الغربية، واعتبر اليهود في قاع الهرم الاوروبي.

كان تشمبرلين في هذا يعتبر ان هناك اجناسا دنيئة من البشر وتوجد اجناس اقل دناءة منها. الهنود جنس دنيء لكنهم اقل دناءة من السود، لذلك يمكن تطوير السود بادخال بينهم عنصر لجنس وسيط، فيستفيد الجميع. تستفيد بريطانيا ويستفيد الهندي ويستفيد الاسود. ومن واقع الخبرة والممارسة الميدانية راى تشمبرلين ان استخدام الانسان الابيض في العمل بالمستعمرات لم يكن مجديا او لائقا، كما ان استخدام الانسان الابيض من غير البريطانيين ليس محل ثقة، ولذلك تم استخدام الهنود كمادة بشرية.

لهذا رأى تشمبرلين ان اليهود هم المادة البشرية المناسبة لاجل تحقيق اهداف كثيرة، عوضا عن ان اليهود هم عنصر اوروبي لكنهم لا يسببون مشاكل كما المستوطنون البيض. ويمكن في هذه الحالة ان يحل اليهود محل الهنود في العمل في محمية شرق افريقيا.

عام 1902م دعي هرتزل لكي يدلي بشهادته امام اللجنة البريطانية للغرباء التي انشئت للنظر في مشكلة هجرة يهود اليديشية الذين ياتون لبريطانيا، فاقترح تحويل المهاجرين الى وطن يهودي مباشرة معترف به، وترك هذا اثرا عميقا لدى سامعيه. ولما دعي هرتزل لمقابلة تشمبرلين استمع الاخير لوجهة نظره، وادرك امكان توظيف اليهود كمادة بشرية، ووعد بالنظر في اقتراح هرتزل بجعل قبرص او العريش وطنا لليهود.

في عام 1902م زار تشمبرلين افريقيا ثم استقبل هرتزل مرة اخرى وعرض عليه مستعمرة شرق افريقيا لكي تكون مستوطن مستقل لليهود، ووافق على ذلك لورد بلفور الذي كان يرأس الوزارة البريطانية في تلك الايام.

سعت بريطانيا الى مشروع أوغندا في الوقت الذي نشط فيه الاستعمار الالماني والايطالي، وفي وقت ازدادت فيه هجرة يهود اليديشية الى بريطانيا، فوجدت بريطانيا الفرصة لتحويل المهاجرين اليهود الى مادة استيطانية توطنهم في محمية تقوم بحماية الموقع الاستراتيجي في شرق افريقيا. فبريطانيا كانت قد فضلت ان يكون الوطن اليهودي في شرق افريقيا كون بريطانيا في ذلك الوقت متحالفة مع الخلافة العثمانية وتود الحفاظ على املاك العثمانيين ضد الزحف الروسي، ولم تكن فكرة تقسيم دولة الخلافة الاسلامية قد طرحت بعد.


كان البريطانيون سيضعون حاكما يهوديا على المحمية، ويطلقون عليها اسم فلسطين الجديدة. وفعلا تم تأسيس شركة لتطوير المنطقة بموافقة الحكومة البريطانية، ووافق تيدور هرتزل على المشروع، وايده ماكس نوردو الذي سمى المشروع بانه "ملجأ ليلة واحدة" وهو يقصد بانه سيكون الطريق الى فلسطين وطن اليهود الحقيقي.

تحمس اليهود المهاجرين من روسيا للمشروع فايدوه بقوة بعكس زعمائهم الذين عارضوه. وايد المشروع المستوطنون الصهاينة في فلسطين، واليهود الارثوذكس الذين رأو ان استيطان فلسطين شيء عبثي. عارض المشروع حاييم وايزمان وعارضه المندوبون الروس، وسمي الصهاينة الذين عارضوا مشروع شرق افريقيا بصهاينة جبل صهيون. وحينما طرح المشروع للتصويت، تمت الموافقة عليه بالاغلبية 295 صوتا موافقا مقابل 178 صوتا معارضا و 143 صوتا ممتنعا عن التصويت. أحدثت نتيجة التصويت تصدعا في الحركة الصهيونية واستشاط الرافضين غضبا، وحاول احد الشباب المتحمسين اغتيال ماكس نوردو "الشرق افريقي" كون الاخير كان احد اصحاب الحجة في فكرة الموافقة على المشروع.

