المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رضية الدين السلطانة الدموية


عبدالناصر محمود
04-23-2013, 03:12 PM
رضية الدين : السلطانة الدَّمَوِيَّةُ التي لا يعرفها أحد ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ

{ أبو المظفر السناري }
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هي تلك المرأة التي أفاض الله عليها مِنْ نَعْمَائه : الشيئَ الكثير ، وساق إليها من أبكار كرائمه : كلَّ خيرٍ وفير .



فوهبها جمالًا ووقارًا : جعل أعناق الخُطَّاب تميل إزائَها من كل جانب !



ورزقها صَبَاحةً ومَلاَحةً : ترنوا إليها أحداق الراغبين من المشارق والمغارب !



فكانتْ إذا تكلَّمتْ : نَثَرَتِ الجواهر والدُّرر ! وإذا أسْفَرتْ : كَشَفَتْ عن قَمَر !



بل كانتْ طلْعتُها : كالبدر التَّمَام ، ورُؤْيتُها : تِرْياقٌ نافعٌ لهاتيك الأدْوَاءِ والأسقام !



هذا : مع بلاغةِ مَنْطِقٍ : تقِفُ أمامها ألسنةُ البُلَغاء متعَجِّبة !



وحلاوةِ لسانٍ : تظلُّ شمس الجمال من حُسْنها مُتَحَجِّبة !



ناهيك عما حبَاها الله مِنْ : إِقْدَامٍ جعلها تُناهضُ به فحولَ الفرسان في ميدان الأبطال !



و شجاعةٍ : صارتْ تخوض بها في مسْتنقعات معارك الموت وهي تشاهد سيوف المنايا تحْصدُ رءوس شجعان الرجال !



هذا كله : مع بصيرةٍ وقَّادة كالشمس حين يشرق نورها على صفحات الدنيا فَيُضيئَ مُرُوجَها ومَبَانيها !



وقريحةٍ نفَّاذةٍ : ظلّتْ تسير بها حيث سارتْ شموسُ أيامها وبدورُ لياليها !



وذكاءٍ ودهاءٍ : لم تُعْرفُ به امرأةٌ قبلها ! ولا ضاهتْها في ذلك مَلِكةٌ ممنْ جاءتْ بعدها!



لكنها : سَرْعانَ ما أنكرتْ أفضال خالقها ومولاها ! وتنكَّبتْ عن الخنوع والخضوع للَّذي خلقها فسوَّاها !



فلم تقُمْ بشكر ما أنعم الله به عليها ! ولا تقدَّمتْ بين يديه بحمده على تلك الخيرات التي ساقَتْهَا ركائبُ أقْدَاره إليها !



بل تغَافَلتْ عن كل ذلك ! وتَعَامَتْ عما هنالك ! ورفَعَتْ ألْوِيَةَ العدوان على كلِّ مَنْ نَابَذَها من المسلمين ! ونَصَبتْ أعلامَ السُّخط على سائر الناصحين لها من الموحدين !



فَرَكِبَتْ جواد الكبرياء ، وظنَّتْ أنها سلطانةُ الأرض وملكةُ السماء ! وخاضتْ بجيوشها في أوْدية تلك الدماء التي سُفِكَتْ – بأمرها - تحتْ قدميْها ! وجعلتْ تَسْبَحَ في بحور هاتيك المصائب التي أوقدت نيرانها بين يديها !



ليس هذا فحسب ! بل اتخذَتْ من جمالها سهامًا : جعلتْ ترمي بها في نحور المفتُونين بِسمْتِها و حُسْنِها!



وَصَيَّرتْ مِنْ رُمُوشِ جفونها نِبَالًا : ظلتْ تَرْشُقُ بها أنظارَ المغرمين بِطَرْفِهَا ولَحْظِهَا !



وما بَرِحَتْ تُؤلِّب بالوقيعة بين الراغبين في وِصالها ! وتُؤرِّجُ بالخديعة بين المأسورين بسلطان جمالها ! حتى أطلّتْ أعناقُ الفتن برءوسها في تلك الممالك من ديار الإسلام ! وخَطَبتْ السيوف على منابر رقابِ الضعفاء والمساكين من الأنام ! إلى أن أصبح الدين من هؤلاء في أنِين ! وأكثر الناس منهم في بلاء مبين .



وهكذا : ظلَّلتْ تلك المرأة هائمةً في فيافي كبريائها ! وحائمةً فوق أعلام غرورها ! ومستمسكةً بسلاح جمالها ! وطامعةً في مناطحة الجوزاء في عَلْيائها !حتى جرَّتْها الدنيا بسلاسل قيودها المُرْصَدة ، وأغْلَقتْ عليها أبواب جحيمها المؤْصَدة ! ورفع الله عنها ستره الجميل ، وأمسك عليها ما كان أولاها من النعيم الجليل ، وتركها تسقط من حيث قامت ! وتغرق في بحور جناياتها حتى تلاشتْ أنفاسها وغابتْ ! ويوم القيامة سوف يُحْصِي عليها ويُعيد ! [وما ربك بظلاَّم للعبيد ]
اسمها ونسبها :



تلك المرأة : هي السلطانة رضيَّةُ الدين بنـــتُ السلطان شمس الدين لَلْمِـــش ، سلطانة الهند في منتصف القرن السابع الهجري ، وأول من حكم مدينة دهلي [دلهي] سنة 626 / هجرية / 1229/ ميلاديًا.



