المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة النور


Eng.Jordan
04-08-2013, 01:04 PM
بقلم خديجة الهلالي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛
في مساء ذلك اليوم؛ كانت الأضواء ساطعة، والموسيقى صاخبة، والوجوه باسمة.. السعادة تبدو غامرة في تلك الليلة, ولكنها سعادة زائفة. هكذا كان يخبرها قلبها بأنه لا يشعر بالسعادة وسط هذه الكلمات الساقطة، والحركات المتمايلة، والضحكات العالية... إنه يكاد أن ينفجر غيظًا فيتمزق أشلاء، ويموت أسيرًا داخل قفصها الصدري ويتركها وحيدة، بلا قلب فما كان منها إلا أن تهرب به من محيط هذا الحفل الترفيهي... لعله يقف عن ذلك الخفقان، السريع، وتلك الضربات المتتالية...
تسللت من بين تلك الأقنعة الزائفة متوجهة إلى غرفتها، حيث ارتمت على سريرها مجهشة بالبكاء.. فصدرها قد ضاق ذرعًا بذلك القلب الصغير الغريب، فهو كالطير الأسير الجريح.. يتراقص من شدة آلامه وحنينه إلى أوطانه.. يريد فك قيوده وإطلاق سراحه، وتضميد جراحه، ولكن أنَّى له السبيل..؟؟ ولذا فقد ضج به الأنين وضج بها البكاء، فسمعتها إحدى الصديقات المارة أمام غرفتها ففتحت عليها الباب، وسألتها لماذا هي هنا؟ وما سبب بكائها؟ أم هي الحالة قد عادوتها مرة أخرى؟
ولكنها لم تستحمل كل هذا الاستهزاء، ونظرت إلى صديقتها نظرة الآمرة.. وقالت لها بكلمات حازمة: دعيني وشأني لقد سهرت معكن هذه الليلة بما فيه الكفاية، وأريد أن أقضي باقي الوقت بمفردي، وأعتقد أن ذلك من حقي. ولم يكن من صديقتها وهي تهم بإغلاق الباب إلا أن قالت أنت الخاسرة يا حنين؟؟ ثم دوى صوت ارتطام الباب في أرجاء الغرفة، وكأنه يعلن عن بدء جلسة المحاسبة. وتساقطت الدموع من عيني حنين وهي تقول: نعم لقد خسرت الكثير الكثير، ولذا يجب أن أضع حدًا لكل هذه الخسائر التي تسبب فيها قلبي عبر كل هذه السنين.
فمع كل ما وفره أهلي لي وأنا طفلة، من لعب ترفيهية وملابس فاخرة.. إلا أنك لم تشعر بالسعادة، مع أنني لم أسمح لأحد يلعب بها غيري.. كنت أحطم الألعاب، وأمزق الملابس، لأحمل على أخرى تسعدك... ولكن لا فائدة..، كثير الملل والضجر أنت دائمًا.
وبعد التحاقي بالمدرسة وتفاخري على صديقاتي بجمالي وملبسي وتفوقي كنت تطرق على صدري وتقول: بأنك لست سعيدة، حاولت في المرحلة المتوسطة أن أسعدك والتحقت بالإذاعة الصباحية، والأنشطة المدرسية وحققت تفوقًا رائعًا.. وكنت رئيسة شلة الأنس التي اخترت أفرادها بنفسي، من الطبقات الراقية، وتبادلنا الأشرطة الجميلة، والمجلات الرائعة، والقصص الغرامية، لكنك بقيت ترفرف عليَّ بأجنحتك في ضجر شديد، معلنًا عدم شعورك بالسعادة.
انتقلت معهن إلى المرحلة الثانوية وقررنا التعرف على الجنس الآخر للتسلية، والاستمتاع بالوقت معهم عبر سماعة الهاتف، وبعد كل مكالمة مهما كانت جميلة، كانت تثور ثائرتك وكأنك بركان يريد أن ينفجر داخلي.. ضنكًا وغيظًا.. فتوجهت لأبدع في المجلات الحائطية، بالمدرسة والمسابقات القصصية، وأظهرت تفوقًا بارزًا على كل طالبات القسم الأدبي.
