المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آل البيت والصحابة - رضي الله عنهم - محبة وقرابة


تراتيل
01-27-2012, 05:32 PM
فضل آل البيت رضي الله عنه


بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين يخلق ما يشاء ويختار، اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل, ومن ولد إسماعيل كنانة, ومن كنانة قريشا, ومن قريش بني هاشم ، ومن بني هاشم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة, نبينا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين, وأزواجه أمهات المؤمنين, وأصحابه الغر الميامين, ومن سار على نهجه واتبع هديه إلى يوم الدين. وبعد



فإن لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة, ومنزلة سامقة رفيعة، وشرفا عاليا, وموطنا بين أكناف القنن..



كيف لا ؟.. وقد حباهم الله هذه المكانة البالغة الشرف, فجعل الصلاة عليهم مقرونة بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد , وأوجب لهم حقا في الخمس والفيء, وحرم عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس, فلا تصلح لأمثالهم..



كيف لا ؟.. وهم أشراف الأمة الذين ينتسبون لخير نفس سكنت البسيطة, وامتطت رحب الأرض, وكان الدين يجري في مكامنها جريان الدم في العروق..



وكما أن آل بيت رسول الله صلى اله عليه وسلم على الصحيح هم بنو هاشم من آل علي وآل عقيل وآل العباس وآل جعفر وبنو المطلب على قول، فكذلك أزواجه من أهل بيته أيضا



يقول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ...﴾.. إلى أن قال:﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾..



وفي هذه الآية أمر الله أهل البيت بما يوجب طهارتهم, وذهاب الرجس عنهم, وهذه الإرادة المذكورة هي إرادته الشرعية, التي يحبها الله ويرضاها لهم..



حينها.. يكون حريا بالمؤمن أن يدور مع إرادة الله الشرعية التي يحبها الله, فيحب ما أحب الله, ويبغض ما كرهه الله ولم يرضه لنا..



وقد جاءت السنة منوهة بفضل آل بيت رسول صلى الله عليه وسلم, بل ومؤكدة على الوصية بهم، فلندع السيدة عائشة رضي الله عنها تروي لنا ما يناسب المقام في فضيلة من فضائل آل بيت رسول صلى الله عليه وسلم حيث قالت : [دعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسنًا وحسينًا فجلّلهم بكساء ، وعليّ خلف ظهره فجلّله بكساء ثمّ قال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرًا »] ([1]).



ودونك هذه الوصية النبوية الكريمة في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم , فقد روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا تارك فيكم ثقلين, أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور, فخذوا بكتاب الله, وتمسكوا به . . . >> فحث على كتاب الله ورغب فيه, ثم قال : >>وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي..» ([2]).



أي اعرفوا حقهم ولاتظلموهم ولا تعتدوا عليهم وهذا من باب التأكيد على حقهم وإلا فكل مؤمن له حق على أخيه المسلم فلا يحق له أن يظلمه ولا يعتدي عليه لكن لآل النبي صلى الله عليه وسلم حق زائد على حقوق غيرهم من المسلمين فتنبه .



وقال لعمه العباس - رضي الله عنه - وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم, فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي»([3]).



فهذه وصية رسول الله في أهل بيته ، وإنها لدالة دلالة واضحة على وجوب محبتهم وتوقيرهم وحفظ مكانتهم لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي دالةعلى أن محبتهم إيمان وعقيدة وإحسان, وبغضهم نفاق وخسار وخذلان -والعياذ بالله- .



كما أنه قد جاء في فضلهم وعلو مكانتهم الكثير من الأحاديث عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ..



أبدؤها بهدية محب. . . ، أهديها لمن ينتسب إلى هذا النسب الشريف:

فضيلة من فضائل بيت النبوة رواها البخاري في صحيحه, في فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنْزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبيّ بعدي»([4]), وذلك حينما جعله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أميرا في غزوة تبوك .

فهذا الحديث يدل على عظم فضل علي رضي الله عنه ، وليس فيه أنه أحق بالخلافة كما قد يلتبس على البعض - أنار الله بصائرهم - ، فإن هارون كان نبيًا ، واستخلافه إنما كان في حياة موسى - عليه الصلاة والسلام - لا بعد وفاته .



ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الآخر: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق([5])...



ولمّا نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي ... ([6])



وجاء في " مسند أبي يعلى " من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه, أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ الرّاية فقال: « من يأخذها » ؟ فقال الزّبير: أنا ، فقال: « أمط » ، ثمّ قال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « من يأخذها » ؟ فقال رجل : أنا. فقال له النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « أمط » ثمّ قال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « من يأخذها » ؟ فقال رجل آخر: أنا. فقال: «أمط» فأعطاها علي بن أبي طالب وفتح الله على يديه خيبر([7]) ..

وقد خرج مرحب وهو سيد أهل خيبر يخطر بسيفه ويقول :



قد علمت خيبر أني مرحب



شاكي السلاح بطل مجرب


فخرج علي فقال :

أنا الذي سمتني أمي حيدرة




كليث غابات كريه المنظرة


ثم ضرب رأس الكافر مرحب فقتله ففتح الله على يديه خيبر ...



وهكذا عمرو بن ود العامري فقد قتله علي بن أبي طالب وشارك في قتل ثلاثة من صناديد قريش وأنزل الله عز وجل: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾



فهذا هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه, الذي اجتمعت فيه الشجاعة والفقه في الدين والزهد في الدنيا . . .



وإن من جليل منزلته أن اتخذه أبوبكر وعمر رضي الله عنهما مستشارا لهما ، لما حباه الله من الفقه وسداد الرأي والبصيرة في دين الله.



وأما فضل السبطين الحسن والحسين، فقد جاء فيه من الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -«الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» ([8])



وأخرج البخاري في صحيحه, قوله عليه الصلاة والسلام :«إنّ ابني هذا سيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ([9])



والحديث علم من أعلام النبوة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد حقن الله دماء المسلمين بهذا الصلح الذي عقده الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه في السنة الأربعين لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن التقى جيشان ، جيش عرمرم مع الحسن وجيش آخر مع معاوية رضي الله عنه ، فرأى الحسن أن المسلمين وستراق دماؤهم فتنازل لله عز وجل ، وترك الإمارة لمعاوية رضي الله عنه وسمي ذاك العام بعام الجماعة ، ونال السيادة بذلك .



وأما فاطمة بضعة رسول الله فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: « فاطمة بضعة منّي يغضبني ما يغضبها، ويريبني ما أرابها » . رواه البخاري من حديث مسور بن مخرمة.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « أفضل نساء أهل الجنّة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، رضي الله عنهن أجمعين..



وجاء في " مسند الإمام أحمد " من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: « مرحبًا بابنتي » ثمّ أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثمّ إنّه أسر إليها حديثًا فبكت، فقلت لها: استخصّك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثه ثمّ تبكين؟! ثمّ إنّه أسرّ إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن ، فسألتها عمّا قال ، فقالت : ما كنت لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. حتّى إذا قبض النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم سألتها فقالت: إنّه أسر إلي فقال: « إنّ جبريل عليه السّلام كان يعارضني بالقرآن في كلّ عام مرّةً، وإنّه عارضني به العام مرّتين، ولا أراه إلاّ قد حضر أجلي، وإنّك أوّل أهل بيتي لحوقًا بي، ونعم السّلف أنا لك » فبكيت لذلك، ثمّ قال: «ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الأمّة ، أو نساء المؤمنين»؟ قالت: فضحكت لذلك([10]).
فهذه فاطمة – رضي الله عنها – التقية الزاهدة . . . .



وقد اختار الله عز وجل لها علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه - ، فقد خطبها غير واحد، منهم: أبو بكر، وخطبها بعده عمر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: « إنّها صغيرة » ثم خطبها علي بن أبي طالب فزوجه بها. وكان مهرها درع علي بن أبي طالب _الحطمية_ التي أهداها إياه صاحبه ورفيقه عثمان بن عفان رضي الله عنه..



وقد عرفَ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لآل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم - قدرهم وفضلهم ، فهذا الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه يقول : ارقبوا محمّدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل بيته ومعنى ارقبوا راعوه واحترموه وأكرموه.



وقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لأن أصل قرابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحبّ إليّ من أن أصل قرابتي .



فرضي الله عن أبي بكر الذي عرف حق آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ...



وذات يوم صلى أبو بكر ثم خرج يمشي, فرأى الحسن يلعب مع الصبيان, فحمله على عاتقه وقال:

بأبي شبيه بالنبي لا شبيــــــه بعلي



ومعناه: أفديه بأبي ..

وفيه فضل أبي بكر ومحبته لقرابة النبي r.

وهذا الحسن بن علي t يعجب بسيرة الصديق حتى أنه سمى أحد أبنائه باسم أبي بكر, ومن المعلوم أن تسمية الأبناء لا تكون إلا نتيجة حب لهذا الاسم ولصاحبه .



وأما الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول للعباس عم النبي r : «والله لإسلامك يوم أسلمت , كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم»



ولما سمع عمر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: « كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة , إلا سببي ونسبي » , رغب في الزواج من أم كلثوم بنت علي فزوجه علي إياها فرضي الله عن المزَوج والمزوِج ..



ولما قحط الناس في عهد عمر بن الخطاب, استسقى رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب , فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا r فتسقنا, وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا , قال : فيسقون " ([11]).



والمراد بتوسل عمر t بالعباس t التوسل بدعائه , كما جاء مبينا ً في بعض الروايات , وقد ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في كتاب الاستسقاء من فتح الباري([12]) ..



واختيار عمر t للعباس للتوسل بدعائه , إنما هو لقرابته من رسول الله r , لهذا قال t في توسله " وإنا نتوسل إليك بعم نبينا " , ولم يقل بالعباس , ومن المعلوم أن عليا ً t أفضل من العباس , وهو من قرابة رسول الله , لكن العباس أقرب , ولو كان النبي r يورث , لكان العباس هو المقدم في ذلك لقوله r : « ألحقوا الفرائض بأهلها , فما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر » ([13]).



وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة t قول النبي r لعمر t عن عمه العباس :

«أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه ...» ([14]) ..



ولما وضع الديوان رضي الله عنه , وقالوا له : يبدأ أمير المؤمنين بنفسه , فقال : لا ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله , فبدأ بأهل بيت رسول الله r , ثم من يليهم حتى جاءت نوبته في بني عدي , وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش .



وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه ( اقتضاء الصرط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم »: أن عمر بن الخطاب t لما وضع ديوان العطاء كتب الناس على قدر أنسابهم , فبدأ بأقربهم نسبا ً إلى رسول الله r, فلما انقضت العرب, ذكر العجم.



وكان العباس t إذا مرّ بعمر أو عثمان y وهما راكبان , نزلا حتى يُجاوزهما , إجلالا ً لعم رسول الله r([15]).

وكذلك كان عثمان بن عفان t , يكرم الحسن والحسين y , ويحبهما , وقد كان الحسن بن علي يوم الدار مع عثمان بن عفان t محصور عنده , ومعه السيف متقلدا ً به , يُجاحف عن عثمان , فخشي عثمان عليه , فأقسم عليه ليرجعن إلى منزله , تطييبا ً لقلب علي , وخوفا ً عليه y ([16]) .



ومن المعلوم أن الخلفاء الأربعة الراشدين y , أصهار رسول الله r , فأبو بكر وعمر y حصل لهما زيادة الشرف بزواج النبي r من ابنتيهما , عائشة وحفصة , وعثمان وعلي y حصل لهما زيادة شرف لزواجهما من بنات النبي r , فتزوج عثمان t من رقية , وبعد موتها تزوج من أختها أم كلثوم , ولهذا يُقال له ( ذو النورين ) , وتزوج علي t من فاطمة رضي الله عنها .


اللهم ارض عن الصحابة أجمعين ، اللهم ارض عن الصحابة أجمعين واحشرنا في زمرتهم يارب العالمين ..



وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ



([1]) رواه الترمذي (3205)

([2]) رواه مسلم (2408)

([3]) ابن أبي شيبه في المصنف (6/382)

([4]) رواه البخاري (4416)

([5]) الترمذي (643)

([6]) مسلم (2404)

([7]) الترمذي (3764)

([8]) رواه أحمد والترمذي

([9]) رواه البخاري

([10]) البخاري (1326)

([11]) البخاري : الصحيح ( 1/342) ح ( 963)

([12]) ( 2/ 632)

([13]) البخاري (6746)

([14]) ابو داود (1623)

([15]) الذهبي : سير أعلام النبلاء ( 2/93)

([16]) م . ن ( 3/245) .

جمعية الآل والأصحاب

تراتيل
01-27-2012, 05:40 PM
سلة الآل والصحابة محبة وقرابة – (1)



فتح الوهّاب

في فضائل الآل والأصحاب

إصدارات جمعية الآل والأصحاب – مملكة البحرين



بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهُداهُم إلى يوم الدين، أما بعد:



لا جدال بين المسلمين في أن الله عز وجل قد ختم بعثة رسله وأنبيائه بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك في أن من ختمت به رسالات السماء هو أفضل الأنبياء والرسل عليهم السلام. وكذلك حال أصحابه.



فعن إبن مسعود رضي الله عنه قال: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ – رواه أحمد



وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ، ثم الذي يلونهم.



ثم نبتت في الإسلام نابتة، أقدمت على وجوه الصحابة الأخيار، وعيون الأتقياء الأبرار، الذين سبقوا إلى الإسلام، واختصوا بصحبة رسول الأنام، وشاهدوا المعجزات، وقطعت أعذارهم الآيات، وصدقوا بالوحي، وانقادوا إلى الأمر والنهي، وجاهدوا المشركين، ونصروا رسول رب العالمين حين كفر الناس، وصدقوه حين كذبه الناس، وعزروه، ونصروه، وآووه، وواسوه بأموالهم وأنفسهم، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام. فأحالت فضائل هؤلاء إلى مثالب، وزعمت أن شرهم كان هو الغالب، وجعلت من خير القرون شر البرية، ومن أفعالهم غاية الرزية. فلم يتركوا وسيلة للحط من أقدارهم إلا وسلكوها، ولا فضيلة ثبتت في الكتاب إلا وردوها، ولا منقبة جاءت في السنة إلا وكذبوها، ولا كرامة وردت في أثر أو عن إمام إلا وأولوها، ولا آية نزلت في المنافقين إلا فيهم جعلوها. فإن لم يجدوا إلى ذلك سبيل، وأعيتهم الحيلة والبديل، وضعوا من الأكاذيب ما وضعوا. وحاكوا فيهم من القصص ما حاكوا، فخلصوا من حيث أرادوا أم لم يريدوا إلى أن جهود خاتم الأنبياء والمرسلين طوال الأعوام الثلاثة والعشرين لم تحقق سوى بضع نفر أقاموا على الدين، وأضحى سائر الأصحاب منافقين ومرتدين، ناصبوا العداء لأهل بيت خير الأنبياء والمرسلين، فخالفوا الرسول وعاندوا أهله، ولم يسلم منهم أحد بعده، واجتمعوا على غصب حق الإمام، وإقامة الفتنة في الأنام، واستأثروا بالخلافة، وسارعوا إلى الترأس على الكافة.



فكان من أمر هؤلاء أن لبّسوا الأمر على الأتباع والمريدين وأضاعوا بفعالهم هذا معالم الدين، حتى صار الحق عندهم باطل والباطل يقين، بل وجعلوا لعنهم من أعظم القربات، والتسابق إلى الحط من قدرهم أعظم الطاعات، ومن سبهم طلباً للمغفرات، وتغافلوا عما نزل في تعظيمهم من آيات، وما جاء في منزلتهم من بينات

ونسوا أن الله عز وجل لم يلزمنا بالسب ولم يحثنا على اللعن، هذا لمن أستحقهما وهو إبليس، بل لو أن مسلم عاش عمر نوح عليه السلام لم يلعن إبليس، لن يسأله الله عن ذلك، ولن يكون بتركه اللعن هالك. فكيف بأصحاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم الله الذين قال فيهم: لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي. وقال فيهم كما يروي الإمام الكاظم عن آبائه رضي الله عنهم: أنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني. [1]



ونحن في هذا المختصر إن شاء الله تعالى سنبين فضائل هذا الجيل المثالي ونتطرق على وجه الخصوص إلى بيان علاقة المودة والمحبة التي كانت تربط بين آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته رضي الله عنهم أجمعين. الذين قال الله عزوجل فيهم: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ آل عمران - 110. وقال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله([2]).