أبوها :


وأبوها : هو السلطان شمس الدين لَلْمِـــش ، أحد مماليك السلطان قطب الدين أيبك, الذي كان مُقدَّمالجيوش لدى السلطان المعظم شهاب الدين محمد بن سام الغوري سلطان غزنةوبلاد خراسان, بعد تغَلُّبه على ملوك وأمراء سلالة السلطان المجاهد محمود بن سُبُكْتُكِين, الذي كان من أول قاد الجيوش لتلك الفتوح الإسلامية فيشبه القارة الهندية.



وبعد وفاة السلطان قطب الدين أيبك : جلس شمس الدين لَلْمِـــش على عرش البلاد الهندية : عام (614هـ= 1216م).



وكان سلطانا عادلا عاملا ، له مآثر حسنة ، ومناقب مشهورة ، ويُعدُّ من أوائل الذين أسَّسوا دولة المماليك بشبه القارة الهندية .



وكان شمس الدين هذا : مواليا للخلافة الإسلامية في عصره ، وقد بعث له الخليفة "المستنصر بالله" العباسي بتقليده ملكًا للبلادوحاكمًا عليها سنة (626هـ = 1229م) .



وقد اشتهر بإنصاف الضعفاء والمظلومين ، ونشر العدل في ربوع مملكته قاطبة ،ويُحْكى عنه في الصدد حكايات ونوادر !



منها : أنه كان قد أصدر مرسومًا :بأن يلبس كل مظلوم في مملكته ثيابًا مُلَوَّنة [وكان أهل مملكته الهندية جميعًا يرتدونالثياب البيضاء]، وكان يخرج بنفسه ليتفقد أحوال رعيته, فإذا رأى أحدًا يرتدي ثوبًاملونًا, نظر في قضيته فورًا ! وأنصفه ممن ظَلَمه, وكذلك كان يفعل إذا عقد مجلسه للحكم.



ومنها : أن ابن بطوطة قد حكى في « رحلته » أن السلطان لَلْمِـــش بلغ من عدله أنه قال ذات مرة : إن بعض الناس تجري عليهم المظالم بالليل، وأريد تعجيل إنصافهم؛ فجعل على باب قصره : أسدين مُصَوَّرين من الرخام ،موضوعيْن على بُرْجَيْن هنالك[ كأنه لم يبلغه النهي عن التصوير والتماثيل!]، وفي أعناقهما : سلسلتان من الحديد فيهما جرس كبير، فكان المظلوم يأتي ليلاً فيُحرِّك الجرس،؛ فيسمعه السلطان وينظر في أمره للحين ، ويقوم بإنصافه من فوره .



ولا ريب : أن الله شاكرُه على هذا العدل بين الناس إنْ ثبت عنه حقًا !

وكان لهذا السلطان العادل : أربعة من الأولاد فقط ! ثلاثة من الذكور ، وهم : ركن الدين ، ومعز الدين، وناصر الدين .



وأما ابنتُه الوحيدة : فكانت هي : رضية الدين . تلك الأميرة الجميلة التي أشقاها جمالها ! وأضرَّ بها حُسْنُها !



نشأتها وبعض صفاتها :



نشأتِ الأميرة رضية الدين مُدَلَّلةً في حِجْر أبيها ،ترفُلُ في حُلَلِ البهاء المقيم ، وتَتَقلَّب في غمرات لذَّات النعيم ! وكان أبوها يحبها – دون إخوتها – حبا شديدا ، لما كان يتوسَّمُه فيها من الصلاح والذكاء والدهاء والعقل والحكمة ، وعهد إلى الفقهاء والمعلمين بتعليمها وتهذيب شمائلها ، كما عهد إلى غيرهم : بتدريبها على فنون الحرب والقتال ! وحمْلِ السلاح ومبارزة الرجال ! بحيث لم تكن تقل شأنًا في العلم والسياسة و قواعد الحكم : عن سائر إخوتها ! بل تفوقت عليهم جميعا في هذا الأمر كله !



وبلغ مِنْ تعلُّق أبيها بها : أنه كان يُسْند إليها بعض المهام السياسية ، حتى حُكِي عنه : أنه قد فكّر في أن يجعلها "وليّة للعهد" من بعده دون إخونهاالذكور الذين لم ير فيهم أباهم أهْلِيَةً للقيام بمهامِّ المملكة من بعده !



وكانت رضيةً الدين : تجعل من أبيها قدوتها المُثْلَى ، وتتخذ منه : مَثَلَها الأعْلى ، فكانت مغرمة بحبه كما كانت هي إليه مُحَبَّبة ، ولا غرو في هذا : « إذْ كلُّ فتاةٍ بأبيها مُعْجَبة! » .



وكان الله قد وهبها : جمال منظرٍ : يسرُّ الناظرين ، وبهاء مَطْلَعٍ : تطيرُ له قلوبُ الراغبين ! قد أخذتْ بزِمام الحُسْنِ والجمال ، وتَبَوَّأَتْ عرش الأنَفَةِ والدَّلال ! حتى رغب في وصْلِها الأمراءُ والأقَيْال ، وحُمِلَتْ إليها عجائبُ الهدايا ونفائس الأموال ! وهي راغبة عن الخُطَّاب ! شامخة بأنْفِ كِبْريائها إلى السحاب ! لا تدري أحدا لها كُفْؤًا ، ولا تعلم لمثيلها نِدَّاً !