ولكن للأسف لم تشعرني بالسعادة التي تحيطني، وعندما التحقت بالجامعة اخترت قسم البلاغة والنقد لقدم وجوده في مدينتي.. كي أطير معك إلى بلد آخر، لعلنا نجد سعادتنا هناك.. فأصبحت الأديبة المشهورة، والشاعرة المرموقة.. وبالفعل من الأيام الأولى في الدراسة أصبح اسمي على كل لسان، في القسم من أساتذة، وطالبات، فأنا الطالبة النجيبة، ذات الثقافة العالية، أصبحت لي زاوية محددة في مجلة القسم.. وزاوية أخرى في مجلة الجامعة، والسكن.
كتبت القصة الدرامية، والقصة الكوميدية، ومثلتها ذلك على خشبة مسرح الجامعة، وأجدت ولاقت إعجاب الكثيرين... ولكن للأسف لم تكتمل فرحتي وسعادتي، فلا سعادة لي دون سعادتك.. فكل هذا لم يعجبك ولم يروق لك، ولذا غامرت فقمت بإجراءات التحويل إلى قسم اللغة الإنجليزية، مع معارضة أساتذتي في اللغة العربية، ولكن صممت وضربت باعتراضاتهم عرض الحائط، لعلي أجد سعادتك هناك... واخترت هذا القسم لأحقق تغيرًا كليًا في حياتي، ودعم ذلك حصولي على دورات كثيرة، خلال الأجازات الدراسية.. التي كنت أقوم فيها للاستمتاع بالوقت مع الزميلات وبالفعل.. وتم لي ذلك، والتحقت بهذا القسم طبعًا بعد ما قصصت شعري على الموضة الغربية، ووضعت العدسات الملونة اللاصقة في عيني وأخذت أزهو بنفسي، وأتحدث هنا وهناك بالإنجليزية، وأحرزت تفوقًا مذهلاً في القسم وفي كتابة المقالات الإنجليزية لمجلة القسم.
ولكن للأسف لم تحيا أنت هذه السعادة، ولم تجعلني أحياها، فتركت الدراسة جانبًا، وأخذت ألهو وألعب مع الصديقات في الجامعة والسكن الداخلي تارة أخرى. نسهر إلى ما نريد، ونلعب ونلهو كيف ما نريد. نقضي أوقاتنا بين الأغاني والهزل، والغزل، كل ذلك في غفلة المراقبة، ونصنع الحفلات الترفيهية من يوم ليوم.. ولكن لا فائدة منك لا فائدة، دائمًا تضيِّق عليَّ الخناق وتشعرني بالوحشة، وتقتل الفرحة في داخلي وهي لم تبلع الفطام بعد، فماذا تريد أيها القلب أن أفعل لك أكثر من ذلك ما تريد..؟؟ وأخذت تبكي وتتأوه في حزن شديد، وفي غمرة البكاء إذا بصوت ينادي نداءً شجيًا!! نداء كأنها تسمعه لأول مرة في حياتها، إنه نداء الحق إنه الفجر يعلن انبثاقه في متاهات الدجى! ومتاهات نفسها أيضًا، إنه نداء الحق يعلن انتهاء جلسة المحاسبة وتعزيز المصير..
وما أن انتهى حتى شعرت وكأن قلبها بدأ يستكين قليلاً قليلاً. وبعد لحظات سمعت طرقات على باب غرفتها وصوت يقول صلاة الفجر يا أخوات، وبطاقة صغيرة قد انبثقت من خلف الباب!! وأخذت البطاقة فإذا بها: أختاه.. لقد افتقدناك في صلاة الجماعة ونحن بانتظارك.
