المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار الأديان: الوجه الآخر للتنصير!


Eng.Jordan
04-12-2013, 10:05 PM
دهمني من الكنيسة الكاثوليكية بالجزائر داهِمٌ فتح عينيَّ على كثير من الحقائق المثيرة. أولاها أن التنصير في الجزائر ظاهرةٌ مُتَجَذِّرة، مصاحِبَةٌ لكل تحولات المجتمع الجزائري. يتفرع عن هذه الأولى أنه حَيَّنَ نفْسَه وطوَّر أساليبه وتوغّل بشكل غير مسبوق في البنى التحتية؛ ثانيتها أنَّ تَتَبُّع حركيته من تلقاء الهيئات والأفراد المعنيين بصدّه والتحذير من خطره لم يُسجِّل سوى بعض "النتائج" المحدودة. يتفرّع عن هذه الثانية أن الذي نَعْلَمُهُ عن النشاط التبشيري في الجزائر لا يعكس العمق الذي بلغه، ولا يكشف عن حقيقة خطره، بمعنى آخر فهو متقدم في نتائجه على ما تعلنه الجهات الرسمية، وعلى ما يشير إليه الإعلام من حين لآخر؛ ثالثة الحقائق أن الطبقاتِ المهيأةَ ــ في المنظور التبشيري ــ لم تعد تلك التي استهلكتها الطاحونة التبشيرية، من عوامّ لا قِبَلَ لهم بإجهازاتٍ تتجاوز طاقاتهم، ومن مُعْدَمين يقعون من الحياة الاجتماعية موقع الهامش. يتفرّع عن هذه الثالثة أن النخبوية أصبحت ترتيبا يستجيب لضرورات المرحلة، فالطبقاتُ المثقفةُ هي الأهداف الجديدة لهذه الآلة المقيتة.

لا موعد لهذا الكلام مع ثقافة الحوار بين الأديان، وتجاورها في أطرها الحضارية المفترضة، لأنه نقاش من طبيعة مختلفة، ظروفه أخرى وسياقه بعيد عمّا نحن بصدده.
على أن له موعدا مع حقٍّ وجوديٍّ نُوزِعَ فيه كاتبُ هذه السطور، بناءً على ترتيبٍ استهدَفَ شخصَه المنتمي، ومن خلاله وبشكل مُدَاجٍ غيرِ معلن، طبقة من الناس يشير إليها الصنف الثالث المتقدم قريبا.
كانت البداية مع رسالة أنفذها أسقف كنائس الشرق، عن طريق قسّ متكتّم يتحرك كثيرا في إطار جمعوي تطوعي، مضمونها مجموعةٌ من التعاليم الكهنوتية التي لا تعني غير المسيحيين، ولكن لسبب اتضح بعضه وستتضح بقيته، اختارت أن تنوّع في وجهتها وأن تطرق بابا غير بابها!
المعلوم أن الفضاء الجامعي، خصوصا منتمانا الشخصي أعني جامعة سطيف، ظل إلى وقت قريب بمنأى عن المسدِّدة التنصيرية ــ بلغة الفيزيائيين ــ لتمنُّع المنطقة ولغياب القابلية مطلقا لغير الإسلام، ولكنّ المستكشَف على حين غِرَّةٍ غَيَّر النظرَ إلى الأشياء. فثَمَّ توجُّهٌ قويٌّ نحو مَنْ يُظَنُّ به ضعفُ صلةٍ بأصوله لغةً ودينًا، كالإطارات؛ وثَمَّ استثمار لَحُوحٌ في أوساط الطلبة، خصوصا طلبة اللغات الأجنبية، لقابليتهم المفترضة للتحوُّل.