وكيف لا : وهي لا ترى امرأة تجري معها في ميدان الجمال ! ولا تعرف فتاةً من بنات جنْسها قد سَجَدَتْ لها – دونها - قلوبُ مغاوير الرجال !



ومع تفَرُّدِها بتلك المحاسن والشمائل : فقد كانت أعجوبة في حصافة الرأي والذكاء ، وفريدةً في معرفة صنوف المكر والدهاء !



بل كانت إذا كَشَرَتْ الحربُ الضَّرُوس عن أنيابها : كانت هي التي تَدْرأُ بِرُمْحِها في مَقَاتِل الشجعان ! وتَكِرُّ وتَفِرُّ في أتُون لهيب المعارك بالضَّرب والطِّعان ! فكانتْ في الإقدام و الشجاعة : كلمةَ إجماع ! وفي الجُرْأة والبَسَالة : حديثَ الرُّكْبَان في سائر البقاع !

تَوَلِّيْها عرشَ البلاد ، وسَلْطَنة العباد :




ولما توفي أبوها شمس الدين لَلْمِـش : تولَّى بعده ابنه الأكبر : ركن الدين فيروز شاه ، فأساء وتعدَّى وظلم ! ولم يَنْهَج نهج أبيه في العدل بين الناس وإنصاف الضعفاء ! بل كان سيئ الأخلاق ، لئيم الطباع ، ضعيف الاستقلال بالملك ! ولما أحسَّ أن هناك مؤامرة تقوم ضده بزعامة أخيه عز الدين ! قام من فوره وحشد الحشود ، ثم قبض على أخيه ومن معه ، ثم أعمل فيهم سيفه ! وشفى منهم غيظه ! وذبح أخاه بيده ! وكان هو الذي تولَّى كِبْر مقتله ! فكرهه الناس وبغضوه ، وتمنُّوا لو أزالوا دولته وقتلوه ! لكنهم لم يكونوا يجرءون على ذلك ! لما يخشونه من بطش ذلك السلطان الغاشم !



وهنا : قامت رضية الدين في وجه أخيها ! وظلتْ تعظه وتحذَّرُه من عاقبة تلك السياسة الدَّمَويَّة التي أرْدَتْ بقتل أخيها ! لكن السلطان ركن الدين : لم يعبأ بكلام أخته ! ولا كاد يُنْصتْ لها أصلا ! بل كاد أن يبطش بها هي الأخرى ! حتى يتمَّ له أمرُه ، ويسْتَتِبَّ مُلْكُه وحكمُه !



فََخَشيتْ رضية الدين على نفسها ! وعَمَدتْ إلى مفاجأة أخيها الظالم بتقاليد تلك العدالة التي كان أرساها أبوهما في حياته ؟ فمكثتْ حتى حان وقت صلاة الجمعة في أحد الأيام, وقد أجمعتِ العزم على أن تُذيق أخاها القاتل مِنْ تلك الكأس التي شرب منها أخوهما المقتول! فصعدتْ إلى سطح القصر القديم المجاور للجامع الأعظم في مدينة دهلي [دلهي]، وهي تَرْتدي ثيابًا ملونة؛ لكي يعرف الناس أنهامظلومة مقهورة, واستوقفتِ الناس وخاطبتْهم من مكانها أعلى السطح وهي ترفع عقيرتها وتقول : « إن أخي قتلأخاه, وهو يريد قتلي معه !! » وجعلتْ تُذكِّر الناس بأيام أبيها, ومآثره, وما فعله من أجلرعاياه من الإحسان إليهم ، والرفق بهم، وكأنها تنادي : وا أبَتَاه ! وا أبتاه ! أخي قتل أخاه ! فأين أنت يا أبتاه ؟!



فحرَّكتْ كلماتُ الأميرة المظلومة الخائفة : جماهيرَ المصلين،وأقْلَقتْ ما بين جنوبهم ، وكأنها طعنتْ برماح صراخها في أكبادهم ! فثاروا من فورهم ، وتوجَّهوا إلى السلطان ركن الدين وقبضوا عليه وهو يرتجف خوفًا ! ثم ساقوه إلى أخته التي كانت شراراتُ الغضب تتطاير من تحت جفون عينيها ! فنادت فيهم قائلة : « : القاتل يُقْتَل »! فامتثل الجميع لأمرها ، وقاموا بقتل السلطان قصاصًا كما قتل أخاه ، ثم نظر الناس في من يتولَّى زِمام المملكة بعد ذلك السلطان المقتول ؟ فعمدوا إلى أخيه الأصغر « ناصر الدين » فوجدوه طفلا صغيرا لا يحسن تدبير أمر نفسه! فكيف بأمور المسلمين ؟ ثم اتفق الرؤساء منهم على مبايعة رضية الدين سلطانة عليهم!



