المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في آية


عبدالناصر محمود
05-06-2013, 05:58 PM
بحث في آية:{فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ


http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_2713.jpg



بحث في آية:{فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم}



مادة نصوص عقدية لمرحلة الدكتوراة في جامعة أم القرى



إعداد : بدرين محمد ناضرين



إشراف : د . عبد الله بن عمر الدميجي



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ



لا شك أن موضوع رفع نبي الله عيسى عليه السلام إلى الله تعالى له أهمية عقائدية خاصة , لا بالنسبة للمسلمين فحسب , بل لليهود النصارى كذلك , ففيما يدعي النصارى موت نبي الله عيسى عليه السلام مصلوبا , يذكر القرآن الكريم خلاف ذلك تماما .



لقد جاء ذكر وفاة عيسى عليه السلام في موضعين في القرآن الكريم , الموضع الأول في سورة آل عمران/55 : { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا } والموضع الثاني في سورة المائدة/117 { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } وحاصل البحث بيان معنى الوفاة , وهل هي بمعنى الموت وانقضاء الأجل ؟ أو تطلق على غير هذا المعنى , وهل هذه المسألة من قبيل التأويل أم لا ؟



في التمهيد ذكر الباحث معنى الوفاة في اللغة , وبين أنها بمعنى الموت والمنية , وأن الميت استوفى مدته التي وفيت له من الأيام والشهور في الدنيا , وميز بين وفاة النائم التي ذكرت في القرآن , وأنها بمعنى استيفاء عقله حتى يفيق , وبين الوفاة بمنى الموت , ولذلك سمي النوم موتا في القرآن الكريم { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } الزمر / 42



في المطلب الأول ذكر الباحث أقول المفسرين في الآية وهي :



1- توفي الله تعالى لعيسى عليه السلام في الآية وفاة نوم , بمعنى إني منيمك ورافعك إلي , ذكره الطبري بإسناده إلى الربيع .



2- { إني متوفيك } بمعنى إني قابضك من الأرض فرافعك إلي , فمعنى الوفاة هنا القبض , كما يقال : توفيت من فلان ما لي عليه بمنى قبضته , ذكره الطبري بإسناده عن الحسن وابن جريج .



3- الوفاة بمنى الموت , فقد روى الطبري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( توفاه ثلاث ساعات من نهار حتى رفعه إليه )



4- معنى { إني متوفيك ورافعك إلي } أي : إني رافعك إلي، ثم متوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا ، فيكون في الآية ذكر المؤخر قبل المقدم وعطفه عليه.



وقد رجح الطبري القول الثاني من هذه الأقوال لتواتر الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال ثم يمكث في الأرض مدة - ذكرها اختلفت الرواية في مبلغها- ثم يموت فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه ... ) وكذلك ذكر الثعالبي والبغوي والقرطبي وابن كثير هذه الأقوال .



ويمكن إضافة قول خامس لتفسير الآية , وهو قول الزمخشري : { إني متوفيك } أي مستوفي أجلك بمعنى عاصمك من أن يقتلك الكفار , ومؤخرك إلى أجل كتبته لك , ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيديهم .



وفي المطلب الثاني ناقش الباحث أقوال المفسرين في معنى الوفاة , وحصرها في مسلكين : إما ان تحمل الوفاة على الموت , أو على غيره كالنوم أو القبض ....



وإذا كانت الوفاة بمعنى الموت، فإما أن يكون المعنى: إثبات موت عيسى عليه السلام قبل رفعه، أو يُقال بأن في الآية تقديم وتأخير، فيكون في الآية إثبات موته بعد نزوله آخر الزمان .



والقول بإثبات وفاة عيسى عليه السلام قبل رفعه، هو محل النقاش والبحث، وهو ما تناوله أهل العلم على مر العصور بالنقد .



أما القول بوفاة عيسى عليه السلام بمعنى النوم فقد ذكره الطبري وابن كثير عن الربيع والحسن بإسناد حسن , وقد رجح ابن كثير الوفاة بمعنى النوم , لقول الله تعالى : { وهو الذي يتوفاكم بالليل } الأنعام/60 , ولحديث الرسول لليهود : ( إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة )



وأما وفاة عيسى عليه السلام بمعنى القبض فيتفق مع القول السابق , بأن الله تعالى رفع عيسى عليه السلام ونجاه من اليهود , مع زيادة النوم في الأول , ويؤيد هذا الرأي آيات رفع عيسى عليه السلام{بل رفعه الله إليه ......} النساء/156-159



والحديث المتفق عليه : ( والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} )



واما القول بوفاة عيسى عليه السلام بمعنى موته بعد نزوله آخر الزمان فيشكل عليه آيتان هما : { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا .......} فاستعمال الواو في المعية والمصاحبة أكثر , وهي تفيد الترتيب هنا , فالوفاة وقعت أولا , والتدافع بين المؤمنين والكافرين بشان عيسى عليه السلام وقع بعد رفعه , وليس بعد موته آخر الزمان .



وأما الآية الثانية التي تشكل فهي آية المائدة : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ...... فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} فسياق الآية يدل على أن الوفاة المذكورة كانت أيام حياته الأولى في الدنيا قبل رفعه، فإنه عليه السلام كان يبلغ للناس ما أمره الله بتبليغه، أن يعبدوا الله ربه وربهم، وهذا الوصف يصدق على حاله قبل رفعه، أبلغ مما يصدق على حاله عند نزوله آخر الزمان، فإنه لا ينزل برسالة يؤمر بتبليغها، وإنما ينزل متبعاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ويحكم بها، فهو من أمة محمد صلى الله عليه وسلم , فيتبين من هذا ضعف القول بأن في آية آل عمران تقديم وتأخير، بمعنى أن المراد بوفاة عيسى موته آخر الزمان .



وأما القول بوفاة عيسى عليه السلام بمعنى الموت قبل رفعه فمروي عن ابن عباس ووهب بن منبه وغيره وكلها لا تصح للانقطاع أو انها لا تصح , وانه لو أماته لم يكن ليميته ميتة أخرى , فلا يجمع الله عليه ميتتين كما ذكر ذلك الطبري , وقد أكثر العلماء في الرد على هذا الوجه من التفسير .



والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح والسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلاهما دال على أن عيسى حي ، وأنه سينزل في آخر الزمان ، وأن نزوله من علامات الساعة ، وأن معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه ومن تبعهم هو إلقاء شبهه على غيره , واعتقادهم الكاذب أن ذلك المقتول الذي شبه بعيسى هو عيسى عليه السلام .



وفي الختام ذكر الباحث أهم النتائج التي توصل إليها من بحثه وهي :



1- وفاة عيسى عليه السلام المذكور في الآيات هو النوم أو القبض .



2- عدم دلالة الآيات على أن عيسى عليه السلام مات كما يموت غيره من البشر



3- اتفاق معنى وفاة عيسى عليه السلام مع النصوص الأخرى من الكتاب والسنة بخصوص عيسى عليه السلام .



4- تأكيد نصوص القرآن والسنة على بطلان عقيدة النصارى في عيسى عليه السلام .



5- إن نفي نصوص الشرع لصلب عيسى عليه السلام وإثباته حيا هو الحق الذي تنشرح له الصدور , وتطمئن له النفوس , خاصة من المهتدين من النصارى .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
{ مركز التأصيل للدراسات والبحوث }
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