المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأزمة المالية في مصر


عبدالناصر محمود
04-08-2013, 07:35 AM
الأزمة الاقتصادية في مصر.. هل تهدد الحكم الإسلامي؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

{تقرير مترجم: }

*ـ أحمد حسين الشيمي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشَرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية مؤخَّرًا تقريرًا بعنوان: "Egypt’s Financial High Noon"؛ أي: "الأزمة المالية في مصر"؛ للخبير الاقتصادي أزيوبل كولمان، تناوَلَ تأثير الأزمة الاقتصادية التي تَضرِب مصر في الوقت الحالي على المسار السياسي والديمقراطي، وكيفية خروج القاهرة مِن المُستنقَع الاقتصادي الراهن بسبب السياسات والبرامج الاقتصادية الخاطئة التي طبَّقها النظام السابق طيلة ثلاثين عامًا.

ويُشير التقرير إلى أن القاهرة تَبذُل جهودًا حثيثة للحصول على مُوافَقة صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 4.8 مليار دولار، خاصة مع تراجع الاحتياطيات المصرية من العملات الأجنبية، وانخفاض مستوى الصادرات، وارتفاع عجز الموازنة العامة، وضعفِ قدرة الحكومة على توفير السلع الغذائية الضرورية المستورَدة؛ مثل الوقود والقمح.


قضية الدعم:
ولعلَّ الخلاف الأساسي بين الحكومة المصرية وبعثة صندوق النقد الدولي هو مطالبة الأخير برفع الدعم عن بعض السِّلَع الضرورية والذي يَلتهِم ثلث الموازنة العامة، ورفضِ الحكومة باعتباره يُشكِّل ضررًا كبيرًا على محدودي الدخل، خاصة أن الذاكرة المصرية لم تنسَ حتى الآن انتفاضة الخبز عام 1977م، والتي كادت تؤدي إلى سقوط نظام الرئيس السابق أنور السادات، ومع ذلك تريد الحكومة اتخاذ عدد من الإصلاحات الاقتصادية الضرورية لتقليل حجم الدَّين العام وعجز الموازَنة، لكنها في الوقت نفسه تَنتظِر تشكيل مجلس النواب الجديد - الغرفة الأولى في البرلمان - لإصدار تشريعات مِن شأنها معالجة مسألة الدعم الحكومي وتحرير أسعار بعض السلع.

مصر ليست الدولة الوحيدة التي ما زالت تُطبِّق نظام الإعانات بصورة وسَّعت الفجوة بين الإيرادات والمصروفات الحكومية؛ فمثلاً تُنفِق دول منظَّمة التعاون الاقتصادي أكثر مِن 250 مليار دولار سنويًّا لدعم قطاع الزراعة، كما قدَّرت وكالة الطاقة الدولية مؤخرًا حجم الدعم الذي تقدِّمه الدول المختلفة للوقود بنحو 500 مليار دولار سنويًّا، وتُنفِق المملكة العربية السعودية قرابة 43 مليار دولار سنويًّا للحفاظ على انخفاض أسعار الوقود في السوق المحلي؛ حيث يُعتبَر مواطنو المملكة أكبر مستهلكين للطاقة على مستوى العالم.

وفي الممارسة العملية، يساعد الدعم على شيوع ثقافة الاستهلاك الترَفي، وضعفِ الإنتاج المحلي، بالإضافة إلى عدد مِن المشكلات المالية الأخرى المرتبطة بتوفير ميزانيات سنوية ضخمة لتعويض الفارق بين الأسعار العالمية ونظيراتها المحلية؛ ففي مصر لم تؤدِّ سياسة دعم الخبز إلى التوسع في الاستثمارات الزراعية لتوفير القمح اللازم لإنتاج الخبر، بل أدَّت إلى التوسُّع في استيراده، كما أدى دعم مشتقات البترول مثل البنزين والسولار إلى انتعاش السوق السوداء، وتهريب هذه السلع الضرورية إلى خارج البلاد؛ مما أدى إلى حدوث مشكلات متكرِّرة في وسائل النقل والمواصلات بصورة قد تصل - إذا فشلت الحكومة في محاربة الفساد في هذا القطاع - إلى شلل تامٍّ في أنحاء الدولة المصرية.