فإذا علمت هذا فيقيناً أن الرعيل الأول من هذه الأمة الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أفضل هذه الأمة وأعظمها، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا، حيث قال: إن الله أخرجني في خير قرن من أمتي([3]).



وهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يقول لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء: مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح، والمبعوث الصالح، في الزمان الصالح([4]).



وعن العسكري رحمه الله، أن آدم عليه السلام سأل الله عز وجل أن يعرفه بفضل صحابة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عز وجل: إن رجلاً من خيار أصحاب محمد لو وزن به جميع أصحاب المرسلين لرجح عليهم، يا آدم: لو أحب رجل من الكفار أو جميعهم رجلاً من آل محمد وأصحابه الخيرين لكافأه الله عن ذلك بأن يختم لـه بالتوبة والإيمان ثم يدخله الله الجنة، إن الله ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآل محمد وأصحابه من الرحمة ما لو قسمت على عدد كعدد كل ما خلق الله من أول الدهر إلى آخره وكانوا كفاراً لكفاهم ولأداهم إلى عاقبة محمودة الإيمان بالله حتى يستحقوا به الجنة، ولو أن رجلاً ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحداً منهم لعذبه الله عذاباً لو قسم على مثل عدد ما خلق الله لأهلكهم الله أجمعين([5]).



وعن الرضا، أن موسى عليه السلام سأل ربه: هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ فقال عز وجل: يا موسى، أما علمت أن فضل صحابة محمد على جميع صحابة الأنبياء المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وفضل محمد على جميع المرسلين؟([6])



الفضل والخيرية هذه من مستلزماتها الوسطية، وقد أكدَّها الله عز وجل في آيات عدة، كقوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143].



ولا يخفى أن أول من خوطب بهذه الآية هم الصحابة رضوان الله عليهم، تماماً كما كانوا أول من خاطب الله عز وجل في قوله: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110]. يقول الطبرسي في تفسير الآية: معناه أنتم خير أمة، وإنما قال: (كنتم) لتقدم البشارة لهم في الكتب الماضية([7]).



ويقول الطباطبائي في ميزانه: الآية تمدح حال المؤمنين في أول ظهور الإسلام من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار([8]).



وفيهم قال صلى الله عليه وآله وسلم: طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني. وفي رواية: إلى السابع ثم سكت([9]).



والقرآن مليء بعشرات النصوص الدالة على إيمان وفضل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، كقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [الأنفال:74-75].



وقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].



قال الطبرسي: وفي هذه الآية دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين، فمنها: مفارقة العشائر والأقربين، ومنها: مباينة المألوف من الدين، ومنها: نصرة الإسلام وقلة العدد وكثرة العدو، ومنها: السبق إلى الإيمان والدعاء إليه([10]).



ويقول الطباطبائي: المراد بالسابقين هم الذين أسسوا أساس الدين ورفعوا قواعده قبل أن يشيد بنيانه ويهتز راياته، صنف منهم بالإيمان واللحوق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والصبر على الفتنة والتعذيب، والخروج من ديارهم وأموالهم بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وصنف بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين والدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع([11]).



وكذلك لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم المدنية إلا وتحدثت عن جهادهم في سبيل الله عز وجل، اقرأ مثلاً قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [التوبة:20-22].



وقوله تعالى: ((إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)) [الأنفال:11].



وهذه الآية نزلت في غزوة بدر، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما سأله أن يدعه يضرب عنقه، قال: وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم([12]).



وقال تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)) [البقرة:214].



قال الطبرسي: قيل: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومسهم الضر([13]).



وقد وصف الله تعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصدق والتقوى، ووعدهم بالفلاح في مواطن كثيرة، منها: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) [التوبة:119]، ذكر بعض المفسرين أنها نزلت في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم([14]).


ولا تخفى منزلة من أمرنا بالاقتداء بهم، وكون هذا الأمر باقٍ إلى يوم القيامة كما بينته آيات علام الغيوب الذي لا تخفى عنه خافية في السماء أو الأرض فضلاً عن سرائر النفوس.



وفيهم يقول عز وجل: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].



ففي هذه الآية مع غيرها من الدلائل دليل على أن الله يغيظ بالصحابة رضوان الله عليهم من ينتقص من حقهم ومنزلتهم التي أنزلهم الله. وعلى صلة بالآية السابقة، روى الشيعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سأل قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن نزلت هذه الآية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] قال: إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض، ونادى منادٍ: ليقم سيد المؤمنين ومعه الذين آمنوا فقد بعث محمد، فيقوم علي بن أبي طالب فيعطي الله اللواء من النور الأبيض بيده، تحته جميع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لا يخالطهم غيرهم حتى يجلس على منبر من نور رب العزة، ويعرض الجميع عليه رجلاً رجلاً فيعطى أجره ونوره، فإذا أتى على آخرهم قيل لهم: قد عرفتم موضعكم ومنازلكم من الجنة، إن ربكم يقول لكم: عندي لكم مغفرة وأجر عظيم -يعني: الجنة- ..الرواية([15]).



ويقول الله عز وجل: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً)) [الفتح:18-20]. يقول الطبرسي: يعني بيعة الحديبية، وتسمى بيعة الرضوان لهذه الآية ورضا الله سبحانه عنهم، وإرادته تعظيمهم وإثابتهم، وهذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السمرة([16])، وكان عدد الصحابة رضوان الله عليهم يوم بيعة الرضوان ألفاً ومائتين، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسائة، وقيل: وثمانمائة([17]).



وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرنا الله عز وجل أنه رضي عنهم -عن أصحاب الشجرة- فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أحد أنه سخط عليهم بعد؟([18])



وعلى أي حال، لا يسعنا هنا حصر جميع الآيات الدالة على فضائل الصحابة خشية خروجنا عما التزمنا به من الإيجاز، لذا فإننا نختم هذا بإيراد التالي، ففيما أوردناه آنفاً غنىً لمن كان لـه قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وفد نفراً من أهل العراق على الإمام زين العابدين رحمه الله، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: ألا تخبروني: أنتم المهاجرون الأولون ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9] قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] اخرجوا عني فعل الله بكم([19]).



ولم يزل وهو يرى نفسه من الفريق الثالث يدعو الله لهم بالمغفرة. يقول رحمه الله في أحد أدعيته: اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا لـه، حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] خير جزائك الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم ([20]).



ولا عجب في أن ينتهج الإمام السجاد نهج جده أمير المؤمنين رضي الله عنه في بيان فضائلهم. فعن الباقر رحمه الله قال: صلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله تعالى، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع ذلك وهم جميع مشفقون منه خائفون([21]).



وعن زين العابدين رحمه الله قال: صلى أمير المؤمنين الفجر ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح، وأقبل على الناس بوجهه، فقال: والله لقد أدركت أقواماً يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يخالفون بين جباههم وركبهم كأن زفير النار في آذانهم إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر([22]).



وكان رضي الله عنه يقول : أما بعد: فإن لله عباداً آمنوا بالتنزيل، وعرفوا التأويل، وفقهوا في الدين، وبيَّن الله فضلهم في القرآن الكريم..إلى قوله: ، فاز أهل السبق بسبقهم، وفاز المهاجرون والأنصار بفضلهم، ولا ينبغي لمن ليست لـه مثل سوابقهم في الدين ولا فضائلهم في الإسلام أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله وأولى به فيجور ويظلم([23]).



وقال فيهم الإمام الصادق: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً.. ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجيء ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير([24]).



وإذا قارنت هذه الرواية بقوله سبحانه عن المهاجرين والأنصار: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100]. علمت أن الله عز وجل لما وعدهم بالجنات والخلود فيها دل ذلك على أنهم يموتون على الإيمان والهدى، ولا ينافي هذا وقوع المعاصي منهم فهم غير معصومين، ووعد الله حقٌ لا خلف فيه، ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً.



ومن أقوال الإمام الصادق رحمه الله: كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع حصاة في فمه، فإذا أراد أن يتكلم بما علم أنه لله وفي الله ولوجه الله أخرجها، وإن كثيراً من الصحابة كانوا يتنفسون تنفس الغرقى، ويتكلمون شبه المرضى([25]).



لذا صلح أمرهم، كما قال علي رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: إن صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلاك آخرها بالشح والأمل([26]).



وكان من عظمة هذا الجيل المثالي، أن نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يأتي من بعده أن يذكرهم بسوء أو ينتقصهم، وكأنَّ الله عز وجل أطلعه على الغيب ليرى ما سيؤول إليه الأمر، فقال: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا([27]).



وعن الصادق، عن آبائه، عن علي رضي الله عنه قال: أوصيكم بأصحاب نبيكم، لا تسبوهم وهم الذين لم يحدثوا بعده ولم يؤووا محدثاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم([28]).



ولا ينبغى أن يحمل قوله هذا على من لم يحدث بعده، فإن علياً رضي الله عنه وهو راوي الحديث لم ير ذلك في أهل الشام الذين رأوا الخروج عليه، حيث قال فيهم: إن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يستزيدونا، الأمر واحدٌ إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء([29]). فتدبر في هذا! وهل أنت أعلم أم علي رضي الله عنه؟!



ولا زال يوصي من سيأتي بعدهم بالتمسك بكتاب الله عز وجل وسنته صلى الله عليه وآله وسلم وهديهم رضي الله عنهم، ويؤكد أن ظهور هذا الدين إنما بمن بقي منهم رضي الله عنهم.



فعن الصادق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل به لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عز وجل وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به[30]).



وعن الكاظم عن آبائه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني([31]).



ولقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على درجة عالية من الأخلاق في تعاملهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطاعتهم وحبهم وإخلاصهم لـه، فهذا أنس رضي الله عنه يقول: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيته([32]).



وهذا البراء بن عازب يقول: لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله عن الأمر فأؤخره سنتين من هيبته([33]).



وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قبة من أدم، وقد رأيت بلالاً الحبشي وقد خرج من عنده ومعه فضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فابتدره الناس، فمن أصاب منه شيئاً تمسح به وجهه، ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من يدي صاحبه فمسح وجهه([34]).



وعن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير([35]).



وعن عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورأى من تعظيم أصحابه لـه وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقاً ولا يتنخم نخامةً إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً لـه، فلما رجع إلى قريش قال: يا معشر قريش، إني أتيت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت مَلِكاً في قومه مثل محمد في أصحابه.



وعن أنس قال: لقد رأيت رسول الله والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن يقع شعرة إلا في يد رجل([36]).



ولما أراد المشركون قتل زيد بن الدثنة قالوا لـه: أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمداً مكانك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً يشاك بشوكة وأني جالس في أهلي، فقال أبوسفيان: والله ما رأيت من قوم قط أشد حباً لصاحبهم من أصحاب محمد([37]).



وكشأن أصحابه رضوان الله عليهم معه كان هو صلى الله عليه وآله وسلم في محبته وتعامله معهم، من ذلك: ما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر([38]).



وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائباً دعا لـه، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده([39]).



وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة([40]).



ولم يقتصر بيانه صلى الله عليه وآله وسلم لفضائلهم في حياته كما يزعم البعض من أن ذلك إنما هو في حال صلاحهم، بل كأنه أراد إثبات فساد هذا القول ببيان فضلهم في حال وفاته، وذلك باستغفاره لما قد يبدر منهم من ذنوب، فعن الباقر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن مقامي بين أظهركم خيرٌ لكم، وإن مفارقتي إياكم خيرٌ لكم، أما مقامي فلقول الله عز وجل: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)) [الأنفال:33]، أما مفارقتي لأن أعمالكم تعرض علي كل اثنين وخميس، فما كان حسناً حمدت الله تعالى عليه، وما كان سيئاً استغفرت لكم([41]).



وجعل ثبات المؤمنين على الصراط بسبب شدة حبهم لأصحابه رضي الله عنهم، فعن الباقر، عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أثبتكم على الصراط أشدكم حباً لأهل بيتي ولأصحابي([42]).



وقد كان الأصحاب من مهاجرين وأنصار وكذا أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين يختصمون لا في حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم فحسب، فإن ذلك من المسلمات، ولكن في أيهم أولى بذلك الحب، وأيهم أحب إليه، فعن كعب بن عجرة، أن المهاجرين والأنصار وبني هاشم اختصموا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أينا أولى به وأحب إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما أنتم يا معشر الأنصار فإنما أنا أخوكم، فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة، وأما أنتم يا معشر المهاجرين فإنما أنا منكم، فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة، وأما أنتم يا بني هاشم فأنتم مني وإلي، فقمنا وكلنا راضٍ مغتبط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([43]).



وعلى ذكر الأنصار، روي عن الصادق أنه قال: ما سلت السيوف ولا أقيمت الصفوف في صلاة ولا زحوف ولا جهر بأذان ولا أنزل الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)) حتى أسلم أبناء القيلة: الأوس والخزرج([44]).



ولا بأس في إيراد شيء من فضائلهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار. يا معشر الأنصار: أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم وترجعون أنتم وفي سهمكم رسول الله؟ قالوا: بلى رضينا، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذٍ: الأنصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار([45]). وزاد الطبرسي رحمه الله بعد قوله: لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار([46]).



وقال الصادق: جاءت فخذ من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسلموا عليه فرد عليهم السلام، فقالوا: يا رسول الله، لنا إليك حاجة. فقال: هاتوا حاجتكم، قالوا: إنها عظيمة، فقال: هاتوها ما هي؟ قالوا: أن تضمن لنا على ربك الجنة. قال: فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه ثم نكت في الأرض ثم رفع رأسه، فقال: أفعل ذلك بكم على أن لا تسألوا أحداً شيئاً، قال: فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لإنسان: ناولنيه، فراراً من المسألة، فينزل فيأخذه، ويكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه، فلا يقول: ناولنيه حتى يقوم فيشرب([47]).



وقال لامرأة أنصارية وهبت نفسها لـه صلى الله عليه وآله وسلم: رحمك الله ورحمكم يا معشر الأنصار، نصرني رجالكم، ورغبت في نساؤكم([48]).



وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا وإن الأنصار ترسي، فاعفوا عن مسيئهم وأعينوا محسنهم([49]).



وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن علي بن أبي طالب والعباس بن عبدالمطلب والفضل بن العباس رضي الله عنهم دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه، فقالوا: يا رسول الله، هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك، فقال: وما يبكيهم؟ قالوا: يخافون أن تموت، فقال: أعطوني أيديكم، فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال فيما قاله: أوصيكم بهذا الحي من الأنصار، فقد عرفتم بلاءهم عند الله عز وجل وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسعوا في الديار، ويشاطروا الثمار، ويؤثروا وبهم الخصاصة؟ فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسن الأنصار، وليتجاوز عن مسيئهم، وكان آخر مجلس جلسه حتى لقى الله عز وجل ([50]).



وعن الكاظم قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة دعا الأنصار، وقال: يا معشر الأنصار، قد حان الفراق، وقد دعيت وأنا مجيب الداعي، وقد جاورتم فأحسنتم الجوار، ونصرتم فأحسنتم النصرة، وواسيتم في الأموال، ووسعتم في المسلمين، وبذلتم لله مهج النفوس، والله يجزيكم بما فعلتم الجزاء الأوفى([51]).