ونسوا أن رسولهم r قد قال فيما أخرجه البخاري في « صحيحه » عنه : « لن يُفلِح قومٌ وَلَّوْا أمْرَهُم امرأة »! ولكن : كان قضاء الله أمرًا مقدورًا.



فارتفعتْ رضيةُ الدين على عرش البلاد في عام : [ 634 / هجريا / الموافق : 1236/ميلاديا ] .



وكان يوم تتويجها سلطانة : يوما مشهودا بين الناس ! إذ لم يعرف التاريخ الإسلامي : أن امرأة حكمت الهند قبلها !



وظلت تحكم البلاد حتى عام : [ 637 / هجريا / الموافق :1369/ ميلاديا ] .



وكانت في أول أمرها : تمشي على سيرة أبيها في نشر العدل بين الناس ، ورفع الظلم ، وفتوح البلدان ، وإرساء قواعد الأمن والسلام في جنبات مملكتها . حتى أثنى عليها بعض المؤرخين بتلك المآثر الشريفة التي أحْيتْ مواتها بعد أبيها العادل : شمس الدين لَلْمِـش القائد السلطان المملوكي الشهير .



لكنها : سرعان ما أنساها الحكم أنها لا تزال امرأة ! فحدَّثتْها نفسها بعزائم الرجال ! ورَاودَها الشيطانُ بالانسلاخ من جِلْدِ أنوثتها والتَحَلِّي بشكيمة الأبطال !حتى تستطيع أن ترْدَعَ كلَّ من يحاول تهديد أنْظمة حكمها ؛ ظانًا أن مَلِيْكَته : أنثى ضعيفةَ الركن كأكثر النساء ! وحتى يعلم الرائح والغادي : أن السلطانة لا تقل قوة وصلابة عن سائر الملوك من حيث الحزم والبأس بين الرعية .
فإذا بها : تخلع حجاب أُنوثتها إلى الأبد ! وتكشف عن وجهها بين الناس بعد أن كانت تلبس نقابَ الحياء وإسدال العِفَّة ! وتُودِّع الملابس النسائية ! وترتدي ملابس الرجال ! وتظهر في صورتهم ! وتُحاكي أقوالهم وحركاتهم ! وصارتْ تتسلَّحُ بالقوس والسهام في مجلس عرشها ! وتلبس القلنسوة على رأسها ! وتخوض الحروب وهي على متون الأفيال العملاقة ! كما كان يفعل ملوك ذلك الزمان في شبه القارة الهندية .



بل حكى بعضهم عنها : أنها عَمَدَتْ إلى شعرها الطويل الناعم فَجَذَّتْه جَذَّاً ! وقصًّتْه قصَّاً ! حتى يكون ذلك هو آخر عهدها بأنوثتها التي فطرها الله عليها !



قال العلامة الأديب علي الطنطاوي : « وحَسِبَتْ – يعني رضية الدين – أنها بهذا التبديل: تستطيع أن تُبَدِّلَ خِلْقةَ الله فيها ! وأن تجعل من نفسها رجلًا ! » .



قلتُ : وكيف غفلتْ تلك المرأة عن أن رسولها r قد صح عنه أنه قال : « لعن الله المتشبِّهات من النساء بالرجال ، و المتشبِّهين من الرجال بالنساء » .


وصح عن ابن عباس أنه قال : « لعن النبي : المخنَّثين من الرجال، والمتَرجِّلات من النساء» .



وصح عن أبي هريرة أنه قال : « لعن رسول الله : الرجل يلبس لُبْسَة المرأة،والمرأة تلبس لُبْسة الرجل» .

وصح عنه أنه قال : « ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة : ....» وذََكَر منهم : « والمرأةُ المتَرَجِّلَةُ المتَشبِّهةُ بالرجال » .


فأين كانت رضية الدين عن كل تلك البروق والصواعق التي تقشعر لها فرائصُ أهل الإيمان ! وترتجف منها أبدان العارفين بمقام الخالق وحقيقة الإنسان !؟



لكنها شهوة التَّسَلُّطِ على عروش الحكم و السلطان ! ولذََّةُ التَّرَأُّسِ على دهماء العباد في كل مكان ! والله من وراء الجميع محيط وهو المستعان .



ولم تكن : شعوب الهند في ذلك الزمان لِيتَرَضَى عن تلك الأمور التي تفعلها تلك السلطانة المتمرِّدة ! وشعروا بأنهم قد أخطأوا عندما رفعوها على عرش السلطنة ! وكيف راق لهم أن تحكمهم امرأة ؟ فانطلقت ألسنة الناقمين والطامعين في كل مكان ! وهبَّ الفقهاء والعلماء من مضاجعهم ، وقاموا من غََمْرة غَفْوتهم وغفلتهم ، وجعلوا يُردِّدُون على المنابر قوله r : « لن يُفلِح قومٌ وَلَّوْا أمْرَهُم امرأة»! وبدأت حملات الغضب والتمرّد تُبَيَّتُ للسلطانة بليْلٍ دون شعورها ! واجتمع وزير البلاد مع قادة الأمراء ، ورءوس الفرسان على خَلْع السلطانة ، وتَوْلِيَة أخيها الصغير : ناصر الدين بهرام شاه ، أمورَ الحكم والبلاد !



