المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : : مَن لا يملك حرّيته لا يملك قراره


ام زهرة
04-27-2013, 02:03 PM
و لِلأَسْر ألوان.
فكم من أسير مكبَّل بالقيود و هو سابح في جنّة بين أضلعه!! و كم من حرّ طليق الجسد، وعقله أسير شهوة أو شبهة أو لعله قد صار عبداً لفتنة!!
قد لا يملك الأول قراراً في حرية جسده المادية، و لكن من ذا الذي قد نال يوماً من حرية عقله المعنوية؟
كم تحيّرت مَن غلّقت الأبواب و أرادت إغواء أسير القصور و الجمال و هيت لك! و لكنه لما استثمر عقله يوماً في بورصة التنمية بالإيمان، لم يخذله أشدّ ما كان احتياجاً له، و لِمَ لا وقد حفظ عليه حريته، و من ثَمّ ملك قراره؟!

و لما نما عقل آسية، وعرفت كيف تستثمر فيه جيداً بشرائها لأسهم التوحيد على ارتفاع ثمنها، ملكت قرارها، و لم يخدعها ربا الدنيا على سرعة العائد من ملك و سؤدد، و لم تساوم على رأس مالها، إيمانها و توحيدها، و ربحت صفقتها.
و لأن الحياة لا يصنعها إلاّ الأحرار، و كم يستلزم ذلك من أخذ قرارات!
قرارات سياسية و اقتصادية و اجتماعية. فردية و جماعية. محلية و دولية.
كانت الحرية في الشريعة التي أخذت على عاتقها صناعة الإنسان و الحياة- مكفولة من البداية (فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر).
و المال الحر لا بد من استثماره و تنميته من أجل الانتفاع به، و لعمارة هذه الأرض وتحقيق النفع للنفس و الغير و الاستمتاع به كذلك، و كم نبذل من الجهد، و الوقت، و عصف الذهن للحصول على أكبر قدر من الربح و الفوائد!! و ما أروع ذلك!!
فالمال عصب الحياة، و الحرية في امتلاكه و استثماره و تنميته تعين -و لا شك- في اتخاذ القرار.
و الحرية في فهم العاطفة فهم يتّسم بالتقدير و الاحترام لها، و استيعاب جنوحها و استثمار مدّها و تنمية جزرها، و عندئذ يكون القرار دوماً بأيدينا.

و لكن لماذا تقصر الهمم، و يضعف العزم عند محاولة استثمار العقل من خلال دفعه لمواجهة ما يستلزم إثارة ملكاته و استفزاز قدراته في الفهم و التلقّي و المناقشة و الحوار، و من ثَمّ رفع مستوى النسب في الأرباح؟!
و هل الدعوة للتدبر و السير في الأرض للنظر كيف بدأ الخلق إلاّ محاولة لاستثمار العقل؟
و هل فوز نصوص الشريعة بأغلبية الظن ثبوتاً أو دلالة، فتتسع رقعة الاجتهاد إلاّ دعوة لاستثمار العقل؟
و هل مشيئة الله تعالى للحبيب صلى الله عليه و سلم بالتعبّد في غار حراء قبل البعثة إلاّ دعوة لاستثمار العقل، سنة الله تعالى، لا تتبدل، في العزلة إلى حين لكل من أُريد به التغيير في هذه الحياة، و من هنا تتأصل و تتضح قيمة حضارية تساهم كثيراً في بناء الإنسان الذي يدرك أبعاد المسؤولية الفردية عند استماعه لآراء الآخرين (أمنزل أنزلكه الله ....) عندها كان النزول على رأي الحباب بن المنذر في بدر.
دون المبالغة في الإنصات، و التي كما سبق أنها قد تشوش على الإحساس بهذه المسؤولية، و بخاصة عند الشروع في التنفيذ (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه و بين عدوه). هكذا كان قراره صلى الله عليه و سلم في غزوة أحد.
عندما يُستثمر العقل جيداً، نجده متوازناً، قادراً على الاختيار الصحيح و المقال المناسب لكل مقام.
و من ثم يستعصي صاحب هذا العقل على الذوبان و فقد التميز و الخصوصية عند الانخراط في العمل الجماعي، و من هنا أخذت أحاديث الآحاد قدرها في السنة، في حين أنكرها من ادّعوا اعتماداً على العقل وحده!
ولم يهمل ذو اليدين ملاحظته للحبيب -صلى الله عليه و سلم- عندما سها في الصلاة، و لم يستقلّ رأيه بوجود الشيخين، و يُشرع سجود السهو، و تتعبد به الأمة لربها إلى أن يرث الله الأرض و مَن عليها.
و لم يقعد عبد الله بن زيد عندما رأى كيفية الآذان في الرؤية، مستغنياً بالجماعة في اتخاذ الوسيلة المناسبة للإعلان عن الآذان.
لمّا تحرر عقلها، فكّرتْ ملياً، وأتْعتالفكر سلوكاً، فكان منها الذهاب و السؤال،
غلبنا عليك الرجال يا رسول الله.
فأقل الجماعة اثنان، رجل و امرأة!
لأن الأمة نساء و رجال، هكذا دوماً استنتاجات العقل المستثمر جيداً.

فعلامَ الزهد في فطام العقل عن كل سهل ميسور؟! و إلامَ العيش من دون جنّته في القدرة على التحدي و الإبداع، و الجرأة في أن تكون مختلفاً، في أن تتبنى موقفاً عندما تراه صحيحاً و موافقاً للشرع الذي يدعوك لاستثماره؛ لتنال حريتك، و تملك قرارك، و تنهض أمتك؟!