نعود إلى ما كنا فيه. قال علي رضي الله عنه مادحاً للصحابة : هم والله ربوا الإسلام كما يربى الفلو مع غنائهم بأيديهم السياط وألسنتهم السلاط([52]). وليس بعزيز على الله بعد كل هذا أن يجعلهم أئمة ويجعلهم وارثين وأن يستخلفهم في الأرض، كما قال في محكم كتابه: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)) [النور:55]، فالله عز وجل وعد في هذه الآيات المؤمنين بالاستخلاف وتمكين الدين والأمن العظيم من الأعداء، ولا بد من وقوع ما وعد به ضرورةً، لامتناع الخلف في وعده تعالى، ووقع ذلك في عهد الخلفاء الراشدين الذين كانوا حاضرين وقت نزول هذه الآيات، كما ذكر ذلك بعض المفسرين.



ومن البشارات التي تدل على عدالة الصحابة وإيمانهم، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن ابني هذا -يعني: الحسن بن علي رضي الله عنهما- سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، وكان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم ([53]). ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: يقتل بهذه الحَرة خيار أمتي بعد أصحابي، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قتل يوم الحرة سبع مائة رجل من حملة القرآن، فيهم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([54]).


ولم يكن حال بقية الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم خلاف حال الأمير رضي الله عنه في حب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ومعرفة قدرهم وصدقهم كما مرَّ بك من روايات.



فهذا الحسين رضي الله عنه يحتج على أعدائه يوم كربلاء ويأمرهم بسؤال من بقي من الصحابة رضوان الله عليهم ليخبروهم بفضله، حيث قال: وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر بن عبدالله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة -أي: قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في السبطين رضي الله عنهما: هذان سيدا شباب أهل الجنة- من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي([55]).



فهل رأى في هؤلاء كاتمين لفضائل أهل البيت رضي الله عنهم وهو يأمر أعداءه بسؤالهم؟!



وهذا الصادق وقد سأله ابن حازم عن أصحاب رسول الله صدقوا على محمد أم كذبوا؟ فيقول: بل صدقوا، قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها البعض([56]). ولعمري ما حاد قول أهل البيت رضي الله عنهم عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الوداع وفي مرض موته: ليبلغ الشاهد الغائب، وكذا قال في مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم ([57]). فلم يكن يراهم كذابين ويأمرهم بالتبليغ. وكيف يرضى بلعنهم وقد علم أن جده أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقب عند ذلك ثلاثة: الريح الحمراء، والخسف، والمسخ.. الحديث([58]).



والحق أن هذه المسألة يطول فيها الكلام، ولو ذهبنا إلى إيراد كل ما ورد في فضل الصحابة رضي الله عنهم لطال بنا المقام، ولكن فيما أوردناه في هذه العجالة كفاية لمن شرح الله صدره .



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله الا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ


[1] - سيأتي تخريج هذه الرواية.

([2]) مجمع البيان 1/810، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية للمنتظري، 2/226

([3]) علل الشرايع 45، الخصال 2/47، معاني الأخبار 19، البحار 16/92 ، ميزان الحكمة لريشهري، 4/ 3186 ، العقائد الإسلامية، 3/ 376

([4]) سعد السعود 101، البحار 18/318، المستدرك 1/250، تأويل الآيات 1/ ، مستدرك سفينة البحار، 6/ 286 ، 266، تفسير القمي 1/397، 400، 401

([5]) تفسير العسكري 157، البحار 26/331

([6]) علل الشرايع 416، عيون الأخبار 1/220، تفسير العسكري 31، البحار 13/341 26/275 92/224 99/185، تأويل الآيات 1/418، البرهان 3/228، نور الثقلين 4/130 ، المحتضر للحلي، 274ا

([7]) مجمع البيان 1/810

([8]) تفسير الميزان 3/376

([9]) أمالي الصدوق 327، أمالي الطوسي 454، البحار 22/305، 313 ، 67/ 12 ، 70/12 ، مستدرك سفينة البحار، 6/ 613 ، موسوعة أحاديث أهل البيت، 6/ 321

([10]) مجمع البيان 5/98، البحار 22/302 66/ 59 69/59 ، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين للشيرازي، 7/ 136

([11]) تفسير الميزان 9/373

([12]) رواه البخاري ومسلم. أنظر أيضا مجمع البيان 9/270، الإرشاد 34، إعلام الورى 66، البحار 21/94، 121، 125 ، 31/ 253، نور الثقلين 5/301، تفسير فرات 2/421 ، منتهى المطلب للحلي، 2/ 939 ، كتباب سليم بن قيس بتحقيق الأنصاري، 246 (الحاشية) ، الإيضاح للفضل بن شاذان، 507 ، الإفصاح للمفيد، 49 ، تفسير الميزان، 19/ 236 ، الأمثل لمكارم الشيرازي، 18/ 236 ، أعيان الشيعة، 1/ 113 ، 116

([13]) مجمع البيان 1/546، البحار 20/188

([14]) انظر مثلاً: مجمع البيان 3/122

([15]) أمالي الطوسي 387، البحار 8/4 23/388 39/213، كنز جامع الفوائد 345، البرهان 4/202، المناقب 3/27، نور الثقلين 5/79، 245 ، التحصين لإبن طاووس، 556 ، نبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لإبن كرامه، 162 ، كشف اليقين، 418 ، غاية المرام للبحراني، 4/ 262، 7/ 45

([16]) مجمع البيان 5/176 بحار الأنوار، 20/ 326 ،

([17]) مجمع البيان 5/167، البحار 20/346، 365 24/93 36/55، 121، روضة الكافي 322، تأويل الآيات 2/595، البرهان 4/196، المناقب 2/22 ، تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لإبن كرامة، 160

([18]) الإرشاد 13، روضة الواعظين 75، البحار 38/243 ، 40/51، تفسير فرات 2/421 ، كشف الغمة، للإربلي، 1/ 81 ، كشف اليقين، للحلي، 33

([19]) كشف الغمة 2/291) ، الفصول المهمة لإبن الصباغ، 2/ 864 ، بعض ما ورد من سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام، مركز المصطفى (صفحة كشف الغمة)

([20]) الصحيفة السجادية: من دعائه في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم.

([21]) أمالي الطوسي 62، البحار 22/306، وقال في بيانه: جميع، أي: مجتمعون على الحق لم يتفرقوا كتفرقكم.

([22])الكافي للكليني، 2/236 - شرح أصول الكافي للمازندراني، 9/166،166 - وسائل الشيعة للحر العاملي، 1/65،87 - الإرشاد للمفيد، 1/237 - الأمالي للطوسي، 102 – حلية الأبرار للبحراني، 2/182 - بحار الأنوار للمجلسي، 22/306 ، 64/302 ، 66/303 - جامع أحاديث الشيعة للبروجردي، 1/408 - مستدرك سفينة البحار للشاهرودي، 6/174 - موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)لهادي النجفي، 5،85 - تفسير نور الثقلين للحويزي، 5/141 - منتقى الجمان للشيخ حسن صاحب المعالم، 2/344 - أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي، 111 - جامع السعادات للنراقي، 1/209 - النظرات حول الإعداد الروحي لحسن معن، 87

([23]) البحار 32/429 ، مصباح البلاغة، للميرجهاني، 4/ 25 ، نهج السعادة، للمحمودي، 4/ 218

([24]) الخصال 640، البحار 22/305، حدائق الأنس 200 مستدرك سفينة البحار للشاهرودي،6/173 - خاتمة المستدرك للنوري الطبرسي، 2/212

([25]) مصباح الشريعة 20، البحار 68 / 284 ، 71/284 ، مستدرك الوسائل، 9/21 ، جامع السعادات للنراقي، 2/ 267

([26]) أمالي الصدوق 189، البحار: 67/ 173، 311 ، 70/173، 311 73/164، 300 ، الخصال، للصدوق، 79 ، روضة الواعظين، للفتال، 433 ، وسائل الشيعة للحر العاملي، 2/ 438 ، 16/ 16 ، 2/ 651 ، 11/ 315 ، الزهد للكوفي، مقدمة التحقيق، 3 ، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 14/ 41، 141 ، موسوعة أحاديث الشيعة، لهادي النجفي، 1/ 443 ، 5/ 297 12/ 332 ، ميزان الحكمة لريشهري، 4/3463 ، نور الثقلين، للحويزي، 3/3

([27]) نور الثقلين 4/407، البحار: 55/ 276 ، 58/276 ، خلاصة عقبات الأنوار، لحامد النقوي، 3/ 182 ، نفحات الأزهار،للميلاني، 3/ 170

([28]) أمالي الطوسي 332، البحار 22/306، حياة القلوب 2/621 ، مستدرك سفينة البحار للشاهرودي،6/174

([29]) البحار 33/306، نهج البلاغة 141

([30]) معاني الأخبار 50، البحار: 2/ 220 ، 22/307

([31]) نوادر الراوندي 23، البحار 22/309 ، خلاصة عقبات الأنوار، 1/ 80 ، 3/ 168 ، دراسات في الحديث و المحدثين، لهاشم معروف، 78 ، إحقاق الحق للتستري، 267 ، نفحات الأزهار، 1/ 80 ، 3/ 157 ، 12/ 68

([32]) مكارم الأخلاق 16، البحار 16/229 ، موسوعة أحاديث أهل البيت، 1/ 136

([33]) المصادر السابقة. ، مكاتيب الرسول للمياجي، 1/ 422

([34]) البحار 17/33

([35] ) البحار، 17/32 ، الإكمال في أسماء الرجال، للتبريزي، 12 ، أعيان الشيعة، لمحسسن الأمين، 3/ 251

([36]) البحار 17/32 20/332، 343، شرح الشفاء 1/67، مجمع البيان 9/117، المناقب 1/203

([37]) المنتقى في مولود المصطفى: فيما كان سنة أربع من الهجرة، البحار 20/152 ، شخصيات أخرى من الصحابة، مركز المصطفى، صفحة صفوة الصفوة

([38]) مكارم الأخلاق 21، البحار 16/236 ، سنن النبي للطبطبائي، 128 ، موسوعة أحاديث أهل البيت، 1/ 138 ، الأمثل لمكارم الشيرازي، 18/ 537

([39]) مكارم الأخلاق 17، البحار 16/233 جملة من صفات النبي ، وأفعاله ، أحاديثه ، وأدعيته ، مركز المصطفى ح 165

([40]) المناقب 1/185، البحار 19/124 ، 20/ 218،238 22/354، نور الثقلين 4/244، القمي 2/153 ، الخرائج والجرائح، للراوندي، 3/ 1048 ، خلاصة عقبات الأنوار، 3/ 52 ، مستدرك سفينة البحار، للشاهرودي، 5/ 447 ، 6 / 179 ، تفسير الصافي، للكاشاني، 4/ 171 ، 6/ 21 ، تفسير الميزان، 15/ 6 ، الصحيح من سيرة النبي لجعفر مرتضى، 4/ 219 ، 9/ 108 ، 114 ، 117

([41]) البصائر 131، العياشي 2/59، البحار 17/149 23/338، 349، أمالي الطوسي 421، نور الثقلين 2/151، 153، 264، البرهان 2/79، الصافي 2/300، القمي 1/276، معاني الأخبار 113 ، وسائل الشيعة، 16/ 111، 389 ، ينابيع المعاجز للبحراني، 106 ، جامع أحاديث الشيعة، 13/ 303 ،

([42]) البحار 27/133 ، الغدير للأميني، 2/ 312 ، شرح إحقاق الحق، للمرعشي، 24/ 4217 (الحاشية) ، 26/ 223 (الحاشية) 33/ 119

([43]) البحار 22/312 ، مناقب آل أب طالب، لإبن شهرآشوب 3 / 112

([44]) البحار 22/312 ، نفسير نور الثقلين، 5/ 80

([45]) الإرشاد 75، إعلام الورى 126، البحار 21/159، 172 ، مستدرك سفينة البحار، 10/ 70 ، أعيان الشيعة لمحسن الأمين، 1/ 281 ، كشبف الغمة، للإربلي، 1/ 224 ، الإحتجاج، للطبرسي، 1/ 90 ، 211 ، شجرة طوبى، للحائري/ 2/ 311 ، تفسير كنز الدقاقئق، للمشهداني، 2/ 208 (الحاشية)

([46]) مجمع البيان 5/19، البحار 21/162 22/137، التفسير الكاشف 7/290 ، تفسير الميزان، للطباطبائي ، 9/ 233

([47]) الكافي 3/127، البحار 22/129، 142، أمالي الطوسي 675 ، منتهى المطلب، للحلي، 1/ 544 ، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 2/ 71 ، وسائل الشيعة، 9/ 440 ، 6/ 307 ، جامع أحاديث الشيعة، 8/ 450 ، موسوعة أحاديث أهل البيت، 8/ 340

([48]) تفسير القمي 2/169، البحار 22/196، 211، الكافي 4/79، نور الثقلين 4/292، 293، الصافي 4/196 ، مسالك الأفهام، للشهيد الثاني، 7/ 70 ، جامع أحاديث الشيعة ، 20/ 130 ، التفسير الصافي، 4/ 196 ، 6/ 56 ، تفسير الميزان، 16/ 342

([49]) أمالي الطوسي 261، البحار 22/312 23/146، البرهان 1/11 ، جامع أحاديث الشيعة، 1/ 190 ، كتاب الولاية لإبن عقدة الكوفي، 217 ، غاية المرام للبحراني، 2/ 336

([50]) أمالي المفيد 28، البحار 22/475 28/177 ، غاية المرام، 2/ 366

([51]) البحار 22/476 ، موسوعة شهداء المعصومين، 1/ 67

([52]) نهج البلاغة 184، البحار 22/312

([53]) إعلام الورى 45، المناقب 1/140، البحار 18/142 43/298، 299، 305، 317 ، شرح إحقاق الحق، 26/ 356 ، لوامع الحقائق، للآشتياني، 1/ 104

([54]) إعلام الورى 210، البحار 18/125، إثبات الهداة 1/365 ، مستدرك سفينة البحار، 2/ 254

([55]) البحار 45/7 ، العوالم للبحراني، 251 ، لواعج الأشجان لمحس الأمين، 127 ، معالم المدرستين، لمرتضى العسكري، 3/ 97 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين ، 507 ، الدر النظيم، 552 ، صحيفة الحسين للقيومي، 288 ، موسوعة شهادة المعصومين، 2/ 199 ، أبصار العين للسماوي، 33 ، شرح إحقاق الحق، 11/ 621 ، 27/ 140

([56]) الكافي 1/65، البحار 2/228 ، شرح أصول الكافي للمازندراني، 2/ 326 ، الحاشية على أصول الكافي للنائيني، 218 ، نهاية الدراية للصدر، 308 ، جامع أحاديث الشيعة، 1/ 268 ، رسائل في دراية الحديث للبابلي، 1/ 418 ، موسوعة أحاديث أهل البيت، 2/ 427 ، 3/ 90 ، الأصول الأصيلة للقاساني، 90 ، تنزييه الشيعة للتبريزي، 1/ 200

([57]) الكافي 1/403، الخصال 2/84 الطرف 19، 33، 34، الشافي 177، البحار 21/138، 381 ، 22/478، 486 ، 23/165 ، 27/69 ، 27/69 ، 52/262 ، 77/119 ، شرح أصول الكافي، 7/ 17 ، 11/ 277 ، وسائل الشيعة، 27/ 60 ، 18/ 64 ، مستدرك الوسائل، 12/ 89 ، مصباح البلاغة، 1/ 340 ، كتاب سليم بن قيس، 208 ، الإحتجاج، 1/ 221 ، منية المريد للشهيد الثاني، 370 ، مستدرك سفينة البحار، 3/ 83 ، 8/ 144 ، درر الأخبار، 176 ، 498 ، موسوعة أحاديث أهل البيت، 11/ 286

([58]) الخصال 2/91، البحار 6/304، 305 52/193 77/157، كمال الدين 477، أمالي الطوسي 528

تراتيل
01-27-2012, 06:09 PM
أمهات المؤمنين رضي الله عنهم

مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. قال الله تعالى " وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً " والإنسان لا يسكن ولا يتودد ولا يحب إلا من يشبهه و يشاكله ويدانيه خلْقاً وخُلُقاً ونسباً وحسباً، ولهذا أباح الله النظر للرجل والمرأة بعضهما ليختارا كل ما يناسبه قبل الزواج.فزوج المرء هو اختياره ورضاه.