ويُمكِن القول: إن تَطبيق الإصلاحات الاقتصادية ليس بالأمر بالسهل؛ فهناك بعض التجارب الدولية في مجال رفع الدعم التدريجي بدون التأثير على بعض الفئات الاجتماعية المُستحِقَّة للدعم؛ حيث يتطلَّب الأمر حوارًا مجتمعيًّا موسَّعًا، وبرامج تثقيفية وإعلامية توضِّح للمواطنين والنقابات العمالية الفوائد الاقتصادية لرفع الدعم، والتعويض الذي تحصل عليه الفئات المتضررة مثل رفع رسوم المدارس، ورفع الحد الأقصى والأدنى للأجور؛ مما قد يَحول دون حدوث احتجاجات شعبية مناوئة لهذه الخطوات.

فإيران - على سبيل المثال - طبَّقت سياسة الدعم النقدي للأسر المحتاجة عام 2010، فقبلَ رفعِ الدعم عن الطاقة، أودعت مبلغ 60 مليار دولار في حسابات المواطنين المُتضرِّرين مِن القرار، علاوة على مبلغ 15 مليار دولار لدعم الصناعات المتضرِّرة مِن الأسعار العالية للوقود.

لكن هناك بعض التجارب التي فشلت في إقناع المواطنين بضرورة رفع الدعم عن أسعار بعض السلع، والمثال على ذلك نَيجيريا التي عانت من ارتفاع كبير في أسعار الوقود في يناير 2012، ولم تَستطِع الحكومة إقناع المواطنين بتوجيه ميزانية الدعم إلى الاستثمار في البِنيَة التحتيَّة، وشهدت البلاد موجات عارمة مِن الاضطرابات والاحتجاجات، دفعت الحكومة إلى التراجع عن قرارها.

برنامج اقتصادي شامل:
إن مواجهة الأزمة الاقتصادية في مصر يتطلب تضافر كل فئات المجتمع واتفاقهم على برنامج اقتصاديٍّ شامل، وأن تضع المُعارَضة يدها في يد النظام الحاكم مِن أجل صياغة سياسات اقتصادية تضمن التطبيق الفعلي للعدالة الاجتماعية؛ بأن يذهب الدعم الحكومي إلى مُستحقِّيه، وأن يتم تحرير الأسعار بصورة تضمن رفع الدعم عن بعض الصناعات؛ مثل الحديد والأسمنت، التي تَستهلِك كميات كبيرة من الوقود، وفي نفس الوقت الحفاظ على مستويات أسعار مَعقولة.

ولا يُساعد مناخ عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في مصر، وتراجُع الاحتياطيات النقدية، وضعف قدرة الحكومة على توفير التمويل اللازم لاستيراد السلع الضرورية - على إجراء إصلاحات اقتصادية تُخفِّف مِن عَجزِ الموازنة الذي يتجاوَز 146 مليار جنيه، بما يُمثِّل 8.2% من الناتج القومي الإجمالي.

وما مِن شك في أن الأزمة الاقتصادية التي تَعصِف بمصر - خاصة مع عدم توافر البيئة المناسبة لجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية - تُعدُّ مِن أكبر المشكلات التي تواجه حكم الرئيس محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث إن فشل الرئيس في تنفيذ برنامج اقتصادي واضح يُعالج مشكلة الاستثمارات الأجنبية والفقر والبطالة والدَّين العام وعجز الموازنة - مما يُحقِّق الرخاء الاقتصادي - سيؤثر بصورة كبيرة على مستقبَل التيارات الإسلامية بصفَة عامَّة.

وتَعتزِم مصر إصدار قانون الصكوك الإسلامية التي تمثِّل إحدى الأدوات المالية لتمويل المشروعات القومية الضخمة، والذي يواجه معارَضة مِن بعض التيارات السياسية التي تَخشى مِن تملُّك المستثمرين الأجانب لمشروعات حيوية في البلاد؛ لكنها في الوقت نفسه لن تكون الحلَّ السِّحريَّ للأزمة المالية، كما أنها تتطلب استقرارًا سياسيًّا واجتماعيًّا يدفع رجال الأعمال في الداخل والخارج إلى ضخِّ استثماراتهم في مصر.

إن المشكلة الاقتصادية هي محطة الاختبار الرئيسة في مسيرة الحكم الإسلامي في مصر، فإذا استطاعت القاهرة الخروج مِن عثرتها الاقتصادية فسيفتح الباب أمامها للتقدُّم والنهوض، شريطة أن يَحدث نوع مِن التفاهم والرؤية المشتركة بين الرئاسة وأحزاب المعارضة؛ لأن الخلاف القائم بين الجانبَين لن يتوقف أثره على تعطيل الإصلاحات الاقتصادية الضرورية فقط؛ بل سيُعقِّد مِن مُجمَل المشكلات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وسيعوق مسيرة بِناء المؤسَّسات السياسية اللازمة لبدء مرحلة جديدة بعد نجاح الثورة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ





{ شبكة الألوكة }
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