أما المثير للعجب فهو اعتبارُ أنصار ********ة والمنتظمين في أنسجتها المعروفة أوعيةً مهيَّأَةً للخطاب التنصيري، رغم أن لا عَدُوَّ أعتى على التنصير، في الجزائر وفي غيرها، من هذا القبيل من الناس. فالذي أعان على هذا التصوّر هو أن الجبلّةَ التي ينتمي إليها كاتب هذه السطور أعلنتْ، باكرا، رفضَها المطلقَ لكل مظاهر العنف الجسدي باسم الدين، وسارعت إلى نبذ القَسْرِ العَقَدي تحت أيِّ من عناوينه، ولم تتأخر في كسرِ حواجز الوصاية الفكرية بكتابات ماتزال إلى اليوم تَعْتَزُّ بحريتها، وإلى أن يثبت العكس فإن الواقع صدّقها، وكذَّبَ غيرها. سهُل عندها استبانةُ المقاصد، واتَّضحَ أنّ ترقية خطاب التسامح والتديّن الهادئ هو السبب في استهداف نوعية مخصوصة من الناس، للظن بأنها ممن يَسْهُلُ افتراسُه ويُعَبِّدُ الطريق إلى الغايات الحقيقية.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الذي تهدف إليه الآلة التنصيرية من "المحاولة" مع من تشربوا روحانية الإسلام، هو عبثٌ يدخل في صميم جهلها بخطابها الذي تستدبره نُخَبُها من يوم لآخر، لا بالآحاد والعشرات، ولكن بالآلاف التي يُعَدُّ الواحدُ منها بوزن أمة. في هذه النُّخَب كُتّابٌ كبارٌ، فنانون مشهورون، دبلوماسيّون مرموقون، جامعيّون لهم أثرهم على البحث العلمي والنظر الفكري، إلخ... كان الأولى بالكنيسة أن تفكّر في أسباب تخليهم عنها وفي عروّها منهم، بدل مدّ أرجلها إلى أرض غير أرضها.
كما يدخل ذلك في صميم تجاهلها تاريخَها في الجزائر، فلقد تصدّت للمد التبشيري المرافق للحركة الكولونيالية تمثيليات الإسلام المتباينة، بوسائلها المختلفة، ولكن الذي ظل إلى اليوم الحاجزَ الأكبرَ لمخططاتها إنما هو التصوف بروحانيته، وبطبيعة خطابه. فلم يَكْتَفِ التصوف بذاتيته بصدِّ خرافاتها، بل أفرغها من مضمونها العقدي والبشري، بفعل نشاط كثير من شيوخ التصوف ومرجعياته، كالشيخ أحمد العلاوي (ت 1934م) الذي التفَّ حوله كثير من مثقفي الغرب وأساطينه، في كتابات طويلة النَّفَس دأبت عليها صحيفة "البلاغ الجزائري" مدة غير يسيرة من الزمن.
ساءني، كم ساءني، أن يبلغ التدليسُ منتهاه باستدعاء محيي الدين بن عربي بصفة المُتَّكَإِ الذي يركن إليه الفكر التنصيري، على اعتبار أن الشيخ الأكبر تخلل ــ بزعمهم ــ المنظومة المسيحية واستعاد مفرداتها ومدلولاتها الأصلية، لحاجته الروحية التي يكون افتقدها في غيرها!!!
منطقٌ غريبٌ، ذاك الذي يطوي تأثيرات ابن عربي في الأدبيات الإنسانية، لا المسيحية وحدها، ويخرجه مخرج المتأثر بها لا المؤثر فيها، جاهلا بأن تواصل ابن عربي مع التراث المسيحي ــ في الشق الذي يقبله الإسلام من المسيحية ــ هو تكريسٌ لكونية الإسلام، لا لحاجةٍ إلى روحانية المسيحية وكهنوتها، مهما كانت طبيعتها. ومن صميم التدليس التغطيةُ المقصودةُ على دور كتابات ابن عربي في المصالحة بين الغرب وبين تراثه، وقد فعل ذلك غيرُهُ من ********ين، كالغزالي، ومن العقلانيين كابن رشد؛ ولكنَّ خطابَه أنفذُ وأبعدُ اختراقا للوعي العام، لبعده عن صرامة المناهج وتحديداتها. فما في التهويمات المسيحية وغنوصيتها من انعطاف وتنكّب، وَجدَ صوابه في إشارية ابن عربي التي هي مطلب مَنْ أتعبتهم ثنائية النظر الصارم والتحريف الماضي على غير هدى إلى ما هو للحقيقة نقيض لا موافق. امتدّ هذا التأثير إلى المتأخرين ــ حتى عصرنا ــ يُعرَفُ ذلك من كُتّاب المسيحية أنفسهم من أمثال الإنجليزي آرثر أربيري، والإسباني آسن بلاثيوس، والفرنسيِّين لويس غارديه وهنري كوربان وكريستيان دولورم، والمصري جورج شحاته أنواتي وغيرهم.