على اثر نتيجة التصويت الايجابية على التصويت، تشكلت لجنة اشتملت على بريطاني مسيحي، ومهندس روسي، وصحفي سويسري. وذهبت اللجنة الى شرق افريقيا لدراسة الوضع، فاستقبلها المستوطنون البيض من اصل انجليزي فضللوا اللجنة، وزودوها بمعلومات خاطئة واخذوا اللجنة الى اراضي قاحلة غير المنطقة المقصودة، وعادت اللجنة وقدمت تقريرها السلبي. وليس هذا فقط بل ان المستوطينين البيض في شرق افريقيا اقاموا الدنيا ولم يقعدوها، فعوضا عن انهم ضللوا اللجنة الا ان هذا لم يكتفوا به بل كتبوا العرائض والاحتجاجات الى الحكومة البريطانية، ورفضوا ان يأتي اليهود الى مناطقهم بحجة ان قدوم المهاجرين اليهود سيكون له آثار سلبية على القبائل الافريقية. وان تلك الارض قد مدوا عليها خط سكة حديد، ولا يودون ان يغيروا سكينة تلك المنطقة بقدوم اناس اخرين.

في المؤتمر الصهيوني السابع عام 1905م تم رفض كافة مشاريع توطين اليهود، ويبدو ان عود الحركة الصهيونية قد اشتد وازداد نفوذها وارتفع سقف اهدافها، وصار الحديث عن تفتيت دولة بني عثمان، التي صار يطلق عليها رجل اوروبا المريض تمهيدا لاغتصاب فلسطين. على اثر رفض مشروع شرق افريقيا انشق "اسرائيل زانجويل" واربعين مندوبا اخرين، وأسسوا الحركة الصهيونية الاقليمية.

3- مشاريع أخرى
من رموز الحركة الصهيونية ماكــس بودنهايمـــر (1865-1940 م). هو زعيم صهيوني ألماني درس القانون في جامعة شتوتجارت واصبح محاميا. وبعد ان أسَّس مع ديفيد ولفسون جمعية صهيونية بعد صدور كتاب هرتزل دولة اليهود، صار من أشد مؤيدي هرتزل، وهو الذي كان عضواً في رئاسة المؤتمر الصهيوني الأول (1897)، وساهم في صياغة الأهداف الصهيونية الواردة في برنامج بازل. عمل نائباً للرئيس في المؤتمرات الصهيونية التالية. رافق بودنهايمـــر هرتزل في لقــاءاته مع القيـصر الألماني، وزار فلسطين وإسطنبول، وشارك في تأسيس المنظمة الصهيونية الألمانية وتولَّى رئاستها بين عامي 1897 و1910م، واصبح رئيساً للصندوق القومي اليهودي في الفترة من 1907 وحتى 1914 م. خلال الحرب العالمية الاولى أسَّس لجنة تحرير اليهود الروس في برلين.
في عام 1891 م نشر بودنهايمـــر كتيباً دعا فيه إلى إقامة مستعمرات يهودية في سوريا وفلسطين. فقد وجه نداءه إلى أثرياء اليهود لإنشاء شركة تعمل على توطين يهود شرق أوربا في منطقة سهل البقاع في شمال لبنان. وكان يعلم اهمية تلك المنطقة بالنسبة لبريطانيا، فطلب الموافقة والدعم منها مقابل ان يحافظ اليهود على المصالح البريطانية، ويحمي المستوطنون مواصلات بريطانيا التي تؤدي الى مستعمراتها في الهند. لكن بريطانيا لم تهتم بالفكرة، تجنبا من خلق مشاكل لا مبرر لها مع الدولة العثمانية.

وفي عام 1893، قام الصهيوني "هنري دي أفيجدور" بمحاولة أخرى لشراء مساحات من الأراضي في منطقة حوران لكي تكون قاعدة للاستيطان اليهودي في المنطقة، الا ان المحاولة ايضا فشلت بسبب معارضة الدولة العثمانية، ولأن المشروع لا يحظى برعاية دولة كبرى.