ونحن في هذه المطوية سنتكلم على نساء رضيهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أزواج له واختارهن الله أمهات للمؤمنين، هن بلا شك أطهر و أفضل وأشرف وأحسن نساء العالمين خَلْقاً وخُلُقاً ونسباً وحسباً رضي الله عنهن.جعلهن الله أمهات للمؤمنين حفاظاً و***** لهن، وهذه الأمومة كالأمومة الحقيقة، فيما يترتب عليها من حقوق والاحترام والإجلال والبر وتحريم الزواج منهن. وطهرهن الله من الرجس(الشرك والشيطان والأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة) وجعلهن أزواج لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة. وعقوقهن من أعظم الكبائر لأنه مع كونه عقوق للأم أيضاً إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

خديجة بنت خويلد


نسبها ونشأتها:هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى قصي بن كلاب القرشية الأسدية ولدت سنة 68 قبل الهجرة (556 م). تربت وترعرعت في بيت مجد ورياسة.
زواجها من الرسول: صلى الله عليه وآله وسلم:كانت تاجرة وتستأجر الرجال وقد بعثت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم للخروج لها في تجارة لما سمعت عنه من الأمانة وقد ربحت تجارتها أضعاف ماكانت تربح وقد أرسلت غلام لها لتعرض على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الزواج منها فقبل الرسول وتزوجها.
فضائلها : كانت أول وأحب زوجاته إليه ولم يتزوج عليها قط حتى فارقت الحياة الدنيا فانفردت بخمس وعشرين سنة من ثمانية وثلاثين سنة هي حياته صلى الله عليه وآله وسلم الزوجية (حوالي الثلثين) وأنجبت له ولدين هما القاسم وعبدالله وأربع بنات هن (رقية وزينب وفاطمة وأم كلثوم)، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من ذكرها والثناء عليها والمدح لها وصلة ودّها. وقد بشرها الله تعالى ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
إسلامها: كانت خديجة – رضي الله عنها - أول من أسلم من النساء والرجال. آمنت به صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته،فكان لها أجرها وأجر من آمن بعدها، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يفضلها على جميع نساء العالمين.
وفاتها: توفيت خديجة – رضي الله عنها - ساعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأيمن في بث دعوة الإسلام قبل هجرته إلى المدينة المنورة بثلاثة سنوات، ولها من العمر خمس وستون سنة.

ســـودة بنت زمعة

اسمها ونسبها:هي أم المؤمنين سوده بنت زمعة بن قيس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشية العامرية، وأمها الشمّوس بنت قيس بن زيد بن عمر الأنصارية.
إسلامها:كانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة، من فواضل نساء عصرها. كانت قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو العامري. ولما أسلمت بايعت النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم معها زوجها.
زواجها:في حديث لعائشة عن خولة بنت حكيم، أن خولة بنت حكيم السلمية رفيقة سودة في الهجرة إلى الحبشة وزوجها عثمان بن مظعون لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعائشة رضي الله عنها: أنها صغيرة ويريد من هي أكبر سناً لتدبير شؤون بيته ورعاية فاطمة.فعرضت عليه الزواج من سوده بنت زمعة، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد خديجة وكان ذلك بمكة، فانفردت به نحواً من أربع سنين.
فضلها : تعد سودة – رضي الله عنها - من فواضل نساء عصرها، أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهاجرت إلى أرض الحبشة. تزوج بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكانت إحدى أحب زوجاته إلى قلبه، عرفت بالصلاح التقوى، وقد وهبت يومها في القسم لعائشة عندما كبرت تقرباً إليه صلى الله عليه وآله وسلم وحُبّاً له، ولتكون من زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة.
وفاتها: توفيت سودة في آخر زمن عمر بن الخطاب، ويقال إنها توفيت بالمدينة المنورة في شوال سنة أربعة وخمسون، وفي خلافة معاوية.

عائشة بنت أبي بكر الصديق

مولدها وأسمها: وُلِدَتْ بعد المبعث بأربع سنين أو خمس. وهي بنت أبي بكر الصديق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أمها أم رُومَان بنت عامر بن عويمر الكنانية.

زواجها من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: تزوجها وهي بنت ست، وقيل سبع، ويجمع بأنها كانت أكملت السادسة ودخلت في السابعة. ودخل بها وهي بنت تسع، وكان دخوله بها في شَوَّال في السنة الأولى وفي الصحيح" من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا بنت ست سنين، وبَنَى بي وأنا بنت تِسع.
علمهاوتعليمها: تعد عائشة – رضي الله عنها - من أكثر النساء في العالم فقهاً وعلماً، فقد أحيطت بعلم كل ما يتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه. وكانت – رضي الله عنها - مرجعاً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما يستعصي عليهم أمر، فقد كانوا (رضي الله عنهم) يستفتونها فيجدون لديها علماً لما أشكل عليهم.
وفاتها: توفيت عائشة – رضي الله عنها - وهي في السادسة و الستين من عمرها، بعد أن تركت أعمق الأثر في الحياة الفقهية و الاجتماعية والسياسية للمسلمين. وحفظت لهم بضعة آلاف من صحيح الحديث عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم.

حفصة بنت عمر الخطاب

اسمها ومولدها: هي حفصة بنت عمر أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) رضي الله عنهما ، ولدت قبل المبعث بخمسة الأعوام. لقد كانت حفصة زوجة صالحة للصحابي الجليل (خنيس بن حذافة السهمي) .
زواجها من الرسول:بعد وفات زوجها وهي مازالت شابة تألم أبوها لترملها وهي في هذا السن وبمرور الأيام زاد ألمه فعرض على بعض الصحابة الزواج منها ولكنهم رفضوا فعندما ذكر ذلك عمر للرسول صلى الله عليه وآله وسلم خطبها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه.
فضائل حفصة رضي الله عنها: (حفصة) أم المؤمنين – رضي الله عنها - …الصوامة .. القوامة … شهادة صادقة من أمين الوحي (جبريل عليه السلام) !! … وبشارة محققه: إنها زوجتك – يا رسول الله- في الجنة.
وفاتها: أن توفيت في أول عهد معاوية بن أبي سفيان وشيعها أهل المدينة إلى مثواها الأخير في البقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.

زينب بنت خزيمة الهلالية

اسمها ولقبها: هي زينب بنت خزيمة الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية ولقبت بأم المساكين.
زواجها من الرسول: زينب بنت خزيمة – رضي الله عنها - هي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتي لم يمض على دخول حفصة البيت النبوي وقت قصير حين دخلته أرملة شهيد قرشي من المهاجرين الأولين فكانت بذلك رابعة أمهات المؤمنين. ويبدو أن قصر مقامها ببيت الرسولصلى الله عليه وآله وسلم قد صرف عنها كتاب السيرة ومؤرخي عصر المبعث فلم يصل من أخبارها سوى بضع روايات لا تسلم من تناقض واختلاف.
وفاتـــها: الراجح أنها ماتت في الثلاثين من عمرها كما ذكر "الواقدي"ودفنت بالبقيع.

أم سلمة هنــد المخزومية

اسمها ونسبها : هي هند بنت سهيل المعروف بأبي أمية بن المغيرة، أم سلمة ( ويقال أن اسم جدها المغيرة هو حذيفة، ويعرف بزاد الركب) .
زواج أم سلمة من النبي: صلى الله عليه وآله وسلم :عندما انقضت عدتها بعث إليها أبو بكر يخطبها فلم تتزوجه ، وخطبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إشفاقا عليها ورحمة بأيتامها أبناء وبنات أخيه من الرضاعة . فرفضت لكبر سنها فأرسل لها الرسول خطابا يخبرها انه هو أكبر منها فأرسلت إبنها للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتعلمه بموافقتها.
إسلامها: تعدَّ أم سلمة من أكمل النساء عقلا وخلقا، فهي وزوجها أبو سلمة من السابقين إلى الإسلام .
روايتها للحديث: روت أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها - الكثير الطيب، إذ تعد ثاني راوية للحديث بعد أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - ، إذ لها جملة أحاديث قدرت حسب كتاب بقي بن مخلد ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا (378).
وفاة أم سلمة : كانت أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها - آخر من مات من أمهات المؤمنين، عمرت حتى بلغها مقتل الحسين، لم تلبث بعده إلا يسيرًا، وانتقلت إلى الله تعالى سنة (62هـ)، وكانت قد عاشت نحوًا من تسعين سنة .

زينب بنت جحش

اسمها ونسبها: زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن مرة بن كثير بن غنم بن دوران بن أسد بن خزيمة"، وتكنى بأم الحكم. من أخوالها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
إسلامها: كانت زينب بنت جحش – رضي الله عنها - من اللواتي أسرعن في الدخول في الإسلام، وقد كانت تحمل قلبا نقيا مخلصا لله ورسوله.

جويرية بنت الحارث

اسمها ونسبها : جويرية بنت الحارث بن ضرار بن حبيب بن خزيمة الخزاعية المصطلقية.
زواجها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سبيت في غزوة بني المصطلق سنة خمس أو ست من الهجرة، فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتاباها، وتزوجها بعد ما كانت تحت مسافح بن صفوان المقتول في المعركة نفسها، وأعتق المسلمون بسببها مئة أهل بيت من السبي فكانت بركتها على قومها عظيمة، توفيت سنة خمسين للهجرة كانت من المكثرات للعبادة الذاكرات الله كثيرا.سمّاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم جويرية بعد ما كان إسمها برة.

أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان

اسمها ونسبها : أم المؤمنين، السيدة المحجبة، من بنات عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . صحابية جليلة، ابنة زعيم، وأخت خليفة، وزوجة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
زواجها من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما جرى لأم حبيبة،بعد وفات زوجها, فأرسل إلى النجاشي طالباً الزواج منها، ففرحت أم حبيبة ، وصدقت رؤياها، فعهدها وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار.
روايتها للحديث: روت أم حبيبة- رضي الله عنها- عدة أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. بلغ مجموعها خمسة وستين حديثاً.
وفاتها: توفيت- رضي الله عنها- سنة 44 بعد الهجرة، ودفنت في البقيع.

صفية بنت حيي

اسمها ونسبها: هي صفية بنت حيي بن أخطب. يتصل نسبها بهارون النبي عليه السلام.
مولدها ومكان نشأتها:لا يعرف بالضبط تاريخ ولادة صفية – رضي الله عنها - ولكنها نشأت في الخزرج، كانت في الجاهلية من ذوات الشرف.
فضائلها: عرف عن صفية – رضي الله عنها - أنها ذات شخصية فاضلة، جميلة حليمة، ذات شرف رفيع.
إسلامها: لقد سألها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، وخيرها بين البقاء على دين اليهودية أو اعتناق الإسلام. فإن اختارت اليهودية اعتقها، وإن أسلمت سيمسكها لنفسه. وكان اختيارها الإسلام الذي جاء عن رغبة صادقة في التوبة وحباً لهدي محمداً صلى الله عليه وسلم.
زواجها من الرسول : صلى الله عليه وآله وسلم ما أن انتهت غزوة خيبر وأسفرت عن مقتل زوجها كنانة بن الربيع ، وكانت صفية من بين أسرى اليهود ، فطلب منها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الزواج قائلا لها : " هل لك فيّ ؟ فقالت : يا رسول الله ، قد كنت أتمنى ذلك في الشرك ، فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام ؟" [ مسلم 1365 ] ، فأعتقها صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجها وكان عتقها صداقها.
روايتها للحديث: لها في كتب الحديث عشرة أحاديث. أخرج منها في الصحيحين حديث واحد متفق عليه.
وفاتها: توفيت في المدينة، في عهد الخلفية معاوية، سنة 50 هجرياً. و دفنت بالبقيع مع أمهات المؤمنين.

ميمونة بنت الحارث

اسمها ونسبها: هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن جبير بن الهزم بن روبية بن عبدالله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية.
ميمونة والزواج الميمون: أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بمكة ثلاثة أيام، فلما أصبح اليوم الرابع، أتى إليه صلى الله عليه وآله وسلم نفر من كفار قريش ومعهم حويطب بن عبدالعزى - الذي أسلم فيما بعد- فأمروا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج بعد أن انقضى الأجل وأتم عمرة القضاء والتي كانت عن عمرة الحديبية. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، فصنعت لكم طعاماً فحضرتموه". فقالوا: "لا حاجة لنا بطعامك، فأخرج عنا".فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلف مولاه أن يحمل ميمونة – رضي الله عنها - إليه حين يمسي. فلحقت به ميمونة – رضي الله عنها - إلى سَرِف، وفي ذلك الموضع بنى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذه البقعة المباركة، ويومئذ سماها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ميمونة بعد أن كان اسمها برة. فعقد عليها بسرف بعد تحلله من عمرته لما روي عنها: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن حلالان بسرف".
حفظها للأحاديث النبوية: وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، عاشت ميمونة – رضي الله عنها - حياتها بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نشر سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة والتابعين؛ لأنها كانت ممن وعين الحديث الشريف وتلقينه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنها شديدة التمسك بالهدي النبوي والخصال المحمدية، ومنها حفظ الحديث النبوي الشريف وروايته ونقله إلى كبار الصحابة والتابعين وأئمة العلماء.
وفاتها: كانت أم المؤمنين ميمونة – رضي الله عنها - ، قد عاشت الخلافة الراشدة وهي عزيزة كريمة تحظى باحترام الخلفاء والعلماء، وامتدت بها الحياة إلى خلافة معاوية رضي الله عنه. وقيل: إنها توفيت سنة إحدى وخمسينبسرف ولها ثمانون سنة، ودفنت في موضع قبتها الذي كان فيه عرسها رضي الله عنها، وهكذا جعل الله عز وجل المكان الذي تزوجت به ميمونة هو مثواها الأخير. قال يزيد بن الأصم: "دفنا ميمونة – رضي الله عنها - بسرف في الظلة التي بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".

نفس المصدر

تراتيل
01-27-2012, 06:29 PM
سلسلة الآل والصحابة محبة وقرابة – (2)

إتحاف الصَدِيق

بعلاقة آل البيت بالصّدِيق

إصدارات جمعية الآل ولأصحاب – مملكة البحرين
http://www.sabayacafe.com/thumbs/8/image8270.jpg


بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله القائل ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ. والصلاة والسلام على نبيه المختار وآله وصحبة الأطهار.



وبعد:



لعل من المسائل التي غفل عنها المسلمون تذكر سير الصالحين من جيل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وما يقتضيه من محبة وقربة إلى الله عز وجل. والعجب ممن استعاض بغير القرآن والسنة وهدي السلف سبيلا لمعرفة الحقيقة. فهذه آيات الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم خير شاهد على منزلة هذا الجيل المثالي الذي اختاره الله عز وجل لخير أنبيائه، فلا أدل على هذا من قوله عز وجل: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ – التوبة 100



وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ، ثم الذي يلونهم)). وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون ؛ لأنهم آمنوا به حين كفر الناس ، وصدقوه حين كذبه الناس ، وعزروه ، ونصروه ، وآووه ، وواسوه بأموالهم وأنفسهم ، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه )).



ولا شك أن الخلفاء الراشدين على رأس هذا الجيل المثالي، وقد وقف السلف الصالح رحمهم الله على هذه الحقيقة فشهدت بذلك كلماتهم.



ويقول عبد الله بن مسعود t : ((حُب أبي بكرٍ وعمرَ ، ومعرفةُ فضلِهما من السنة . وروى ذلك أيضا عن مسروق وطاوس والشعبي)).



وهذا الحسن سئل : ((حب أبي بكر وعمر سنة ؟ قال : لا ، فريضة)).

وعن جعفر الصادق رحمه الله قال: ((من لا يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة)).



فعن الفضيل رحمه الله قال: ((أوثق عملي في نفسي حب أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ، وحبي أصحاب محمد عليه السلام جميعا)).



وعن خالد الواسطي قال : ((سمعت أبا شهاب ، يقول : لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم إلا في قلوب أتقياء هذه الأمة)).



ويقول الإمام مالك رحمه الله : ((كان السلف يُعلمون أولادهم حب أبي بكرٍ وعمر ؛ كما يُعلمون السورة من القرآن)).



