المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التوغل الاسرائيلى فى افريقية


Eng.Jordan
04-16-2013, 01:32 PM
شبكة الأخبار العربية ANN
إعداد: إيهاب شوقى

نظرا للدور المتعاظم لاسرائيل فى القارة الافريقية والذى تخطى الهواجس والظنون وبعض الاختراقات الى ادوار اكثر تأثيرا وتهديدا للامن القومى العربى والمصرى بشكل خاص نظرا للعمق الافريقى لمصر وكذلك التماس مع نهر النيل احد اهم قضايا الامن القومى الكبرى, فانه يجب القاء الضوء مرارا وتكرارا على هذا التوغل الاسرائيلى الخطير.

وهذا الملف هو تجميع لعدة دراسات ومقالات تناولت هذا الموضوع نحاول من خلاله القاء مزيدا من الضوء بغرض الالحاح على التركيز والاهتمام بهذا الملف الخطير.

لمحة تاريخية:

منذ أن انعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م في مدينة بازل السويسرية ، تطرق ذلك المؤتمر إلى كيفية تامين مياه الدولة اليهودية التي ستقام على ارض فلسطين ، فمؤسس الحركة الصهيونية وحكيمها تيودور هرتزل بدأ مفاوضات في سنة 1903م مع الحكومة البريطانية ومع المندوب السامي في مصر اللورد كرومر في عهد الملكة فيكتوريا ووزير خارجيتها اللورد آرثر بلفور صاحب الوعد المشؤوم ، من اجل توطين يهود العالم في شبه سيناء توطئة للاستيلاء على فلسطين واستغلال مياه سيناء الجوفية ومن بعدها مياه نهر النيل بالأساس ، حيث وافقت حكومة الاستعمار البريطانية في ذلك الوقت على ذلك شريطة تنفيذها بسرية تامة . وبذلك وضع زعماء الحركة الصهيونية قضية المياه في المقام الأول حينما رفعوا شعار (من نهر الفرات إلى نهر النيل أرضك يا إسرائيل) ، ومنذ قيامها كرست الدولة العبرية هذا المفهوم بسرقتها لمياه الدول العربية (الأردن ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ، ومصر ).

ومنذ قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني ، لم تكتفي هذه الدولة بما اقترفته أيدي عصاباتها من قتل وتشريد لشعب فلسطين ، وتزييف للحقائق ، وطمس للمعالم ، منذ أن وطأت أولى أقدام المهاجرين اليهود ارض فلسطين العربية ، توطئة لسيطرتها وهيمنتها المستندة إلى الإرهاب والغطرسة وقوى الاستعمار ، حيث قامت مجموعة من هؤلاء المستوطنين الجدد في عام 1878 بالاستيلاء على 3375 دونما من أراضى قرية ملبس وأقاموا عليها مستوطنة أسموها بتاح تكفا ، ويَعتبر المؤرخ اليهودي والترلاكور عام 1881 بداية التاريخ الرسمي للاستيطان اليهودي في المنطقة العربية ، بعد أن وصل حوالي 3000 يهودي من أوروبا الشرقية إلى فلسطين ، وتمكنوا من إقامة عدد من المستوطنات في الفترة الواقعة بين 1882-1884 ، وفي عام 1882 ثم إنشاء المستوطنات التالية :1- مستوطنة ريشون ليتسيون 2- زخرون يعقوب 3- وروش يبنا ، وفي عام 1883 مستوطنات 1- يسود همعليه 2- عفرون ، وفي عام 1884مستوطنة جديرا ، وفي عام 1890 أقيمت مستوطنات:1- رحوبوت 2- مشمار هيارون ).

لم تكتف دولة الاحتلال بأعمال القتل والعربدة والتهجير ضد المواطنين العرب الفلسطينيين ، والاستيلاء على الأرض وما بها من خيرات طبيعية ، بل تعدت تطلعاتها إلى الهيمنة والسيطرة على خيرات الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ، وفي مقدمة هذه الخيرات النفط الأبيض ( المياه ).

مراحل تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية

شهدت سياسات التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا مردودات متباينة؛ بحيث يمكن التمييز بين خمس مراحل أساسية في تطور مسيرة العلاقات بين (إسرائيل) وإفريقيا وهي:

المرحلة الأولى 1948 ـ 1957م: البحث عن شرعية الوجود وتأمين الكيان:

بعد إعلان قيام الدولة العبرية عام 1948 أوْلى صانع القرار الإسرائيلي اهتماماً كبيراً بتأسيس علاقات قوية وراسخة مع القوى الكبرى الأساسية في العالم مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي. يعني ذلك أن إسرائيل في بحثها عن شرعية الوجود على الساحة الدولية وتأمين وجودها العضوي لم تنظر إلى المستعمرات الإفريقية، بل انصب جل اهتمامها على القوى الاستعمارية الأوروبية. ومن أبرز المؤشرات التي تؤكد هذا المنحى الإسرائيلي أن إسرائيل لم يكن لديها بنهاية عام 1957م سوى سبع سفارات فقط في العالم بأسره، ست منها في القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية.

ومن الجلي أن القارة الإفريقية جنوب الصحراء كانت بمثابة أراض مجهولةterra incognita بالنسبة للعاملين في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ولم ترغب الدول الإفريقية في إقامة علاقات مع دولة تمتلك العديد من الأعداء. لذلك كان منطقياً ألا يوجد دبلوماسي إسرائيلي واحد مقيم شمال جوهانسبرج حتى حدوث الانفراجة في العلاقات الإسرائيلية الإفريقية مع حصول غانا على استقلالها عام 1957م. على أن نقطة التحول الأساسية التي دفعت إلى حدوث تحول كبير في الدبلوماسية الإسرائيلية تجاه إفريقيا تمثلت في عقد مؤتمر باندونج عام 1955م؛ إذ لم توجه الدعوة إلى إسرائيل لحضور هذا الحدث التاريخي الهام، بل ولم يقف الأمر عند هذا الحد حيث أدان المؤتمر في بيانه الختامي احتلال إسرائيل للأراضي العربية.

على أن ثمة متغيرات أخرى دفعت إلى توجيه الأنظار الإسرائيلية إلى إفريقيا وليس إلى آسيا كما ذكرنا آنفا وهو ما أدى إلى دخول العلاقات الإسرائيلية الإفريقية في الستينيات مرحلة جديدة.

المرحلة الثانية 1957 ـ 1973م: سياسات التغلغل:

يمكن التأريخ لبداية الانطلاقة الإسرائيلية في إفريقيا بعام 1957م؛ حيث كانت إسرائيل أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في أكرا بعد أقل من شهر واحد من حصول غانا على استقلالها . وقد لعبت السفارة الإسرائيلية في أكرا دوراً كبيراً في تدعيم العلاقات بين البلدين، وهو ما دفع إلى افتتاح سفارتين أخريين في كل من منروفيا وكوناكري؛ وذلك تحت تأثير إمكانية الحصول على مساعدات تنموية وتقنية من (إسرائيل). ومن جهة أخرى فقد تجسدت الرغبة الإسرائيلية في تأسيس علاقات قوية مع إفريقيا في قيام جولدا مائير ـ وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك ـ عام 1958م بزيارة إفريقيا لأول مرة حيث اجتمعت بقادة كل من ليبيريا وغانا والسنغال ونيجيريا وكوت ديفوار.

وثمة مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية أسهمت في تكثيف الهجمة الإسرائيلية على إفريقيا، ومن ذلك:

* حصول عدد من الدول الإفريقية على استقلالها في الستينيات أدى إلى زيادة المقدرة التصويتية لإفريقيا في الأمم المتحدة حيث كان الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز القضايا التي تطرح للتصويت.

* إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963م وضع تحدياً أمام إسرائيل؛ حيث إنها لا تتمتع بالعضوية في هذا التجمع الأفروعربي.

* عضوية مصر المزدوجة في كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية أعطاها فرصة إقامة تحالفات مع بعض القادة الأفارقة الراديكاليين من أمثال نكروما وسيكوتوري.

وبحلول عام 1966م كانت إسرائيل تحظى بتمثيل دبلوماسي في كافة الدول الإفريقية جنوب الصحراء باستثناء كل من الصومال وموريتانيا. ومع ذلك فإن إفريقيا كانت بمثابة ساحة للتنافس العربي الإسرائيلي .

المرحلة الثالثة 1973 ـ 1983م: أعوام المقاطعة:

قبل حرب أكتوبر 1973م كانت إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية مع خمس وعشرين دولة إفريقية. بيد أنه في الأول من يناير عام 1974م تقلص هذا العدد ليصل إلى خمس دول فقط هي: جنوب إفريقيا، وليسوتو، ومالاوي، وسوازيلاند، وموريشيوس.