كانت هناك محاولات عدة لشراء الاراضي في شرق الاردن، واتخاذها قاعدة للاستيطان، ومن ثم القيام بشن الهجمات على السكان وطردهم. الا ان كل هذه المحاولات لم تحظ بموافقة الدولة العثمانية، وامر السلطان بطرد الجمعيات اليهودية تخوفا من حدوث مشاكل لا احد يعلم بها.

خلال عامي 1903 و1904م حاول هرتزل إقناع السلطان العثماني من خلال مستشاره، بالموافقة على السماح بتوطين عدد من اليهود في جنوب العراق، مقابل ان تعمل المنظمة الصهيونية على حل المشاكل المالية التي كانت تعاني منها الدولة العثمانية.

وفي عام 1905، واصل ديفيز ترييتش محاولاته الاستيطانية، بعد فشل مشروعي قبرص والعريش، فطلب من السلطان العثماني السماح لليهود بالاستيطان في القطاع الساحلي من منطقة أضنه الذي يتاخم الشاطئ السوري فرفض السلطان المشروع.

لكن تترييتش لم ييأس فراح يفكر في استيطان جزيرة رودس لموقعها على الطريق البحري بين شرق أوربا وفلسطين، ووجود حوالي خمسة آلاف يهودي في تلك الجزيرة من مجموع سكانها الذي كان يبلغ آنذاك حوالي 30 ألف نسمة. غير أن هذه الفكرة قد رفضت ايضا.

4- نشطت جماعات صهيونية إقليمية، منها جماعة قامت في ألمانيا للاستيطان في الجزء البرتغالي من أنجولا عام 1931م. الا ان الحكومة البرتغالية رفضته.

5- في مؤتمر إفيان 1938م، قدم اقتراح لتوطين 100 ألف يهودي في جمهورية الدومينكان، الا ان الصهاينة رفضوه.

6- رفض الصهاينة ايضا مشروعا اخر في بيرو بيجان السوفييتية.

7- كان للنازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا مشاريعهم التوطينية ايضا لليهود خارج فلسطين.

8- وفي عام 1790م، اقترح كاتب بولندي توطين اليهود في أوكرانيا التابعة لبولندا.

9- وفي عام 1815م، قدَّم القس البولندي "شاتوفسكي" اقتراحاً بأن يُوطَّن اليهود في جيب يهودي صغير في آسيا الصغرى يكون قاعدة للدولة الروسية ضد الخلافة العثمانية.

10- كان هناك مشاريع استيطان اخرى في الولايات المتحدة الامريكية، لكنها لم تتعدى الاحلام، لان امريكا نفسها هي مجتمع المهاجرين ولا ضرورة لان تمنح اليهود ارضا خاصة بهم.


