المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إسرائيل تعزز نفوذها في إفريقيا في ظل غياب عربي


Eng.Jordan
04-16-2013, 01:45 PM
د. حمدي عبد الرحمن حسن


يراجع هذا التقرير التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا الذي يستخدم العديد من الوسائل لتحقيق أهدافه وعلى رأسها ما يسمى القوة الناعمة، ويلقي الضوء على الجهود الإسرائيلية خلال المراحل السابقة وما شهدته من مد وجزر وفقا لرؤية وأ

هداف صناع القرار الإسرائيليين، مع الوقوف على العلاقات العربية الإفريقية الآخذة بالتراجع بدلا من التقدم والتطور. المدخلشهدت العلاقات الإسرائيلية بالدول الإفريقية، ولا سيما غير العربية منها، تحولات فارقة خلال الخمسين عاما الماضية. وربما تعزى تلك التحولات إلى تغير الاهتمامات وترتيب أولويات السياسة الخارجية الإسرائيلية فضلا عن تطور ديناميات النظام الدولي.فالعصر الذهبي للتغلغل الإسرائيلي في إفريقيا والذي شمل عقد الستينيات سرعان ما شهد نهاية حاسمة له بعد حرب أكتوبر 1973 وقيام الدول الإفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل.

وقد حاولت الدبلوماسية الإسرائيلية إعادة وصل ما انقطع مع إفريقيا خلال فترة الثمانينات وقد تحقق لها ما أرادت بعد توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993.وعلى الرغم من عودة الروح للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلا أن مكانة إفريقيا شهدت تراجعا في أولويات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي.

بيد أن ظهور بعض التهديدات الأمنية على الساحة الإفريقية ولا سيما في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، وحدوث نوع من التكالب الاستعماري الجديد على موارد وثروات إفريقيا الطبيعية، قد دفع بالقيادة الإسرائيلية إلى إعادة التوكيد مرة أخرى على محورية إفريقيا في عملية صياغة السياسة الخارجية الإسرائيلية.وتشير الأدبيات الصهيونية إلى أن تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية السياسية قد أشار في كتاباته أوائل القرن العشرين إلى المشابهة بين خبرة الشعب اليهودي والشعب الإفريقي ورغبة كل منهما في الخلاص والتحرر.

يقول هرتزل: "لقد كنت شاهداً على خلاص شعبي من اليهود وأرغب في تقديم العون للعمل على خلاص الأفارقة". وقد حاول قادة الدولة العبرية بعد تأسيسها عام 1948 تحقيق هذه المثالية السياسية من خلال تقديم إسرائيل باعتبارها نموذجا يحتذى في عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا.

بيد أن البحث عن شرعية الوجود وتأمين الكيان الصهيوني بعد تأسيسه دفع بصانع القرار الإسرائيلي إلى أن يلقى هذه المثاليات السياسية وراء ظهره، ويتجه صوب إقامة علاقات دبلوماسية مع القوى الكبرى في النظام الدولي مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي.ففي نوفمبر 1947 حينما عرض قرار تقسيم فلسطين على الأمم المتحدة لم يكن يمثل إفريقيا جنوب الصحراء سوى دولتين فقط هما ليبريا وأثيوبيا، وفي حين أيدت الأولى القرار امتنعت أثيوبيا عن التصويت، فكان منطقيا حينها أن تنظر إسرائيل صوب القوى الاستعمارية الأوروبية وتهمل المستعمرات الإفريقية.وقد مثل مؤتمر باندونج لدول عدم الانحياز عام 1955 نقطة تحول كبرى في تطور السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا، حيث لم توجه الدعوة إلى إسرائيل لحضور هذا المنتدى الدولي العام، بل وتم تبني سياسة مقاطعة إسرائيل وإدانة احتلالها للأراضي العربية.إسرائيل وإفريقيا.. عودة الروحوهذا كله أي ما سبق يطرح بعض القضايا الإشكالية المتعلقة بالوجود الإسرائيلي في إفريقيا ويثير كذلك مسألة الثابت والمتغير في الأهداف الإسرائيلية والأدوات المستخدمة لتنفيذ هذه الأهداف وعلاقة ذلك كله بسؤال الأمن القومي العربي.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي تم إعادة تأسيس العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا مرة أخرى وربما يعزى ذلك إلى ثلاثة عوامل أساسية:

1. توقيع اتفاقات أوسلو ومعاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية وهو ما يعني إزالة كافة العقبات التي كانت تعترض العلاقات الإسرائيلية الإفريقية.

2. نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا والدور الذي قامت به إسرائيل في مساعدة حكومة الأغلبية السوداء الأمر الذي أسهم في تجاوز عقبة العلاقة الإسرائيلية مع نظام الفصل العنصري البغيض.

3. انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى المسيطرة في العالم وهو ما جعل التقرب منها في نظر الأفارقة يكون من خلال البوابة الإسرائيلية.ويلاحظ أنه بنهاية عام 1993 كانت سبع دول إفريقية قد أعادت علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، وفي العام التالي تبعتها عشرة دول إفريقية أخرى، وبنهاية عقد التسعينيات وصل عدد الدول الإفريقية التي أعادت علاقاتها أو أسست علاقات جديدة مع إسرائيل أربعين دولة، وهو ما يتجاوز العدد الذي تحقق في فترة الستينيات.

والملفت هنا أن دولاً إفريقية جديدة لم يكن لها علاقات من قبل بالكيان الإسرائيلي قد أضيفت إلى القائمة، ومن ذلك المستعمرات البرتغالية السابقة (أنجولا وموزمبيق، وغينيا بيساو، وساوتومي وبرنسيب) بالإضافة إلى زيمبابوي ونامبيا وإريتريا وموريتانيا. ومن المثير للدهشة أن رد الفعل الإسرائيلي على هذه العودة الإسرائيلية المتسارعة اتسم بالفتور الشديد وعدم الحماسة.

