المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإمبريالية الجديدة


Eng.Jordan
04-10-2013, 02:22 PM
الإمبريالية الجديدة

The New Imperialism

قراءة: عبدالفتاح الشهاري 13/8/1426
17/09/2005



الناس في العالم أجمع قلقون، لا يجدون تفسيراً لما يجري. أسئلة كثيرة تجول في أذهانهم. هل التحوّل المفاجئ الذي قامت به الولايات المتحدة على المسرح العالمي من سياسة التوافق والإجماع إلى سياسة القسر والإكراه علامة قوة أم علامة ضعف؟ ماهو الرهان الخاسر حقاً في الحرب على العراق؟ هل هي حرب من أجل النفط؟ فإن لم تكن كذلك، فمن أجل ماذا؟ ما الدور الذي يلعبه اقتصاد متهالك في دفع الولايات المتحدة إلى مغامرة خارجية؟ وما وجه الاختلاف بين استلام المحافظين الجدد لزمام السلطة، وبين أن يكون الزمام بيد الليبراليين الجدد؟ وماهي العلاقة بين النهج العسكري الحربي الذي تنتهجه الولايات المتحدة خارجياً وبين السياسة الداخلية؟
تلك الأسئلة التي يتصدى لها كتاب (الإمبريالية الجديدة) لمؤلفه (ديفيد هارفي) الأستاذ المحاضر في مركز الدراسات العليا التابع لجامعة مدينة نيويورك.
فكرة الكتاب بدأت في عام 2003 عندما كانت أجواء الحرب على العراق تهيمن على العالم، ومع خروج الملايين من مُناهضي الحرب في مظاهرات طافت شوارع لندن وبرشلونة، كما أن وجهة نظر مجلس الأمن الدولي حينها كان مؤيداً لإيجاد حلٍّ دبلوماسي لهذا الخطر، وبالرغم من كل تلك المظاهر المعارضة للحرب ابتدأت الأعمال العسكرية ضد العراق بإصرار من الولايات المتحدة الأمريكية ودعم قوي من بريطانيا وأسبانيا. في هذه الأجواء ورغم عدم حسم نتائج الحرب، إلا أن تساؤلات كثيرة بدأت تدور في مخيلة المؤلف: هل هي نوع من الاحتلال الاستعماري؟ أم القصد منها إقامة نظام عميل للولايات المتحدة؟ أم هي حقاً حرب تحريرية؟