وفي ليلةٍ ركَدَتْ ريحُها ، وأرِقَتْ نُجومها : انقضَّ الجميع على السلطانة وهي في مخدعها نائمة ! وفي بحور أحلامها هائمة ! فقبضوا عليها ، وساقوا أغلال الهوان إليها ! وزجُّوا بها في غياهب السجون أيامًا ولَيَالْ ، وهى تعاني الآلام وتواجه الأهوال !



لكنَّ السلطانة : لم يكن في صحيفة آمالها : أن تموت وهي ترسُفُ في قيودها ! فَقَدَحَتْ زِناد ذكائها !وأشعلتْ فتيل أفكارها ! ثم اهتدتْ إلى أن تُرْسِل إلى حاكم مدينة : «أود» تستنجده لنصرتها ، وتسْتَعْديه على أخيها وأمراء دولتها ! وكأنها كانت تَعِدُهُ – إنِ استطاع خلاصها – بوصالها ، والزواج منها !



وحينما وصلت الرسالة : إلى حاكم : « أود » لم يتردد كثيرا ! بل جيِّش الجيوش ، وحشد الحشود ، وهبَّ من فوره لتخليص سلطانته من أسرها ، وتأديب قُوَّاد جيشها ! وعَبَرَ نهر : « الكنج » ، فاستقبله السلطان ناصر الدين وأمراء مملكته بجيوشٍ لا قِبَل له بها ! والْتَقَى الجمعان في معركة شرسة تمخَّضَتْ عن عشرات القتْلَى ، ومئات الجرْحَى ! ووقع حاكم : « أود» مِنْ على فرسه أسيرا جريحا ! ولم يلبثْ حتى قضى نحبه ، وطوى الموت كشْحَه !



ولما أُخْبِرَتْ السلطانةُ رضيةُ بذلك : لم يسكن جأشها ! ولم تضعف كواهلها ! بل ما لانتْ لها عزيمة ! ولا خارتْ لها شكيمة ! ولجأتْ إلى استخدام سلاح آخر كانتْ قد أغفلتْه من حسابها ، وأسقطتْه من قائمة أفكارها !

هذا السلاح الممِيتُ : هو سلاح الحُسْن و الجمال ، وسيفُ الغُنْجِ والدَّلاَل ! فجعلتْ تطْعنُ بِسهْم أنُوثتها في قلوب الأمراء ! وظلتْ تحِزُّ بسكين محاسنها رقابَ القُوَّاد والكُبَرَاء ! حتى أجَّجَتْ بينهم نيرانَ العداوة والغضب ! وكلما هدأ لهيب الجحيم أسْرَعتْ إليه بحمل الحَطَب ! حتى قضى أكثرهم على بعض ! وقصفتْ رياح الفتن أغصان أعمارهم بالطول والعرض !



وهنا : قامت السلطانة مِنْ رقدتها ، وأسفرتْ عن بطشها وقوتها ! وأقامتْ المذابح لمن تبقَّى من هؤلاء الذين تآمروا عليها ! ونصبتْ حبائلَ الموت لكل من ساقتْه أقدار جرائمه إليها !



إلا أنها تركت أخاها الصغير ناصر الدين دون أن تصُبَّ عليه سوط عذابها ، لمعرفتها بكونه كان دُمْيةً في تلك الأيادي التي قَطَعَتْ أناملها بِسِنَان رِماحها !



وهكذا : عاد للسلطانة – مرة أخرى – تاجُ هيْمَنَتِها على العباد ، واسْتَتَبَّ لها الأمن والسلام في ربوع البلاد .



وأصبحتْ أشدَّ صرامة ، وأقوى شيكمة ، وأنهض عزيمة ، وأصلب إرادة ، وأقوم صلابة ! وظنتْ أن شمس أيامها قد عادت بعد الغياب ، وأن قمر لياليها قد حطّ رحله من طويل سفره وآب ! فأطلقتْ لنفسها العنانَ في كل ما تريد وترغب من الأمور ! ولا تدري أن كوكب نهايتها – وهي في ذروة نشوتها – أصبح في فلك الآجال يدور !



فوقعتْ واقعة : كانت هي علامة سقوط خاتمة أمر تلك الملِكة ! ونزلتْ حادثة : لأجلها زال نفوذ السلطانة عن سائر ربوع المملكة !



وتلك الواقعة : هي أنه كان للسلطانة : عبدٌ مملوك حبشي يُدْعى : « جمال الدين ياقوت» وكان « أميرَ الخيول » في أنحاء الديار ، وكانتْ السلطانة كثيرةَ الأُنس به ! دائمة الاستصحاب له في نزواتها هنا وهناك ! ولم تكن مُتَصَوِّنة في معاملاتها معه ! بحيث اشتهر بين الخاص والعام : أنه هو الذي كان يرفعها من تحت إبِطَيْهَا على فرسها ! كما كان يحملها بين ذراعيْه عند نزولها !



ليس هذا فحسب : بل بلغ من تعلُّقها بهذا الحبشي : أنها جعلتْه في رتبة : « أمير الأمراء » ! فاسْتَثارتْ بذلك حفيظة أمراء الدولة جميعا ! وظلوا يتحدثون عن طبيعة تلك العلاقة المريبة بين رضية الدين وخادمها ياقوت ! لا سيما والسلطانة : امرأة غير متزوجة بعد !