وارتبطت تلك المرحلة بإقامة علاقات إسرائيلية مع كل من الهند والصين في آسيا وبحركة تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع العالم العربي. وعليه أضحت حركة إسرائيل في إفريقيا محكومة بالاعتبارات والأولويات الإستراتيجية والاقتصادية.وبصفة عامة قامت إسرائيل بافتتاح سفارات لها في أحد عشر دولة إفريقية هي أثيوبيا وإريتريا وكينيا وأنجولا والكاميرون ونيجيريا وكوت ديفوار والسينغال، ومصر وجنوب إفريقيا وموريتانيا.ويلاحظ أن إفريقيا في معظم سنوات هذه المرحلة قد عانت من التهميش وعدم النظر إليها بحسبانها أولوية كبرى في السياسة الخارجية الإسرائيلية وحتى في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، حيث ظهر جيل جديد من الإسرائيليين لا يبالون كثيرا بواقع الأفارقة وأزماتهم التي يعانون منها.وقد برز هذا الإهمال الإسرائيلي واضحا في عدم قدرة الحكومة الإسرائيلية علي التعامل مع بعض قضايا العلاقات الإفريقية الإسرائيلية ومن ذلك:

• نمو عدد العمال الأفارقة العاملين في إسرائيل.
• انعكاسات هجرة يهود الفلاشا على المجتمع الإسرائيلي.ولا يعني ذلك القول بأن إسرائيل تخلت عن أهدافها الثابتة في إفريقيا ولعل ما يؤكد ذلك هو ظهور مخاوف أمنية وإستراتيجية جديدة في القارة الإفريقية ولا سيما في حقبة ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول.

ويمكن القول إن إسرائيل قد حافظت دوما على مراكز نفوذها وتأثيرها في إفريقيا والتي تتمثل في:

- منطقة شرق إفريقيا وحوض النيلحيث تحتفظ إسرائيل ببعثات دبلوماسية كاملة يرأسها سفراء في كل من إرتيريا وأثيوبيا وكينيا. كما أنها تمثل ببعثة دبلوماسية في جمهورية الكونغو الديمقراطية ويرأس هذه البعثة سفير مقيم في مقر وزارة الخارجية الإسرائيلية.

أما باقي دول حوض النيل وهي أوغندة وتنزانيا ورواندا وبوروندي فإن إسرائيل تعتمد على سفرائها المقيمين في دول الجوار الإفريقية لرعاية مصالحها في هذه الدول.وعليه فإنه إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة العلاقات المصرية الإسرائيلية الذي تم إقرارها بمقتضى معاهدة السلام بين البلدين عام 1979 لا تضح أن إسرائيل تحتفظ بعلاقات وثيقة مع دول حوض النيل كافة باستثناء السودان.

- منطقة الحزام الإسلامي في غرب إفريقيا.

حيث تمتلك إسرائيل بعثات دبلوماسية كاملة برئاسة سفراء في كل من الكاميرون وكوت ديفوار والسنغال ونيجيريا. وفي عام 1999 تم رفع درجة التمثيل الدبلوماسي بينها وبين موريتانيا إلى مستوى السفارة إلى أن قامت حكومة الجنرال محمد ولد عبد العزيز أوائل عام 2009 بتجميد هذه العلاقات وطرد السفير الإسرائيلي من نواكشوط. ومن الملاحظ أن إسرائيل تحتفظ بعلاقات جيدة مع كافة دول غرب الإفريقية الأخرى وإن كانت لا توجد بها سفارات إسرائيلية كاملة وهو الأمر الذي يعكس الأهمية الجيوسياسية لهذه المنطقة لدى صانع القرار الإسرائيلي.

- منطقة الجنوب الإفريقيإذ توجد علاقات إسرائيلية بدولة جنوب إفريقيا وهي ترجع إلى مرحلة نظام الفصل العنصري. ونظراً لوجود جالية يهودية مؤثرة في جنوب إفريقيا فإن العلاقة بين الدول العبرية وجمهورية جنوب إفريقيا حتى في مرحلة ما بعد التحول الديمقراطي عام 1994 تتسم بالاستقرار والحيوية.

ومن الملفت للنظر كذلك أن إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع حكومة أنجولا وذلك منذ عام 1992 وهو ما يسمح لها باختراق منطقة اللوزيفون (أي إفريقيا الجنوبية الناطقة بالبرتغالية).

- مصر وشمال إفريقيا.

استطاعت إسرائيل أن تكسر حدة الحصار العربي المفروض عليها منذ قيامها عام 1948 بعد توقيع معاهدة السلام مع مصر وتأسيس علاقات دبلوماسية متكاملة مع القاهرة عام 1980.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد حيث استطاعت بعد توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993 أن تطبع علاقاتها مع بعض الدول العربية في شمال إفريقيا مثل تونس والمغرب.الأهداف والعوامل المساعدةيمكن القول إجمالا إن السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا قد حكمتها منذ البداية مجموعة من الاعتبارات والأهداف العامة، لعل من أبرزها:

الاعتبار السياسي، حيث تمثل إفريقيا قوة تصويتية كبرى في المحافل الدولية ولا سيما الأمم المتحدة، وهو ما يعني أن بمقدور الأفارقة إحداث تغيير هائل في السياسات الرامية لفرض العزلة الدولية على إسرائيل.

بيد أن ثمة اعتبارات إستراتيجية تمثلت في حاجة إسرائيل إلى كسر حاجز العزلة التي فرضتها عليها الدول العربية من خلال إقامة شبكة من التحالفات مع دول الجوار غير العربية ولا سيما في منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.يقول ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق في خطاب له أمام الكنيست عام 1960: "إن المساعدات التي نقدمها للدول الحديثة ليست عملا من أعمال الخير.

إننا بحاجة إلى صداقة هذه الدول أكثر من حاجتها هي إلى مساعداتنا".ولم تكن الاعتبارات الاقتصادية ببعيدة عن تفكير صانع القرار الإسرائيلي فإفريقيا غنية بمواردها وثرواتها الطبيعية، كما أنها تعد سوقاً محتملة للمنتجات الإسرائيلية.