النفط أولاً وأخيراً
حاول المؤلف من خلال بحثه إلقاء نظرة على الأحوال الراهنة للرأسمالية العالمية، والدور الذي قد تلعبه الإمبريالية (الجديدة) فيها من منظور ديمومة الأشياء، وما أسماها (المادية الجغرافية التاريخية)، ومحاولة الكشف عن بعض التحولات العميقة الحاصلة تحت الاضطرابات السطحية. ومن المدلولات التي ساقها في إطار بحثه هذا نقل مقالة عن مجلة (نيويورك تايمز) لكاتبها (Michael lgnatieff) بتاريخ 28/7/2002 حين قال: "إن حرب أمريكا على الإرهاب ليست سوى نوع من ممارسة الإمبريالية، أو سعي لتكوين إمبراطورية. قد يبدو هذا القول صدمة للأمريكيين الذين لا يرغبون لبلادهم أن تكون إمبراطورية. ولكن ماذا تسمى كل تلك الفيالق من العسكر والقوات الخاصة المنتشرة في كافة أصقاع العالم؟" ويقول أيضاً: "لم تعد الولايات المتحدة تحبِّذ إمبراطورية (ذات مذاق لطيف) أو تتوقع أن تقوم بذلك بثمن بخس. وهذا يعني أنها يجب أن تضطلع بدور أكثر ديمومة وأكثر أهمية، وأن تكون مستعدة للبقاء مدة طويلة كي تحقق أهدافاً هامة في التغيير".
ويشير المؤلف إلى أنه لم يكن (إجناتيف) الوحيد الذي أبرز هذه الفكرة وأكدها. فقد حذا حذوه (Max Boot) في صحيفة (وول ستريت جورنال) حين قال: "إن جرعة من الإمبريالية قد تكون أفضل رد على الإرهاب". كما أن المؤرخ المحافظ (Niall Ferguson) صاحب المسلسل التلفزيوني الوثائقي والكتاب المرفق به يتحدث بعاطفة وطنية فهو يرى أن على الولايات المتحدة أن تصلِّب موقفها وتنفق الأموال بكثرة، وأن "تنتقل من مرحلة إمبراطورية غير رسمية إلى إمبراطورية رسمية".
يعرض المؤلف تساؤل العالم: لماذا تتشبث إدارة الرئيس بوش بهذا التوجه العسكري لضرب العراق؟ فهناك دلائل تشير إلى وجود شيء ما وراء ذلك، شيء تحت السطح، مليء بالشعارات المضلِّلة والإعلام الكاذب، ويجب التنقيب عنه، فيتجول في تجربتين يرى أن بهما الإجابة عن تلك الأسئلة، وهي قصة اثنين من منتجي النفط: (فنزويلا) والإطاحة برئيسها شافيز، و(العراق) بإطاحة رئيسه صدام حسين، فهو يرى أنه في حال نجاح الولايات المتحدة في التخطيط للإطاحة بكل من شافيز وصدام (وهذا ما حصل بالفعل)، وتوطد وجودها العسكري الإستراتيجي في جمهوريات آسيا الوسطى، فتهيمن على احتياطات النفط في حوض بحر قزوين، عندئذٍ ومن خلال سيطرتها المحكمة على "صنبور" نفط العالم تستطيع أن تأمل في إحكام سيطرتها على الاقتصاد العالمي لخمسين سنة قادمة.