تأملت البطاقة فإذا بتوقيع أسرة المسجد.. شعرت أن قلبها يكاد يطير بها إلى هناك، ولكنها لا تتحرك.. فسمعت صوت دقات قلبها يقول لها: لماذا لا تجربي فماذا ستخسرين؟؟.. دائمًا أنت التي تختارين وتحددين وتذهبين بي إلى أوطاني التي أحب، فقد زاد شوقي وحنيني إليها، هنا سعادتي التي تبحثين عنها.. وإن لم تفعلي فسألقى حتفي لا محالة.. وتزايد خفقان قلبها.. فقامت مسرعة وتوضأت، ولبست عباءتها ونزلت إلى المسجد وهي في خوف وحياء من أن يراها أحد..
فما إن وصلت حتى وقفت مترددة من الدخول فإذا بإحدى الأخوات وقفت بجانبها وسلمت عليها.. وسألتها عن حالها. ثم قالت هي: فلنسرع لنصلي سنة الفجر قبل أن يسبقنا الوقت، وتفوتنا الصلاة، ودخلت المسجد لأول مرة!!
ورأت كل أخت متخذة لها مكانًا تصلي فيه.. وصليت بجانب تلك الأخت البشوش، في الصف الأول، فقد ارتاح قلبها لها.. وبعد ما انتهت أخذت تتأمل الجو الهادئ للمسجد، والإشراقة الصادقة التي تعلو الوجوه الباسمة أمامها. ثم وقفت الأخت الطيبة وهي تقول: بارك الله فيكن هيا إلى الصلاة.. ووقفت بجانبها حنين.. وبدأت الصلاة.. كانت حنين تشعر بشيء غريب سينفجر.. لا تعلم ما هو؟ ولكنها تشعر برضى قلبها، وما أن قرأت الإمامة أم الكتاب بصوتها العذب الندي، حتى رق قلبها ورددت الإمامة: ]اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[.. فشعرت حنين أن قلبها يريد أن يخرج من بين جنبات صدرها، وهو يتابع ويردد مع الإمامة آية.. آية.. ثم قرأ: ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...[ [النور: 35] إلى أن قالت: ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ[.
وأخذت ترددها فشعرت حنين أن قلبها تفجر داخلها بالبكاء، وانهمرت الدموع من عينيها نتيجة ذلك الانفجار الداخلي.. وهي تتساءل ما بال قلبها ولماذا كل هذا الانهيار؟ أهذا كله شوق وحب لله عز وجل؟؟ ثم تتابعت الآيات لتوضح أن الناس فريقين: فريق قد علم النور الحقيقي، فهو معه لا يلهيه عنه شيء مهما جل قدره.. وفريق أهمته الأنوار الزائفة عن النور الحقيقي.. فهو يتخبط في متاهات الدجى. حتى يوافي ربه فيوفيه حسابه ولذا قال تعالى:
]وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ[ [النور: 40] نعم فقد اتجهت لأضواء كثيرة.. وخاضت كل ما فيها من الحياة، ولكن لم تجد سعادة قلبها، فلم تصل تلك الأضواء، ولا حتى بصيص نور منها إلى قلبها، إنها حقيقة يقررها القرآن الكريم.. ومن لم يجعل الله له نورًا فماله من نور، وإن أحاطت به كل الأنوار الساطعة بشتى أنواعها.. فتفطر قلبها حزنًا وأسى علي نفسها، فارتفع صوتها بالبكاء.. وحاولت أن تتمالك نفسها ولكن جاءت قاصمة الظهر في الركعة الثانية، حيث قرأت الإمامة: ]أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ[ [الحديد: 16]. فسقط قلبها مغشيًا عليه وسقطت هي من طولها وهي تردد: بلى قد آن، بلى قد آن... فأكملت صلاتها جالسة، فهي لم تعد تقوى على الوقوف، فهذا كتاب من فوق سبع سموات لها لقسوتها على قلبها.. ولكن.. يأتي الأمل لينبعث في نفسها وهي تسمع قوله تعالى: ]اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا...[ [الحديد: 17]. وكأنه يقول ابشري بحياة قلبك، وحياتك معه في سعادة ما دام قلبك مع الله.. ثم تتلى الآيات لتوضح لها حقيقة الحياة، بأنها لعب ولهو وتفاخر، وكل ما خلا الله باطل ويذهب هباءً منثورًا.