وفي هذا المجال بدأت إسرائيل علاقاتها مع النخب السياسية الإفريقية في سنوات مرحلة ما قبل تصفية الاستعمار، ولعل المثال الأبرز ما تقدمه تجربة غانا، حيث تمت الاتصالات الإسرائيلية بقادة غانا عبر مؤتمرات الاشتراكية الدولية والكونفدرالية الدولية للنقابات العمالية الحرة.

أفضى ذلك إلى افتتاح قنصلية إسرائيلية في أكرا عام 1956 أي قبل إعلان استقلال غانا بعدة أشهر. وفي مارس 1957 حينما أعلن استقلال غانا بشكل رسمي أسرعت إسرائيل بتحويل قنصليتها في أكرا إلى السفارة وأصبح أيهود أفريل (Ehud Avriel) أول سفير إسرائيلي في إفريقيا.

وفي خضم موجة استقلال الدول الإفريقية أسرعت إسرائيل بالاعتراف بهذه الدول وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها. ففي عام 1959 افتتحت سفارتها في غينيا كوناكري، وخلال العامين 1960-1961 شملت علاقات إسرائيل الدبلوماسية دول الكونغو الديمقراطية (زائير آنذاك) ومالي وسيراليون ومدغشقر ونيجيريا. وقد وصل عدد السفارات الإسرائيلية في إفريقيا مع نهاية عام 1962 إلى 22 سفارة، وفي عام 1972 كانت إسرائيل قد أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع (32) دولة إفريقية.

ومن المثير للانتباه أن بعض الدول الإفريقية قد سعت لفتح سفارات لها في إسرائيل، بل أنها لم تمانع في أن يكون مقر هذه السفارات هو مدينة القدس. وقد اعتبرت إسرائيل القرار الإفريقي باعتبار القدس عاصمة لها هو نوع من التقدير والاعتراف بدولة إسرائيل.وثمة مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية تفسر لنا أسباب الهجمة الدبلوماسية الإسرائيلية على إفريقيا ومن ذلك:

- موجة استقلال الدول الإفريقية في الستينيات وهو ما يعنى زيادة قدرتها التصويتية في الأمم المتحدة حيث كان الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز القضايا التي تطرح دوماً للتصويت.

- إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 وهو ما يمثل تحدياً أمام إسرائيل حيث أنها لا تتمتع بالعضوية في هذا التجمع الأفروعربي.

- عضوية مصر ودول عربية أخرى في كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية أسهم في إقامة تحالفات عربية أفريقية، ولا سيما مع بعض القادة الراديكاليين أمثال نكروما وسيكوتوري.

وفي أعقاب حرب أكتوبر 1973 قامت الدول الإفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل تأييداً للموقف المصري، وإن كان البعض يرى أنه كان مدفوعاً كذلك بالرغبة في الحصول على المساعدات العربية ولا سيما من قبل الدول النفطية. وإذا كان قطع العلاقات الدبلوماسية لم يؤثر على استمرار الاتصالات بين إسرائيل وإفريقيا فإنه أحدث تحولاً كبيراً في مدركات صانع القرار الإسرائيلي كما أنه أدى إلى تغيير في السياسات الإسرائيلية المتبعة.

ويبدو أن إسرائيل قد حاولت الرد على هذا الموقف الأفريقي من خلال أمرين هامين: أولهما دعم العلاقة الإسرائيلية بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في أوائل عام 1974.

وثانياً رفض المطالب الإفريقية الخاصة بالمساعدات الفنية. حيث قامت إسرائيل بتوجيه هذه الموارد إلى مناطق أخرى من العالم ولا سيما آسيا.ومن الواضح أن إسرائيل قد عانت عزلة دولية واضحة نتيجة هذا الموقف الإفريقي وقد تجلى ذلك بوضوح في عام 1975 حينما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يساوي بين الصهيونية والعنصرية.على أن إرهاصات مرحلة عودة التغلغل الإسرائيلي بدأت تدريجياً إلى إفريقيا في منتصف السبعينيات حينما اجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين مع كل من ليوبولد سيدار سنغور رئيس السنغال، وفيلكس هوفوت بوانيه رئيس كوت ديفوار.بيد أن توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 كان يعني في أحد أبعاده نهاية لسنوات المقاطعة الإفريقية لإسرائيل.ومع ذلك نستطيع أن نشير إلى عاملين أساسين أسهما في أن تعيد إفريقيا النظر في علاقتها مع إسرائيل:

- أولاً: إحباط الدول الإفريقية من عدم فعالية حركة التعاون العربي الأفريقي بعد النتائج الهزيلة التي أفرزتها القمة الأفروعربية عام 1977. كما عبر الأفارقة عن استيائهم من الصراعات العربية/العربية ولا سيما بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد ومحاولة نقلها إلى منظمة الوحدة الإفريقية. وقد دفع ذلك ببعض المحاولات الإفريقية للتفكير في إقامة منظمة أفريقية زنجية تقصر عضويتها على الأفارقة دون العرب.

- ثانياً: تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إفريقيا ابتداء من نهاية السبعينيات. وقد دفع ذلك بالدول الإفريقية إلى تبني إعلان مونروفيا عام 1979 بشأن الاعتماد الإفريقي على الذات والمطالبة بإقامة نظام عالمي جديد. وسرعان ما تم تبني هذا الإعلان من قبل منظمة الوحدة الإفريقية وأطلق عليه "إستراتيجية مونروفيا" على أن المنظمة الإفريقية اجتمعت في أبريل/ نيسان عام 1980 في لاغوس وأقرت "خطة عمل لاغوس للتنمية الاقتصادية في إفريقيا 1980 -2000".ويلاحظ أن نقطة التحول الكبرى في العلاقات الإسرائيلية الإفريقية خلال هذه المرحلة ارتبطت بأوائل الثمانينيات حينما تم تعيين ديفيد قمحي مديراً عاماً للخارجية الإسرائيلية الذي قاد حملة لا هوادة فيها من أجل العودة إلى إفريقيا مرة أخرى. فقد تم ترتيب سلسلة من زيارات كبار المسئولين الإسرائيليين للعواصم الإفريقية كتلك التي قام بها كل من إسحاق شامير وآرييل شارون، كما تم التوسع في مجال العلاقات العسكرية مع الدول الإفريقية وتفاوضت إسرائيل على مزيد من العقود والصفقات العسكرية في إفريقيا.وعلى الرغم من استمرار العلاقات الاقتصادية والعسكرية الإسرائيلية مع الدول الإفريقية فإن عودة العلاقات الدبلوماسية كانت بطيئة وتدريجية.

