المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جامع قرطبة


Eng.Jordan
04-29-2013, 12:35 PM
جامع قرطبة من أعظم جوامع مدينة قرطبة بالأندلس، ويرجع تاريخه إلى أنه عندما افتتح المسلمون الأندلس استدلّوا بما فعل أبو عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، عن رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، من مشاطرة الروم في كنائسهم، مثل كنيسة دمشق وغيرها مما أخذوه صلحًا، فشاطر المسلمون نصارى قرطبة في كنيستهم العظمى التي كانت بداخلها، وابتنوا في ذلك الشطر مسجدًا جامعًا عام 92هـ، 710م، وبقي الشطر الثاني بأيدي الروم. فلما كثر المسلمون بالأندلس، وعمرت قرطبة، ونزلها أمراء الأندلس بجيوشهم، ضاق بهم ذلك المسجد. فلما دخل الأندلس عبدالرحمن بن معاوية الملقب بالداخل وسكن قرطبة، نظر في أمر توسعة هذا الجامع وإتقان بنائه، واتفق مع نصارى الأندلس على بيع الشطر الخاص بكنيستهم، فهدمه وهدم الجامع القديم، وأمر بإعادة بنائه على أساس وشكل جديدين. عبد الرحمن الداخل.

وبدأ البناء فيه عام 168هـ، 784م وانتهى عام 170هـ، 786م، مستغرقًا نحو ثلاث سنين. وحرص الأمير عبدالرحمن على أن يكون هذا المسجد الجامع تحفة فريدة من حيث بهاؤه وزخارفه وفنون عمارته، ليكون أعظم جوامع الأندلس، ومن أجل ذلك، فإنه أرسل في طلب الأعمدة اللازمة له من بلدان مختلفة داخل الأندلس وخارجه، ومازالت هذه الأعمدة باقية إلى يومنا هذا.

وكان بناؤه على نظام المسجد النبوي الذي بناه الوليد ابن عبد الملك بالمدينة المنورة. وكانت مقاييس بناء عبدالرحمن الداخل 75م في 65م، يضاف إلى هذا صحن فسيح. وكان مكونًا من 12 رواقًا (بلاطة وهي المسافة المحصورة بين أربعة أعمدة) موازية لجدار المحراب، وتسعة أروقة عمودية على جدار القبلة.

جامع قرطبة على عهد الأمويين في الأندلس.

كانت عادة حكام الأندلس الأمويين التنافس في رعاية ماقام به الذين سبقوهم في الحكم، وكثيرًا ماكان هؤلاء الحكام يزيدون في عمارة الجامع أو في زينته.

جامع قرطبة في أيام هشام بن عبدالرحمن.

توفي عبدالرحمن الداخل عام 172هـ، 788م قبل أن يكتمل بناء جامع قرطبة، فقام ابنه وخليفته هشام بإكمال البناء، وأنشأ فيه منارته الأولى، وعُدَّ ذلك من مآثره.

جامع قرطبة في أيام عبدالرحمن بن الحكم وخلفائه.

بنى عبدالرحمن بن الحكم بن هشام رواقين بجامع قرطبة، وزاد في مساحته لزيادة رواده. فقد مد زيادته تلك طولاً مع القبلة في الأرض الفضاء مع آخر المسجد بباب المدينة الأكبر القبلي، المعروف بباب القنطرة، وكانت أبهاء المسجد الأقدم تسعة. فزاد عليها بهوين من كلا جانبيه، فأكملها أحد عشر بهوًا. وكان الشروع في هذه الزيادة عام 234هـ، 848م. وحذا حذو جده عبدالرحمن الداخل في تأمين الأعمدة اللازمة لزيادته في الجامع، بأن أرسل في طلبها من كل مكان، من داخل الأندلس وخارجه. وكان عدد السواري المضافة ثمانين سارية.

توفي عبدالرحمن بن الحكم عام 238هـ، 852م، ولما تكتمل بعد زخارف الجامع، فلما تولى ابنه ا لأمير محمد، بادر إلى تجديد طُرز الجامع وأكمل نقوشه وزخارفه، عام 241هـ، 855م. وأنشأ المقصورة التي لم يكن لها مماثل في جميع بلاد الأندلس، وجعل لها ثلاثة أبواب.