ثم يأتيها نداء رباني عظيم: ]سَابِقُوا[ سابقي إلى طلب المغفرة.. وما الثمن بعد التوبة والثبات إلا الجنة، إنها سلعة غالية، وهذا فضل من الله عظيم.. هكذا انتهت الآيات، وتمت الصلاة، وبقيت جميع الأخوات في المسجد متأثرات من دموع حنين..
وحنين قد وضعت رأسها بين قدميها متقوقعة على نفسها، لم تقف عيناها عن ذرف الدموع، فالتفتت الإمامة إلى الأخوات ثم قالت:
«أخواتي الحبيبات أشهد الله على حبكن فيه.. ولأنني أحبكن أحب أن أخبركن بكلمات تعلمتها.. أخواتي.. يقول عليه الصلاة والسلام: «اتق الله حيثما كنت» انظري اتقي الله أي تجنبي غضبه، وابحثي عن رضاه في أي مكان كنت.. فوق الأرض، أو تحتها أو في وعر الجبال، أو سهلها اتقيه.. راقبيه في أعمالك.. بماذا يأتي الجواب؟ لأنه.. ]وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ[ [الحديد: 4] نعم معك يراك يحاسبك يراقبك فاتقيه ولا تنسي من لا ينساك. هناك ربط بين الحديث والآية. نجد أن من اتقى الله حيثما كان يكون الله معه أينما كان، مساندًا ومؤيدًا، وناصرًا، والدليل: ]هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ[ [الرحمن: 60]، والعكس صحيح فمن لم يتق الله حيثما كان، فالله معه أينما كان يحصي عليه ذنوبه، ويمهله ولا يهمله، ونقول له: فهل جزاء الإعراض إلا الإعراض: ]وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[ [طه: 124] وهذا هو جزاء إعراضه إعراضًا مثله، وجزاكن الله خيرًا».
كل هذا الحديث دار، وحنين دموعها على خدعا تسيل، متسائلة أين كانت عن هذا كله؟ وإذا بإحدى الأخوات ممسكة بالمصحف الكريم، قائلة شاركينا في حلقة التلاوة.. ويتحلقن فإذا بهن قد وصلن إلى قوله تعالى: ]فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ[ [الواقعة: 83]. وبعد القراءة الجماعية.. أخذن يفسرن هذه الآيات.. بأن الناس يوم القيامة ينقسمون عند الجزاء إلى ثلاثة فرق، ويجب على الإنسان أن يختار لنفسه إحدى هذه الفرق، إما أن يكون من المقربين، أو أصحاب اليمين، أو المكذبين، الضالين. ونسأل الله السلامة.
فأخذت دفة الحديث إحداهن وقالت: سبحان الله في سورة القيامة الآيات تتحدث عن حقيقة الموت أيضًا، بل وتتحدث عن الفرقة الأخيرة فقط.. فكأن الإنسان منهم يعتقد أن حياته الدنيا ستترك سدى، دون أوامر ونواهي، ودون عقاب وثواب، وهذا لا يمكن تحت عدالة رب السماوات والأرض، فلن يساوي العامل المجتهد، باللعوب الكسول..
فتكمل الأخرى الحديث قائلة: ولهذا قال عز وجل: ]إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ[ [الواقعة: 95]، ولأنه حق فما علينا إلا أن نقول: سبحان ربي العظيم.. وتردد حنين: سبحان ربي العظيم.. وبعد انتهاء المجلس قالت الإمامة:
اليوم الخميس وتوجد زيارة للحرم المكي، فمن تريد الذهاب معنا اليوم تستعد، لأنه بعد دقائق سيأتي الباص وما أن سمعت حنين ذلك حتى رن في آذانها صوت الإمامة وهي تقرأ: ]سَابِقُوا[ فخرجت من المسجد لتبدل ملابسها، وهي تحدث نفسها بأنها على موعد مع السعادة، على موعد مع مواسم الخير والهدى والنور.. على موعد مع فرحة قليلة إيمانية عظيمة، وقالت: إنني على موعد مع ربي لأتوب إليه.. وأعانق إيماني في ود وصفاء.. ويبتسم لي ابتسامة حقيقية تنبعث من داخل فؤادي وقلبي لتنير سمائي وتبدد غيومي، وتغمر بالضياء ربوع حياتي، إنني على موعد مع فجر جديد، يجدد خفقاني، يسخن نبضاتي ويوقظ ضميري.. ويعيد سنابلي الذهبية، ويشحن بالوجد لحظاتي ويعمق إحساسي، ويزيد لهفتي على الحياة السعيدة..