ففي مايو 1982 أعلن الرئيس موبوتو سيسي سيكو رئيس زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) عودة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ليصبح أول رئيس إفريقي يفعل ذلك.وربما يمكن تفسير هذا التحرك من جانب موبوتو من خلال تفهم رغبته في الحصول على المساعدات العسكرية الإسرائيلية والتقرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة أزماته الداخلية بعد محاولات انفصال إقليم شابا عام 1977، 1978.

وفي أغسطس عام 1982 أيضاً قام الرئيس الليبيري صمويل دو بخطوة مماثلة وأعاد علاقات بلاده مع إسرائيل سعياً في كسب ود الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها تحفظات على نظام حكمه. وفي منتصف الثمانينات قامت دول أخرى مهمة بإعادة علاقاتها مع إسرائيل مثل كوت ديفوار والكاميرون، وفي أوائل التسعينيات قامت أربعة دول أفريقية فقط بإعادة علاقاتها مع إسرائيل وهي أثيوبيا وكينيا وغينيا وجمهورية إفريقيا الوسطى.

ويبدو أن صانع القرار الإسرائيلي بدأ يعيد حساباته ويتبنى اقتراباً جديداً في تعامله مع إفريقيا من خلال توظيف أدوات الحركة التي يمتلكه، إذ لم يعد الهجوم الدبلوماسي وافتتاح سفارة إسرائيلية في كل عاصمة أفريقية هدفا في حد ذاته. فقد تم التركيز على بعض العواصم الإفريقية ذات الأهمية الإستراتيجية البالغة بالنسبة لإسرائيل.

كما استطاعت إسرائيل توظيف شبكة من التفاعلات غير الرسمية لخدمة مصالحها في إفريقيا حيث أصبح العديد من مواطنيها يعملون في مختلف أنحاء القارة الإفريقية، بل أن بعض هؤلاء أصبحوا مستشارين لرؤساء دول كما حدث في نيروبي وياوندي وبانغي وأديس أبابا وكينشاسا.

كما أن بعض الضباط السابقين في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تورطوا في الصراعات التي شهدتها سيراليون وليبيريا وأنجولا ونيجيريا وروندا وزائير.ويبدو أن قرار إسرائيل عام 1987 الانضمام إلى حملة المقاطعة الدولية لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا قد أسهم في فتح صفحة جديدة في علاقاتها مع الدول الإفريقية.ويمكن أن نشير إلى عدد من الاعتبارات المهمة التي أفضت إلى عودة إفريقيا كأولوية مهمة في أجندة إسرائيل الخارجية ابتداء من عام 2000. وذلك على النحو التالي:

- الاعتبارات الأمنية:

فثمة مخاوف إسرائيلية من انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة في كثير من مناطق إفريقيا ولا سيما في بؤر التوتر والصراعات الكبرى، وفي ظل حالات ضعف الدولة أو انهيارها كما هو الحال في الخبرة الصومالية. ولا شك أن إسرائيل تنظر إلى هذه المخاوف الأمنية باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ولعل الغارة الإسرائيلية علي شرق السودان أوائل العام الحالي تعد مثالا واضحا على أهمية هذا البعد في السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا.

- التغلغل الإيراني المتزايد في إفريقيا:واستخدام السياسة الإيرانية لنفس الأدوات التي استخدمتها إسرائيل لكسب عقول وقلوب الأفارقة وهي المساعدات التنموية. وعليه فإن إسرائيل رأت في إيران وسياستها الإفريقية تهديداً مباشراً لمصالحها الإستراتيجية في القارة السمراء.

ويلاحظ أن إيران بدأت منذ عدة سنوات في توسيع دائرة تحركها الإفريقية مستفيدة إلى أقصى حد من الفرص المتاحة. فإلى جانب السودان توجد علاقات إيرانية وثيقة مع كل من جنوب إفريقيا والسنغال وأوغندة.

وعادة ما يتم ترويج النموذج الإيراني إفريقيا ولا سيما في مجالات الطاقة والتنقيب عن النفط وتنمية القطاعات الزراعية والصحية وما شاكل ذلك.فقد افتتحت إيران مصنعاُ للجرارات الزراعية في أوغندة، كما أنها أقامت خط إنتاج لسيارات (ساماندا) الإيرانية في السنغال، ويلاحظ في هذا السياق أيضاً أن الفرق الطبية الإيرانية تجوب كثيراً من أنحاء القارة الإفريقية لتقديم خدماتها إلى المحتاجين.

- الاعتبارات الاقتصادية والتجارية:

إذ تحاول إسرائيل أن تبنى على تقاليد عصرها الذهبي في إفريقيا. وهي تستخدم هيئة التعاون الدولي (مشاف) التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية باعتبارها الذراع الدبلوماسي الذي يسهم في تقوية علاقاتها مع الدول الإفريقية. وقد لوحظ خلال السنوات الماضية أن معظم النشاط الإسرائيلي في إفريقيا قد تركز في مجالين أساسيين هما تجارة الماس والأسلحة. ولذلك يطالب كثير من المحللين الإسرائيليين بضرورة إنقاذ سياسة إسرائيل الإفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة من خلال تطوير وتوسيع دوائر الحركة التجارية معها من خلال التركيز على القوى الاقتصادية الواعدة فيها مثل نيجيريا وغانا وجنوب إفريقيا.

