المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صور من العصبيات في التاريخ الإسلامي


تراتيل
01-27-2012, 05:04 PM
صور من العصبيات في التاريخ الإسلامي
الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي
من كتاب: نشأة العنصرية في التاريخ الإسلامي

نشأت بين العرب اليمنية والعرب المضرية في أيام الدولة الأموية، ومن قرأ في فتح الأندلس ؛ أو فتح بلاد ما وراء النهر ؛ فسيجد أن اشتداد هذه العنصرية والعصبية بينهما أدت إلى هزيمة المسلمين في أكثر من مرة, ففي أثناء الحرب تشتعل بينهم المفاخرة، ثم يتقاتلون وينسون العدو المشترك!! ولقد عانى القائد المشهور قتيبة بن مسلم الباهلي أشد المعاناة من أن جيشه ينقسم إلى قسمين: العرب اليمنية، والعرب المضرية، ونشأت أشعار الهجاء الطويلة الشديدة في دواوين الشعر وكتب الأدب وكتب التاريخ.
فكانت هذه البداية مؤلمة جداً وفي عصر يعتبر مبكراً جداً لنشوء الفكرة الجاهلية العنصرية العصبية، وقد دفع المسلمون ثمنها؛ ومن ذلك ما جرى في معركة بلاط الشهداء عندما انقسم جيش عبد الرحمن الغافقي -رحمه الله- إلى عرب مضرية وعرب يمنية، وحدث بينهما فرقة وخصومة، وهزم الجيش.
ثم نشأت أنواع أخرى من العصبيات بعد ذلك عندما ظهرت الشعوبية التي جاء بها الفرس, وهي تزدري العرب مطلقاً، وتفضل العجم عليهم، وكثير من الشعراء -وإن كانوا شعراء باللغة العربية وتعربت ألسنتهم- كانوا دعاةً للشعوبية -أي: لتفضيل العنصر الفارسي أو غيره من الشعوب على العنصر العربي- وكثر ذلك جداً، حتى قيل: إن الجاحظ يميل إلى الشعوبية ، لأنه في كتاب الحيوان وغيره ذكر عن عادات العرب، وكيفية أكل العرب للميتة والحيوانات القذرة!! وهذا من أخبث أنواع الأمراض التي تصاب بها القلوب، وتصاب بها الأمم؛ وهو مرض القومية الذي فيه تفريق الناس وتحزيبهم على غير التقوى.
ثم ظهرت أفكار أخرى، ومزقت الأمة بأنواع كثيرة من التمزقات والعنصريات والجاهليات؛ حتى لا يكون ولاؤها لله وتعتقد -فعلاً- أن أكرمهم عند الله أتقاهم، وأنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، ونشأت التعصبات الفقهية -أيضاً- وهي نوع من الجاهلية - فأصبح الحنفية والشافعية يتقاتلون قتالاً شديداً في بلاد ما وراء النهر وشرق العالم الإسلامي، كذلك شهدت بغداد والعراق معارك شديدة بين الحنابلة وغيرهم، وكذلك الطرق الصوفية التي نشأت زادت الأمة -أيضاً- انقساماً، وأصبح الناس يعادون ويوالون كلٌ في شيخه وطريقته، فتمزقت الأمة أكثر فأكثر... وهكذا.
أما اختلاف العلماء حول قضايا العبادات: كالتفضيل إذا تعلق بالعبادة؛ فهذا الأمر ليس فيه إشكال -إن شاء الله- وهو من باب تفضيل شعبة من شعب الإيمان على شعبة أخرى أو العاملين بشعبة على شعبة، فأيهما أفضل أهل الذكر أو أهل الجهاد، وأيهما أفضل أهل القرآن أم أهل الحديث؟ فهذه -أيضاً- نشأت، ولكنها أخف؛ لأنها كلها خير وعلم وكلها من الدين والحمد لله, فأينما كان الإنسان فهو آخذ بشعبة من الخير، لكن لا يجوز له أن يفتخر بحيث يغمط الآخرين أي فضل.
والمشكلة تكون أوضح عندما تكون الفرقة بسبب الشعوبية ، كما جاء أن الرشيد قضى على البرامكة لأنهم كانوا كذلك, وكانوا يجمعون بين الشعوبية وبين الباطنية ، وبعض الناس لا يذكر عنهم إلا شعوبيتهم، وأنهم أعادوها فارسية كسروية, حيث أعادوا شعارات وآثار وقصور كسرى؛ وكل مظاهر الحياة في أيام كسرى، وكانوا وزراء، والرشيد هو الخليفة، فلما رأى الأمر كذلك؛ وكلمة علماء المسلمين فيهم؛ قضى عليهم، وقتل من قتل، وسجن من سجن، وشتت الله شملهم، وفرق جمعهم ولله الحمد.
ثم في العصور التي تلت ذلك، نجد أن وحدة الأمة طمست واندثرت، وتمزقت الأمة إلى دويلات، فصارت حلب دولة، ودمشق دولة، وأنطاكية دولة والموصل دولة.. إلخ، حتى شاء الله -عز وجل- وجاء الصليبيون، ولقنوا الأمة درساً عظيماً؛ فتوحدت وبدأت ترجع إلى وحدتها، ثم جاء المماليك، وهؤلاء ليسوا عرباً، والسلاجقة ليسوا عرباً في الأصل، والترك كما هو معلوم دخلوا في الاسلام، ولم يكونوا من العرب، فظلوا يحملون راية الإسلام إلى أن ظهرت فيهم القومية الطورانية ، وهذا إجمال وإيجاز سريع لنشأة هذه النعرات الجاهلية في العالم، سواء كانت في العالم الإسلامي أو في العالم الأوروبي الذي أخذنا منه القومية العربية الحديثة.