إنني على موعد مع فرحة تزهر بها أزهاري، وتورق أغصاني، وأنطلق كومضة برق، فأرى الواقع صريحًا جليًا، صادق الملامح، واضح السمات.. أنا على موعد مع سعادة حقيقية، فقد مللت تلال السعادة المصنوعة من الخيال. المعجونة بالأوهام. المحفوفة بالهواجس. والمظاهر الخادعة. والادعاءات الكاذبة، والكلمات الزائفة!! ساحيًا بعيدًا عن الحراء السرابية.. المروج الوهمية، بعيدًا عن كل ذلك.. سأتمتع بصفاء جميل، واستقرار نفسي طيب هادئ، فطالما اشتاق قلبي للسعادة الحقيقية الدائمة، نعم نزلت حنين على الموعد، وهي تتمتم بهذه الكلمات وصعدت إلى الباص وقلبها مشعٌ بنور الإيمان، وما أن استقرت في الباص، وتحرك بهن قليلاً في الطريق، حتى سمعت من خلال المذياع: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ[ [الحشر: 18]، وما أن سمعت إلى آخرها حتى أخذت حنين تردد في نفسها: سأتقيه من اليوم ولن أنساه أبدًا، وسأعمل لأكون من أهل الجنة الفائزين، وسأعمل جاهدة ليخشع قلبي لذكر الله دائمًا، فما قلبي الصغير أمام الجبل الكبير..؟؟
ودخلت الحرم المكي.. ونظرت للكعبة المشرفة عن قرب لأول مرة في حياتها، وكأنها ترى قلبها محلقًا حول الكعبة، فرحًا بلقائها، فاقتربت منها أكثر وأمسكت بأستار الكعبة وتعلقت وكأنها طفل صغير يعود إلى أحضان أمه بعد طول فراق، فابتلت عيناها بالدموع، وأخذت تعاهد الله على المضي قدمًا، على الدعوة إليه، والمجاهدة في سبيله.. وسألته الغوث والثبات، ثم قبلت الحجر وصلَّت ما أراد الله لها أن تصلي وابتهلت بالدعاء بأن يغفر الله لها ذنوبها، ويكتب لها الفوز والعافية ويدخلها جنته برحمته إنه أرحم الراحمين..
وأجهشت بالبكاء... فإذا بها تسمع امرأة بجانبها تقرأ: ]وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً...[ [آل عمران: 135] فسُرَّت بما سمعت فكأنها تقول لها: لقد قبل الله توبتك، وهو فرح بعودتك، فارتمت ساجدة، شاكرة، بأن الله غافر الذنب وقابل التوب، غفور رحيم بعباده، وابتلت أرض الحجر بدموعها.. دموع التائب المنيب. دموع السعادة والرجاء، دموع الوداع لقلبها الصغير، الذي لم يعد يحتمل الانتظار فرفرف بأجنحته مودعًا إلى دار السعادة الأبدية. عند رب غفور كريم، فلم تقو هي على ذلك الوداع المر.. فتعلقت روحها ببصرها وحلقت معه إلى حيث سعادتها هناك.
حلقت الشاخص اليقين.. نعم إن هذا لهو حق اليقين.. هكذا ماتت حنين بعد أن عادت حنين بقلبها الصغير إلى رب حليم غفور.

* * *

ام زهرة
04-12-2013, 02:37 PM
جزاكم الله بكل خير وأحسن الله إليكم
وبارك الله فيكم ولكم وزادكم الله فضلاً وعلمًا