- التوكيد على أهمية إفريقيا الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل:

حيث تحاول إسرائيل من خلال تبنيها مبدأ شد الأطراف إلى خلق بؤر للتوتر والصراع على أطراف النظام الإقليمي العربي في جواره الأفريقي.

ويمكن أن نشير هنا إلى الدور الإسرائيلي في دعم حركات التمرد والعنف في جنوب السودان وغربه. ومن المعروف أن هذا المبدأ يعني خلق مناطق للتوتر تشمل الجماعات العرقية والإثنية في الدول العربية وتقديم كافة وسائل الدعم لها من أجل تقوية نزعاتها الانفصالية والقومية.
- التكالب الدولي الجديد على استغلال الموارد الطبيعية الإفريقية:يفرض على إسرائيل أن تعيد حساباتها لتدافع عن مصالحها ويكون لها نصيب معلوم في عملية التنافس الدولي تلك التي تشهدها الساحة الإفريقية. ولذلك لا تتحرك إسرائيل صوب إفريقيا بدافع من مجابهة التمدد الإيراني فقط ولكن لمواجهة واحتواء النفوذ الصيني المتزايد كذلك.

وعليه فإنه يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إلى كل من أثيوبيا وكينيا وأوغندة ونيجيريا وغانا في بداية سبتمبر/ أيلول 2009 باعتبارها نقطة تحول فارقة في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا ومحاولة لإعادة العصر الذهبي لإسرائيل في إفريقيا.أدوات الاختراق وآلياته يقول جون تيتيجه سكرتير عام الحركة العمالية في غانا في أعقاب زيارته لإسرائيل عام 1957: "لقد تعلمت في إسرائيل على مدى ثمانية أيام أكثر مما يمكن أن أتعلمه على مدى سنتين في جامعة بريطانية".

كما عبر الزعيم العمالي الكيني توم موبيا عن إعجابه الشديد بتجربة إسرائيل في مجال زراعة وتنمية الأراضي القاحلة. يطرح ذلك كله أهمية الحديث عن أدوات إسرائيل في اختراق الفضاء الأفريقي:

1- إسرائيل ودبلوماسية القوة الناعمةيقول ديفيد بن جوريون في كتابه عن إسرائيل وسنوات التحدي الذي صدر عام 1962:"إن إسرائيل دولة صغيرة الحجم ومحدودة السكان، كما أنها لا تمتلك قوة عسكرية أو اقتصادية كبرى. بيد أنها تمثل على المدى البعيد قوة روحية خلاقة.

ومعلوم أن العبرة في مملكة الروح للكيف وليس الكم... ولسوف يعود عليها إسهامها، أي إسرائيل، في تأسيس عالم جديد بالسلام والأمن واحترام العالم".ولا شك أن هذا النص يعكس إدراك أول رئيس لوزراء إسرائيل بأن القوة العسكرية وإن حققت تأسيس كيان الدولة فإن تأمين شرعية الوجود يتطلب أدوات وسياسات أخرى غير الأداة العسكرية.

ومن هنا كان بحث صانع القرار الإسرائيلي عن خلق ما يمكن تسميته "النموذج الإسرائيلي" الذي يستطيع جذب اهتمام وتأييد المجتمع الدولي. ولعل سياسة المساعدات التنموية تعد أحد أبرز هذه الأدوات التي تستخدمها الدبلوماسية الإسرائيلية لتحقيق هذه الغاية وقد درج كثير من الكتاب الإسرائيليين على وصف هذه الإستراتيجية بأنها تمثل تطبيقاً لمبدأ القوة الناعمة "soft power" الذي صكه جوزيف ناي عام 1990.

وتحاول إسرائيل أن تستخدم برنامج التعاون الدولي لتحقيق أهداف سياستها الخارجية تجاه إفريقيا. يعني ذلك أن سياسة المساعدات التنموية التي تقدمها إسرائيل للدول الإفريقية تمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم القوة الناعمة، ومما يزيد من فاعلية هذه السياسة أن إسرائيل تضفي عليه بعداً ثقافياً وأخلاقياً من خلال:- التأكيد على أن إسرائيل، وهي دولة محدودة الموارد ترسل ما لديها من خبراء وفنيين بدلاً من الأموال التي تفتقر إليها من أجل مساعدة الدول الإفريقية في مجالات تنموية متعددة، مثل الري والزراعة والصحة العامة وتنمية المجتمعات المحلية وما إلى ذلك.

- طرح المفهوم الرسالي للشعب اليهودي وفكرة الخلاص، وهي ما تتضح في كتابات الجيل المؤسس للدولة العبرية. ولا شك أن هذا المفهوم يقدم إسرائيل باعتبارها "نموذجا" لبناء الدولة والقيم التي تقوم عليها.- تقديم المساعدات التنموية باعتبارها تمثل منظومة القيم للشعب اليهودي في مختلف أنحاء العالم. ولعل استخدام برنامج "تيكون أولام" (Tikkun Olam) أو مساعدة اليهود في إصلاح العالم ضمن آليات التعاون الدولي الإسرائيلي، إنما يعكس ذلك التوجه لدى صانع القرار الإسرائيلي.

وقد بدأت هذه المساعدات عام 1957 بناء على طلب من الرئيس الغاني كوامي نكروم، حيث قدمت إسرائيل المساعدة الفنية في عدد من المشروعات التنموية في غانا. ويلاحظ أن إسرائيل قد استفادت من خبرتها في مجال الزراعة حيث قدمت المساعدة الفنية في مجالات الري والزراعة وتخطيط المدن والتعاونيات. ومع تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية تم التوسع في هذه البرامج حتى أن إسرائيل أنشأت وحدة التعاون الدولي (مشاف) داخل وزارة الخارجية لإدارة وتنسيق برامج المساعدات تلك، ومن الملاحظ أن جميع الدول الإفريقية التي دخلت في علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قد استفادت بشكل أو بآخر من هذه المساعدات الفنية.وقد احتلت الزراعة الأهمية القصوى في مجالات المساعدات الإسرائيلية لإفريقيا حيث دأب الخبراء الإسرائيليون على:

• إنشاء مشروعات زراعية متخصصة تقوم على التكنولوجيا الملائمة وتبني محاصيل جديدة.
• إنشاء مزارع ومراكز تدريبية.
• تنظيم المؤسسات الريفية.
• تخطيط مشروعات التنمية الريفية الشاملة.
على أن إسرائيل قدمت الدعم الفني في مجالات أخرى مثل الصحة العامة والتعليم والإعمار والعمل الاجتماعي وتطوير المجتمع المحلي.ومن جهة أخرى استقبلت إسرائيل العديد من الدارسين والطلاب الأفارقة للتدريب في مراكزها العلمية والتدريبية المختلفة.