قام الأمير المنذر بن محمد ببناء بيت المال الذي جُعل خزانة للمال الموقوف على غُيّاب المسلمين وتجديد السَّقَّاية وإصلاح السقائف. وزاد عبدالله بن محمد في الجامع القنطرة (الساباط) المعقودة على حناياه. وأوصل به مابين قصر الخلافة والمسجد الجامع، وهو الذي فتح في المقصورة بابًا كان يخرج منه إلى الصلاة.

جامع قرطبة في أيام عبدالرحمن الناصر.

تنسب إلى عبدالرحمن الناصر أعظم زيادة في تاريخ جامع قرطبة، حتى جاءت هذه الزيادة جامعًا جديدًا قائمًا بذاته داخل الجامع القديم. فقد أمر بهدم الصومعة (المنارة) الأولى عام 340هـ، 951م، وأقام الصومعة البديعة. وكانت الأولى ذات مطلع (درج) واحد، فصير لها مطلعين فصل بينهما البناء، فلا يلتقي الراقون فيها إلا بأعلاها. وليس في مساجد المسلمين صومعة تعدلها. وكان طولها إلى مكان وقوف المؤذن أربعة وخمسين ذراعًا، وإلى أعلى الرمانة الأخيرة بأعلى البرج ثلاثة وسبعين ذراعًا، وعرضها في كل تربيع منها ثمانية عشر ذراعًا، وذلك اثنان وسبعون ذراعًا. حوّل الأسبان هذه المنارة ـ بعد سقوط الأندلس ـ إلى ما سمّوه برج الأجراس، وكان آخر عهدها بالأذان عام 625هـ، 1236م. وحتى اليوم ماتزال المنارة برجًا لأجراس الكاتدرائية التي كانت المسجد الجامع الأعظم في قرطبة. وأمر عبدالرحمن بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة، وقاية للناس من حر الشمس. وبلغت النفقة في هذه الزيادة نحو 261,537دينارًا.

جامع قرطبة في عهد الحكم المستنصر بالله.

زاد الحكم بن عبدالرحمن الناصر في الجامع زيادات كبيرة ضاعفت من عمرانه وجماله، وذلك لأن الجامع ضاق بالمصلين. وكان المحراب الذي أنشأه الحكم المستنصر هو المحراب الثالث في جامع قرطبة. وقد أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان جملة ماصرف على هذا المنبر كما تذكر إحدى الروايات نحو 35,705 دنانير وحجمه 7,5 × 7,5 × 13 ذراعًا، وعدد درجاته تسع درجات. وجعلت فوقه قبة فخمة.

ومد الحكم القنوات الناقلة للمياه إلى السقايات والميضآت التي أحدثها في الجامع. فقد كان في الجامع ميضأة قديمة تستمد مياهها من بئر السانية، فبنى المستنصر في موضع هذه الميضأة أربع ميضآت، في كل جانب من جانبي المسجد الشرقي والغربي اثنتان، كبرى للرجال وصغرى للنساء. وأودع في جوف تلك القناة أنابيب الرصاص لتحفظه من كل دنس. وابتدأ جريان الماء فيها عام 356هـ، 966م.

وبُنِيَت عدة مقاصير في الجامع، منها: 1- المقصورة التي بناها غربي الجامع، وعرفت باسم دار الصدقة، لأن الحكم جعلها مركزًا لتوزيع صدقاته على الفقراء. 2- المقصورة التي جعلها مكتبًا يستخدمه خطباء الجامع والوعاظ والعمال. 3- المقصورة التي بناها قبالة الباب الغربي للجامع، يتخذها الفقراء الذين لابيوت لهم سكنًا لهم. 4- وبُنِيت حول الجامع ثلاثة مكاتب للمؤذنين الذين أجرى عليهم الرواتب ليعلموا أبناء المسلمين القرآن الكريم.

وأنشأ الحكَم رصيفًا جميلاً على امتداد طول الجامع ليكون متنزها لأهل قرطبة. واهتم المنصور بن أبي عامر بهذا الرصيف بعد الحكم. وتبلغ زيادات الحكم نحو ثلث المساحة الإجمالية للجامع. وحبس ريع جميع ماجرته إليه الورثة عن أبيه أمير المؤمنين في جميع كور الأندلس وأقاليمها. وجعل الحكم المستنصر جامع قرطبة جامعة من أشهر جامعات العالم.

جامع قرطبة في عهد المنصور بن أبي عامر.