وعن أبو مسعود الرازي رحمه الله قال: ((وددت أني أقتل في حب أبي بكر وعمر)).



والأمر فيه طول، ونحن إن شاء الله تعالى سنتحدث في هذه السلسلة المختصرة عن الصحابة رضي الله عنهم ومنزلتهم وعلاقتهم بأهل البيت، وسنبدأ بالصديق رضي الله عنه.



أبو بكر الصديق رضي الله عنه

هوعبدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب ابن لؤي القرشي التيمي، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كعب بن لؤي. ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر. أول من أسلم من الرجال وأسلم على يديه أكابر الصحابة كعثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، رضي الله عنهم أجمعين. تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته عائشة رضي الله عنها. توفي t في جمادى الآخر سنة 13هـ ودفن بجوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر.



جاءت في فضله رضي الله عنه أحاديث كثيرة ، فعن أنس t قال: ((صعد رسول الله أُحداً ومعه أبوبكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: اثبت أحداً، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)).[1]



ففي هذه الرواية سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصديق. وقد جاء عن الإمام الباقر رحمه الله أنه سئل عن حلية السيف فقال: ((لا بأس به، قد حلَّى أبو بكر الصديق t سيفه، فقيل له: فتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة، وقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل لـه: الصديق فلا صدق الله لـه قولاً في الدنيا ولا في الآخرة)).[2]



وكان الصديق t مِن أمنّ الناس صحبة وذات يد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر. وقال: إن من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وذات يده أبوبكر. حتى ذكر الله عزوجل صحبته في كتابه الكريم: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا – االتوبة 40



وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال : ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أبا بكر منى بمنزله السمع )).[3]



وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (( أنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها – أي الخلافة-، إنه لصاحب الغار ، وثاني اثنين ، وإنا لنعرف له سِنَهُ ، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة وهو حي)).[4]



وقد تزوج علي رضي الله عنه من أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر رضي الله عنهما بعد وفاته وربى أبنه محمد وكان يقول: هو إبني من ظهر أبي بكر. [5] وكان أبو بكر رضي الله عنه قد بعثها لرعاية فاطمة رضي الله عنها في مرضها، ثم غسلها وتكفينها بعد وفاتها رضي الله عنها. وفي هذا رد على من زعم أنها مرضت وتوفيت ودفنت ليلا دون علمه رضي الله عنها لخلاف مزعوم بينهما. كيف وهو القائل رضي الله عنه مخاطباً علي وفاطمة رضي الله عنهما: ((والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت)). وقال كما يروي البخاري: ((والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحبُ إليّ من أن أصل من قرابتي. وقال: ارقبوا محمدا في أهل بيته)).



وروى البخاري أيضا: صلى أبو بكر t العصرَ، ثم خرج يمشي، فرأى الحسنَ يلعبُ مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال: بأبي شبيه بالنبي لا شبيه بعلي وعليٌ يضحك. وفي رواية: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بليالٍ، وعلي يمشي إلى جانبه. وفي هذه الرواية أيضا رد على من زعم إعتزال علي للصديق رضي الله عنهما.



فلا جرم إذا أن يقول فيه في صاحبه الفاروق رضي الله عنهم: ((لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)).[6]



وهذا ابنه الحسن رضي الله عنه اشترط في صلحه مع معاوية أن يعمل بسيرة الشيخين حيث قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان : صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين ، على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسيرة الخلفاء الراشدين – وفي رواية الصالحين. وقد ذكر هذا الكثير من علماء الفريقين)).[7]



وعن إبن عباس رضي الله عنهما قال: ((رحم الله أبا بكر ، كان والله للقرآن تاليا ، وعن المنكرات ناهيا ، وبذنبه عارفا ، ومن الله خائفا ، وعن الشبهات زاجرا ، وبالمعروف آمرا وبالليل قائما وبالنهار صائما ، فاق أصحابه ورعا وكفافا ، وسادهم زهدا وعفافا ، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه)).[8]



وقد سمى الكثير من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبنائهم باسم أبو بكر حبا ووفاء له، فهذا علي t سمى أحد أبنائه بأبي بكر ، وكذا الحسن بن علي سمى أحد أبنائه بأبي بكر. ولم يخالفهم في ذلك الحسين t، فقد سمَّى أحد أبنائه بأبي بكر, وهؤلاء جميعهم من الذين استشهدوا يوم كربلاء مع الإمام الحسين رضي الله عنه.



وكذلك شأن ابنه زين العابدين رحمه الله الذي أحب أن يكنى بأبي بكر.



وسئل حفيده الصادق رحمه الله: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فقال: ((هما إمامان عادلان قاسطان كانا على الحق وماتا عليه فرحمة الله عليهما يوم القيامة)).[9]



وكان يقول مفتخرا: ((ولدني أبو بكر مرتين))[10]. وذلك أن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.



والأمر فيه طول وفيما ذكرنا كفاية لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شيهد.



وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - رواه مسلم. وأنظر أيضا الاحتجاج للطبرسي، 1/326 ، بحار الأنوار، 10/40 ، 17/287 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين، 221 ، تفسير نور الثقلين، 3/445 ، 4/317

[2] - أنظر الصوارم المهرقة للتستري، 235 ، بحار الأنوار للمجلسي، 29 /651 ، كتاب الأربعين للماحوزي، 324 ، كشف الغمة للإربلي، 2 /360 ، الفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ، 2/ 895 ، سفينة النجاة للتنكابني، 390 ، شرح إحقاق الحق للمرعشي، 1 /29

[3] - عيون أخبار الرضا، 2/280 ، معاني الأخبار، 387 ، بحار الأنوار، 30/180 ، موسوعة الإمام الجواد، 2/672 ، موسوعة كلمات الحسين، 672 ، 1076 ، تفسير نور الثقلين، 3/164 ،

[4] - شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد، 6/84 ، غاية المرام للبحراني، 5/340

[5] - مجمع البحرين للطريحي، 1/570

[6] - أنظر شرح الأخبار للقاضي المغربي، 2/251 ، الصراط المستقيم بعاملي، 3/152 - الصواري المخرقة للتستري، 277 ، بحار الأنوار بمجلسي، 10/377 ، 49/192 ، 109/127 ، عبد الله بن سبأ للعسكري، 2/235 ، مواقف الشيعة للميانجي، 1/75 ، الذريعة تطهراني، 13/67 ، تقوية الإيمان لإبن عقيل، 64 ، شبهات وردود للبدري، 3/141 ، مجلة تراثنا، مؤسسة لآل البيت، 50/46 ، 52/19 ، نفحات الأزهار للميل أني، 20/20 ، عيون أخبار الرضا للصدوق، 1/202 ، كفاية الأثر للقمي، 312

[7] - بحار الأنوار للمجلسي، 44/65 ، الفصول المهمة في معرفة الأئمة ،لابن الصباغ، 2/729 (الحاشية) ، جواهر التاريخ للكوراني، 3/55 ، ، 69 ، 89 ، صلح الحسن لشرف الدين، 259 ، شرح إحقاق الحق، 33/532 ، موسوعة كلمات الحسن، 133 ،

[8] - مواقف الشيعة للميانجي، 1/187

[9] - الصراط المستقيم للعاملي، 3 / 73 ، الصوارم المهرقة للتستري ، ص 155 ، شرح إحقاق الحق للمرعشي، 1/ 70

[10] - أنظرعمدة الطالب لابن عنبة، 195 ، الصوارم المهرقة للتستري، 253 ، بحار الأنوار للمجلسي، 29 /651 ، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (ع) للشيرازي، 1 /71(ش)، 565 ، فهارس رياض السالكين للمظفر، 1 /218 ، 296 ، معجم رجال الحديث للخوئي، 15 /49 ، المفيد من معجم رجال الحديث للجواهري، 465 ، قاموس الرجال للتستري، 12 /213 ، رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ للقزويني، 186 ، كشف الغمة للإربلي، 2 /374 ، ، اللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري، 41 ، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري، 12 /294(ه‍( ، موسوعة المصطفى والعترة (ع) للحاج حسين الشاكري، 9 /17 ، 377 ، مجمع البحرين للطريحي، 3 /398(ه‍) ، الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية، 232 ، شرح إحقاق الحق للمرعشي، 1 /67 ، 67(ش)

تراتيل
01-27-2012, 06:50 PM
تذكير الأحباب بعلاقة آل البيت بعمر بن الخطاب

http://imagecache.te3p.com/imgcache/1dc99128ad8baa449dba0dd4b8983a34.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم

لعل من المسائل التي غفل عنها المسلمون تذكر سير الصالحين من جيل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وما يقتضيه من محبة وقربة إلى الله عز وجل. والعجب ممن استعاض بغير القرآن والسنة وهدي السلف سبيلا لمعرفة الحقيقة. فهذه آيات الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم خير شاهد على منزلة هذا الجيل المثالي الذي اختاره الله عز وجل لخير أنبيائه، فلا أدل على هذا من قوله عزوجل: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ – التوبة 100

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ، ثم الذي يلونهم)).

وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون ؛ لأنهم آمنوا به حين كفر الناس، وصدقوه حين كذبه الناس، وعزروه ، ونصروه، وآووه وواسوه بأموالهم وأنفسهم، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه )).

ولا شك أن الخلفاء الراشدين على رأس هذا الجيل المثالي، وقد وقف السلف الصالح رحمهم الله على هذه الحقيقة فشهدت بذلك كلماتهم.

يقول عبد الله بن مسعود t : ((حُب أبي بكرٍ وعمرَ ، ومعرفةُ فضلِهما من السنة)).
وهذا الحسن وقد سئل: ((حب أبي بكر وعمر سنة ؟ قال: لا، فريضة)).
وعن جعفر الصادق رحمه الله قال: ((من لا يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة)).
وعن الفضيل رحمه الله قال: ((أوثق عملي في نفسي حب أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ، وحبي أصحاب محمد عليه السلام جميعا)).
وعن خالد الواسطي قال : ((سمعت أبا شهاب ، يقول : لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم إلا في قلوب أتقياء هذه الأمة)).
ويقول الإمام مالك رحمه الله: ((كان السلف يُعلمون أولادهم حب أبي بكرٍ وعمر، كما يُعلمون السورة من القرآن)).

والأمر فيه طول، ونحن إن شاء الله تعالى سنتحدث في هذه السلسلة المختصرة عن الصحابة رضي الله عنهم ومنزلتهم وعلاقتهم بأهل البيت، وسنتحدث في هذه الحلقة عن الفاروق . أبو حفص ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ويلتقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كعب بن لؤي. كانت له السفارة في الجاهلية حيث كانت قريش تبعث به رسولا إذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم.

أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من علماء الصحابة وزهادهم، وضع الله الحق على لسانه. تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته حفصة رضي الله عنها.

تولى الخلافة بعد الصديق رضي الله عنه واستمر حكمه عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، أنجز فيها الكثير من الأعمال حتى قال فيه ابن مسعود : ((كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمامته رحمه، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا)).

‏جاءت في فضائله روايات شتى فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ)). رواه البخاري

وقال ‏صلى الله عليه ولآله وسلم ‏: إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ . رواه البخاري . وقوله: ((إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه. وقوله: ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر)). وقوله: ((بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه. قالوا:فما أوَّلته يا رسول الله ؟ قال: الدين)).

وفي هذا يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر)).

ولنعرج قليلا إلى ذكر علاقة آل البيت بالفاروق عمر رضي الله عنهم أجمعين.

لما دون عمر بن الخطاب الدواوين بدأ بالحسن وبالحسين فملا حجرهما من المال فقال ابن عمر تقدمهما علي ولي صحبة وهجرة دونهما فقال عمر: اسكت لا أم لك أبوهما خير من أبيك وأمهما خير من أمك.1 وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنّ عمر بن خطاب جعل عطاء الحسن والحسين مثل عطاء أبيهما.

ويقول أمير المؤمنين علي  : لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.2

وقال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.3

ولما شاوره عمر في الخروج إلى غزو الروم قال: إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن ظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين.4

وعندما استشاره لقتال الفرس بنفسه قال لـه: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده وناصر جنده، والعرب اليوم -وإن كانوا قليلاً، فهم- كثيرون بالإسلام، وعزيزون بالاجتماع، فكن قطباً، واستدر الرّحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت - أي خرجت - من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمّ إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكَلَبِهم عليك، وطمعهم فيك.5

وكان رضي الله عنه وزيره ومستشاره، فعندما يكون علي رضي الله عنه بحضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأذنه في حل بعض المشكلات، فيقول: (( أتأذن لي أن أقضي بينهم))؟ فيرد عمر رضي الله عنه: ((سبحان الله! وكيف لا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أعلمكم علي بن أبي طالب)).6

وعندما يكون علي رضي الله عنه غائباً ويريده الفاروق رضي الله عنه في شيء يذهب إليه بنفسه وهو الخليفة، فيلقاه علي رضي الله عنه في الطريق، فيقول لـه: ((هلاَّ أرسلت إلينا فنأتيك))؟ فيقول عمر رضي الله عنه: ((الحكم يؤتى إليه في بيته)).7

وهل هناك أعظم من تزويج علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم للفاروق عمر رضي الله عنه.8 ومن تسمية ولده بعمر، كما فعل ولداه الحسن والحسين رضي الله عنهما.

وعندما توفي عمر رضي الله عنه قال فيه علي رضي الله عنه: لله بلاء فلان، فلقد قوم الأود، وداوى العمد، وأقام السنة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي بها الضال، ولا يستقين المهتدي.9

فلا غرابة إذاً أن نرى الأمير رضي الله عنه وقد دخل على الفاروق رضي الله عنه بعد وفاته وهو مسجى ، فيقول: ((لوددت أن ألقى الله تعالى بصحيفة هذا المسجى)). وفي رواية: ((إني لأرجو الله أن ألقى الله تعالى بصحيفة هذا المسجى)).10

ويقول فيه وفي الصديق رضي الله عنهم أجمعين: ((لعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا)).11

رحم الله الفاروق عمر رضي الله عنه الذي طالما ردد: ((اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك)). فكان له ما أراد فطعنة أبو لؤلؤة بينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد وكان استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ودفن إلى جوار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه. وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: ((اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ)).


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


1 - مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، 2 / 269 ، بحار الأنوار، 38 / 10
2 - الفصول المختارة 167، بحار الأنوار، 10/417، 49/192، 109/127 الاختصاص 128 ، عيون أخبار الرضا للصدوق، 1/202
3 - عيون أخبار الرضا للصدوق، 2/201 ، الإختصاص، 128، بحار الأنوار، 30/276، 49/192، الشافي للمرتضى، 3/94، 111
4 - نهج البلاغة، 2 /18 ، بحار الأنوار للمجلسي، 31/136 علي في الكتاب والسنة والأدب لحسين الشاكري، 5/ 472
5 - نهج البلاغة 257، تفسير الميزان 15/160، البحار ، 40/193
6- الكافي 7/424، التهذيب 2/93، المناقب 1/494، البحار 40/305 ، وسائل الشيعة، 72/ 282 ، 18/207
7- المناقب 1/492، البحار، 40/231، 96/ 159 ، الكافي 7/216، 249، البحار 40/298، مستدرك الوسائل، 9/ 266
8- إعلام الورى 204، الكافي 5/346 6/115، 116، الشافي 215، البحار 10/373 25/247 42/91، 93، 97، 108، 78/382 ، 109/58 ، المناقب، 3/ 89 ، وسائل الشيعة، 3/ 128 ، 21/ 263 ، 26/ 314 ، جامع أحاديث الشيعة، 3/ 347 ، 21/ 205 ، المجدي، 17 ، تاريخ اليعقوبي، 2/ 149 ، أعيان الشيعة، 3/ 485 ، 4/ 136
9 - نهج البلاغة، 2 /222
10 -كتاب سليم بن قيس، 204(ه‍( ، الفصول المختارة، للمرتضى 90 ، الصراط المستقيم للعاملي، 3/153 ، الصوارم المهرقة للتستري، 78 ، مدينة المعاجز لهاشم البحراني، 1/470 ، بحار الأنوار للمجلسي، 10/296 ، 28/105
11- شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد، 15/67 ، مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني، 4/29 ، نهج السعادة للمحمودي، 4/177 ، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ لريشهري، 6/23

تراتيل
01-27-2012, 06:53 PM
عقد الجمان

في بيان علاقة أهل البيت بعثمان

إصدارات جمعية الآل ولأصحاب – مملكة البحرين

http://www.kasralsanam.com/rtb_uploaded_images/%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%B1%D8%B6%D9%8 A%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%20%D8%B9%D9%86%D9%87. jpg
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد الله رب العالمين والصلاة و السلام على خير المرسلين محمد و على اله و صحبه .