فقد أنشأت الهستدروت المعهد الأفروأسيوي للدراسات العمالية بهدف تقديم مسافات تدريبية متخصصة في مجالات التنمية والعمل والتعاونيات.ولعل من أبرز المشروعات التي تقدمها إسرائيل لإفريقيا في مجال الزراعة والأمن الغذائي، مشروع "حديقة السوق الإفريقية" The African Market Garden.
ويهدف هذا المشروع إلى تقليل المخاطر وزيادة الإنتاجية في المزارع العائلية الصغيرة التي تقع في نطاق الأراضي القاحلة وشبه القاحلة.ويقوم هذا النظام على الجمع ما بين أفضل المحاصيل وفقاً للاختبارات العلمية واستخدام الوسائل ذات التكلفة المنخفضة جداً مثل الري بالتنقيط والتي تسمح بزراعة الأراضي طول العام.

إذ يلاحظ أن صغار المزارعين في هذه المناطق يتقيدون في نشاطهم الزراعي بفترة موسم الأمطار.ويمكن هذا النظام الزراعي أصحاب الحيازات الصغيرة من توفير الاحتياجات الغذائية لأسرهم مع الاحتفاظ بفائض صغير يمكن بيعه. ويقوم مركز "مشاف" بتطبيق هذه الإستراتيجية في إفريقيا بالتعاون مع شركاء التنمية المحليين والمنظمات الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وهيئة التعاون الفنلندية.

2- المساعدات العسكرية وتجارة السلاح:

وقد اشتملت هذه المساعدات على تدريبات مباشرة للعسكريين الأفارقة أو إقامة وحدات عسكرية خاصة. وفي فترات زمنية متفاوتة كانت إسرائيل تقوم بتدريب جيوش أثيوبيا وغانا وكينيا وسيراليون وتنزانيا وأوغندة وزائير. ويلاحظ أن أول دفعة من طياري كينيا وأوغندة وتنزانيا وزائير قد تلقت تدريبها في إسرائيل.

ولا يخفى أن لإسرائيل وجهاً قبيحاً في القارة الإفريقية يتمثل في تجارة السلاح حيث يقوم بعض رجال الاستخبارات والعسكريين الإسرائيليين السابقين، وذلك نيابة عن المؤسسة الصناعية العسكرية في إسرائيل بتصدير الأسلحة والمعدات إلى كثير من المناطق في إفريقيا.
ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى الدور الإسرائيلي في الحروب الأهلية التي شهدتها دول مثل أنجولا وليبيريا وسيراليون وكوت ديفوار. كما تورطت إسرائيل بدعم كثير من النظم الشمولية في إفريقيا.وفي نهاية الخمسينيات طورت الإستراتيجية الإسرائيلية مبدأ شد الأطراف (Peripheral doctrine) الذي يعني إقامة تحالفات غير رسمية مع الدول الواقعة على أطراف منطقة الشرق الأوسط، وتربط إسرائيل بالمثلث التركي الإيراني في الشمال والأثيوبي في الجنوب. ومن الملاحظ أن هذه الدول الثلاثة غير العربية لديها مخاوف حقيقية من الرابطة العربية والإسلامية.

وعليه فإن المساعدات العسكرية الإسرائيلية لإفريقيا ركزت على منطقة القرن الإفريقي. فقد كان الاهتمام الإسرائيلي يتجه إلى أمن البحر الأحمر وحماية منطقة باب المندب، وربما يفسر لنا ذلك سر الاهتمام الإسرائيلي منذ البداية بتدعيم أواصر العلاقة مع أثيوبيا.
ويلاحظ أن إسرائيل قد قدمت الدعم المادي والعسكري لأثيوبيا في مواجهة الثورة الإرتيرية لأنها خشية أن يؤدي استقلال أرتيريا وتحالفها مع العرب إلى إغلاق البحر الأحمر يما يجعله بحيرة عربية.وبالفعل قامت إسرائيل بتقديم مساعدات كبيرة للجيش الأثيوبي كما أنها أقامت قاعدة شبكة اتصالات في أرتيريا، وبالمقابل فقد حصلت إسرائيل على تسهيلات عسكرية في الأراضي الأثيوبية حيث أقامت بعض القواعد في الجزر القريبة من محيط باب المندب.وقد جاءت أوغندة في المرتبة الثانية من حيث الاهتمام الإسرائيلي بعد أثيوبيا حيث أنها تحد جنوب السودان وهو ما يسهل من تقديم المساعدات الإسرائيلية لحركة التمرد السودانية.

3- دعم العلاقات التجارية والاقتصادية قامت إسرائيل بإنشاء العديد من الشركات الصناعية والتجارية بهدف الدخول في مشروعات الشحن والبناء وتنمية الموارد المائية. وعادة ما كانت هذه الشركات تضم أحد المساهمين الأفارقة وتمتلك الدول الإفريقية أغلب أسهمها.بيد أن الملفت للنظر أن الطرف الإسرائيلي في هذه الشركات لم يكن يمثل القطاع الخاص وإنما كان يمثل الحكومة الإسرائيلية، وهو ما جعلها تدخل في إطار أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية في إفريقيا.

وقد نظرت الدول الإفريقية إلى هذه الشركات باعتبارها فرصة للاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في مجال الإدارة والاستثمار.ويلاحظ أن هذه الشركات قد قامت ببناء (مقار) البرلمانات في سيراليون ونيجيريا والمطارات الدولية في غانا وأوغندة والفنادق في سيراليون ونيجيريا وتنزانيا وكينيا. بالإضافة إلى تمهيد آلاف الأميال من شبكات الطرق.