أراد ابن أبي عامر أن يضيف إلى الجامع جزءًا يزيد على ما أضافه سابقوه. فوسَّع الجانب الشرقي وأضاف إليه بهذه الناحية مايزيد على ثلث مساحته أيام الحكم المستنصر. ثم أضاف وحده 245عمودًا وقوسًا. وأنشأ تحت الميضأة صهريجًا عظيمًا يتكون من تسعة أقبية تقوم على أربعة أعمدة واثني عشر قوسًا. ومازالت آثار هذا الصهريج باقية إلى اليوم. وأصبح جامع قرطبة في عهده أكبر مسجد بناه العرب المسلمون في القديم والحديث، مما جعل علماء الآثار العربية الإسلامية بالأندلس يطلقون عليه اسم جامع المنصور. واستغرق عمله في الجامع سنتين ونصف السنة، وخدم فيه بنفسه. وكان عدد من يخدم الجامع في دولته العامرية من أئمة ومقرئين وأمناء ومؤذنين وسدنة وموقدين وغيرهم من المتصرفين مائة وتسعة وخمسين شخصًا. المنصور بن أبي عامر.

الدور التعليمي لجامع قرطبة.

لم يكن جامع قرطبة مسجدًا للصلاة فحسب، بل كان إلى جانب هذا مركزًا للعلم ومقرًا للسلطة ودارًا للعدل. كان الجامعة التي تدرس في حلقاتها العلوم والآداب على اختلاف فنونها. وكانت فيه حلقة لدراسة الحديث النبوي الشريف، كان ممن ترأسها العالم المحدث الراوية أبو بكر بن معاوية القرشي، وحلقة يدرس فيها الأدب، كان ممن ترأسها ضيف الأندلس أبو علي القالي صاحب كتاب الأمالي، وحلقة للنحو والصرف، كان ممن ترأسها ابن القوطية. يعد جامع قرطبة في عهد الحكم الثاني جامعة من أعظم جامعات الأرض، تقرأ فيه العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية والكيميائية والجغرافية والمنطق والتاريخ الطبيعي.

وقد بلغ عدد الفقهاء والطلاب في الحلقات العلمية أيام الأمويين بقرطبة وحدها نحو أربعة آلاف. وأصبح عمل أهل قرطبة في التشريع حجة في الفقه. وأنشأ الخليفة الأموي الحكم وحده سبعًا وعشرين مدرسة بساحة المسجد الجامع بقرطبة، اتخذ لها المؤدبين، وأجرى عليهم المرتبات، وطلب إليهم العمل بالاجتهاد والنصح ابتغاء وجه الله.

الدور الحضاري لجامع قرطبة.

قام جامع قرطبة بالدور نفسه الذي تقوم به دور العدل أو القضاء في أيامنا هذه. وكان القاضي الذي يجلس فيه للحكم بين الناس يسمى في الوقت نفسه قاضي جامع قرطبة، وهو في ذات الوقت قاضي الجماعة ـ أي قاضي القضاة في زماننا هذا. وقد كان قاضي قرطبة قويًا في الحق، محافظًا على أحكام الشريعة، لايخشى الدفاع عنها أمام الخليفة إذا استدعت الظروف، وكانت إلى جانب القاضي شخصيات الكُتاب والمحامين، وبجانبهم الشرطة والجلادون، ويفد الناس إلى جامع قرطبة حيث تجري المحاكمة. وكان يؤتى بالذين ارتكبوا ما نهى الشرع عنه، أو صدرت بحقهم أحكام قضائية مما يدخل في نطاق الحدود الشرعية، مثل اللصوص والقتلة والمعتدين على حرمات الناس في النفس أو العرض أو المال، ويتم تعزيرهم على ملأ من الناس، ويتم ذلك عادة بعد صلاة الجمعة، لأنه أنسب الأوقات ليشهد العقوبة أكبر عدد من الناس حتى يكون في ذلك عبرة للآخرين.

وكانت تتم في حرم جامع قرطبة مراسم أخذ البيعة الجماعية للخلفاء، بحضور كبار موظفي الدولة، وتستمر لعدة أيام، وهي البيعة الخاصة. وكان الشعراء يلتقون عند باب جامع قرطبة لإنشاد الشعر الرصين. وكان لجامع قرطبة دور أساسي في تعميم المراسيم والبلاغات الحكومية على الرأي العام، وكان حكام الأندلس يتخدون من هذا الجامع المنصة الإعلامية الرسمية. وكان له دوره في المواسم الدينية، ومن أهمها إحياء ليلة القدر في الأيام الأخيرة من شهر رمضان.