وليس بخاف أن الدول الإفريقية التي قامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل قد فعلت ذلك تأييداً للموقف المصري بحسبان مصر دولة إفريقية تسعى إلى استعادة أراضيها من الاحتلال الإسرائيلي. بيد أن بعض الباحثين يحاول تفسير الموقف الإفريقي أنه كان يرمي إلى الحصول على المساعدات العربية ولا سيما من الدول النفطية .

وثمة مجموعة من العوامل أسهمت في دعم الموقف العربي في مواجهة الكيان الصهيوني خلال عقد السبعينيات. فقد شهدت هذه الفترة ظهور تجمعات لدول العالم الثالث تعبر عن مستوى أو آخر من التضامن مثل منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ومجموعة الـ 77. كما أن إسرائيل جوبهت بسلاح البترول العربي ودعم كثير من دول العالم الثالث للموقف العربي. ففي عام 1973م أصبح الرئيس الجزائري هواري بومدين رئيساً لحركة عدم الانحياز، وأثناء مؤتمر الحركة في الجزائر في العام نفسه اتخذ المؤتمرون قرارات تؤيد كلاً من مصر وسوريا والأردن في استعادة أراضيها المحتلة، كما تدعو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وكانت كل من كوبا وزائير وتوجو من أوائل الدول التي تستجيب لدعوة المقاطعة تلك.

وفي عام 1974م رُشــح وزيــر الخـارجيــة الجـــزائري عبد العزيز بوتفليقة رئيـساً للجمعية العامة للأممـ المتحـدة. وقد استطاع العرب وبمساعدة قوتهم النفطية إضفاء مزيد من الشرعية الدولية على منظمة التحرير الفلسطينية. لا غرو أن تتم دعوة ياسر عرفات في 13/11/1974م لالقاء خطاب أمام الجمعية العامة، وأن يعامل معاملة رؤساء الدول؛ وذلك بشكل غير مسبوق في تاريخ المنظمة الدولية.

إضافة لما سبق فقد نجحت الحملة العربية الرامية إلى عزل إسرائيل ووصفها بالعنصرية؛ حيث تمت مساواتها بالنظام العنصري في جنوب إفريقيا. واستفادت الحملة العربية من المواقف والسياسات الإسرائيلية في إفريقيا مثل:

- الدعم الإسرائيلي للحركات الانفصالية الإفريقية على شاكلة بيافرا في نيجيريا وجنوب السودان.

- دعم وتأييد نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا.

صفوة القول: أن الموقف الإفريقي وإن كانت له دلالات سياسية ودبلوماسية واضحة من زاوية الصراع العربي الإسرائيلي إلا أن إسرائيل ظلت على علاقة وثيقة - ولو بشكل غير رسمي- مع معظم الدول الإفريقية التي قامت بقطع العلاقات معها. وليس أدل على ذلك من أن التجارة الإسرائيلية مع أفريقيا خلال الفترة من عام 1973م وحتى عام 1978م قد تضاعفت من 54.8 مليون دولار إلى 104.3 مليون دولار. وتركزت هذه التجارة بالأساس في الزراعة والتكنولوجيا.

وبنهاية عقد السبعينيات وأوائل الثمانينيات كثفت إسرائيل جهودها من أجل إعادة علاقاتها الدبلوماسية بإفريقيا؛ حيث قام وزير خارجيتها بإجراء اجتماعات مباشرة مع الزعماء الأفارقة سواء في الأمم المتحدة أو في العواصم الإفريقية. ومع ذلك فقد باءت هذه الحملة الإفريقية بالإخفاق، وهو الأمر الذي دفع إحدى الصحف الإسرائيلية إلى عدم توقع قيام أي دولة إفريقية كبرى بإعادة علاقاتها مع إسرائيل في المستقبل المنظور.

المرحلة الرابعة 1982 ـ 1991م: العودة الثانية:

استمرت (إسرائيل) في سياساتها الرامية إلى العودة إلى إفريقيا؛ وذلك من خلال تدعيم وتكثيف اتصالاتها الإفريقية في المجالات كافة دون اشتراط وجود علاقات دبلوماسية. وفي عام 1982م أعلنت دولة إفريقية واحدة هي زائير عن عودة علاقاتها مع إسرائيل؛ لأن الرئيس موبوتو كان بحاجة ماسة للمساعدات العسكرية الإسرائيلية ولا سيما في ميدان تدريب الجيش وحرسه الجمهوري.

على أن الدول الإفريقية الأخرى التي حافظت على علاقات غير رسمية وثيقة مع إسرائيل لم تنهج نفس المسلك الزائيري، وربما يعزى ذلك إلى العوامل الآتية:

* أن قرار الرئيس موبوتو كان منفرداً، ولم يتم بالتنسيق مع الدول الأخرى. وقد حاجج البعض بأن قرار قطع العلاقات مع إسرائيل كان برعاية منظمة الوحدة الإفريقية في أواخر الستينيات، ومن ثم ينبغي أن يكون استئناف هذه العلاقات بقرار من المنظمة ذاتها.

* أن الدول العربية كثفت من حملتها الدبلوماسية المضادة؛ حيث استخدمت سلاح المساعدات الاقتصادية والتقنية كأداة للترغيب والترهيب في آن واحد.

* أن إسرائيل قامت في الأسبوع الأول من يونيو عام 1982م بغزو لبنان وهو ما يؤكد نزعتها التوسعية والعدوانية.

المرحلة الخامسة 1991م: سياسات التطبيع:

لقد شهدت هذه المرحلة إعادة تأسيس العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا مرة أخرى ولا سيما خلال عامي 1991، 1992م؛ وربما يعزى ذلك إلى:

* التغيرات في النظام الدولي وانعكاساته الإقليمية.

* سقوط النظم الشعبوية والماركسية اللينينية في إفريقيا.

* الدخول في العملية التفاوضية بين العرب وإسرائيل منذ مؤتمر مدريد.

وقد تسارعت عودة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية؛ حتى إنه في عام 1992م وحده قامت ثماني دول إفريقية بإعادة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وتسعى إسرائيل إلى تعزيز سياساتها الإفريقية بدرجة تفوق طموحاتها خلال عقد الستينيات وأوائل السبعينيات. وطبقاً للبيانات الإسرائيلية فإن عدد الدول الإفريقية التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية أو أسستها مع إسرائيل منذ مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991م قد بلغ ثلاثين دولة. وفي عام 1997م بلغ عدد الدول الإفريقية التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل 48 دولة. وتحاول إسرائيل جاهدة الاستفادة من دروس الماضي بما يرسخ أقدامها في القارة الإفريقية؛ وذلك من خلال التأكيد على الأدوات الثلاثة الآتية:

أولاً: المساعـدات الاستخبارية والتدريبات العسكرية:

من الملفت للنظر حقاً أن إسرائيل تمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية. فقد ركزت إسرائيل في تفاعلاتها الإفريقية منذ البداية، وحتى في ظل سنوات القطيعة الدبلوماسية بينها وبين إفريقيا، خلال الفترة من 1973 ـ 1983م، على المساعدات العسكرية في مجال تدريب قوات الشرطة وقوات الحرس الرئاسي لعدد من الدول الإفريقية مثل زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) والكاميرون.

وبدهي أن الدول الإفريقية التي تعاني من الصراعات والانقسامات الاجتماعية والانشقاقات داخل صفوف النخب السياسية الحاكمة تهتم اهتماماً بالغاً بقضايا المساعدات الأمنية والاستخبارية، وهو ما دأبت السياسة الإسرائيلية في إفريقيا على التركيز عليه في جميع مراحل علاقاتها الإفريقية منذ أعوام الستينيات. فمع تنامي المد الناصري في إفريقيا وتعهد الرئيس عبد الناصر بطرد إسرائيل من إفريقيا قامت إسرائيل بتعزيز تواجدها في إثيوبيا، وأرسلت عملاء الموساد لتدريب قوات الشرطة الإثيوبية. ومع سقوط نظام هيلاسيلاسي ومجيء نظام مانجستو ظلت إسرائيل على علاقة وثيقة بإثيوبيا؛ ولا أدل على ذلك من أن إثيوبيا امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة عام 1975م والذي يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية.

ومع دخول القرن الإفريقي أتون الصراعات الإثنية والسياسية أصبح المجال مفتوحاً أمام التركيز مرة أخرى على أداة المساعدة العسكرية والاستخبارية التي تمارسها إسرائيل في هذه المنطقة المهمة لها استراتيجياً بسبب ارتباطها بأمن البحر الأحمر، وكذلك ارتباطها بأمن بعض الدول العربية المؤثرة مثل السودان ومصر.