4- الأداة الثقافيةيمكن القول بأن ثمة متغيراً ثقافيا ودينيا يؤثر على عملية صياغة السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا. إذ يلاحظ أن المسيحية في إفريقيا والتي انتشرت مع الغزو الأوروبي للقارة تربط بين دولة إسرائيل والمناطق المسيحية المقدسة.وعلى صعيد آخر توجد جاليات يهودية مؤثرة في إفريقيا، ففي أثيوبيا يقدر عدد يهود الفلاشا بنحو عشرين ألفا، وفي جنوب إفريقيا يوجد نحو (8800)، وقد اتضح تأثير ذلك واضحاً حينما قامت إسرائيل بعملية تهجير واسعة لما يزيد عن عشرة آلاف من يهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل، على الرغم من معارضة الحكومة الأثيوبية آنذاك.ويلاحظ أن هذه الروابط يتم تكريسها كل عام من خلال رحلات الحج التي يقوم بها المسيحيون الأفارقة إلى المواقع الدينية في فلسطين المحتلة. ويلاحظ أن خصوصية هذه العلاقة تتجاوز واقع العلاقات الرسمية بين إسرائيل والدول الإفريقية.اختراق الأمن القومي العربي من الملفت للنظر أن الاختراق الإسرائيلي الواسع النطاق للقارة الإفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ارتبط بحالة من التراجع الواضح للدور العربي ولا سيما المصري في إفريقيا.


وعليه فإن الفرصة كانت سانحة أمام إسرائيل أكثر من أي وقت مضى لاستعادة أمجاد عصرها الذهبي في إفريقيا، ولعل مكمن الخطورة في هذا التمدد الإسرائيلي تتمثل في اختراق منظومة الأمن القومي العربي ككل، وتهديد نظم الأمن الوطنية لبعض الدول العربية تحديداً مثل مصر والسودان والمغرب العربي.ويمكن تحديد أهم عناصر التهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي في امتداداته الإفريقية على النحو التالي:

-اختراق النظم الأمنية والإقليمية الخاصة بالقرن الأفريقي:بمفهومه الجيوسياسي باعتباره ممراً وبوابة للمرات البحرية الكبرى التي تطل عليها المنطقة العربية وهي المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج العربي.. ونظراً لارتباط هذا الإقليم بالصراع العربي الإسرائيلي فقد اعتبره بعض المحللين جزءاً من منظومة الإقليم الأفريقي الشرق أوسطي. Afro middle eastern sub region. وقد حاولت إسرائيل منذ البداية أن يكون لها منفذ بحري على البحر الأحمر حيث أضحى ميناء إيلات بوابتها التجارية على آسيا.وهي تعمل جاهدة للحيلولة دون أن يكون البحر الأحمر بحيرة عربية وهذا ما يفسر علاقاتها الوطيدة مع كل من أثيوبيا وإرتيريا. وقد استفادت إسرائيل من التواجد العسكري والاستخباراتي الأمريكي والغربي في المنطقة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وذلك بغرض تعزيز نفوذها وتمديد مجالها الحيوي إلى العمق الأفريقي.
يتضح ذلك بجلاء من قيامها بغارة جوية على أهداف في شرق السودان أوائل عام 2009.

- إشعال الخلاف بين دول المنبع والمصب لحوض النيلإذ لا يخفى أن لإسرائيل أحلاماً قديمة في الحصول على حصة من مياه النيل لري صحراء النقب وهو ما عبر عنه عملياً المهندس الإسرائيلي إليشع كيلي عام 1974 بتصميم ترعة لسحب المياه من أسفل قناة السويس وتوصيلها إلى إسرائيل. وتحرص الدولة العبرية على تكثيف تواجدها في كافة دول المنبع الإفريقية مثل أثيوبيا وإريتريا وكينيا والكونغو الديمقراطية.

ولعل الأزمة التي ثارت بين دول المنبع وكل من مصر والسودان في اجتماع الإسكندرية في يوليو/ تموز 2009 وحالت دون توقيع الاتفاقية الإطارية لمياه النيل تعزي بدرجة كبيرة إلى الأيادي الإسرائيلية الخفية. وتستخدم إسرائيل أدوات دبلوماسيتها وقوتها الناعمة لزيادة نفوذها في حوض النيل بما يمكنها من محاصرة الأمن القومي لكل من مصر والسودان في المنطقة.

- محاولة تفجير مناطق الأطراف للنظام الإقليمي العربي في إفريقيابالإضافة إلى خلق بؤر للتوتر والنزاع في مناطق التماس العربية الإفريقية: فقد عملت السياسة الإسرائيلية

-وفقاً لمبدأ شد الأطراف الذي أسلفنا الحديث عنه

- من أجل تفجير بعض الدول من الداخل مثل السودان وموريتانيا. كما أنها عملت من جهة أخرى على خلق بذور العداء بين الشعوب العربية والإفريقية وذلك وفق أسس ودعاوى دينية وعرقية وثقافية.

وإذا كانت إسرائيل قد منحت نحو خمسمائة من لاجئي دارفور حق اللجوء السياسي فإنها تمتلك علاقات وثيقة مع حركة تحرير السودان –جناح عبد الواحد نور- والتي افتتحت مكتب اتصال لها في الدولة العبرية. يدفع ذلك إلى القول بأن الإستراتيجية الإسرائيلية تعمل دوماً على شد أطراف النظام الإقليمي العربي.

- ضرب المصالح العربية في العمق الأفريقيإذ لا يخفى أنه توجد جاليات عربية مؤثرة في بعض الدول الإفريقية ولا سيما في الغرب وهي تأتي في الغالب الأعم من بلاد الشام. ورغم حالة التمكن الاقتصادي لهذه الجاليات إلا أنها لا تمارس دوراً سياسياً فاعلاً وربما يعزى ذلك إلى محاولات خفية لإثارة نزعات وطنية وعنصرية.

