المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مستقبل الصراع الفكري بعد ربيع الثورات


عبدالناصر محمود
04-27-2013, 06:54 AM
مستقبل الصراع الفكري بعد ربيع الثورات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

( أسامة الهيتي )
ــــــــــــــــــــــــــ

على مدار يومَي السبت والأحد الموافقين 13 و14 من أبريل 2013م، استضافت العاصمة المصرية "القاهرة" مؤتمرًا لـ "منتدى المفكِّرين المسلمين"؛ لدراسة مستقبل الثورات العربية تحت عنوان: "الرؤية الفكرية للأمة بعد الثورة العربية.. دراسة للواقع واستشراف للمستقبل"، بحضور العديد من الكتَّاب والسياسيين والمفكِّرين الإسلاميين من مصر وبعض البلدان العربية والإسلامية؛ حيث قدَّم خلالها المشاركون أوراقًا بحثية حول موضوع المؤتمر.

غير أن ما استوقفني هي الورقة التي تقدَّم بها الكاتب الصحفي المصري "طلعت رميح"، والتي جاءت تحت عنوان: "ثورات الربيع العربي.. رؤية مستقبلية لخريطة صراع فكري"، فقد خصص الكاتب ورقتَه للحديث عن استشراف مستقبل العَلاقة البينية للإسلاميين في ضوء الواقع الذي تَحْياه بلدان الربيع العربي، والذي تسيطر عليه حالةٌ من الاستقطاب السياسي والفكري الحاد، خاصة بعد وصول بعض الأطراف الإسلامية للسلطة في أغلب بلدان الربيع، ما ترتب عليه احتدامُ الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين من التيارات العلمانية؛ "ليبرالية، ويسارية، وقومية".

وقد استهلَّ "رميح" ورقته بالحديث عن قدرية الفعل الثوري بالنسبة للإسلاميين، قائلاً: "إن مسلسل الثورات العربية جاء دون إعدادٍ مخطَّط مسبق من قِبَل الحركات الإسلامية، غير أن نشاطهم ودورهم في المجتمعات قد وصل حد القدرة على فرض نفسه على أي تغيير يجري في المجتمع، وهو ما هيَّأ ظرفًا تاريخيًّا وصلتْ فيه الحركات الإسلامية إلى سدَّة الحكم".

ومع اتفاقنا مع الأستاذ "رميح" فيما ذهب إليه، إلا أن هذه القدرية لم تكن بالنسبة للإسلاميين فحسب - والذين لا ينكِر أحدٌ دورَهم النضالي في الوصول للحظة الانطلاق الثوري - لكنها أيضًا كانت مجهولة وغير واضحة المعالَم بالنسبة لغير الإسلاميين، الذين كانت لهم مشاركتهم الواضحة في الفعل الثوري منذ البداية، وبشكل غير مخطط له، ومن ثَمَّ فإن الجميع لم يكن يتوقَّع لحظة الانفجار؛ إذ كانت شعارات الثوَّار، وبعد انطلاق العمل الثوري في الخامس والعشرين من يناير، كانت لا تتجاوز سقفًا محدَّدًا يُدرِك الجميعُ أنه تغيَّر بعد أيام من ردَّة الفعل النظامي على الثوَّار في ميدان التحرير ومحافظات مصر.

يضاف إلى هذا أنه لا يمكن الحديث عن أفضلية تيارٍ على تيار فيما يخص تفجير الفعل الثوري؛ فمن اليوم الأول والجميعُ يشهد بمشاركة جميع الأطياف السياسية، بما فيهم الإسلاميون الذين تشهد المشاهد التلفزيونية ليوم 25 يناير أنهم كانوا في مقدِّمة الصفوف، وأنهم كانوا أول مَن تعرَّض للمطاردات الأمنية في شوارع القاهرة.

ولا يفوتُنا أن نُشِير إلى أنه لم يكن ليُكتَبَ النجاحُ للثورة المصرية إذا انحصرت في ميدان التحرير بالقاهرة، فالهزَّة العنيفة التي تعرَّضت لها الأجهزة الأمنية، والواقعة يوم الجمعة 28 يناير، والمسماة بـ"جمعة الغضب"، التي خرجت فيها الآلاف المؤلَّفة من المتظاهرين في أغلب محافظات مصر، هي ما اضطرَّت وزارة الداخلية إلى توزيع رجالِها على هذه المحافظات؛ ما كان سببًا في خلخلتها وإفقادها القدرةَ على السيطرة على المتظاهرين.

وهنا يُدرِك الجميع أن أغلب المتظاهرين في المحافظات ينتمون للتيار الإسلامي بجملته، فالعناصر الليبرالية والناصرية واليسارية عناصرُ قليلةٌ لا تستطيع - وحتى اللحظة - أن تحشد هذه الجموع الغفيرة التي انطلقت في "جمعة الغضب"، وعليه فإن محاولات إنكار دور الإسلاميين في استمرار شرارة الثورة ونجاحها هي محاولةٌ تجهضها الوقائعُ والأحداث لكل ذي بصيرة.