ثانياً: المساعدات الفنية:

وقد اشتملت منذ البداية على ثلاث مجالات أساسية وهي: نقل المهارات التقنية وغيرها من خلال برامج تدريبية معينة، وتزويد الدول الإفريقية بخبراء إسرائيليين لمدة قصيرة أو طويلة المدى، وإنشاء شركات مشتركة أو على الأقل نقل الخبرات والمهارات الإدارية للشركات الإفريقية. وتشير الإحصاءات التي نشرها مركز التعاون الدولي التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية أن عدد الأفارقة الذين تلقوا تدريبهم في إسرائيل عام 1997م وصل إلى نحو 742 متدرباً إضافة إلى نحو 24636 إفريقياً تلقوا تدريبهم من قبل في مراكز التدريب الإسرائيلية خلال الأربعين سنة الماضية.

وقد قامت إسرائيل بإعادة تقويم أداء المراكز التدريبية الخاصة بإفريقيا وهي:

- مركز جبل كارمل بمدينة حيفا الذي ينظم حلقات دراسية للمرأة الإفريقية في ميدان التنمية.

- مركز دراسة الاستيطان الذي يوفر تدريبات في البحوث الزراعية والتخطيط الإقليمي.

- المركز الزراعي الذي يوفر الخبراء والمساعدة الفنية لتعظيم استخدام الموارد المتاحة.

- قسم التدريب الأجنبي الذي يهتم بقضايا التنمية الريفية.

- المعهد الأفروآسيوي للهستدروت الذي يهتم بأنشطة الاتحادات العمالية.

وتطرح إسرائيل نموذجاً مهماً بالنسبة للدول الإفريقية في ميدان محاصيل الأراضي القاحلة وشبه القاحلة. وعلى سبيل المثال فإن البرنامج الدولي لمحاصيل الأراضي القاحلة والذي تتبناه جامعة بن جوريون بصحراء النقب بتمويل من اليونسكو ووزارة الخارجية الفنلندية ومركز التعاون الدولي الإسرائيلي يسعى إلى إقامة مشروعات زراعية في إفريقيا بغرض محاربة التصحر، وخلق البيئة المواتية للزراعة الدائمة.

ثالثاً: تجارة السلاح والألماس:

من المعلوم أن إسرائيل توفر السلاح للدول الإفريقية بالإضافة إلى التدريب العسكري، وتفيد الخبرة التاريخية أن إسرائيل تتعامل مع الأشخاص الأفارقة وذوي النفوذ أو الذين لهم مستقبل سياسي فاعل في بلدانهم. ولعل حالة الرئيس الكونغولي الراحل موبوتو سيسىسيكو تطرح مثالاً واضحاً؛ فقد تلقى تدريباً إسرائيلياً، ثم أصبح رئيساً للدولة بعد ذلك بعامين. ولا يخفى أن إسرائيل تقوم بتزويد العديد من الدول الإفريقية بالأسلحة مثل إثيوبيا وإريتريا.

وطبقاً لتقارير الأمم المتحدة وبعض التقارير الأخرى فإن هناك تورطاً لشركات إسرائيلية ولتجار إسرائيليين في التجارة غير المشروعة للألماس. فمن المعروف أن مافيا هذا الحجر الثمين تقوم بتهريبه من دول مثل الكونغو وسيراليون وأنجولا عبر دول الجوار ليصل إلى هولندا، ثم بعد ذلك إلى مراكز تصنيع الألماس في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة بالإضافة إلى إسرائيل والهند. على أن هذه التجارة غير المشروعة يوازيها تجارة أخرى غير مشروعة في السلاح؛ حيث يتم عقد صفقات لشراء الأسلحة وهو ما يسهم في استمرار واقع الصراعات والحروب الأهلية في الدول الإفريقية الغنية بالألماس، وهو ما يعود بالنفع المادي على كل المتورطين في هذه التجارة. بيد أن وجود تجار إسرائيليين أو شركات إسرائيلية لا يقوى دليلاً على اتهام الحكومة الإسرائيلية بالتورط في هذه التفاعلات التجارية غير المشروعة، وعلى هذه الشاكلة توجد اتهامات لإسرائيل بدعم بعض الجماعات الإقليمية غير العربية في دول الشمال الإفريقي مثل جماعات البربر في المغرب العربي، والجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة جون جارانج. لكن السؤال يبقى مطروحاً حول مدى مصداقية أو صحة هذه التقارير التي عادة ما تستند إلى اجتهادات استخباراتية. بيد أن الخلاصة التي يستطيع المرء أن يصل إليها بكل سهولة ويسر هي أن إسرائيل استطاعت فعل ذلك بمواردها المحدودة من خلال معرفتها بواقع ومشكلات الدول الإفريقية؛ وذلك دون كثير عناء وجهد وبعيداً عن الخطابات الأيديولوجية والبلاغية التي كثيراً ما نأسر أنفسنا بها!

ثالثاً: السياسة الإسرائيلية والبحث عن الهيمنة:

ليس بخاف أن التغيرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز عصر العولمة الأمريكية وما صاحب ذلك من تغيرات في النظم الإقليمية ومن بينها منطقة الشرق الأوسط قد جاء بتأثيرات ملموسة على تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية. فدخول أطراف الصراع العربي الإسرائيلي مسار العملية التفاوضية قد أدى إلى إضفاء المشروعية المطلوبة على الكيان الصهيوني وتأمين وجوده العضوي، ومن ثم فإنه يسعى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى تحقيق أهدافه التوسعية بحسبانه قوة إقليمية؛ وذلك على حساب النظام الإقليمي العربي.

على أن هدف تحقيق الهيمنة الإقليمية لإسرائيل في المرحلة الراهنة يقتضي إعادة تقويم واختبار عدد من القضايا الهامة ضمن منظومة العلاقات المتبادلة بين (إسرائيل) وإفريقيا وذلك على النحو التالي:

1- تأمين البحر الأحمر:

لقد كانت خطورة البحر الأحمر ولا تزال ماثلة في ذهن القيادات الإسرائيلية المتعاقبة. ولنتذكر أن بن جوريون في حرب 1948م أصدر تعليماته لموشي ديان بأن يضحي بأي شيء في سبيل موطئ قدم على شاطئ البحر الأحمر. وقد حدث بالفعل أن حصلت إسرائيل على ميناء إيلات. ومن الجلي أن الدولة العبرية تصبح بدون هذا المنفذ البحري وقد انقطعت كل صلة بينها وبين إفريقيا واَسيا، ولعلها اكتشفت هذه الحقيقة في حرب 1973م عندما تم إغلاق باب المندب في وجهها .

ونظراً لغياب قواعد عربية واضحة تحكم أمن البحر الأحمر، ومع استقلال ارتيريا عام 1993م وابتعادها عن النظام العربي، فإن إسرائيل في ظل «التسوية السلمية» سوف تضمن تلبية مطالبها الأمنية الخاصة بالبحر الأحمر. وانطلاقاً من ذلك سوف تحاول جاهدة الاستفادة لأقصى درجة من أجل تدعيم احتياجاتها الخاصة بالهيمنة والتوسع.

2- التركيز على دول القرن الإفريقي:

وتسعى إسرائيل من جراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد انطلاقاً من المتغيرات التالية:

- وجود جالية يهودية كبيرة في إثيوبيا «يهود الفلاشا». صحيح أن إسرائيل تمكنت من نقل معظم الفلاشا إلا أن بعض الإحصاءات تؤكد على وجود نحو خمسة عشــر ألفاً من هـؤلاء لا يزالون يعيشون في إثيوبيا.

- ارتباط القرن الإفريقي بالبحر الأحمر والخليج العربي، ومن ثم فهو يرتبط تقليدياً بمنظومة الأمن الإسرائيلي والسعي من اجل تحقيق اعتبارات التفوق العسكري والاقتصادي.

- ترتيب التوازن الإقليمي في المنطقة يرتبط بالأمن القومي العربي عموماً والمصري تحديداً؛ وذلك على ضوء العلاقات الصومالية الإثيوبية والإثيوبية الأرتيرية. والوجود الإسرائيلي في المنطقة يساعد على تحقيق متطلباتها الأمنية.

ومن الملاحظ أن إسرائيل حافظت على وجودها دائماً في إثيوبيا بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم. فمع تنامي المخاوف الإثيوبية خلال عهد هيلاسيلاسي من «ثورية» النظام الناصري في مصر الذي تعهد بطرد إسرائيل من إفريقيا، سعت الدولة العبرية إلى تدعيم تواجدها في إثيوبيا، وأرسلت عملاء الموساد لتدريب قوات الشرطة الإثيوبية. ومع سقوط نظام هيلاسيلاسي ومجيء نظام منجستو ظلت إسرائيل على علاقة وثيقة بإثيوبيا، ولا أدل على ذلك من أن إثيوبيا امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة عام 1975م الذي يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية. وبدخول القرن الإفريقي في أتون الصراعات الإثنية والسياسية حيث انقسمت الصومال إلى دويلات وفقاً لمنطق حرب الكل ضد الكل، وانهمكت كل من أرتيريا وإثيوبيا في صراع مرير تم فتح المجال واسعاً أمام تدخل أطراف أجنبية من بينها إسرائيل.