وهذا يؤكد بأن مشروع الدولة اليهودية كان وليد ظروف البعث القومي في اوروبا، وان مؤيديه من اليهود كانوا قلة من الفقراء في روسيا اوروبا الشرقية واستطاع هرتزل ان يزاوج بين القلة اليهودية الغنية في اوروبا التي تبحث عن الربح والاقتصاد وبين متاهة الفقراء الذين كانوا يرزحون تحت نير التفرقة العنصرية.
نستنتج مما سبق ان مشروع هرتزل لا يختلف كثيرا عن مشروع الحروب الصليبية حينما استغل السياسيون في اوروبا الإيمان بالمسيحية ووظفوه لخدمة السياسة والحرب. وهذا يدل على ان هرتزل حينما كان سيقبل باي مكان لكي ينشيء عليه الدولة اليهودية إنما كان يغازل البؤساء من اليهود الشرقيين لكي ينجز ما يسعى اليه الاقلية من اغنياء اليهود في اوروبا الذين يصادقهم في رياضته الارستقراطيه، وسعيا للمجد الشخصي وقد كان له في النهاية ما اراد. لقد كان هرتزل حذقا وذكيا حينما سعى مع أحد القساوسة في وضع حدود للدولة اليهودية كشعار معلن هو "فلسطين داود وسليمان" بمعنى اسرائيل الكبرى.
لو تعمقنا في الامر اكثر نجد أن اسرائيل بخلاف كل الدول التي تسعى الى الاستقلال، تأسست باقتصاد قوي وما زالت فورة الاقتصاد فيها تفيض كون اموال كثيرة تذهب اليها حتى ساعدها الفائض الاقتصادي ان تصبح دولة ذرية في اقل من مرور عشرين عاما على استقلالها، وان اقتصادها اكبر من كل الدول المحيطة بها وسكانها لا يتجاوزون الستة ملايين حتى الربع الاول من القرن الحادي والعشرين. لذا فانها دائما في حاجة ماسة الى الايدي العاملة، فنجد انها تستورد العمالة اليدوية من دول كثيرة مثل تركيا، باكستان، الهند، سريلانكا، كوريا وغيرها، بالاضافة الى عشرات الالوف من الفلسطينيين في حين ان نسبة البطالة في الدول المحيطة باسرائيل لا تقل عن 20 بالمائة.
هذا يبين بان اسرائيل هي مجموعة من رؤوس الأموال الإحتكارية الاستعمارية الاستيطانية العسكرية، يُضلل بها الغوغائيون من فقراء اليهود ويستثمرها اغنياؤهم من الاوروبيين، بالاضافة الى توظيفها لخدمة القوى العالمية المتنفذة حليفة اصحاب المصالح من اغنياء اليهود.
ماذا كان يمكن ان يكون عليه حال تركيا "رجل اوروبا المريض" في بداية القرن العشرين لو انها قبلت بما كان يعرضه عليها هرتزل من أموال، ومساعدات، وسداد ديون للدول الغربية على السلطنة، وماذا لو قبلت تركيا ان ترعى امن واستقرار الدولة اليهودية في فلسطين! ألم يعرض هرتزل على السلطان عبد الحميد بان يحل كل مشاكل السلطنة المادية بشرط ان يظل سرا بينهما حتى لا تعلم به الدول الاوروبية الدائنة للسلطنة العثمانية! وان دل هذا على شيء فانما يدل على ان الخيانة دائما وأبدا هي نهج بني صهيون على مدى التاريخ فحليفهم الدائم هي مصالحهم واليذهب غيرهم من يكون الى الجحيم.
لو ان تركيا قبلت العرض لربما كان في الامكان ان تبقى تركيا سلطنة وخلافة وربما لساعدها اليهود ضد اعدائها. رحم الله السلطان عبد الحميد لإيمانه ولنظرته البعيده، ذلك السلطان الذي رفض عرض هرتزل فتم التآمر عليه وعلى السلطنة فتم تمزيق صرح الخلافة العثمانية.
يقول الرأي الاخر بالنسبة لموقف السلطان عبد الحميد الثاني، بأن هناك نوع من الصواب لو قلنا بأن السلطان عبد الحميد في أواخر ايام الدولة العثمانية كانت سياسته ونظام حكمه يشبهان حال النظام العربي في الربع الاول من القرن الحادي والعشرين حيث أن الضعف والوهن كان باديا على الدولة العثمانية التي تتطلع اليها عيون الامباطوريات لكي تتقاسمها او على الاقل ان تحصل منها على ميزات ونفوذ مقابل الحماية او العون الاقتصادي.

لذا قد يكون من المبالغ فيه أن تسجل كل تلك المحامد للسلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض عروض "تيدور هرتزل" الاقتصادية مقابل ان يصدر السلطان فرمانا صريحا بالسماح لليهود بالهجرة الكثيفة الى فلسطين. فلو لم تكن شكوكنا في محلها فلماذا اصلا استقبل السلطان هرتزل اكثر من مرة، ولماذا سمح له بان يعرض عليه القروض والمساعدات الا اذا كان الاختلاف على العروض من ناحية حجمها ونوعها، وربما الشك في ظن السلطان بأن هرتزل يمثل احدى الدول الاوروبية الطامعة في تفتيت الدولة العثمانية على مراحل اي ان يكون الاستيطان اليهودي في فلسطين احد تلك المراحل.

وهنا لا بد ان نشير بشيء من الحذر الى بعض الامور التي تجعل المرء ليس من السهولة ان يقف بجانب روح ما قاله السلطان عبد الحميد في ردوده على هرتزل، لأن طبيعة الاحتلال العثماني للبلاد العربية كان سيؤدي الى شيء من هذه النتائج الكارثية أو كما حدث لفلسطين وتوج في عام 1948م.