الخلاصة أننا إن لم يكن جائزًا لنا القول بأن نجاح الثورة كان مرهونًا بمشاركة الإسلاميين، فإننا على الأقل نقول بأنه لا يمكن لطرفٍ أن يدَّعي أنه مَن خطَّط أو مهَّد للثورة، وبالتالي فإن الجميع سواء فيما يخص هذه المسألة.

واستدراكًا على ما سبق، يصبح أمرُ فوز الإسلاميين ووصولهم للحكم هو النتيجة الطبيعية للرصيد الشعبي للحركة الإسلامية، والذي تراكم عبر عقود من الزمن، قدَّمت خلالها الحركةُ الإسلامية الكثيرَ والكثير من التضحيات، فضلاً عن دورها المشهود فيما يخص الجانب الاجتماعي والأهلي، وهو ما جعلها نظريًّا وعمليًّا البديلَ الثوري لأنظمة الحكم الفاسدة والمستبدة، فيما كان غير الإسلاميين إلا من قلة قليلة أطرافًا مستفيدة من بقائها بجوار هذه الأنظمة، باعتبارها ممثلة للمعارضة، مع أنها لا تَعْدُو عن كونِها أدوات ديكورية تتجمَّل بها الأنظمة أمام شعوبها والمجتمع الدولي، كلما كان الحديث عن الديمقراطية والتعددية.

في هذا السياق، فإن الحديث عن صراع سياسي حقيقي بين طرفين أحدهما إسلامي وآخر غير إسلامي، هو حديثٌ مبالَغ فيه؛ فالصراع غير متكافئ إذا ما التزم بالشروط والمحددات الديمقراطية، وهو ما يفسِّر لجوء الأطراف المعارضة للإسلاميين إلى أساليبَ أخرى بعيدة تمامًا عن الآليات الديمقراطية؛ ما كان كاشفًا لحقيقة إيمانهم بها، وحقيقةِ موقفهم من المخالفين لهم في رؤاهم وإطروحاتهم.

ولهذا؛ فإننا يمكن أن نتحدَّث عن ثلاثة مراحل من الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين:
مرحلة كان فيها غير الإسلاميين في السلطة، وبالتالي كانت لهم الهيمنة والسيطرة على أجهزة ومؤسسات الدولة، وقد استُضعِف الإسلاميون في هذه المرحلة استضعافًا كبيرًا.

فيما كانت المرحلة الثانية من الصراع عقب إسقاط نظام "حسني مبارك"، وكانت بين طرفين يفترض أن كلاًّ منهما يراهن على رصيده ووجوده الشعبي، وهو ما كان في صالح الإسلاميين.

ثم مرحلة ثالثة لجأ فيها الطرف الضعيف - وهو غير الإسلاميين - إلى استخدام العنف وإثارة التوترات والقلاقل، والزيف والتشويه، من أجل حسم الصراع لصالحِه، بعدما أيقن هذا الطرف أن آليات الديمقراطية - التي طالما دندن بها - لن تحقِّق له ما يريد.

ومَكمَن الخطورة في هذا يتمثل في أمرين في غاية الخطورة:
أولهما: يرتبط بتطورات الأحداث في البلاد التي تعاني وضعًا بالغَ التردِّي على المستوى الاقتصادي والأمني، واستمرار هذا يعني مزيدًا من التدهور الذي ستكون عواقبه وخيمةً على الجميع.

وثانيهما: أن ذلك كفيلٌ بإيجاد حالة من الردَّة الفكرية - إن جاز التعبير - لدى بعض الأطراف الإسلامية التي قبلت بآليات الديمقراطية في اختيار الحكَّام على مضض، ومن ثَمَّ فإن حسم الصراع لصالح الطرف العلماني - الذي لا يتردَّد في استخدام وسائل غير مشروعة سياسيًّا وقانونيًّا - سيكون دافعًا إلى أن تلجأ بعض الأطراف الإسلامية إلى العودة لقناعات فكرية قديمة كفيلة بأن تفجِّر الأوضاع في البلاد.

الصراع إذًا بين مَن يدافع عن الهُوِيَّة العربية والإسلامية، وبين جبهات متعدِّدة تريد إبقاء حالة التغريب التي أوجدها الاحتلال في بلادنا العربية، هذه الجبهات يمثِّلها مَن يسمون بالنخبة السياسية والفكرية والإعلامية العلمانية، التي نؤكِّد مرارًا أنه ليس لها وجود حقيقي في الشارع المصري؛ وإنما اعتمدتْ في تضخيم ذاتها على المال السياسي الضخم الذي تنفقه بعض البلدان عبر هؤلاء، والذي كشفتْ عنه العديد من المؤسسات والهيئات الرقابية، حتى إنها أشارت في أحد هذه التقارير إلى أن الإعلاميين وحدَهم تلقَّوا نحو 6.5 مليار دولار؛ بهدف الإثارة وتوتير الأوضاع.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{ شبكة الألوكة }
ــــــــــــــــــــــــ