3 - التركيز على دول حوض النيل:

وليس بخاف أن هدف إسرائيل الثابت من وجودها في هذه المنطقة هو الرغبة في الحصول على مياه النهر والضغط على صانع القرار المصري نظراً لحساسية وخطورة «ورقة المياه» في الاستراتيجية المصرية. وأطماع إسرائيل في مياه نهر النيل قديمة ومعروفة. وعندما زار السادات القدس لأول مرة عام 1977م أحيا فكرة مد ترعة من النيل إلى النقب، وهو ما نظر إليه البعض على أنه تعبير عن الرغبات الأمريكية الإسرائيلية الحقيقية. وبالفعل تقدمت إسرائيل بعدة مشروعات للحصول على نسبة 1% من مياه النيل. وقد حاولت (إسرائيل) في ظل المفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بمشكلة الشرق الأوسط أن تطرح هذه القضية إلا أنها لم تنجح في ذلك.

ومن المعروف أن (إسرائيل) تلعب دوراً غير مباشر في صراع المياه بين دول حوض النيل استفادة من نفوذها الكبير في دول مثل إثيوبيا وكينيا ورواندا.

ومع تفجر الصراع في منطقة البحيرات العظمى بعد الإطاحة بنظام موبوتو في الكونغو الديموقراطية، حاولت إسرائيل المساهمة في إعادة ترتيب الأوضاع وذلك تحت المظلة الأمريكية التي تقوم بدور نشط في هذه المنطقة مقارنة بالنفوذ الفرنسي التقليدي . وتكمن الرؤية الإسرائيلية في النظر إلى المنطقة بشكل شمولي أي بامتداداتها الجغرافية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ولتدعيم نفوذها في المنطقة تعمل إسرائيل على:

- تشجيع جيل من القادة الجدد الذين ينتمون إلى الاقليات في بلدانهم ويرتبطون مع الولايات المتحدة ـ وبالطبع إسرائيل ـ بعلاقات وثيقة، ومن هؤلاء ميلس زناوي في إثيوبيا، وأسياسي أفورقي في أرتيريا، وجون جارانج في جنوب السودان، ويوري موسيفيني في أوغندة، وبول كاجامي في رواندا.

- محاصرة الأمن القومي العربي ولا سيما في امتداده المصري والسوداني وفق استراتيجية «حلف المحيط» أي إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية والدينية المعادية للعرب هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الاستفادة من وجودها في المنطقة للتلويح بورقة المياه في مواجهة السياسة المصرية.

4 - الوقوف في وجه الدول والحركات المعادية للغرب:

وفي هذا السياق يمكن تفهم الموقف الإسرائيلي من كل من ليبيا والسودان في ظل حكم الجبهة القومية الإسلامية. أضف إلى ذلك فإنها تحاول مساعدة الدول الإفريقية ضد الحركات الإسلامية الأصولية. وتسعى إسرائيل من وراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد:

- إذ إنها تقدم نفسها للعالم الغربي باعتبارها المدافع الأول عن القيم الديموقراطية العلمانية في مواجهة الحركات الأصولية الإسلامية.

- وهي من جهة أخرى تحاول مساعدة الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية، وهي مجالات كانت إسرائيل موجودة فيها أصلاً، وتمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الإفريقية.

وأياً كان الأمر فإن إسرائيل تولي علاقاتها الإفريقية أهمية خاصة للأسباب والمحددات السابق بيانها. وعلى الرغم من دخول الصراع العربي الإسرائيلي منعطفاً تاريخياً مهماً بعد عمليات «التسوية السلمية» فإن إسرائيل لا تزال تعول في حركتها الخارجية على استراتيجية إضعاف الخصم موضع التعامل، وقد أوضحت الدراسة مؤشرات تلك الاستراتيجية من خلال بيان طبيعة الدور الإسرائيلي في مناطق القرن الإفريقي وحوض النيل والبحيرات العظمى، ومساندة ما يسمى بجيل الزعماء الجدد في إفريقيا.

أضف إلى ذلك فإنهــا تشــجع وتسـاند جماعــات الأقلية، ولا تتردد في هذا الخصوص في أن تقدم المعونة المادية والخبرة، بل وتتولى تدريب رجالها على حركات العنف المسلح. ولنتذكر في هذا السياق المحاولات الإسرائيلية الدؤوبة لنشر الفتن بين الأقليات غير العربية في شمال إفريقيا وجنوب السودان

اسرائيل ونهر النيل:

تحريض مفضوح:
لكن إسرائيل نشطت بين دول حوض النيل ، وأهدافها كانت واضحة منذ البداية وهي تأليب دول الحوض على مصر لإضعافها وإخراجها من دائرة المواجهة للمشروع الصهيوني في المنطقة العربية ، ولم تكتفي إسرائيل بتوقيع مصر معاهدة سلام معها وتكبيلها باتفاقيات كامب ديفيد وخروجها من صف المواجهة ، وكما نجحت هذه الدولة في اغتصاب فلسطين وتدمير العراق ولبنان وقطاع غزة ، وهاهي تعمل ليل نهار على تدمير وتقسيم السودان وتقويض امن مصر.

إسرائيل ومنذ نشأتها تتعامل مع قضية المياه من منطلقات جيو سياسية ، فأطماعها تعدت مياه النيل ، ففي عام 1990م قامت إسرائيل بدراسة عن طريق الأقمار الاصطناعية لتقدير كمية المياه الجوفية المخزنة في صحراء شبه جزيرة سيناء ، وقامت بحفر آبار ارتوازية على عمق 800م بالقرب من الحدود المصرية في سيناء وهي بذلك تقوم بسرقة المياه المصرية .

ما زالت إسرائيل تحاول الحصول على حصة من مياه النيل ، ولا تخفي إطماعها في السيطرة على مياه العراق وسوريا ولبنان ، كما نجحت في سرقة مياه نهر الأردن واليرموك والليطاني ومياه فلسطين ، وعملت بكل قوة على إبعاد سوريا عن نهر الأردن وبحيرة طبرية.

ولأن الساسة في إسرائيل يعتبرون المياه أولوية قومية وثيقة الارتباط بالزراعة والأرض والأيديولوجية الصهيونية ، ويعتبرون المياه خطا احمرا بالنسبة لأمن دولتهم القومي ، مطلوب من مصر والسودان والدول العربية الأخرى التعامل معها بالمثل ، المطلوب وضع إستراتيجية لوقف مخططاتها العدوانية التي تهدف للسيطرة على مصادر العرب المائية ، ومحاولتها التحكم بمصيرنا وبالأمن المائي العربي المرتبط عضويا بالأمن القومي للأمة العربية .

وبتحريض من إسرائيل بدأت بعض دول المنبع المطالبة بالمحاصة المتساوية في نهر النيل ، ومطالبة دول المصب أي مصر والسودان بدفع أثمان مياه نهر النيل .

مصر الآن تتسلح بهذه الاتفاقيات وبقرار محكمة العدل الدولية الصادر عام 1989م ، والذي قضى بان اتفاقية المياه شانها شان اتفاقية الحدود لا يجوز تعديلها ، وكذلك فان معهد القانون الدولي اقر عام 1961م مبدأ عدم المساس بالحقوق التاريخية الموروثة في الموارد المائية ، وأيدت المادة العاشرة من اتفاقية فينا للمعاهدات عام 1978م ونصت على توارث وانتقال المعاهدات العينية والاتفاقيات الخاصة بالحدود ، وفي عام 1997م أكدت محكمة العدل الدولية في حكمها هذا المفهوم عند النظر في النزاع بين المجر وسلوفيكيا حول احد المشروعات على نهر الدانوب.

الأطماع الإسرائيلية:

في عام 1974م طرحت دولة الاحتلال مخططا يقضي بنقل مياه نهر النيل إليها ، عبر حفر ست قنوات تمر من تحت قناة السويس لنقل ما يقارب المليار م3 من المياه المصرية سنويا إلى صحراء النقب ، حيث صمم حينها المهندس الإسرائيلي (اليشع كيلي) مشروعا لمحاولة *** مياه النيل لإسرائيل من خلال توسيع ترعة الاسماعيلة ، حتى يزيد معدل تدفق المياه داخلها وسحبها من أسفل قناة السويس ، وإسرائيل طرحت أكثر من مرة قضية مياه نهر النيل وطالبت بحصولها على 10% من مياه النيل أي ما يقارب 8 مليار م3 سنويا لحل مشكلة المياه فيها ، وهي تعمل ومنذ زمن أيضا على التغلغل بشكل كبير في دول حوض النيل وخاصة ( أوغندا ، تنزانيا ، كينيا ،وإثيوبيا) ، من خلال إرسال عشرات الخبراء في العديد من المجالات مثل الزراعة والري والخبراء العسكريين وغيرهم لهذه الدول ، ومن شأن تدخل إسرائيل الحالي في شؤون النيل تطويق مصر والسودان مائياً وتهديد أمنهما القومي والتسبب في نزاعات قد تتطور إلى خوض حروب على المياه بين دول المنبع والمصب في حوض النيل .