كيف تعاظمت قوة أمريكا؟
الإمبريالية كلمة يسهل لفظها والتحدث عنها، لكنها تحمل معاني مختلفة يصعب معها استخدام هذه الكلمة دون تقديم بعض التوضيحات على سبيل التحليل وليس بقصد الجلية وتفنيد الرأي. وهذا ما حاول المؤلف البدء به كمدخل إلى بحثه التالي للإجابة عن سؤاله: كيف تعاظمت قوة أمريكا؟
هناك شكلان من أشكال منطق القوة: المنطق الإقليمي، والمنطق الرأسمالي، ودوافع أصحاب هذين المظهرين للقوة ومصالحهما مختلفة، فالرأسمالي الذي يملك المال يضع أمواله حيث يجد الربح وهو يسعى -عادة- لزيادة رأسماله. أما الساسة ورجال الحكم فيسعون للحصول على نتائج تزيد قوة دولتهم أمام الدول الأخرى.
ومن المحتمل في أية لحظة جغرافية – تاريخية معينة أن يهيمن أحد هذين المنطقين ويتراجع الآخر. زيادة السيطرة على منطقة معينة كغاية بحد ذاتها تحمل آثاراً اقتصادية واضحة، ربما تكون إيجابية، وربما تكون سلبية، ولذا فإن ما يميز الإمبريالية الرأسمالية – كما يقول المؤلف – عن غيرها من التصورات الإمبراطورية هو هيمنة المنطق الرأسمالي، رغم وجود أوقات تكون الهيمنة فيها لمنطق الإقليم.
قصة الهيمنة الأمريكية
يذكر المؤلف بحسب روايته قصة الهيمنة الأمريكية عندما خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية الأكثر هيمنة، تهيمن على التكنولوجيا وعلى الإنتاج، وكانت عملتها الدولار أقوى عملة في العالم، وجهازها العسكري أقوى من أي جهاز عسكري آخر في العالم، عدوها الوحيد والأخطر هو الاتحاد السوفيتي الذي فقد أعداداً كبيرة من سكانه، وعانى انحساراً شديداً في قدرته العسكرية والصناعية بسبب الحرب مقارنة مع الولايات المتحدة، فهو الذي تحمََّل وطأة القتال ضد النازية، وقاسى من حصار لنينجراد، وبالتالي كان تدمير القسم الأعظم من قدرة ألمانيا العسكرية على الجبهة الشرقية عاملاً حاسماً في انتصار الحلفاء.
وضعت الولايات المتحدة نفسها على رأس الترتيبات الأمنية المشتركة، واستخدمت منظمة الأمم المتحدة، كما استخدمت وسيلة التحالفات العسكرية، مثل الناتو، للحد من أي احتمال لنشوء حروب بين الرأسماليين ولمكافحة نفوذ الاتحاد السوفيتي والصين، كما سعت لبناء نظام دولي مفتوح في مجال التجارة والتنمية الاقتصادية والتراكم السريع لرأس المال يقوم على أسس رأسمالية.
وفي مرحلة السبعينيات، وعندما وجدت الولايات المتحدة نفسها تواجه تهديداً في الإنتاج، كان ردها على هذا التهديد تثبيت هيمنتها من خلال المال، ولكي ينجح هذا النظام ويثبت فاعليّته، ينبغي للأسواق عامة، وأسواق رأس المال خاصة أن تنفتح أمام التجارة الدولية. ومع حلول سنة 1980 أو نحوها، بات واضحاً أن التصنيع في الولايات المتحدة صار واحداً من مجموعات صناعية متعددة تعمل في بيئة ذات تنافس عالمي حاد، وأن السبيل الوحيد لبقائه حياً يكمن في تحقيق التفوق (المؤقت عادة) في الإنتاج وفي تصميم المنتج، وفي التطوير، وهذا يعني بعبارة موجزة أنه لم يعد المهيمن.
لقد آذنت نهاية الحرب الباردة بحصول تغييرات كبرى، ولا يزال المنطق الإقليمي للقوة في طور التحوّل لكن النتائج غير مؤكدة، ويتضح أيضاً أن المنطق الإقليمي والمنطق الرأسمالي يعيشان في حالة تجاذب شديد القوة، غير أن المنطق الإقليمي الأمريكي تحت إدارة الرئيس بوش قد اتضحت معالمه، ولهذا السبب يدور معظم الحديث الآن عن الإمبراطورية، وعن الإمبريالية التي تتمركز في الولايات المتحدة، لكن ميزان القوى التي تعمل داخل المنطق الرأسمالي يشير إلى اتجاهات مختلفة نوعاً ما. أما كيف سينتهي بها الأمر فهذا يعتمد كلياً على فهم أفضل للطريقة التي يعمل بها المنطق الرأسمالي للقوة.
عبودية رأس المال والقبول بالقشر
إن بقاء الرأسمالية وديمومتها هذا الأمد الطويل على الرغم من الأزمات الكثيرة وإعادة التنظيم المترافقة في كثير من الأحيان مع تكهنات مؤلمة من اليمين واليسار عن قرب زوالها، مسألة يكتنفها الغموض، وينبغي تسليط الضوء عليها.
إن الإمبريالية ذات الشكل الرأسمالي تنشأ من تلك العلاقة الجدلية الديالكتيكية بين المنطق الرأسمالي والمنطق الإقليمي للقوة، وهذان المنطقان متمايزان، ولا يمكن اختزال أحدهما بالآخر، رغم أنهما متداخلان ببعضهما بقوة، ويمكن تفسيرهما بعلاقات داخلية فيما بينهما، لكن نتائجهما متباينة كثيراً في المكان والزمان، وكل واحد منهما يفرز تناقضات، لابد أن يحتويها الآخر.
والسؤال الذي يطرح نفسه وراء ذلك: هو كيف سيكون وقع المشروع الإمبريالي للمحافظين الجدد على العالم العربي، والعالم الإسلامي عامة؟ ويفترض المؤلف أنه في هذا الصدد يبدو أن المحافظين الجدد يطؤون أرضاً محفوفة بالمخاطر؛ حيث إن حل النزاع العربي الإسرائيلي يجب أن يكون هو الأساس الذي يجب الاستناد إليه في أي تقارب مع العالم العربي.