ولعل وجود العديد من المستشارين الإسرائيليين في كثير من دول غرب إفريقيا وكثافة المصالح الإسرائيلية في المنطقة تدفع إلى التساؤل حول حقيقة الأيادي الإسرائيلية في محاربة الوجود العربي في إفريقيا.

وعليه فإنه يمكن القول إجمالاً بان الإستراتيجية الإسرائيلية في إفريقيا تنال بشكل عام من أسس ودعائم الأمن القومي العربي في صياغاته الكلية، كما أنها تطرح على المحك الدور والمصالح الحيوية لبعض دول الأركان العربية في إفريقيا مثل مصر والسودان والجزائر.

ما السبيل عربيا؟لعل ما يزيد من خطورة الاختراق الإسرائيلي لإفريقيا أنه يرتبط بمحاولات استعمارية جديدة لإعادة صوغ حدود العالمين العربي والإفريقي، من خلال عمليات فك وتركيب جيوسترإتيجية، الأمر الذي يؤدي إلى خلق كيانات جديدة مصطنعة تنال من مقومات وأسس النظم الإقليمية السائدة.ولا يخفى أن الإعلام الغربي ما فتئ يروج لمقولة الصدام بين العرب والأفارقة في مناطق التماس الكبرى ابتداء من القرن الإفريقي الكبير وحتى الساحل الموريتاني على المحيط الأطلسي. ألم يتم تصوير الصراع الدائر في دارفور على أنه محاولات للهيمنة من قبل أقلية عربية على أغلبية إفريقية تعاني ظلم التهميش والاستبعاد؟!إن فترة الانقطاع التاريخية بين الشعبين العربي والأفريقي والتي امتدت منذ مجيء الاستعمار الغربي تمثل تحدياً خطيرا أمام دعم جهود التضامن العربي الأفريقي.كما أن تحديات العولمة الراهنة وما تفرضه من مخاطر على كل من الشعبين العربي والأفريقي تقضي بأهمية عودة التلاحم والتضامن بين الجانبين، وهو ما ينبغي أن ينعكس على أجندة كافة تنظيمات العمل الجماعي المشترك لدى الفريقين ولا سيما الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية.

ولا بد من أن يدعم ذلك الموقف السياسي الشروع في تأسيس حوار استراتيجي جديد بين العرب والأفارقة تطرح من خلاله كافة القضايا المشتركة بهدف الوصول إلى رؤية واحدة لمواجهة تلك القضايا. ويمكن للباحث من منطلق خبراته الذاتية في العديد من دول المنطقة أن يؤكد على مجموعة من المفاهيم والمضامين التي تصلح لإقامة حوار استراتيجي جديد يتجاوز إشكاليات الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على دول الأركان للعالمين العربي والإسلامي في القارة الإفريقية، وذلك على النحو التالي:

أولا: إعادة تصحيح المفاهيم التي تعكس المخزون الثقافي والحضاري المتعلق بالعروبة والإسلام- والأفريقانية، وإزالة أى إمكانية متصورة للصدام. وهنا يمكن العمل على تصحيح الصور الذهنية والقوالب الجامدة المرتبطة بالآخر عند كل طرف والتعامل الجاد والواعي مع القضايا الحساسة في تاريخ الذاكرة الجماعية لأطراف الحوار، مثل قضية الدور العربي والإسلامي في تجارة الرقيق الإفريقية.

ثانياً: عدم اختزال العلاقات مع دول المنطقة في مجال واحد من المقايضات السياسة والمقابل التجاري، إذ ينبغي إقامة شراكة حقيقة في إطار منظومة دول الجنوب ويمكن أن تتحقق هذه الشراكة عبر مناهج ومسارات متكاملة: ثنائي، ودون الإقليمي، والجماعي، والمؤسسي.

ثالثاً: الاتفاق على أسس جديدة للتعاون بين العالمين العربي والإفريقي بما يحقق المنفعة المتبادلة لكل طرف وينبغي أن لا يتم اختزال العلاقات فى مسألة الدعم المالي.

رابعاً: التركيز على المدخل غير الحكومي ونعنى بذلك مؤسسات ومنظمات المجتمع الأهلي التي تستطيع أن تستفيد من المواريث الحضارية والثقافية.

فثمة مكون اجتماعي عربي وإسلامي في دول المنطقة لا يمكن إنكاره.

خامسا: التوكيد على مدخل ووسائل القوة الناعمة لبعض الدول العربية الكبرى مثل مصر والجزائر والسعودية وليبيا، بل وحتى بعض القوى العربية الصاعدة مثل قطر وذلك من أجل كسب عقول وقلوب الأفارقة. يعني ذلك احتواء النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا من خلال نفس أدواته وآلياته.

ولعل بالإمكان كذلك في الحوار العربي الإفريقي الاستفادة من تراث اللحظات النضالية والبطولية التي جمعت كلا من العرب والأفارقة في مسيرة التحرر من الاستعمار بكافة أشكاله وألوانه.

وهنا نتذكر جهود الرعيل الأول من قادة حركة الوحدة في العالمين العربي والإفريقي مثل جمال عبد الناصر وكوامي نكروما وأحمد سيكوتوري.

وأظن أن هذه المرحلة قد استطاعت بفعل زخمها النضالي والشعبي أن تبني صورة إيجابية للتضامن العربي الإفريقي تتجاوز الأنماط والقوالب الجامدة السلبية التي روجتها أطراف خارجية مناوئة للطرفين.إن التحديات المطروحة فى ظل النظام الامبريالي العالمي الجديد هي جد خطيرة كما أن الهجمة الإسرائيلية الراهنة على جوارنا الإفريقي تعد أشد خطرا، ومن ثم فان الاستجابة لها لابد أن تكون على المستوى نفسه من الجدية.وعليه فإن الخطر الذي يتهدد الفضاءين العربي والأفريقي يتطلب حتمية التعاون والحوار الإستراتيجي بينهما.



أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وخبير في الشئون الأفريقية.

*موضوع نشر على موقع مركز الجزيرة للدراسات.