فبعض التقارير تقول أن المخابرات الإسرائيلية عملت على عقد اجتماعات أمنية مع بعض دول حوض النيل ، من اجل تحريضها والضغط على مصر لتعديل اتفاقية دول الحوض ، وخاصة بعد ما أدركت إسرائيل أن مخزونها الاستراتيجي من المياه بدء بالنفاذ ، وخاصة مخزون المياه الفلسطينية في الضفة الفلسطينية المحتلة و قطاع غزة التي تسرقها دولة الاحتلال منذ أكثر من أربعين عاما.

إسرائيل تعمل مع دول المنبع الإفريقية من اجل إلغاء الاتفاقية مع مصر ، وتعرض على هذه الدول تقديم مساعدات مالية مغرية وسخية وتقنيات حديثة من اجل بناء سدود ومشاريع زراعية أخرى ، وتعرض عليا أيضا مساعدتها في ترويض مياه الفيضانات والتحكم بمياه النيل من اجل أن تستخدم هذه الأوراق في الضغط على مصر.

إسرائيل في هذه الأيام تساهم في بناء السدود في كل من إثيوبيا وأوغندا ، هذه "المساعدات" التي تقوم بها إسرائيل تتجاوز حدود ما يسمى " بالمنافسة الدبلوماسية " مع مصر ، لان الموضوع بالنسبة إلى إسرائيل يتمثل في تحقيق حلمها القديم بالوصول إلى مياه النيل .

صحيفة لوفيجارو الفرنسية كتبت أن إسرائيل ومنذ تأسيسها تحاول أن تحصل على مياه النيل ، وقد سبق أن طرحت عام 1974م فكرة إعادة مدينة القدس المحتلة إلى الفلسطينيين ، مقابل نقل 840 مليون م3 من مياه نهر النيل سنويا إليها ، وهذه الكمية كافية لتغطية احتياجاتها من المياه ، غير أن المشروع اصطدم بمعارضة إثيوبيا والسودان في حينه ، أما تركيز إسرائيل الآن على إثيوبيا فيرجع إلى تأثير التواجد العسكري الإسرائيلي الكبير فيها ولأنها تقود التمرد على اتفاقيتي 1929م و 1959م المذكورتين سابقا.

ليبرمان والاتجاهات الجديدة:
في السياق نفسه كشفت الصحيفة الفرنسية عن تفاصيل مخطط إسرائيلي للسيطرة على مياه نهر النيل ، وذلك من خلال تقديم إغراءات لدول الحوض الإفريقية في السنوات الماضية لإثارة القلاقل مع مصر وإعادة توزيع المياه ، فالجولة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي العنصري افيقدور ليبرمان إلى بعض الدول الإفريقية ( إثيوبيا ، كينيا ، اوغندة ، غانا ، ونيجيريا ) ، بتاريخ 2/9/2009م على رأس وفد كبير مكون من النخبة وكبار المسؤولين الحكوميين ، من وزارة الخارجية والمالية والدفاع ومجلس الأمن القومي ومن شركات الأسلحة والخبراء في شؤون المياه والاقتصاد والأعمال والطاقة والزراعة والري والأمن والإعلام وحرب العصابات وألبنا التحتية ، وتوقيع اتفاقيات مع ست دول إفريقية من بينها كينيا ، أثيوبيا ، وأوغندا ، ومع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا أل 15 (سيدياو) ، وتأكيده أن جولته تأتي في إطار خطته لتطوير (اتجاهات جديدة) في سياسة إسرائيل الخارجية ، تهدف إلى تقوية إسرائيل وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول الإفريقية وخاصة ( رأس الحربة ) إثيوبيا ، وعرض على هذه الدول خدمات عسكرية تهدف إلى التغلغل الإسرائيلي بهذه الدول علي غرار تغلغلها في جمهورية جورجيا ، والتي عالجت روسيا تدخلها السافر بتدمير كل القواعد العسكرية الإسرائيلية هناك .

افريقيا منطقة نفوذ اسرائيلية:

هل سترفع نجمة داوود على القارة السوداء؟:
هذا سؤال وجيه يتردد منذ فترة ، فأفريقيا هذه القارة التي كانت تعتبر إلى وقت قريب منطقة نفوذ عربية بامتياز ، تنازلت الأنظمة العربية عن دورها التاريخي فيها فاسحة المجال إلى إسرائيل لتسرح وتمرح كيفما أرادت مقدمة خبراتها العسكرية والأمنية وغيرها ، وقد تكون قد بنت في بعض دولها مثل إثيوبيا واريتريا قواعد عسكرية سرية ، على غرار قواعدها في جمهورية جورجيا في القوقاز ، كي تستخدمها إسرائيل متى شاءت وكيفما أرادت كرأس حربة مسمومة تغرسها في خاصرة الدول العربية وخاصة مصر والسودان.

فحينما فشلت إسرائيل في التفاهم مع مصر بخصوص حصولها على مياه نهر النيل ، لجأت إلى الأساليب الملتوية في محاولات التدخل في دول مصب النيل ، للي ذراع مصر ولإجبارها على الرضوخ لمطالبها ، فجريدة هئارتس الإسرائيلية نقلت عن المصري اليوم قولها: لقد بدأت حرب المياه وجيراننا الأشرار (إسرائيل) مشغولون بمحاولة تدمير علاقات مصر مع دول النبع.

وفي هذا السياق وصف دبلوماسيون أفارقة جولة ليبرمان في بعض دول منبع النيل بالغامضة من حيث التوقيت والأهداف ، ويرى خبراء أن توقيت الزيارة يؤكد وجود مساع إسرائيلية لإجهاض المفاوضات التي تجريها مصر مع هذه الدول للحفاظ على حصتها من مياه النيل.

فمصر تعلم وتعي تماما خطورة التحريض الإسرائيلي المتواصل والمستمر لدول حوض النيل ،وهذه المساعدات المالية السخية والتقنية الحديثة التي ستستخدم في إنشاء سدود ومشاريع عملاقة على النيل ، تهدف بالأساس إلى تقليل كمية المياه التي تصل إلى مصر لتخنقها .

في هذا السياق أيضا تتواصل الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية على مصر ، من اجل تنازلها وقبولها ببعض التعديلات على اتفاقية دول الحوض الموقعة عام 1929م بين الحكومة المصرية وحكومات دول المنبع ، والتي تعطي لمصر حق النقض الفيتو ضد إنشاء أي دولة من دول المنبع مشروعات جديدة على نهر النيل أو أي من أفرعه .

تقول بعض المصادر أن الضغوط التي يمارسها قطبي الرحى أمريكا وإسرائيل تهدف إلى إثارة الرأي العام العالمي ضد مصر ، بالإضافة إلى دول المنبع لإجبارها على تعديل الاتفاقية ، فإسرائيل تتسلح بحجة واهية تتمثل فيما تدعي بكمية المياه الكبيرة التي تهدرها مصر في الصحراء ، وهذه الضغوط المبرمجة تهدف في المقام الأول لإجبار مصر على الرضوخ والموافقة على نقل مياه النيل إلى إسرائيل ، وآخر ما تفكر وتعمل عليه إسرائيل هو مساعدة الدول الإفريقية في استغلال المياه في مجال التنمية .

تقول بعض المصادر إن أمريكا وإسرائيل تحاول وضع مصر أمام خيارين أحلاهما مر ، الأول: أن توافق مصر على تزويد إسرائيل بحاجتها من مياه النيل ، والثاني : إذا رفضت مصر الخيار الأول يتمثل بإنشاء سدود عملاقة في إثيوبيا وبتخفيف المياه المتدفقة إلى السودان ومصر إلى أدنى درجة ، وهنا تكمن الطامة الكبرى حيث يعني ذلك نقص شديد في مياه السد العالي وبحيرة ناصر ، وما يعنيه ذلك من الانعكاس السلبي الكبير على توفير مياه الشرب والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية.

وزير الطاقة المصري صرح بان إسرائيل لن تحصل على قطرة ماء واحدة من مياه النيل ، وفي تعليقه على وجود مخطط أمريكي إسرائيلي لتدويل نهر النيل واستيعاب مياهه في أثيوبيا ، وممارسة الضغط على مصر من اجل تزويد إسرائيل بالمياه ، قال : إن الهدف من ذلك الوقيعة بين مصر ودول المنبع.