يقول الدكتور إ"براهيم علوش" في مقال له في "موقع الصوت العربي الحر" تحت عنوان، الاحتلال العثماني والحنين للتخلف: يقول، "تصاعدت مؤخراً ظاهرة الحنين المفتعل للعثمانيين في بعض الأوساط، والتفجع على انقضاء قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ، والنواح على أطلال التخلف الذي زرعوه في أرضنا على مدى قرون". وهنا يشير الدكتور علوش الى مواقف تركيا من العرب وفلسطين والبلاد العربية بصفة عامة، وأن الاحتلال العثماني هو ما وضع العرب في اسوأ الاحوال، وما جلب عليهم الاستعمار والتفتيت.

العثمانيون مثلا، لم يتركوا اثرا حضاريا واحدا في البلاد العربية طيلة مدة احتلالهم، ولم يقدموا انجازا علميا او فنيا او ادبيا. وحينما احتل الاتراك العثمانيون بلاد العرب لم يكن الفارق الحضاري بين العرب والاوروبيين كبيرا كما اصبح في اواخر الحكم العثماني. ورغم كل ما قيل عن رفض السلطان فإن الاخير أصبح صديقا لهرتزل وكان يفاوضه ويستقبله ويستمع اليه ويناقش عروضه وما يمكن ان يقدم من مال او قروض او يتحدث باسم قوى غربية معينة، بمعنى لو ان السلطان وجد عرضا سخيا من هرتزل يمكن به شفاء الدولة فربما لكان هناك ما يمكن ان يوافق عليه، وربما ان السلطان ايضا قد شعر بأن نهاية حكمه قادمة لا محالة، وان لا جدوى مما يمكن ان يقدمه أغنياء اليهود المتحالفين مع بريطانيا للسلطنة لأن الوقت قد فات على امكان نهوض الخلافة والتغلب على امراضها المستعصية، لذا هو اراد السلطان ان يسجل موقفا يخلده في التاريخ.

هذا، ومن ناحية اخرى، إن الاشارة القاطعة بأن السلطان عبد الحميد الثاني كان رافضا للهجرة اليهودية الى فلسطين ولم يسمح بها فهناك شك في هذا القول، لان الهجرة اليهودية الاولى (1882م) كانت قد تمت في ايام حكمه وان ثلاث مستعمرات يهودية بنيت في عهده هي " ريشون ليتسيون، وبتاح تكفا، وزخرون يعقوب". وإبان حكم السلطان عبد الحميد ايضا، قام وجهاء القدس برفع عريضة لرئيس الوزارة العثمانية، طالبوا فيها بوقف هجرة اليهود الروس الى فلسطين ( عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث – الطبعة التاسعة).

هذا، وحينما نجد ان القوات البريطانية في عام 1801م قد عاونت العثمانيين على اخراج الفرنسيين من مصر. وبعد ذلك خلال نهوض "محمد علي" والي مصر بتأسيس الدولة العربية الحديثة، نجد ان بريطانيا وفرنسا ودول اوروبية اخرى في عام 1827م قد ساعدت العثمانيين على طرد جيش محمد علي من سوريا، وعملت على تدمير اسطوله البحري في موقعة نفارينو، علما بأن بريطانيا بعد ذلك هي من اتت أصلا بوعد بلفور.

من هذه الوقفة البسيطة يمكن تخيل علاقات الدول التي تحكمها المصالح وحجم الربح وما يمكن تحقيقه. السياسة كما نعلم لا تحكمها المباديء ولو وضعت الايديولوجيات كيافطات فإنها تكون لافساح مجال للساسة والقادة كي يناوروا.

هذا، ويجب الا يغب عنا، بان اسرائيل كانت مشروعا غربيا بصفة عامة، ذلك نظرا لوزن ونفوذ اغنياء اليهود في الدول الغربية وخصوصا في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ثم في غيرهما من الدول. لقد رأينا ان الصهاينة قد أسسوا دولتهم بالتحالف مع بريطانيا اولا، ثم بنوا قوتهم العسكرية بواسطة فرنسا، وبعد ذلك ربطوا اقتصادهم بالولايات المتحدة خلف الاطلسي، وبقوا هكذا كما هو دأبهم يتجاذبون المصالح، ويتنقلون من هذه الدولة بالولاء اليها ثم يتركونها الى غيرها لكي يظلوا مستمرين في مشروعهم الاستيطاني. لكن موجات التاريخ لا تثبت على هيئة واحدة ولا تظل على وتيرة واحدة.
_____________________