وكان هو الجامع الرسمي للدولة، يؤدي فيه الخليفة صلاة الجمعة إلى جانب ماذكرناه من أمور رسمية. وأطلق على هذا الجامع من خلال هذا المفهوم جامع الحضرة أي جامع الخليفة، فإنه كان لمن يتولى إمامته والخطابة فيه أهمية خاصة، ويتم اختياره بعناية كبيرة، يقوم الخليفة نفسه باختياره، ويوقع مرسوم تعيينه في منصبه الذي كان يعرف بمنصب صاحب الصلاة، وكثيرًا ماكان يتولى هذا المنصب قاضي الجماعة. وخلد الأدباء والشعراء والعلماء من أهل الأندلس وأوروبا وبلاد الإسلام في القديم والحديث عظمة الجامع الأموي بقرطبة، ومثال ذلك ماقاله عنه المستشرق الهولندي دوزي عام 1301هـ، 1883م: أما جامعة قرطبة، فقد كانت يومئذ من أشهر جامعات العالم، وكان مركزها في المسجد الجامع، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم..·. وممن أشاد به أيضًا المستشرق سيدبو والمستشرق جوستاف لوبون والمستشرق كراتشكوفسكي وجوسيه وجوتييه، وغيرهم كثير. ومن أمثلة ماقالوه عنه قول سيدبو: ¸.. فإن مسجد قرطبة الباقي يضاهي في الفخامة المسجد الأموي بدمشق..· وقول لوبون: ¸.. فأنشأ عبدالرحمن الداخل جامع قرطبة الشهير، الذي هو من عجائب الدنيا..·، وقول جوتييه: ¸.. لاسبيل إلى وصف التأثر الذي يشعر به المرء عند دخوله هذا المسجد الإسلامي القديم فيتراءى لك أنك تسير في غابة مسقوفة لا في بناء مصنوع، وحيث اتجهت يضيع بصرك في صفوف من السواري تلتقي وتمتد على مرمى البصر مثل غراس من المرمر ظهرت من تلقاء نفسها على أديم الأرض·.

ووصفه الأثريون بأوصاف يطول سردها، وألفت عنه كتب إسلامية عربية لاتحصى، وكتب أجنبية كثيرة. ومن الكتب الأجنبية التي كتبها معماريون مرموقون: غومبس مورينو وليو بولد بالباس، اللذان كتبا مايشبه المجلدات عن جامع قرطبة ومابلغته عمارته في مستوى الفنون الجميلة الرفيعة.

جامع قرطبة بعد سقوطها.

سقطت قرطبة في أيدي النصارى في 23 من شوال عام 633هـ، الموافق 29 من يونيو عام 1236م، بعد أن رفرفت راية الإسلام فوق مسجدها الجامع الأعظم نحو خمسمائة وخمس وعشرين سنة دون انقطاع. وماكادوا يدخلونها حتى بادروا إلى تحويل هذا المسجد إلى كنيسة، ولكنهم ـ بعد حين ـ أبقوا على كلمة مسجد مضافة إلى كلمة كاتدرائية، فهو معروف عندهم اليوم باسم المسجد الكاتدرائية، فعلوا ذلك لجذب السياح إلى بلادهم لمشاهدة روائع العمارة العربية الإسلامية في الأندلس المفقود. وحولوا مئذنته إلى برج أجراس، وأنشأوا في قلبه، وخلف الكنيسة التي أنشئت فيه عقب سقوط قرطبة، في جزء من زيادة عبدالرحمن الناصر وجزء من زيادة المنصور بن أبي عامر، كنيسة كاملة تتكون من مذبح ومصلَّى ومصْلَب وخلوات للاعتراف. وكلسوا زخارف جدره وكتاباته، ونزعوا عنه فسيفساء أرضه، وباعوا تحف سقفه الخشبية المحفورة المزوقة، ولم ينج من التخريب سوى محرابه.

ومن العجيب أن الأسبان الذين خربوا هذا الجامع قبل نحو ثمانية قرون، هم الذين يقومون اليوم بتجديده وإصلاحه وإخراجه بالحلة الهندسية المعمارية التي تركه عليها العرب المسلمون عندما أُخْرِجوا من قرطبة، حيث اتضح لهم أن الآثار العربية الإسلامية في أسبانيا تُعدُّ من المعالم السياحية التي تؤمن لهم أربعين مليون سائح سنويًا، يطمحون لمشاهدة العبقرية العربية الإسلامية التي سادت وسط ظلام القرون الوسطى في أوروبا.