فبحسب الاتفاقيات مصر لا تستطيع تزويد إسرائيل بمياه نهر النيل ، وذلك تطبيقا لتلك الاتفاقيات ألسابقه مع دول حوض النيل ، والتي تنص على عدم جواز إمداد أي دولة خارج حوض النيل بالمياه.

النيل وتمزيق السودان :
... يجب أن نعي مدى خطورة المؤامرة على وحدة السودان أرضا وشعبا ،ومدى التدخل الأجنبي ( أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، ايطاليا ، وكينيا ) ، وخصوصا الدور التخريبي المميز لدولة الاحتلال الإسرائيلي ، وتحديدا في إقليم دار فور ومنطقة الجنوب ، حيث اتضحت معالم مخطط تآمري إسرائيلي دولي لتقسيم السودان ، وما يشكله ذلك من خطر حقيقي على أمن واستقرار ومستقبل دول المنطقة وخصوصا جمهورية مصر العربية.

هل يكون تمزيق السودان لدويلات عديدة بداية السيطرة الكاملة لإسرائيل على مياه نهر النيل؟.
فمنذ اندلاع أزمة دارفور والتي أصبحت تشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار السودان ، ومدخلا قويا للتدخلات الخارجية ، كانت هناك العديد من المؤشرات الواضحة على وجود دور استخباراتي إسرائيلي يعمل على توسيع الأزمة وتكريسها ، حيث عملت إسرائيل على توفير كل ما يلزم من التمويل والدعم في العديد من المجالات ، واستغلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الاختلافات في إيقاد نار الفتنة ألإثنية والقبلية ، لتحويل مجرى هذه الاختلافات إلى أزمة سياسية مركبة ومعقدة ذات طبيعة أثنية ، تعمل على إضعاف السودان وتمزيقه من الداخل وصولا إلى تفكيكه وتحويله إلى دويلات صغيرة متصارعة.

فمحاولة تفكيك السودان وإضعافه ليست وليدة سياسات إسرائيلية جديدة ، بل هي جزء من الإستراتيجية الإسرائيلية منذ أكثر من نصف قرن ، فمنذ خمسينات القرن الماضي شكل مؤسس دولة إسرائيل دافيد بن غوريون فريق عمل إسرائيليا لوضع الاستراتيجيات اللازمة لاختراق الدول العربية، وخاصة دول الطوق ودول المحيط ومن ابرز هذه الدول السودان ، ومنذ عشرات السنين ديفيد بن غوريون قال : أن الجهد الإسرائيلي لإضعاف الدول العربية لا يجب أن يحشد على خطوط دول المواجهة فقط ، بل في الجماعات غير العربية التي تعيش على التخوم في شمال العراق وجنوب وغرب السودان وفي جبال لبنان .

وفي سنة 1990 ذكر مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية في محاضرة بمركز الدراسات الإستراتيجية بجامعة تل أبيب ، أن الدور الإسرائيلي تجاه حركة التمرد في السودان كان حاسماً ، وان دوافعه الأخلاقية كانت بمثابة الجسد للإستراتيجية التي وضع أساسها القادة الإسرائيليون الأوائل منذ عهد ديفيد بن غوريون وقولدا مائير وحتى الوقت الراهن.

وفي حديث لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي (أفي ديختر) قال أن صانعي القرار في إسرائيل كانوا قد وضعوا خطة للتدخل في إقليم دارفور، وأردف قائلا : كنا سنواجه مصاعب في الوصول إلى دارفور لممارسة " أدوارنا المتعددة " بعيدا عن الدعم الأمريكي والأوروبي ، وتدخلنا في دارفور أمر حتمي حتى لا يجد السودان الوقت لتركيز جهوده باتجاه تعظيم قدراته لصالح القوة العربية ، حيث أن السودان بموارده المتعددة كان بإمكانه أن يصبح دولة إقليمية قوية ، إلاّ أن الأزمات الداخلية التي يواجهها حالت دون ذلك ، وقال : إن رئيسة الوزراء الإسرائيلية سابقاً جولدا مائير ذكرت أن إسرائيل مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتقويض الأوضاع من الداخل بالسودان ، نظرًا لوجود الفجوات والثغرات في البنية الاجتماعية والسكانية للسودان.

أفريقيا سوق للأسلحة الإسرائيلية:
فإسرائيل ومنذ زمن أصبحت موردا رئيسي للأسلحة والأجهزة العسكرية والعتاد الحربي وتكنولوجيا الحرب المتطورة ، وأجهزة التشويش ، وبالعديد من الخبراء العسكريين الإسرائيليين ، ورجال المخابرات ، ومجموعات أمنية خاصة لتدريب الوحدات الخاصة في بعض الدول الإفريقية ، والجماعات المتمردة لكي تكون نقطة الانطلاق للاعتداء على السودان ومصر والتجسس عليهما ، وتعتبر إسرائيل مصدر أساسي للصواريخ وطائرات الاستكشاف والقنابل المحظورة الاستعمال .

فإسرائيل قدمت للمتمردين في جنوب السودان دعم عسكري ومالي يقدر بمليارات الدولارات ، ومعلومات هامه بواسطة الأقمار الصناعية عن تحركات الجيش السوداني ، حيث قتل عام 1988 خمسة ضباط إسرائيليين في معارك داخل جنوب السودان ، كذلك كانت إسرائيل هي من نقلت المعارك من جنوب السودان إلى شماله.

فها هو أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في كلية التربية بجامعة المنصورة وخبير الشؤون السودانية الدكتور زكي البحيري يؤكد ، أن إسرائيل تدعم الخلاف السوداني وتضع عينها على مياه النيل .

وكشفت ورقة قدمها الدكتور معتصم أبو القاسم عن الدور اليهودي في دارفور ، في مؤتمر نظمه مركز دراسات المجتمع والرصد للدراسات الإستراتيجية ، عن تورط منظمات أجنبية وسودانية في أنشطة استخباراتية بإقليم دارفور لمصلحة إسرائيل ، وإلى الدور الذي لعبته الوكالة اليهودية الأمريكية العالمية ، التي دخلت إلى الإقليم عن طريق لجنة الإنقاذ الدولية واجهة النشاط اليهودي، وعرض مقدم الورقة صورا فوتوغرافية ووثائق تثبت قيام تلك المنظمات بأعمال مخابراتية في دارفور لمصلحة إسرائيل ودول أجنبية أخرى ، كاشفا عن مخطط صهيوني من ثلاثة محاور لزعزعة الأمن بدارفور.
الأول : نشر معلومات مضخمة عن الأوضاع بإقليم دار فور.
الثاني : خطة عسكرية شاملة.
الثالث : خطة سياسية تعتمد على تحريك البرلمانيين ، استطاعت إصدار عشرين قرارا من الأمم المتحدة.

وأشار الدكتور البحيري إلى أن اللوبي الصهيوني وراء صناعة تحالف إنقاذ دارفور ، وإلى ما تم الكشف عنه من تورط الإسرائيلي داني ياتوم في تهريب أسلحة إلى دارفور ، مستشهدا بما ورد على لسان حاييم كوش رئيس جماعة اليهود الزنوج من أن تشاد تحولت إلى مركز إسرائيلي تحرص تل أبيب على الوجود فيه ، فإسرائيل تدخلت لإنقاذ نظام إدريس ديبى حين أوشك على السقوط بعد أن حوصر في قصره لعدة أيام في فبراير / شباط 2008 ، كما أشارت إلى ذلك وكالة الأنباء الفرنسية في حينه.

وها هي علاقة التحالف بين إسرائيل وشريف حرير واحمد إبراهيم دريج القياديين في حركة التمرد في دار فور ، حيث تلقى الأول الدعم المالي الإسرائيلي عبر إحدى السفارات الإسرائيلية في غرب أفريقيا وزار الأخير إسرائيل علنا ، وكذلك حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور الذي لديه مكتب في إسرائيل ، وليكن معلوما أن إسرائيل متفاهمة مع أمريكا على كل ما تقوم به في إفريقيا.

هذا هو الوجه الحقيقي لإسرائيل الدولة المغتصبة للحقوق العربية ، والتي تحتل ارض فلسطين وترتكب المجازر بحق شعبها وتغتصب القدس وتعتدي على لبنان وسوريا ، والتي مازالت ومنذ تأسيسها وهي تبطش بالأمة العربية وتتلاعب بأمنها ومصيرها خدمة لأهداف أسيادها في واشنطن ، ولكن للأسف الكثير منا ما زال يضع رأسه في الرمال ويراهن على تغيير النمر لجلده وعلى اندماج هذه الدولة المعتدية في المحيط العربي .