وصارتْ أخبارها مع عبدها ياقوت : هي حديث الناس والعامة ، وقضية العصر الطامَّة !



فنهض الأمراء وسائر الناهضون : وجعلوا يُثِيرون أُمراء الأقاليم على تلك الملكة التي يبدو أنها تعيش حياة العُشَّاق ! وَتَهِيمُ في أسواق الأشواق ! غير مبالية بغضب أمرائها وشعبها ! ولا ناظرة إلى تعاليم دينها !



وهنا : كان حاكم مدينة : « بتهندا » هو أول الثائرين على تلك السلطانة العاثرة بسوء سلوكها ! وأعلن الثورة عليها في عام : 637هـ .



واجتمع معه : أمراء سائر الأقاليم والأمصار الهندية ، وجاءوا بجيوش جبارة تهز الأرض هزَّاً !



وما إنْ علمتْ رضية الدين بذلك : حتى أعدَّتْ عدتها ، وأحكمت شأنها ، وقادت جيوشها على ظهر فيلها ! وكان بين يديها : عبدها ياقوتُ الحبشي ! ذلك الأمير العاشق المتهم!


وبينما هي في الطريق لملاقاة حاكم : « بتهندا » وسائر الثائرين : حدث ما لم يكن في الحسبان ! وكان من أمر الله ما كان ؟ فقد انقلب جيش السلطانة عليها ! وصوَّبوا نِبَال حقدهم الدفين إليها ! وأطبقوا على عبدها ياقوت وهو شاهر سيفه يدرأ به عن ملكته : فضربوه ضربة رجل واحد ! حتى جعل دمُه يفور أمام رضية الدين وهي صامتة لا تتكلم ،وواجمة تبكي وهي تتألَّم !



ثم أخذوها أسيرة ذليلة ! وسلَّموها إلى حاكم : « بتهندا » الذي أخذها معه إلى بلاده ، وأودعها سجن قلعته الحصينة ، وتركها تبكي ذِكْرَاها ، وتبكي على ليْلاَهَا ! وتتجرع كئوس الأحزان ، وتغرق في بحار الأشجان !



لكن السلطانة الداهية ! استطاعت أن تُميل قلب حاكم : « بتهندا » إليها ، ونجحتْ في أنْ ْتجعله رهْن إشارتها وطَوْعَ يديْها ! فأعلن الزواج منها في سائر أقطار ، وجرى ذلك مجرى الريح في سائر الأمصار .



ومكثتْ رضية الدين مع زوجها : ما شاء الله ، ثم راودتها شهوة الملك والحكم – مرة أخرى – وحلمتْ باسترداد عرشها ! وبعودة سلطانها ! فعادت إلى استخدام سلاح جمالها – مرة ثالثة – مع زوجها ! وظلت تَتَعَصَّىَ عليه وتَرْضَى ! وتُوعِدُه جميلَ الوصال ثم تَأْبَى ! وتُغْريه بحكم مملكة : «دهلي» [دلهي] ، وتقول: ليس أحدٌ من العالمين يجعلك تحكمها : غيري !



حتى رضخ زوجها لمطلبها ، وخارتْ عزيمته أمام رغبتها ، فقام من فوره ورصد جيوشه الضخمة لأمر زوجته ، ووضع يديها على شئون دولته ، فلم تلبث رضية الدين إلا قليلا : حتى سارتْ بجيش عرَمْرَم ، وجُمُوعٍ ركائبُها تُزَمْزم ! واتجهتْ نحو سلطانها المنشود ، وأملها المعقود ، وهي تُسرِّي عن نفسها وتُغْريها ، وترسم بيدها أحلام آمالها ورغبات أمانيها !



ولم تكن تدري : أنها إنما تُساق إلى قبرها ! وتحملها الركاب إلى بُقْعة مصرعها !



فبينما هي وجيوشها في الطريق : إذ وصلتْ الأنباء إلى أخيها ناصر الدين ومن معه من الأمراء والقواد وحكام مدينة : «دلهي» فاستنصروا ببعض أمراء الأقاليم ممن حولهم : ثم خرجوا لملاقاة السلطانة وزوجها ، والتقى الجمعان على مشارف موضع يقال له : « كيتهل» .



ونَشَبَتْ الحرب العَوَانُ بين الفريقين ، وخَطَبتْ السيوف على منابر الرءوس ! وتناثرت الأشلاء تحت سنابك الخيل وأرجل الأفيال ! وشَرِب السراب من دماء الأجناد حتى ارْتوى ! وأكلتْ الأرض من أجسادهم حتى شبعتْ ! وجعل الموت يرفرف بجناحيه فوق الرقاب ! وحلّتْ بتلك البقعة نازلةُ العذاب ! وثار الغبار في وجوه الراكضين ، ولم يتكَشَّف إلا عن أمرٍ عظيم !؟ فقد هُزم جيش رضية الدين ! ووقع زوجها أسيرا في أيدي خصومه من المناوئين! وفُقِدَتْ رضيةُ الدين بين أتون هذا المعترك ! فظل القوم يبحثون عنها بين الأسرى والقتلى فلم يعثروا عليها ! حتى يئسوا من الاهتداء إليها !