نتحدث في هذه الحلقة عن سيرة ذي النورين t.



هو عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي القرشي ، ثالث الخلفاء الراشدين. ولد بمكة وأسلم بعد البعثة بقليل وتزوج رقية بنـت رسـول اللـه صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوة ومـاتت عنـده فـي ليـالي غزوة بدر فتأخر عنها لتمـريضها فضُـرِبَ له سهمه، حيث قال رسول الله صلى الله عليم وآله وسلم: إن لك أجر رجلٍ ممن شهد بدراً وسهمه ، لذا عدّوه من البـدريين ثم زوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُختها ام كلثوم وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لو كان عندي ثالثة لزوّجنُكَها يا عثمان.



كان t غنياً شريفاً في الجاهلية، وهو أول من هاجر إلى الحبشة مع زوجته رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الهجرة الأولى والثانية وقال فيه رسول الله: إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوطٍ.



بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية إلى أهل مكة ليفاوض المشركين بأنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته فخرج عثمان حتى أتى مكة فأخبرهم بذلك فقالوا له إن شئت أنت أن تطوف بالبيت فطف وأما محمد فلا في عامه هذا فقال عثمان ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عثمان قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بلغه ذلك: لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشماله على يمينه وقال : هذه يدُ عثمان. فقال الناس: هنيئاً لعثمان.



بويع له بالخلافة بعد مقتل عمر بن الخطاب t سنة 23 هـ ، في عهده t فتحت أرمينية وأذربيجان وإصطخر والإسكندرية وسابور وطبرستان ودُرُبجرْد وكرمان وسجستان، ثم الأساورة وإفريقية وبدأ غزو الروم برا وبحرا , وفتحت جزيرة قبرص, وفي سنة 27هـ أرسل حملة بحرية لغزو سواحل الأندلس، وهو أول من فكر في فتح القسطنطينية واقتحام أوربا عن طريق إسبانيا للوصول إليها، وكان أمره بغزو سواحل إسبانيا لهذه الغاية.



كانت مدّة ولايته t وأرضاه إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وأربعة عشر يوماً ، واستشهد وله تسعون أو ثمان وثمانون سنة0 ودفِنَ t بالبقيع.



ذكر بعض المؤرخين أنه لما قتل نزل دمه على قوله تعالى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ ، لذا فإن جميع من شارك في قتله مات مقتولاً حتى محمد بن أبي بكر الصديق قتل في مصر وآخر أثنين قتلهم الحجاج بن يوسف الثقفي أيام ولايته.



قال عثمان t : إن الله عز وجل بعث محمداً بالحق ، فكنتُ ممن استجاب لله ولرسوله ، وآمن بما بُعِثَ به محمدٌ ، ثم هاجرت الهجرتين وكنت صهْر رسول الله وبايعتُ رسول الله فوالله ما عصيتُه ولا غَشَشْتُهُ حتى توفّاهُ الله عز وجل.


جاءت في فضائله أحاديث عده، منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ يحفر بئر رومةَ فَلَه ُالجنّة. فحفرها عثمان. رواه البخاري.



وقال: مَنْ جهّزَ جيشَ العْسرةِ فله الجنّة . فجهّزه عُثمان. فقال رسول الله: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم


وعن ابي موسى t قال: انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دَخَلَ حائطاً وأمَرَني بحـفْظِ بابِ الحائط, فجاء رجلٌ يستأذِن فقال : ءأذن له وبشّره بالجنّةِ فإذا ابو بكر . ثم جاء آخرُ يستأذِنُ فقـال : ءأذن لـه وبشّره بالجنّة فإذا عُمَرُ . ثم جاء آخر يستأذن, فسكت هُنيهةً ثم قال : ءأذن له وبشّره بالجنّةِ على بلوى ستُصيبُهُ, فإذا عثمان بن عفان. رواه البخاري


وقد مر بنا في حلقات سابقة من هذه السلسلة حديث انسً t الذي قال : صَعَدَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أُحُدَاً ومعهُ ابو بكر وعُمَرُ وعُثمانُ, فَرَجَفَ , فقال : اسكُنْ احدٌ - اظُنُهُ ضربهُ بِرِجلهِ - فليس عليكَ إلاّ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان. رواه البخاري.



ودخل رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال : يا بنيّة أحسني إلى أبي عبد الله فإنّه أشبهُ أصحابي بي خُلُقـاً.



وقال: مَنْ يُبغضُ عثمان أبغضه الله. وقال: اللهم ارْضَ عن عثمان. وقال: اللهم إن عثمان يترضّاك فارْضَ عنه.


وروى الامام احمد t عن رُهَيْمة جدة الزبير بن عبد الله انها قالت: كان عثمان يصوم الدهر ويقوم الليل إلا هجعة من اوله.


و‏عن ‏ ‏عثمان بن عبد الله بن موهب ‏أن رجلا من أهل ‏ ‏مصر ‏ ‏حج ‏ ‏البيت ‏ ‏فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء قالوا ‏ ‏قريش ‏ ‏قال فمن هذا الشيخ قالوا ‏ ‏ابن عمر ‏ ‏فأتاه فقال إني سائلك عن شيء فحدثني ‏ ‏أنشدك ‏ ‏الله بحرمة هذا ‏ ‏البيت ‏ ‏أتعلم أن ‏ ‏عثمان ‏ ‏فر يوم ‏ ‏أحد ‏ ‏قال نعم قال أتعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها قال نعم قال أتعلم أنه تغيب يوم ‏ ‏بدر ‏ ‏فلم يشهد قال نعم قال الله أكبر فقال له ‏ ‏ابن عمر ‏ ‏تعال أبين لك ما سألت عنه أما فراره يوم ‏ ‏أحد ‏ ‏فأشهد أن الله قد عفا عنه وغفر له وأما تغيبه يوم ‏ ‏بدر ‏ ‏فإنه كانت عنده ‏ ‏أو تحته ‏ ‏ابنة رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وآله وسلم ‏ ‏فقال له رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وآله وسلم ‏ ‏لك أجر رجل شهد ‏ ‏بدرا ‏ ‏وسهمه وأمره أن ‏ ‏يخلف ‏ ‏عليها وكانت ‏ ‏عليلة ‏ ‏وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ‏ ‏ببطن ‏ ‏مكة ‏ ‏من ‏ ‏عثمان ‏ ‏لبعثه رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وآله وسلم ‏ ‏مكان ‏ ‏عثمان ‏ ‏بعث رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وآله وسلم ‏ ‏عثمان ‏ ‏إلى ‏ ‏مكة ‏ ‏وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب ‏ ‏عثمان ‏ ‏إلى ‏ ‏مكة ‏ ‏قال فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وآله وسلم ‏ ‏بيده اليمنى هذه يد ‏ ‏عثمان ‏ ‏وضرب بها على يده فقال هذه ‏ ‏لعثمان ‏ ‏قال له اذهب بهذا الآن معك.



وعن الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن عثمان مني بمنزلة الفؤاد. [1]


وعن أمير المؤمنين علي t قال لعثمان أيام الفتنة: إنك لتعلم ما نعلم . ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشئ فنبلغكه . وقد رأيت كما رأينا ، وسمعت كما سمعنا ، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وآله كما صحبنا . وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منك ، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشيجة رحم منهما. وقد نلت من صهره ما لم ينالا.[2]



وذُكر عثمان t عند الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال الحسن: هذا أمير المؤمنين علي t يأتيكم الآن فاسألوه عنه، فجاء علي t فسألوه عن عثمان t فتلا هذه الآية } }§øŠs9 ’n?tã šúïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qè=ÏJtãur ÏM»ysÎ=»¢Á9$# Óy$uZã_ {. كلما مر بحرف من الآية قال: كان عثمان من الذين آمنوا، كان عثمان من الذين اتقوا، ثم قرأ إلى قوله } ª!$#ur =Ïtä† tûüÏYÅ¡ósçRùQ$# {.

ولما ضُرب الحصار على عثمان t جاء الحسن بن علي فقال: أخترط سيفي. قال: لا أبرأ الله إذاً من دمك ولكن لُـمَّ «شم» سيفك وارجع إلى أبيك.


وذكر المسعودي وهو من مؤرخي الشيعة أن عليَاَ لما بلغه أنهم يريدون قتله - أي عثمان - بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم... فصدُوهم عن الدار، واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُبئَ قنبر، .. ولما بلغه مقتل عثمان دخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب. ولَطَم الحسن وضرب صدر الحسين. [3]



وقد حضر هو بنفسه مرارا وطرد الناس عنه [4] . وأنعزل عنه بعد أن دافع عنه طويلا بيده ولسانه. [5] بعد أن قال عثمان: اعزم عليكم لما رجعتم فدفعتم أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم.



وعن الحسن البصري قال: كان الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: يرد الناس عن عثمان t يوم الدار بسيفين يضرب بيديه جميعاً.





ونعرج أخيرا إلى ذكر بعض المصاهرات بين آل البيت وآل عثمان رضي الله عنهم وسائر بني أمية.



1- رقية وأم كلثوم بنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تزوجهما عثمان بن عفان.

2- زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تزوجها أبو العاص بن الربيع.

3- علي بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب : تزوج من رقية بنت عمر العثمانية.

4- علي بن أبي طالب : تزوج من أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع.

5- خديجة بنت علي بن أبي طالب : تزوجها عبد الرحمن بن عامر بن كريز الأموي.

6- رملة بنت علي بن أبي طالب : تزوجها معاوية بن مروان بن الحكم.

7- زينب بنت الحسن بن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب : تزوجها الوليد بن عبدالملك بن مروان.

8- نفيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب : تزوجها الوليد بن عبدالملك بن مروان.

9- أم أبيها بنت عبدالله بن جعفر بن أبي طالب : تزوجها عبد الملك بن مروان.

10- فاطمة بنت الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب : تزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان.[6]





سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله الا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] - عيون أخبار الرضا للصدوق، 2/ 280 - معاني الأخبار للصدوق ، 387 - بحار الأنوار للمجلسي، 30/ 180 - موسوعة الإمام الجواد للقزويني، 2/ 672 - موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) - لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)، 672 - تفسير نور الثقلين للحويزي، 3/ 174

[2] - عيون أخبار الرضا للصدوق، 2/ 280 - معاني الأخبار للصدوق ، 387 - بحار الأنوار للمجلسي، 30/ 180 - موسوعة الإمام الجواد للقزويني، 2/ 672 - موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) - لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)، 672 - تفسير نور الثقلين للحويزي، 3/ 174

[3] - مروج الذهب للمسعودي، 1/441 ، الغدير للأميني، 9/237

[4] - شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد، 10/256

[5] - شرح نهج البلاغة لميثم البحراني، 4/354

[6] - أنظر تفاصيل ذلك في بوستر المصاهرات بين أهل البيت رضي الله الله عنهم وبني عمومتهم من إصدارات الجمعية.

تراتيل
01-27-2012, 06:57 PM
قد الثمين

في فضائل عائشة أم المؤمنين

إصدارات جمعية الآل والأصحاب – مملكة البحرين

http://forums.fatakat.com/signaturepics/sigpic191296_2.gif

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد الله رب العالمين والصلاة و السلام على خير المرسلين محمد و على اله و صحبه أجمعين.



وبعد،


نتحدث في هذه الحلقة عن سيرة الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبو بكر رضي الله عنهما، كانت تُكنى بأم عبد الله، وأمها: أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، ولدت بعد البعثة بأربع سنوات، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي بنت ست ودخل بها وهي بنت تسع سنين، ولم يتزوج بكراً غيرها، توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي في الثامنة عشرة من عمرها وكانت وفاتها في 17 من رمضان سنة 58هـ وصلى عليها أبو هريرة t ودفُنت ليلاً في البقيع رضي الله عنها. روت من الأحاديث (2210) حديثاً وهي أربع المكثرين من الرواية بعد أبي هريرة وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك رضوان الله عليهم.



قال ابن القيم رحمه الله : ومن خصائصها : أنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه كما ثبت عنه ذلك في البخاري وغيره وقد سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل فمن الرجال قال أبوها .


ومن خصائصها أيضا : أنه لم يتزوج امرأة بكرا غيرها .


ومن خصائصها : أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها .


ومن خصائصها : أن الله عز وجل لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال : " ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك فقالت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فاستنّ بها ( أي اقتدى ) بقية أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم وقلن كما قالت .


ومن خصائصها : أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحيا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرا لها ولا عائبا لها ولا خافضا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيا لها من منقبة ما أجلها ...



ومن خصائصها رضي الله عنها : أن الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها .


ومن خصائصها : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي في بيتها وفي يومها وبين سحرها ونحرها ودفن في بيتها .


ومن خصائصها : أن الملَك أَرى صورتَها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتزوجها في سرقة حرير فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن يكن هذا من عند الله يمضه .


ومن خصائصها : أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقربا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه صلى الله عليه وآله وسلم رضي الله عنهن أجمعين .



وفضائل الصديقة كثيرة ، فعن عمرو بن العاص t" أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: فمن الرجال؟ قال أبوها. رواه البخاري.



وعنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرَقَةٍ من حرير فيقول: هذه امرأتك، فأكشفُ عن وجهك فإذا أنتِ هي فأقول إن يكُ هذا من عند الله يُمضه". متفق عليه


وعنها رضي الله عنها فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً يا عائش، هذا جبريل يقرئُك السلام" فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، تَرى ما لا أرى - تريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. رواه البخاري


وعن عروة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل عليّ الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها.



روى الشيخان بإسناديهما إلى عائشة " أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناساً من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم شكوا ذلك إليه فنـزلت آية التيمم فقال أُسيد بن حضير جزاك الله خيراً فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك منه مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركه.


وروى البخاري والترمذي وصححه عن عبد الله بن زياد الأسدي قال: "سمعتُ عماراً يقول: هي زوجته في الدنيا والآخرة.



وقد ورد في فضلها عن أئمة أهل البيت رحمهم الله روايات كثيرة، نذكر منها



فعن علي t قال: دخلت السوق، فابتعت لحماً بدرهم وذرة بدرهم، فأتيت بهما فاطمة، حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت: لو أتيت أبي فدعوته، فخرجت وهو مضطجع يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعاً، فقلت: يا رسول الله، عندنا طعام، فاتكأ علي ومضينا نحو فاطمة، فلما دخلنا قال: هلمي من طعامنا، ثم قال: اغرفي لعائشة فغرفت([1]).



وعن الصادق قال: إنما خير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمكان عائشة، فاخترن الله ورسوله، ولم يكن لهن أن يخترن غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([2]).



وقد سمَّى بعض الأئمة بناتهم بعائشة، كالكاظم([3])، والرضا([4])، والهادي([5]).



وقد كانت الصديقة رضي الله عنها تحفظ قدر الأمير t وتذكر فضائله ولا تكتمها رغم كل ما حصل وقيل، وهذه روايات أوردها الشيعة من طرقهم تؤكد هذا:



منها أنها رضي الله عنها قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأقبل علي بن أبي طالب، فقال: هذا سيد العرب([6]). وعنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذكر علي عبادة([7]).



وعنها رضي الله عنها قالت: زينوا مجالسكم بذكر علي([8]). وقالت -وقد ذكر عندها علي بن أبي طالب-: كان من أكرم رجالنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([9]).