فهل المطلوب ألآن وليس غدا موقف مصري وعربي قوي وحازم؟ ... هل المطلوب رد حاسم ومباشر؟... على غرار الرد الروسي في القوقاز والمقاومة في لبنان ، حيث سيشكل هذا الموقف وهذا الرد رسالة قوية ورادعة للمتآمرين ولمن خلفهم ، مفادها بان العرب أقوياء إلى حد يستطيعون منع أية مؤامرة على أمنهم الوطني والقومي ، أم المطلوب مزيدا من الاستجداء والتخاذل والانبطاح والتفريط والزحف على البطون!!! .

... فهاهو المؤرخ الإسرائيلي أورى ميلشتاين في حوار مطول لإذاعة أورشليم الجديدة ، قال : إن إسرائيل لن تصمد في مواجهة مصر إذا اندلعت حرب جديدة ، خاصة أن الحرب المقبلة لن تدور في الميادين العسكرية فقط، ، بل قد تلجأ مصر لقصف العمق الإسرائيلي بالصواريخ المتطورة ، بما يهدد بإصابات بالغة في صفوف المدنيين ، قد تؤدى إلى انهيار إسرائيل ، مشيراً إلى أن ثقافة الشارع الإسرائيلي تقوم على الصراخ والبكاء ، ولا يتحمل الإسرائيليون مواجهة مقاتلين يتحلون بالعناد والشراسة أثناء القتال.

عودة الروح للدور الإسرائيلي في أفريقيا

مغزى ودلالات جولة وزير الخارجية الإسرائيلية افيقدور ليبرمان في عدة دول أفريقية، شملت أثيوبيا وكينيا وغانا ونيجيريا وأوغندة، كثيرة بداية من تشكيل الوفد المرافق للوزير الإسرائيلي، حيث يرمي إلى تحقيق أمرين متلازمين، أولهما فتح قنوات جديدة لدعم العلاقات التجارية والاقتصادية بين إسرائيل وأفريقيا. وثانيهما، محاولة احتواء الدور الإيراني المتزايد في القارة السمراء.

ومن المعلوم أن التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا قد بدأ مبكراً في أعقاب حصول الدول الأفريقية على استقلالها، ابتداء من أواخر خمسينيات القرن الماضي. إذ دأبت إسرائيل على أن تطرح نفسها، باعتبارها نموذجاً أتنموياً ناجحاً يمكن أن يحتذى به في أفريقيا.

ويمكن القول بأن السياسة الإسرائيلية في أفريقيا منذ البداية كانت تطمح إلى تحقيق هدفين: أولها سياسي، ويشير إلى محاولة كسر العزلة التي فرضتها عليها مصر والدول العربية ومن سار على نهجهما من الدول النامية. وقد بات هذا الهدف أمراً ملحاً بالنسبة لإسرائيل في أعقاب مؤتمر باندونج لدول عدم الانحياز عام 1955م، حيث تم تبني سياسة مقاطعة الدولة العبرية.

أما الهدف الثاني، ذو طبيعة إستراتيجية، ويرجع إلى عزم كل من ديفيد بن جوريون وجولدا مائير باختراق العزلة التي فرضها العرب على إسرائيل من خلال إقامة تحالفات إسرائيلية مع القوى الإقليمية غير العربية، مثل تركيا وإيران وأثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي.

ومن الواضح أن زيارة ليبرمان الأفريقية تحاول إعادة التوكيد مرة أخرى على أهمية أفريقيا في الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي بشكل عام. وإن كان لا يخفى أن ثمة أهدافاً شخصية للوزير الإسرائيلي نفسه، فهو يخضع لضغوط داخلية جمة جراء توجيه تهم له بالفساد وغسيل الأموال. كما أنه يواجه ضغوطاً دولية نتيجة توجهاته الأيديولوجية المتطرفة وانتقاداته الحادة لدول الجوار الجغرافي. وباختصار، يحاول ليبرمان أن يجد آفاقاً سياسية جديدة تخرجه من عزلته وحالة الحصار التي يعاني منها.

وعلى كل، فإن محاولة إعادة الروح للعلاقات الإسرائيلية الأفريقية في هذه المرحلة من عالم ما بعد 11 سبتمبر، تستبطن مجموعة من الأهداف الخفية والمعلنة لعل من أبرزها:

أولاً: الاعتبارات الأمنية، فثمة مخاوف إسرائيلية من انتشار الجماعات الإسلامية المسلحة في كثير من مناطق أفريقيا، وخاصة في بؤر التوتر والصراعات الكبرى، وفي ظل حالات ضعف الدولة أو انهيارها، كما هو الحال في الخبرة الصومالية.

ولا شك أن إسرائيل تنظر إلى هذه المخاوف الأمنية، باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي. كما أن دخول العامل الإيراني في هذه المعادلة، قد منحها أولوية كبرى في السياسة الإسرائيلية تجاه أفريقيا. إذ تحاول إسرائيل من خلال إعادة التأكيد على دورها التقليدي في أفريقيا، احتواء الدور الإيراني المتزايد في القارة خلال السنوات الماضية.

ثانياً: الاعتبارات الاقتصادية والتجارية: إذ تحاول إسرائيل أن تنمي استثمارها في أفريقيا. وهي تستخدم هيئة التعاون الدولي (مشاف) التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، باعتبارها الذراع الدبلوماسي الذي يسهم في تقوية علاقاتها مع الدول الأفريقية.

وقد لوحظ خلال السنوات الماضية أن معظم النشاط الإسرائيلي في أفريقيا تركز في مجالين أساسيين هما تجارة الماس والأسلحة. ولذلك ينظر كثير من المحللين الإسرائيليين إلى جولة ليبرمان الأفريقية، باعتبارها إنقاذاً لسياسة إسرائيل الأفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

ثالثاً: التوكيد على أهمية أفريقيا الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل، حيث تحاول من خلال تبنيها مبدأ شد الأطراف إلى إثارة بؤر للتوتر والصراع على أطراف النظام الإقليمي العربي في جواره الأفريقي. ويمكن أن نشير هنا إلى الدور الإسرائيلي في دعم حركات التمرد والعنف في جنوب السودان وغربه. ومن المعروف أن هذا المبدأ يعني تفجير مناطق للتوتر، تشمل الجماعات العرقية والاثنية في الدول العربية، وتقديم كافة وسائل الدعم لها من أجل تقوية نزعاتها الانفصالية والقومية.

ولا يخفى أن لإسرائيل وجهاً قبيحاً في القارة الأفريقية، يتمثل في تجارة السلاح، حيث يقوم بعض رجال الاستخبارات والعسكريين الإسرائيليين السابقين، وذلك نيابة عن المؤسسة الصناعية العسكرية في إسرائيل، بتصدير الأسلحة والمعدات إلى كثير من المناطق في أفريقيا. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى الدور الإسرائيلي في الحروب الأهلية التي شهدتها دول مثل أنجولا وليبيريا وسيراليون وكوت ديفوار. كما تورطت إسرائيل بدعم كثير من النظم الشمولية في أفريقيا.

وأيا ما كان الأمر، فإن غير المعلن في زيارة ليبرمان الأفريقية، يتمثل في النظر إلى أفريقيا باعتبارها بوابة خلفية لاختراق منظومة الأمن القومي العربي، وقد ظهر ذلك جلياً في الأيادي الإسرائيلية التي حاولت العبث في ملف نهر النيل، للضغط على الإرادة المصرية. كما يلاحظ أن جولة ليبرمان الأفريقية شملت ثلاث من دول حوض النيل، هي أثيوبيا وكينيا وأوغندة.

دراسة كاشفة:

نحن أمام اختبار جديد في القارة السمراء في مواجهة الطموح الإسرائيلي بعيد المدى المتمثل في تدعيم موقفها في الدول الإفريقية فبعد أن كانت أهداف إسرائيل في بداية قيام الدولة فك الحصار العربي المضروب حولها أصبحت أهدافها أكثر خطورة وأهم من حيث النتائج على الموقف العربي عامة ومصر على وجه الخصوص . وفي كل الاحوال فان هناك تراجعا غير مسبوق في الموقف العربي تجاه افريقيا يقابله اهتماما متصاعدا من قبل اسرائيل
ونظرة على التواجد الإسرائيلي في أفريقيا نلاحظ أن البدايات كانت من مدخل اقتصادي بحت تمثل في الخبرات الإسرائيلية المتمثلة في المجالات الزراعية التي يمثل العمود الفقري لاقتصادات العديد من الدول حيث قامت إسرائيل بتطوير شبكات الري والصرف واستنباط المحاصيل وتوفير الأدوية البيطرية وهي المجالات التي كانت تفتقر إليها هذه الدول ... وتطورت هذه العلاقة إلى تقديم إسرائيل خبراتها في التدريب العسكري للجيوش الوليدة التي كانت تفتقر إلى الخبرة فضلاً عن توفير السلاح وتقديم منح تدريبية في المؤسسات العسكرية الإسرائيلية ـ مع إقامة مشروعات مشتركة لاستخراج المعادن وعلى الرغم من كل هذه الترتيبات فقد ظلت إسرائيل محدودة التأثير في القارة حيث كانت مصر آنذاك تتمتع بتأثير طاغ في أفريقيا من خلال دورها الرائد في احتضان حركات التحرر الوطني في القارة ومساندة العديد من دولها في الحصول على استقلالها ( احتضنت مصر بعض الوقت عدد من الثوار الافارقة الذين قادوا فيما بعد حركة النضال ضد الاحتلال فى بلادهم أمثال سامى انجوما و بانريس لومومبا وغيرهم كثر ) فضلاً عن العلاقات المتميزة التي كانت تربط مصر بالقادة التاريخيين في القارة كالرئيس نكروما والرئيس سيكوتوري ... ولكن من الملاحظ أن الوضع تغير تماماً فبعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ... بدأت أصابع إسرائيل تعبث بشدة داخل العمق الأفريقي استغلالاً لعلاقاتها مع مصر والتي خلقت مبرراً كبيراً لبعض الدول الإفريقية لإعادة علاقاتها المقطوعة مع إسرائيل منذ حرب 1967 فضلاً عن إفساح المجال لدول أخرى لإقامة علاقات مع إسرائيل ذلك في ظل غياب دور عربي فاعل على كافة الصعد فباستثناء بعض المعونات الاقتصادية الضعيفة التي تقدمها بعض الدول الخليجية وصندوق مساعدات هزيل من جانب مصر فإن السمة الغالبة على مجمل العلاقات العربية الإفريقية تشير إلى هشاشة وتدني هذه العلاقات ... أما على الصعيد السياسي فإن العرب غائبون تماماً إلا من محاولات يقوم بها الرئيس الليبي وهي محاولات إعلامية إعلانية قبل ان تكون بمثابة محاولة جادة يمكن ان يكون لها دورا مؤثرا في تحجيم التمدد الاسرائيلي في القارة الافريقية.
وخلال شهر سبتمبر الماضى قام وزير الخارجية الاسرائيلي بجولة الي عدد من دول افريقيا وتعكس هذه الجوله اهتماماً إسرائيلياً كبيراً بأفريقيا الهدف من وراءه تحقيق ما يلي /
- ضمان الدعم السياسي للسياسات الإسرائيلية في المحافل والمنظمات الدولية.
- التأثير ومحاصرة الدور الايراني المتنامي في القارة وإظهار إسرائيل في صورة البديل الكفء لدور عربي ودورا إيراني متصاعد .
- فتح أسواق هذه الدول للتقنيات الإسرائيلية خاصة في مجالات الزراعة والري ومشروعات البنية الإساسية والصناعةا لاستخراجيه فضلاًعن تقديم الخبرت الإسرائيلية فيما يتعلق بتسويق منتجات هذه الدول في الخارج.
- توفير مستلزمات إسرائيل من السلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج خاصة فيما يتعلق بالمعادن على وجه الخصوص الماس الذي تعتبر إسرائيل أحد أهم الدول التي نجحت في تشغيله إضافة إلى اليورانيوم الذي تحتاج إليه إسرائيل لتشغيل مفاعلاتها التووية أو كعنصر احتياط لتوفير الطاقة مستقبلاً .
- الحصول على عقود استخراج النفط والغاز خاصة وأن الشواهد تشير إلى أفريقيا تقوم على مخزون ضخم من هذه الخامات خاصة وان إسرائيل دوله مستوردة للطاقة وتأمل تأمين احتياجاتها المستقبلية ... هذا بخلاف تشغيل معامل التكرير وصناعة البتروكيماويات والتي تمثل جزءاً هاماً في الصناعة الإسرائيلية .
- تنمية صادرات السلاح إلى هذه الدول خاصة وأن بعضها يعاني من ارتفاع وتيرة الحروب الأهلية وتزايد ظاهرة النزعات العرقية .
- محاصرة التيارات السلفية المتشددة والتي قد يكون وصولها للسلطة في غير صالح إسرائيل دلخل بلداتها باعتبار أن هذه التيارات ترى في إسرائيل دولة غاصبة عنصرية يتعين مقاطعتها وهي في هذا الصدد توحي للحكومات إمكانية تقديم الدعم بالسلاح والخبراء كي تتمكن من القضاء على هذه الحركات .
- إيجاد غطاء قانوني لأجهزة المهابرات (الموساد) وغيرها للتواجد في أفريقيا من خلال السفارات والتي يمكن لهذه الأجهزة من خلالها الوقوف على كافة المتغيرات التي تحدث على الطبيعة وتعني ذلك إمكانية التدخل والتحسب لأي تطورات تحمل تغييراً في الموقف ضد إسرائيل وفي هذا السياق كما هو معروض تعمل أجهزة المخابرات الاسرائيلية على خلق حاله من التوتر بين الطوائف والعرقيات ضماناً لتمييع المواقف تجاهها فضلاً عن أن حالات الانفعال داخل الدول الافريقية تعد تعنفاً لتجارة السلاح الاسرائيلي وتأكيداً لهذا نجحت اسرائيل في استقطاب بعض زعماء الحركات الانفصالية كما حدث مع احدى الفصائل بدار فور التي افتتحت لها اسرائيل مكتباً في تل ابيب ولا يمكن يحال استبعاد اليد الاسرائيلية في دلتا نهر النيجر بنجيريا أو في تغذية الخلافات بين اثيوبيا واريتريا خاصة بعد ابتعاد اريتريا بعض الشيء عن اسرائيل .
- تنمية تجارة الخدمات الإسرائيلية متمثلة في إقامة المصارف والمدارس والمشروعات الخدمية المشتركة فضلاً عن تشجيع السياحة إلى إسرائيل وكل هذه تصب في صالح الاقتصاد الإسرائيلي .
تم يأتي دور الطموح الاسرائيلي في الحصول على نصيب من مياه النيل وهي في ذلك تملك من المغريات التي يمكن ان تنخدع بها دول حوض النيل والتي تتمثل كما ذكرنا فيما تقدمه من خدمات لهذه الدول حتى أن خبراء اسرائيلين يشاركون في حماية بعض المسئولين الافارقة وها هي اسرائيل من وراء ستار تحرض دول الحوض على اعادة النظر في اتفاقيات مياه النيل تم بعدها تكون طلباتها من دول الحوض مجابة ..
.
كيف يتدارك العرب الموقف الإسرائيلي ؟

أمام العرب فرصة تاريخية لتدارك التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا وتحجيمه وذلك من خلال تحرك سياسي ودعم اقتصادي ... التحرك السياسي ينطوي على تفعيل دور البعثات الدبلوماسية العربية في الدول الإفريقية فلم يعد كافياً أن يظل السفراء وأعضاء البعثات داخل القصور والمنتجعات دون أن يشاركوا في الحياة العامة من خلال التعاطي مع منظمات المجتمع المدني وتوسيع دوائر الحوار معها ومن خلال المنتدبات والمناسبات القومية بمعنى أن يتحرك العرب إيجابياً لكسب ثقة وود الأفارقة وأن يكون للعرب دور في حل النزاعات العرقية والطائفية من خلال وساطات بين القوى المتنازعة وهذا لن يكون بدون الشق الآخر وهو الدعم والمساندة الاقتصادية أخذا في الاعتبار المصالح المشتركة بين العرب الأفارقة والتي تتغذى في جانب كبير منها على وحدة العقيدة خاصة في البلدان التي يمثل المسلمون فيها غالبية السكان ...وأرى في هذا السياق ما يلي /
1. زيادة حجم المعونات والهبات والمنح إلى الدول الإفريقية كمساهمة عربية في إقامة البنية التحتية في هذه الدول (كشق الطرق وخطوط المواصلات والاتصالات ) فضلاً عن المساهمة في مكافحة الأمراض المتوطنة وإنشاء المستشفيات والمدارس .
2. تخصيص مبالغ لأقراض هذه الدول بسعر فائدة مميز ضئيل ويسدد على آجال طويلة .
3. العمل على إقامة استثمارات مشتركة في مجالات الزراعة والتصنيع وهذا يعمل على تحقيق فائدة للجانبين .
4. فتح أبواب الجامعات والمعاهد أمام الأفارقة وهذا التوجه بالذات يخلق ترابطاً عضوياً وثقافياً بين الخريجين والعرب يمثلون مخزوناً من رجالات المستقبل المرتبطين بالدول الذين درسوا وعاشوا فيها (كانت فرنسا رائدة في هذا التوجه أبان استعمارها لبعض الدول الأفريقية .
5. زيادة حجم التبادل التجاري بين الدول العربية والإفريقية وتعظيم التواجد العربي فيها من خلال إقامة المعارض الدولية والبعثات الترويجية .