ولكن : أين ذهبت تلك السلطان الحائرة ! وأيُّ سبيل سلكته هذه المرأة العاثرة !



نهاية السلطانة رضية الدين :



إنها ذهبتْ بعيدا بعيدا ؟ حيث ظلت تركض بجوادها في الأدغال وبين الأشجار ، بعد أن أدركتْ هزيمةَ جيشها وزوجها معًا ! وظلتْ تسير ليالي وأياما بلا زادٍ ولا مأوى ! حتى أنهكها العطش والجوع ، وأضْنَاها قِلةُ الراحة والهجُوع ! وظلتْ تُطاردها الأشباح ، وهي ريشةٌ في مَهبِّ الرياح ، فجعلتْ تجري ، وهي لا تدري إلى أين تجري ؟ وصارت تسير ، وقلبها كسير .....



وفي يوم من الأيام مشهود ، وسُرَادِقُ ليله على بساط أديمه ممدود : التفعتْ السلطانة بالظلام ، وعيون الكائنات نيام ، ونزلتْ ببعض القرى الفقيرة في أطراف مملكتها المترامية ، فرأتْ رجلا فقيرا حرَّاثًا يضرب بفأسه في أرضه، ويعمل بيديه في إصلاح زَرْعه ، فهرولتْ إليه ، وأقبلتْ عليه ، وهي في ثياب الحرب التي كانت تشبه ثياب الرجال ! فطلبتْ منه شيئًا تَسُدُّ به رمقها ، وتُقيم منه أوَدَها ؛ فقام الرجل مسرعا وأحضر إليها كسرة خُبْزٍ ، وقليل من الماء ، وهو لا يعرف أنها السلطانة رضية الدين ! بل كان يظنها فارسًا فقير الحال مثله !



وبعد أن طَعِمَتْ السلطانة وشربتْ : نادى بها منادي الأرواح إلى النوم ، فجعلت تسبح - من شدة تعبها - في بحور الأحلام وهي لا تُحسن العَوْم ! وأخذتْ تغطُّ في سُباتٍ عميق ! وتتَرَدَّدُ زَفَراتُها كزفرات الغريق ! ثم تتقلب يمينا ويسارا ، لكونها لم تكن تألفُ النوم على حشائش الأشجار بعدُ!



فبينا هي كذلك : إذِ انكشف قباؤُها النَّسَائيُّ المطرَّز بالذهب من تحت ثيابها ! فنظر إليها ذلك الحرَّاث - عفوا – فإذا قباؤها الداخلي يدل على كونها امرأة ! فَهَالَه ما رأى ! ثم جعل يدنو منها رويدا رويدا حتى أبصر نفسه في بريق تلك القِطَع الذهبية التي كان القباء مُطَرَّزًا بها !



وهنا : لم يتردد الرجل في الحصول على ذلك القباء الذهبي ! فاستلَّ خنجره ، وجعل يطعن به في جسد السلطانة النائمة ! لتستيقظ من أحلامها البائسة على طعنات ذلك الخنجر الذي نفذ إلى كبدها فأصابها في مقتل ! وكأنها حاولتْ المقاومة ! ولكن دون جدوى ! وكيف يقاوم مَنْ يرى ملائكة الموت ترفرف فوق رأسه ؟ وتحوم في أرض حُزْنِه وبُؤْسِه ؟



وبعد أن أدرك ذلك الحرَّاثُ أن ضحيته قد لفظتْ أنفاسها ، وخرجتْ روحُها ، قام بنزع ذلك القباء الذهبي منها ، وتركها غارقة في دمائها ! مقتولة في سلطانها ! ولم يغفل أن يحفر لها حفرة عميقة في أرضه التي يحرثها ! ثم رمى بالسلطانة فيها ومضى !

ولم يلبث أن ذهب بالقباء في أسواق المدائن يعرضه للبيع ؛ فاسْتَراب التجَّار في أمره ؟ كيف لمثل هذا الرجل الفقير صاحب تلك الأثمال البالية ! أن يحصل على مثل ذلك القباء المطرز بالذهب ! والذي لا يكون إلا من ثياب الأميرات والملِكات ! فقادوه إلى صاحب الشرطة ، فجعل يطلب منه معرفة حصوله على هذا القباء الذهبي ؟ فأبى الرجل أن يخبرهم ! فما زالوا يضربونه حتى رضخ لهم ، وأقرَّ بين يديهم بما اقترفتْه يداه !



فذهبوا به إلى أرضه التي فيها زَرْعُه وقلْعُه ، فأشار إليهم إلى ذلك الموضع الذي دفن في تلك البائسة صاحبة القباء ، فجَدّوا في الحفر حتى أخرجوها مخضَّبة بالدماء ! فنظروا في وجهها : فإذا هي ملكة بلادهم : السلطانة رضية الدين ! وكان ذلك في الخامس والعشرين من ربيع الأول ، عام : 637هـ .



ثم عهدوا إلى منْ غسَّلها وكفنها ، ثم صلوا عليها ، وبنى لها أخوها ناصر الدين قبرا مهيبًا ودفنها فيه .