وعن جميع بن عمير قال: قالت عمتي لعائشة وأنا أسمع لـه: أنت مسيرك إلى علي ما كان؟ قالت: دعينا منك، إنه ما كان من الرجال أحب إلى رسول الله من علي، ولا من النساء أحب إليه من فاطمة([10]).



وكانت تتذكر هذا المسير، فتقول رضي الله عنها: والله لو كان لي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرون كلهم ذكر مثل عبدالرحمن بن الحارث بن هشام فثكلتهم بموت أو قتل كان أيسر علي من خروجي على علي([11]).



وسئلت رضي الله عنها عنه، فقالت: ذاك خير البشر، ولا يشك فيه إلا كافر([12]). وفي رواية: ذاك من خير البرية ولا يشك فيه إلا كافر([13]).



وعنها رضي الله عنها أنها قالت: رأيت أبا بكر يكثر النظر إلى وجه علي، فقلت لـه: يا أبه، أراك تكثر النظر إلى وجه علي؟ فقال: يا بنية، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: النظر إلى وجه علي عبادة([14]).



وقالت لأخيها محمد بن أبي بكر t: الزم علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله يقول: الحق مع علي، وعلي مع الحق لا يفترقان حتى يردا على الحوض([15]).



ولما بلغها قتله t للخوارج قالت رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يقتلهم خير أمتي بعدي. وفي رواية: هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة وأعظمهم عند الله تعالى يوم القيامة وسيلة. وفي أخرى: اللهم إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي، وما كان بيني وبينه إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها([16]).



والحق أن الروايات في هذا الباب كثيرة ، وإنما أوردنا بعضها هنا لنتساءل عن العلة في ذكر البعض للروايات الموضوعة في العداء الموهوم بينهما رضي الله عنهما، والتكتم عن هذه الروايات وكلها من نفس الطرق.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله الا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


([1]) قرب الإسناد 137، البحار 17/232 18/30 ، شرح إحقاق الحق، 25/ 355 ، 32/ 281

([2]) الكافي 4/123، البحار 22/213

([3]) الإرشاد 323، البحار 48/287، 303، 320، إعلام الورى 301

([4]) كشف الغمة 3/113، البحار 49/222

([5]) إعلام الورى 349، الإرشاد 314، البحار 50/231

([6]) معاني الأخبار 103، أمالي الصدوق 42، البحار 38/93، 150 ، روضة الواعظين، 101 ، مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي، 2/ 512 ، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) للريشهري، 8/ 95 ، النجاة في القيامة، لميثم البحراني، 151 ، قواعد المرام، لمثم البحراني، 186 ، كشف المراد للحلي، 536 ، غاية المرام للبحراني، 5/ 16 ، شرح إحقاق الحق، 4/ 39 ، 4/ 41 ، 15 / 32 ، 40 ، 20/ 401 ، 23/ 558 ، 31/ 162 ، نفحات الأزهار، 5/102 ، 14/ 357 ، 19/ 63 ، منار الهدى، للبحراني، 384

([7]) العمدة 191، البحار 38/199، 200 المناقب، 3/ 6 ، وصول الأخيار، العاملي 85 ، مناقب أهل البيت للشيرواني، 182 ، مقام الإمام علي لنجم الدين العسكري، 6 ، كشف اليقين للحلي، 449 ، غاية المرام للبحراني، 6/ 193 ، شرح إحقاق الحق، 7/ 111 ، 15/ 259 ، 17/ 137 ، 21/ 656 ، 31/44

([8]) العمدة 192، البحار 38/201 ، مستدرك سفينة البحار، 2/ 78 ، كشف اليقين، 450 ، غاية المرام، 6/ 192

([9]) كشف الغمة 1/376، البحار 40/51 ، كتاب الأربعين للشيرازي، 60

([10]) أمالي الطوسي 341، الطرائف 30، البحار:32/ 268 35/222 ، 40/120 ، 43/23، 38) ، مستدركات علم رجال الحديث للشاهرودي، 2/ 236

([11]) البحار 44/34 ، علل الشرايع، 1/ 222 ، الخصائص الفاطمية للكجروي، 2/ 578 (الحاشية)

([12]) أمالي الصدوق 71، إيضاح دفائن النواصب 43، البحار 26/306 ، 38/5، 7، مذهب أهل البيت 18، إثبات الهداة 2/52، المناقب 4/67 ، كشف الغمة، 1/ 158 ، غاية المرام، 5/ 9

([13]) البحار 38/13 ، شرح الأخبار للمغربي، 1/ 432 ،

([14]) العمدة 192، البحار 26/229 38/201، وانظر أيضاً: البحار 38/198، المناقب 2/5 ، كشف اليقين للحلي، 450 ، غاية المرام، 6/ 192 ، شرح إحقاق الحق، 7/ 101 ، 17/ 149 ، 31/ 117

([15]) البحار 38/28، وانظر أيضاً ص:33، 38، 39 ، شرح الأخبار، 2/ 524 ، المناقب، 2/ 260

([16]) انظر هذه الروايات في: البحار 33/332، 333، 340، كشف الغمة 1/158 ، تنزيه الأنبياء للمرتضى، 202 ، ، مناقب الإمام، للكوفي، 2/ 361 ، 534 ، شرح الأخبار، 1/ 142 ، 2/ 60 ، المناقب، 2/ 268 ، العقد النضيد للقمي، 131 ، المحتضر، 171 ، مستدرك سفينة البحار، 7/ 520 ، جواهر التاريخ، 1/ 376 ، شرح إحقاق الحق، 15/ 266 ، شبهات وردود، للبدري، 3/ 82 ،

تراتيل
01-27-2012, 08:05 PM
سيرة الإمام الشهيد أمير المؤمنين

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/ar/1/14/%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D9%86-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8.gif

هو الإمام إذا عُـد الأئمـة
هو البطل إذا عُـدّ الأبطال
هو الشجاع المِقـدام
هو البطل الهُـمـام
هو الشهيد الذي قُتِل غدراً ، ولو أراد قاتله قتله مواجهته ما استطاع .
ولكن عادة الجبناء الطعن في الظهر !

فليتها إذ فَدَتْ عمراً بخارجةٍ = فَدَتْ علياً بمن شاءت من البشر

فـمـن هــو ؟
هو أمير المؤمنين الإمام الكريم : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ، أبو الحسن . رضي الله عنه وأرضاه .
كُنيته : أبو الحسن .
وكنّاه النبي صلى الله عليه وسلم : أبا تراب ، وسيأتي الكلام على سبب ذلك .

مولده : وُلِد قبل البعثة بعشر سنين .
وتربّى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُفارقه .

فضائله : فضائله جمّـة لا تُحصى
ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد : لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي .
وقال غيره : وكان سبب ذلك بغض بني أمية له ، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يُثبته ، وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حدّث بمناقبه لا يزداد إلا انتشارا .
ومن هنا قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية : باب ذِكر شيء من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
ثم أطال رحمه الله في ذكر فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ،
قال : فمن ذلك أنه أقرب العشرة المشهود لهم بالجنة نسبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الحافظ ابن حجر : وقد ولّـد له الرافضة مناقب موضوعة ، هو غنى عنها .
قال : وتتبع النسائي ما خُصّ به من دون الصحابة ، فجمع من ذلك شيئا كثيراً بأسانيد أكثرها جياد .
وكتاب الإمام النسائي هو " خصائص عليّ رضي الله عنه " .
وهذا يدلّ على محبة أهل السنة لعلي رضي الله عنه .
وأهل السنة يعتقدون محبة علي رضي الله عنه دين وإيمان .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

حُبُّ الصَّحابَةِ كُلُّهُمْ لي مَذْهَبٌ = وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّل

من فضائله رضي الله عنه :
أول الصبيان إسلاماً .
أسلم وهو صبي ، وقُتِل في الإسلام وهو كهل .

قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه يوم غدير خم : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى . قال : اللهم من كنت مولاه فعليّ مولاه . اللهم والِ من والاه ، وعاد من عاد . رواه الإمام أحمد وغيره .

وروى الإمام مسلم في فضائل علي رضي الله عنه قوله رضي الله عنه : والذي فلق الحبة ، وبرأ النَّسَمَة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق .

وروى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في حق عليّ رضي الله عنه : ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبّه ؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له ، خَلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ : يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان ؟! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا انه لا نبوة بعدي ؟ وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله . قال : فتطاولنا لها فقال : ادعوا لي علياً . فأُتي به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه . ولما نزلت هذه الآية : ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : اللهم هؤلاء أهلي .

روى عليّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً .

شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا غزوة تبوك ، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ،إلا أنه لا نبي بعدي .
وهذا كان يوم تبوك خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ، وموسى خلف هارون على قومه لما ذهب موسى لميعاد ربه .

وهو بَدري من أهل بدر ، وأهل بدر قد غفر الله لهم .
وشهد بيعة الرضوان .
وهو من العشرة المبشرين بالجنة .
وهو من الخلفاء الراشدين المهديين فرضي الله عنه وأرضاه .
وهو زوج فاطمة البتول رضي الله عنها ، سيدة نساء العالمين .
وهو أبو السبطين الحسن والحسين ، سيدا شباب أهل الجنة .
قال صلى الله عليه وسلم : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما خير منهما . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني .

وكان علي رضي الله عنه أحد الشورى الذين نص عليهم عمر ، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطا امتنع من بعضها ، فعدل عنه إلى عثمان ، فقبلها فولاه ، وسلم عليّ وبايع عثمان .
ولم يزل عليّ رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم متصديا لنصر العلم والفتيا .

من خصائص عليّ رضي الله عنه :
ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله علي يديه ، يحبّ الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله . قال : فَباتَ الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها . قال : فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها ، فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا : هو يا رسول الله يشتكى عينيه . قال : فأرسلوا إليه . فأُتيَ به ، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا لـه فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية .

ولذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ . كما عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
لا لأجل الإمارة ، ولكن لأجل هذه المنزلـة العالية الرفيعة " يحبّ الله ورسوله ويُحبُّـه الله ورسوله "

اشتهر عليّ رضي الله عنه بالفروسية والشجاعة والإقدام .
وكان اللواء بيد علي رضي الله عنه في أكثر المشاهد .
بارز عليٌّ رضي الله عنه شيبة بن ربيعة فقتله عليّ رضي الله عنه ، وذلك يوم بدر .

وكان أبو ذر رضي الله عنه يُقسم قسما إن هذه الآية ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في الذين برزوا يوم بدر ؛ حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة . رواه البخاري ومسلم .

وفي اُحد قام طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين فقال : يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة ، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار ؟! فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار ، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة ، فضربه عليّ فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال : أنشدك الله والرحم يا ابن عمّ . فكبر رسول الله
وقال أصحاب عليّ لعلي : ما منعك أن تُجهز عليه ؟ قال : إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته ، فاستحييت منه .

وبارز مَرْحَب اليهودي يوم خيبر
فخرج مرحب يخطر بسيفه فقال :
قد علمت خيبر أني مرحب = شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
أنا الذي سمتني أمي حيدرة = كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
ففلق رأس مرحب بالسيف ، وكان الفتح على يديه .
وعند الإمام أحمد من حديث بُريدة رضي الله عنه : فاختلف هو وعليٌّ ضربتين ، فضربه على هامته حتى عض السيف منه بيضة رأسه ، وسمع أهل العسكر صوت ضربته . قال : وما تتامّ آخر الناس مع عليّ حتى فتح له ولهم .

ومما يدلّ على شجاعته رضي الله عنه أنه نام مكان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة .

ومع شجاعته هذه فهو القائل : كُنا إذا احمرّ البأس ، ولقي القوم القوم ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه . رواه الإمام أحمد وغيره .

فما أحد أشجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن فضائله رضي الله عنه :
اجتمع له من الفضائل الجمّـة ما لم يجتمع لغيره .
فمن ذلك ما أخرجه ابن عساكر أن علياً رضي الله عنه قال :

محمد النبي أخي وصهري = وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يمسي ويضحى = يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي = مَسُوطٌ لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها = فأيكم له سهم كسهمي ؟

من كريم خُلقه :
أنه جاءه رجل فقال : يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك ، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك ، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك ، فقال عليّ : اكتب حاجتك على الأرض ، فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك .

تواضعه رضي الله عنه :
قال عليّ رضي الله عنه : لا أوتي برجل فضلني على أبي بكر وعمر ، إلا جلدته حد المفتري .
وقال محمد بن الحنفية : قلت لأبي : أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أبو بكر . قلت : ثم من ؟ قال : ثم عمر . وخشيت أن يقول عثمان . قلت : ثم أنت ؟ قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين . رواه البخاري .

ابتلاؤه رضي الله عنه :
ابتُلي رضي الله عنه من قبل أقوام ادّعوا محبّـته ، فقد ادّعى أقوام من الزنادقة أن علياً رضي الله عنه هو الله ! فقالوا : أنت ربنا ! فاغتاظ عليهم ، وأمر بهم فحرّقوا بالنار ، فزادهم ذلك فتنة وقالوا : الآن تيقنا أنك ربنا ! إذ لا يعذب بالنار إلا الله .
وقال رضي الله عنه : يهلك فيّ اثنان ؛ محب يُقرّظني بما ليس فيّ ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني ، ألا إني لست بنبي ولا يوحى إليّ ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما استطعت ، فما أمرتكم من طاعة الله فحقّ عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم .

وقد قيل لعلي رضي الله عنه : إن هنا قوماً على باب المسجد يدّعون أنك ربهم ، فدعاهم ، فقال لهم : ويلكم ما تقولون ؟ قالوا : أنت ربنا وخالقنا ورازقنا ! فقال : ويلكم إنما أنا عبدٌ مثلكم ؛ أكل الطعام كما تأكلون ، وأشرب كما تشربون ، إن أطعت الله أثابني إن شاء ، وإن عصيته خشيت أن يعذبني ، فاتقوا الله وأرجعوا ، فأبوا ، فلما كان الغد غدوا عليه ، فجاء قنبر فقال : قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام ، فقال : أدخلهم ، فقالوا : كذلك ، فلما كان الثالث قال : لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة ، فأبوا إلا ذلك ، فقال : يا قنبر ائتني بفعلة معهم ، فخدّ لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر . وقال : احفروا فابعدوا في الأرض ، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال : إني طارحكم فيها أو ترجعوا ، فأبوا أن يرجعوا ، فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال رضي الله عنه :
لما رأيت الأمر أمراً منكراً *** أوقدت ناري ودعوت قنبرا .
قال الحافظ في الفتح : وهذا سند حسن .

وأوذي ممن ادّعوا محبته ، بل ممن ادّعوا أنهم شيعته !
والذي قتل علياً رضي الله عنه ، وهو الشقي التعيس ( ابن ملجَم ) كان مِن شيعة عليّ !
ولذلك كان علي رضي الله عنه يقول في آخر حياته :
أشكو إلى الله عجري وبجري .
وقال رضي الله عنه في أهل الكوفة : اللهم إني قد مللتهم وملوني ، وأبغضتهم وأبغضوني ، وحملوني على غير طبيعتي وخلقي ، وأخلاق لم تكن تعرف لي . اللهم فأبدلني بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شراً مني . اللهم أمِتْ قلوبهم موت الملح في الماء .
والكوفة هي موطن الشيعة الذين كانوا يدّعون محبته !

كلام جميل للحسن بن علي رضي الله عنهما :
لما حضرت الحسن بن على الوفاة قال للحسين : يا أخي إن أبانا رحمه الله تعالى لما قُبض رسول الله استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه ، فصرفه الله عنه ، ووليها أبو بكر ، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوّف لها أيضا فصُرفت عنه إلى عمر ، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم ، فلم يشك أنها لا تعدوه فصُرفت عنه إلى عثمان ، فلما هلك عثمان بويع ثم نُوزع حتى جرّد السيف وطلبها فما صفا له شيء منها ، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة ، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفه فأخرجوك .