خاتمة :



وهكذا : انطوتْ صفحة تلك المرأة التي خرجت عن فطرتها التي خلقها الله عليها ، وتجشَّمَتْ مُعَاداة شرائع الجبار التي جاء بها رسلُه الكرام إليها ! وجَمَحَتْ بجواد غرورها في متاهات الكبرياء ، وجعلتْ تتعثَّر في أذيال طمعها بين الأرض والسماء ! ونسيتْ أن لله مِنْ عوائد الانتقام ، ما يُنْسيها وغيرها متاع الدهور ولذَّات الأيام !

فأين تذهب من تولَّتْ عن أمر رسولها وطاعته ؟ ولم ترفعْ رأسًا بقوله ودعوته ! ورَغِبتْ عن فِطَر الإيمان ! وسلكتْ طريق الشيطان ! وهرولتْ سريعًا إلى ما يُغْضِب الله والرسول ، وضربتْ في بَيْدَاء شهواتها بالعرض والطول ! بل وجعلتْ تعزفُ بأنامل معاصيها على أوتار الذنوب والآثام ، وظلتْ تشْدو بقَيْثارة هفواتها آناء الليل وجفونُ الصالحات نيام ! حتى خسرت السعادتين !وحُرِمتْ رضا خالقها في كلتا الدارين ! وكيف لا وهي التي أقبلتْ على الدنيا وأغْفَلَتِ الآخرة ! وباعتِ التجارة الرابحة بالصفقة الحاسرة ! فياله من خسرانٍ عظيم ! وضلالٍ ما عرفه تُوْمَا الحكيم !؟



فيا أيَّتُها المغرروة بما أعطاكِ الله من سلطان الكمال والجمال ! ويا أيَّتها التائةُ بما خلقه الله فيكِ من المحاسن والجلال ! لعلَّكِ تُبْصرين ما أذاقه الله المغروراتِ قبلكِ من صُنوف الهوان ! ولعلك تتأمَّلين ما لَحَقَهنَّ و ساق بهنَّ إلى معاقد الهلاك ومُنْقَطع الخسران ! حيث لا مال ولا جمال ، ولا جلال ولا كمال ! بل صار جميع ذلك إلى زوال !



فبالله : كم في غياهب القبور من عيونٍ كَحيلةٍ قد أذابتْها غارباتُ الليالي والأزمان !؟



وكم : في حُفَر الأقفار من خُدُودٍ أسيلةٍ قد أكَلتْهَا حشراتُ الأرض وهَوامُ المكان ؟!



وكم هناك : من قُدودٍ جميلة قد صارت ترابًا يطَأَهُ كلُّ غادٍ ورائح !؟



بالله كم : من خُصُورٍ رشيقةٍ صارت رمادًا بعد أنْ بكَتْ عليها العيونُ وصاح الصائح !



فاللهم قد ساءتْ الظنون إلا بك ، وانقطعتِ الآمال بالبعد عنك ! وليس لدينا من الأعذار ، ما يحجب عنا أبواب النار !



فوا حسْرتاه على أيامٍ خلتْ بمعصيتكِ ، ووا طُولَ حُزناه عل أوقاتٍ مضتْ في مخالفتك ! ووا فضيحتُنا منك يوم نلقاك ، ووا خِذْلاننا مِنْ سواد صحيفتنا يوم النشور !



ومَا لنا لا نَنُوحُ على أنفسنا وليس لنا مَنْ ينوح عليها سوانا ؟!



فاللهم : إن كنا قد عصيناك سهوًا فقد غرَّنا عفوك ! وإن كنا قد خالفناك جهلا فقد خَدَعَنا حِلْمُك وكرمُك ! أيُّ عيشٍ يطيب وأنت علينا غاضب يا مولانا ؟ وأيُّ لذَّة تُسْتساغ وأنت علينا ساخطٌ يا سيدنا ؟


فاللهم : توبةً نتخلَّصُ بها من تلك الأقذر ! وطاعةً مقبولةً نتقرَّبُ بها من منازل الأبرار ، وقد أتيناك ونحن في قيود الذِّلة وسلاسل الإِسَار ! وليس لدينا ما نتشفَّع به إليك – ونحن منه على يقين- سوى توحيدك ، والإقرار بشرائعك ، والإيمان بنبيِّك ، فهل أنت براضٍ يا سيدنا ؟



فنسألك بك ألاَّ عذَّبت لسانًا ذَكَرَك ، أو قلبًا شَكَرك ، أو وجهًا سَجَدَ لك ، أو جسدًا خرَّ لعظمتك ،أو عينًا بكتْ – ولو دمعة – من خشيتك ، ثم متى عهدناك لا تقبل التوبة ؟ ومتى شاهدناك لا تغفر الحوبة ؟ فنحن على الباب وإنْ طَرَدتَّنا ! ولسنا نغادر رحابك وإنْ أبعدتَّنا ! ولن نرضى منك بدون العفو عنا يا خالقنا ومولانا .



وختامًا : نسأل الله حُسْنها ... إذا بلغتْ الروح المنتهى .



فإنه بكل جميل كفيل ... وهو حسبنا ونعم ال**** .



وكتبه : العبد الفقير ، والجاني على نفسه بِويْلات الأمور : أبو المظفَّر سعيد بن محمد السِّنَّاري القاهري ... ذلك الأثيم العاثر .. سامحه الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
{ ملتقى أهل الحديث }
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.