إنصـافــه رضي الله عنه :
وكان علي رضي الله عنه من أكثر الناس إنصافاً لخصومه .
فقد رأى عليٌّ رضي الله عنه طلحة رضي الله عنه في واد مُلقى ، فنزل فمسح التراب عن وجهه وقال : عزيز عليّ أبا محمد بأن أراك مجدلا في الأودية تحت نجوم السماء . إلى الله أشكو عجري وبجري . يعني : سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي .
وقال طلحة بن مصرف انتهى علي رضي الله عنه إلى طلحة رضي الله عنه وقد مات ، فنزل عن دابته وأجلسه ، ومسح الغبار عن وجهه ولحيته ، وهو يترحم عليه ، وقال : ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة .
وكان يقول : أني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله عز وجل : ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي .
ولما سُئل عـن أهـل النهروان [ من الخوارج ] أمشركون هـم ؟ قال : من الشرك فـرُّوا .
قيل: أفمنافقون ؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا . فقيل : فما هم يا أمير المؤمنين ؟ قال : إخواننا بَغَوا علينـا ، فقاتلناهم ببغيهم علينا . رواه ابن أبي شيبة والبيهقي .

علي رضي الله عنه والحِكمـة :
كان علي رضي الله عنه واعظاً بليغاً مؤثراً ، وخطيباً مُصقعـاً ، وكان ينطق بالحِكمة .
ولذلك عقد ابن كثير رحمه الله فصلا في البداية والنهاية فقال :
فصل في ذكر شيء من سيرته العادلة ، وطريقته الفاضلة ، ومواعظه وقضاياه الفاصلة ، وخُطبه وحِكَمِهِ التي هي إلى القلوب واصلة .
ثم ساق تحت هذا الفصل طرفا من حِكم عليّ رضي الله عنه ومواعظه .

علي رضي الله عنه والشِّعـر :
وكان علي رضي الله عنه شاعراً مُجيداً ، وقد اتّسم شعره بالحكمة .
ومن شِعره :

إذا اشتملت على اليأس القلوب = وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطَنِت المكاره واطمأنت = وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضرّ وجهاً = ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث = يمن به القريب المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت = فموصول بها الفرج القريب

ومِن شِعره :

فلا تصحب أخا الجهل = وإيـــاك وإيـــاهُ
فكم من جاهل أردى = حليما حين آخاهُ
يقاس المرء بالمرء = إذا ما المرء ما شاهُ
وللشيء على الشيء = مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب = دليل حين يلقاه

وقوله رضي الله عنه :

حقيق بالتواضع من يموت = ويكفى المرء من دنياه قوت
فما للمرء يصبح ذا هموم = وحرص ليس تدركه النعوت
صنيع ُمَلِيكِنا حَسَنٌ جميل = وما أرزاقه عنّـا تفوت
فيا هذا سترحل عن قليل = إلى قوم كلامهم السكوت

زوجاته رضي الله عنه :
- سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها .
وولدت له الحسن والحسين ، ويُقال : ومُحسناً ، ويُقال : مات وهو صغير .
وولدت له من البنات : زينب الكبرى ، وأم كلثوم الكبرى ، وهي التي تزوجها عمر رضي الله عنه .
ولم يتزوّج علي رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها حتى ماتت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر .
ومن زوجاته :
- أم البنين بنت حزام .
وولدت له العباس وجعفراً وعبد الله وعثمان ، وقد قُتل هؤلاء مع أخيهم الحسين بكر بلاء ولا عقب لهم سوى العباس .
ومنهن :
- ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك من بني تميم ، فولدت له عبيد الله وأبا بكر . قال هشام بن الكلبي : وقد قتلا بكربلاء أيضا .
ومنهن :
- أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له يحيى ومحمداً الاصغر ، قاله الكلبي ، وقال الواقدي : ولدت له يحيى وعوناً .
قال الواقدي : فأما محمد الأصغر فمن أم ولد .
ومنهن :
- أم حبيبة بنت زمعة بن بحر بن العبد بن علقمة ، وهي أم ولد من السبي الذين سباهم خالد من بني تغلب حين أغار على عين التمر ، فولدت له عمر وقد عُمِّر خمسا وثمانين سنة ، ورقية .
ومنهن :
- أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن مغيث بن مالك الثقفي ، فولدت له أم الحسن ، ورملة الكبرى .
ومنهن :
- ابنة امرئ القيس بن عدي بن أوس الكلبية ، فولدت له جارية ، فكانت تخرج مع علي إلى المسجد وهي صغيرة ، فيُقال لها : من أخوالك ؟ فتقول : وه وه ! تعني بني كلب .
ومنهن :
أمامه بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها وهو في الصلاة إذا قام حملها ، وإذا سجد وضعها ، فولدت له محمداً الأوسط .
وأما ابنه محمد الأكبر فهو ابن الحنفية وهي :
- خولة بنت جعفر بن قيس ، من بني حنيفة ، سباها خالد أيام الصديق أيام الردة من بني حنيفة ، فصارت لعلي بن أبي طالب ، فولدت له محمداً هذا ، ومن الشيعة من يدّعي فيه الإمامة والعصمة ، وقد كان من سادات المسلمين ولكن ليس بمعصوم ، ولا أبوه معصوم ، بل ولا من هو أفضل من أبيه من الخلفاء الراشدين قبله ليسوا بواجبي العصمة ، كما هو مقرر في موضعه والله اعلم . قاله ابن كثير في البداية والنهاية .

وقال أيضا :
وقد كان لعلى أولاد كثيرة آخرون من أمهات أولاد شتى ، فإنه مات عن أربع نسوة وتسع عشرة سُرِّية رضى الله عنه ، فمن أولاده رضي الله عنهم مما لا يعرف أسماء أمهاتهم أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الكبرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم جعفر وأم سلمة وجمانة . اهـ .

سبب تكنيته بأبي تراب :
كنّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي تُراب .
روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : استُعمل على المدينة رجل من آل مروان ، فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم علياً . فأبى سهل . فقال له : أما إذ أبيت فقل : لعن الله أبا التراب ! فقال سهل : ما كان لعليّ اسم أحب إليه من أبي التراب ، وإن كان ليفرح إذا دُعي بها . فقال له : أخبرنا عن قصته لم سُمي أبا تراب ؟ قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة ، فلم يجد علياً في البيت ، فقال : أين ابن عمك ؟ فقالت : كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج ، فلم يَقِلْ عندي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان : أنظر أين هو ؟ فجاء فقال : يا رسول الله هو في المسجد راقد . فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع ، قد سقط رداؤه عن شقه ، فأصابه تراب ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول : قم أبا التراب . قم أبا التراب .

وفي هذا الحديث رد على الرافضة الذين يقولون : إن الله غضب على أبي بكر عندما أغضب فاطمة
ويستدلون بحديث : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني . رواه البخاري .
وسبب ورود هذا الحديث ما رواه البخاري ومسلم عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن يُنكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن لهم ، ثم لا آذن لهم ، ثم لا آذن لهم ، إلا أن يُحب ابن أبي طالب أن يُطلق ابنتي وينكح ابنتهم ، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها .

وفي رواية في الصحيحين أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة قال : فسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال : إن فاطمة مني وأني أتخوف أن تفتن في دينها . قال : ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن . قال : حدثني فصدقني ووعدني فأوفي لي ، وأني لست احرم حلالا ولا أحل حراما ، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا .

فتبيّن أن المقصود بإغضاب فاطمة رضي الله عنها ما كان بحق ، أو ما كان عن طريق الزواج عليها
قال ابن حجر رحمه الله : والسبب فيه ما تقدم في المناقب أنها كانت أصيبت بأمها ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة ، فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر ممن تفضي إليه بسرها إذا حصلت لها الغيرة .

وسيأتي – إن شاء الله - في ترجمة فاطمة رضي الله عنها زيادة بيان وتوضيح .

مما لم يصحّ فيما ذُكر في سيرته رضي الله عنه مما اشتهر :
حديث : أنا مدينة العلم ، وعليّ بابها . فإنه حديث موضوع .
ومثله حبس الشمس لعليّ رضي الله عنه . فإنه خبر موضوع مكذوب .
ومثل ذلك حديث : النظر إلى عليّ عبادة !
وقصة اقتلاع باب حصن خيبر ، ومقاتلته بالباب ، وأنه اجتمع عليه بعد ذلك سبعون رجلاً فما استطاعوا إعادته .
فهذا الخبر لا يصح ولا يثبت .
وحديث الطير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بطير فقال : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير . وهو حديث ضعيف .
وأنه رضي الله عنه تصدّق بخاتمه وهو راكع !
وتزعم الرافضة أن الله أحيا أبا طالب فأسلم ، ثم أماته !
وكل ذلك من الغلو في حق أمير المؤمنين الذي لا يرضاه رضي الله عنه .

ويكفي عليّ رضي الله عنه ما ثبت مِن سيرته ، وما صحّ من خصائصه .

وفاته رضي الله عنه :
قُتِل رضي الله عنه في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة .
قَتَلَه عبد الرحمن بن مُلجَم المرادي
قال ابن حجر في ترجمة ابن ملجم : من كبار الخوارج ، وهو أشقى هذه الأمة بالنص الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بقتل علي بن أبي طالب ، فقتله أولاد عليّ ، وذلك في شهر رمضان سنة أربع وأربعين .
قال النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلى رضى الله عنه : أشقى الناس الذي عقر الناقة ، والذي يضربك على هذا - ووضع يده على رأسه - حتى يخضب هذه يعنى لحيته . رواه الإمام أحمد وغيره ، وصححه الألباني .

وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر .

فرضي الله عن أمير المؤمنين الإمام الشهيد علي بن أبي طالب وأرضاه .
وجمعنا به في دار كرامته .

اللهم ارض عن أبي الحسن وأرضه .

اللهم إني أحببت عبدك ووليك هذا فاجمعنا به في دار كرامتك وبحبوحة جنتك .

كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
assuhaim@al-islam.com

http://www.saaid.net

عبدالناصر محمود
02-28-2012, 08:37 AM
التعصب لأهل البيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ من الطبيعي أن يحب المرء كل من يدلي بسبب إلى من
يحب ، لاسيما إذا كان في النصوص الشرعية ما يشير
إلى ذلك ، أو يحث عليه ؛ فإذا عضد ذلك وجود صفات
ملموسة من صفات الكمال فإن الأمر يزداد توكيداً ؛
وهذا ما توفر لكثير من آل بيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم فمن النصوص قول الله ـ تعالى ـ :
{ يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيراً } [ الأحزاب : 33] .
ـ وقوله ـ سبحانه ـ :
{ قُل لآ أسئلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلا المَوَدَّ فِي القُربَى }
[ الشورى : 23].

ـ وهناك أحاديث عديدة .

ـ وأهل الحق يحبون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
كما يحبون أصحابه وأولياءه ومن سار على سنته ، لكن ذلك
كله في إطار عام من الجمع بين النصوص ، وإقامة موازين
الإسلام العامة ، كقوله سبحانه :

{ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم } [ الحجرات : 13 ] .

وقوله :
{ وَ أَن لَّيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى } [ النجم : 39].

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( يا فاطمة بنت محمد سليني
ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً ) .

وقد أبطل الله ـ تعالى ـ علائق النسب عندما تعارضت مع
الإيمان والإتباع حين قال ـ سبحانه ـ :

{ تَبَّت يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَآ أَغنَى عَنهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}

ـ لكنْ حدث هناك خلل عند طوائف وأفراد من أهل السنة
وغيرهم ، وقد أوصلهم ذلك الخلل إلى نوع من الغلو في حب
قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبلغ بهم ذلك الغلو أنهم
أحبوهم ، وقدسوهم أكثر من حبهم لرسول الله الذي أحبوهم
من أجله ، وهذا من العجائب حقاً !! وتجاوز ذلك إلى اعتقاد
العصمة فيهم من بعض الطوائف ، بل نزول الوحي على
بعضهم ، بل اعتقاد الألوهية !!

ـ ومن صور التعصب الممقوتة المبالغات العجيبة التي نسبها
بعض الأشياع والمتحزبين إلى بعض أهل البيت ، كالذي ادعى
من أن الله ـ تعالى ـ رد الشمس لعلي ـ رضي الله عنه ـ مرتين
بعدما غربت !! ويأتون للدلالة على ذلك بحكايات تفتقر إلى
الأسانيد الصحيحة . ومثل هذا الحدث الضخم لا يقبل ولو
رواه ثقة عن ثقة ؛ لأن مثل هذا مما ينبغي أن يرويه ـ لو حدث
ـ الألوف عن الألوف . وما أطيب العرس لولا النفقة !!

ـ ومما دفع عليه التعصب المذموم : ما ادعوه أن علياً
ـ رضوان الله عليه ـ كان يصلي في ليله ونهاره ألف ركعة .
وهذا الخبر صنو الخبر الأول في الغرابة والبعد عن الحقيقة؛
وإذا كان الخبر الأول يقضي برد الشمس لعلي مرتين فإن
هذا الخبر يفيد أن نهار علي وليله غير نهار الناس وليلهم ؛
إذ لو فرض أن كل ركعة تستغرق دقيقتين لكان يوم علي
ثلاثاً وثلاثين ساعة !! ولوجب أن يكون الرجل ممن لا يزور،
ولا يزار ، ولا يأكل، ولا يشرب ، ولا ينام ، ولا يسعى على
عياله !! وإذا تجاوزنا كل هذا فهل اشتغال الإمام بإصلاح
شؤون الرعية ، وإقامة العدل ، والذب عن البيضة أفضل ،
أم الاستغراق في الصلاة !! لكن إذا لم تستح فقل ما شئت !.

ـ ومن أنواع التعصب لأهل البيت : ادعاء بعضهم : أن الله
أسقط المؤاخذة عن أهل البيت ، وسامحهم في جميع ما يأتون،
وقد قال ابن عربي : إن ما يصيبنا من ظلم ظالمهم من القدر
المطلق ، ولا نذكرهم في قلوبنا وألسنتنا إلا بخير ، والقبيح
لا يقبح منهم ؛ لأنهم مطهرون . وهذا الكلام لا يحتاج إلى
تعليق !

ـ وفي تاريخنا مآس ، ومصائب سود نتجت عن الغلو في حب
آل البيت والمفاضلة بين أهل البيت وغيرهم ، وقد قُتل اثنان
من الأعلام هما : ابن هذيل ، وابن البردون على يد أبي
عبد الله الشيعي ، لأنهما لم يقولا بتفضيل ( علي ) على
الشيخين أبي بكر وعمر . فهل هذا مما يُرضي أبا الحسن ؟
معاذ الله !! .

وقد جرَّ بعض أنواع التعصب لأهل البيت البلاء عليهم في
بعض الأحيان ، من بعض من يدعون حبهم ، وتعظيمهم ،
كما حدث في القرن الثاني عشر الهجري حيث حرم الزيدية
في بلاد اليمن زواج الفاطميات على من ليس بفاطمي، وعدوا
حق المطالبة بالكفاءة فيهن لله وحده ؛ فليس لأحد أن يسقطه !
وكانت عاقبة ذلك أن كثيرات منهن صرن عوانس ؛ والمفاسد
التي تترتب على العنوسة كثيرة . ومع النساء أكثر من الرجال
فإن كثيراً من الفاطميين كانوا يتزوجون من غير الفاطميات ،
ويدعون الفاطميات قواعد في البيوت ! وهذا هو الحب الذي
يقتل حقاً ! .

ـ وقد كثر المدعون للنسب الشريف ، وشكلت لذلك النقابات
والهيئات، واقتات على موائد أهل البيت أفراد وطوائف ودول،
وصيروهم مظلة ترتكب تحتها المحادة لله ورسوله ، كما فعل
العبيديون في مصر حين تسموا بـ ( الفاطميين )، وفعلوا كل
قبيح من ادعاء الألوهية ، إلى ارتكاب الكبائر وسفك الدماء .
وما زال المسلسل متتابعاً ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{م: فصول في التفكير الموضوعي ـ أ.د. عبد الكريم بكار ـ
حفظه الله ـ } .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