المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قواعد المنهج السلفي في الفكر الإسلامي


عبدالناصر محمود
05-07-2013, 06:12 PM
قواعد المنهج السلفي في الفكرالإسلامي (بحوث في العقيدة الإسلامية)



تأليف الدكتور : مصطفى حلمي الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة



دار الكتب العلمية لبنان 2005

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ




http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_2723.jpg

لا شك أن حركة اليقظة الإسلامية الآخذة بالاتساع تقابلها حركة مضادة بدوافع تغريبية وعلمانية وماركسية, حاولت وتحاول حصار هذه اليقظة لإجهاضها بشتى الطرق والأساليب, كخلط المفاهيم باختراع ألفاظ ذات مدلولات منفرة من الإسلام كالجمود والرجعية, ومحاولة تطويع حركة اليقظة للمفاهيم الغربية, التي تفصل الدين عن الحياة, والدعوة لاقتداء اليقظة الإسلامية بالمدنية الغربية بدعوى العصرنة.



وبما أن الكتاب يهدف إلى تصحيح الناحية العقائدية في فكر المسلم , فقد بدأ المبحث الأول ببيان عقيدة السلف الصالح المتمثلة بعصر النبوة والصحابة , التي غالبا ما يبتعد المؤلفين في مجال العقيدة عنها , معتمدين بكتاباتهم على كتب المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة , أو بآراء المستشرقين المهتمين بالفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة , فتختفي العقيدة الإسلامية الصافية تحت أكوام الجدل والخلاف الذي يصور في التاريخ الإسلامي.



لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من الوقوع في بعض المحظورات , فنهى عن البدع والمراء الذي يختلف عن المجادلة بالتي هي أحسن , ونهى عن المراء في القرآن والقدر خاصة , كما نهى عن التفكير في ذات الله تعالى , ولعل معظم الخلاف الذي وقع بين الفرق الإسلامية كان بسبب مخالفتهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه .



روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يزال الناس يسألونك عن العلم حتى يقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله ؟؟) قال أبو هريرة: جاءني ناس من الأعراب فقالوا : يا أبا هريرة هذا لله خلقنا فمن خلق الله ؟ّ؟ فأخذ حصى فرماهم به ثم قال : قوموا صدق خليلي .



لقد التزم الصحابة الكرام بما ورد في القرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية الشريفة في قضايا العقيدة التي اختلف الناس فيها بعد ذلك , فقالوا إن القرآن كلام الله تعالى كما ذكر القرآن , وآمنوا بالقدر كما بينه الله تعالى , وكذلك آمنوا بالملائكة كما ورد في القرآن الكريم , لا كما فعلت فرق اليهود , الذين كانوا يصفون جبريل بالعدو لهم لأنه بزعمهم صاحب كل عذاب وخسف وقتل , بينما يصفون ميكائيل بأنه وليهم لأنه بزعمهم صاحب رحمة وكل غيث , فلا بد من الاقتداء بمنهج الصحابة هذا في فهم العقيدة , بعيدا عن إقحام العقل فيما لا طائل منه كما فعل أصحاب الكلام , أو إدخال الوجدانيات كما فعل الصوفية , والتي كانت محل ذم من أهل السلف وأولهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .



ولا بد من بيان المشكلات المستحدثة التي تواجهها الثقافة الإسلامية المعاصرة , فقد أصبح الإسلام مدافعا عن قيمه وأفكاره منذ الهجوم الصليبي على العالم الإسلامي بقيادة نابليون بونابرت , التي حملت أفكار غربية مستحدثة , بعد أن كان رائدا في الفكر مصدرا لحضارته وقيمه في العصور السابقة .



وقد رد المؤلف على حجج الممتكلمين المتمثلة بأن علم الكلام بدعة حسنة لظهوره وتدوينه زمن التابعين , إضافة إلى أن أدلة العقل لازمة لبيان صحة أصول الدين وحقائقها , و القرآن الكريم ذم التقليد وندب الناس للنظر والاستدلال ومجادلة الكفار بالأدلة العقلية , مما يؤكد دور العقل ومكانته في فهم أصول الدين .



بعد الانتهاء من المبحث الأول الذي استعرض فيه المؤلف العقيدة الإسلامية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام , بدأ في المبحث الثاني ببيان انحراف عقائد الفرق عن عقائد السلف , محذرا من الفرقة والاختلاف , مستعرضا لبعض الفرق التي انحرفت عن منهج السلف الصالح في العقيدة , كالجهمية والمعتزلة وغيرها , مبينا أنه بعد استشهاد عثمان (رضي الله عنه) ظهرت الفرق وساد الاختلاف بين المسلمين , بدء من مطالبة معاوية بالقصاص , وصولا لاقتتال الفريقين , فظهور الخوارج ثم الشيعة فالقدرية وغيرها من الفرق .



وبعد استعراض تفصليلي لبعض الفرق كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة والتصوف , والرد عليهم بمنهج السلف الصالح المتمسك بالقرآن والسنة , وبيان الحاجة بعد كل ذلك لمعرفة العقيدة الإسلامية السليمة الصافية , يعرض المؤلف لعقيدة الفرقة الناجية , من خلال كلام ابن تيمية التي سماها العقيدة الواسطية .



وفي المبحث الثالث وبعد تعريف مصطلح السلف الذي يعني تاريخيا جيل الصحابة الكرام والتابعين من أهل القرون الثلاثة الأولى , حيث أصبح مذهب السلف علما على ما كان عليه هؤلاء ومن تبعهم من الأئمة , كالأئمة الأربعة وسفيان بن عيينة والليث بن سعد والبخاري ومسلم وغيرهم , وظهر نزاع وخلاف حول أصول الدين ومحاولة الجميع الانتساب إلى السلف بدعواهم , فكان ينبغي ظهور قواعد واضحة للاتجاه السلفي , يسترشد بها لفهم العقيدة الصحيحة وهي :



القاعدة الأولى : تقديم الشرع على العقل



فتثبت الصفات الإلهية بلا كيف , والقرآن الكريم والسنة أولا , ثم الاقتداء بالصحابة ثانيا لنزول الوحي بين أظهرهم , وعدم ظهور البدع والأهواء فيهم , ويتميزون عن أهل الكلام بأنهم أهل الحديث , فيقدمون الرواية على الدراية , ويتميزون عن المتكلمين بأنهم يبدأون بالشرع ثم يخضعون العقل له , فالمعقول ما وافق هدي السلف الصالح , فهم أكثر دراية وفهما للشرع من غيرهم , فالعقل خاضع للنص لا العكس , يقول ابن تيمية في تفسير قوله تعالى : ( ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم ) الأحقاف / 4 , إن الأثارة هي الرواية والإسناد , بينما لجأ المتكلمون إلى إخضاع النص للعقل بالتأويل الذي يمارسه أرباب النظر العقلي المعاصرون اليوم , كمحاولة لإخضاع الشريعة لمتطلبات العصر المتجددة كما يقولون.



القاعدة الثانية : رفض التأويل الكلامي



فالتأويل عند المتكلمين بعامة يقتضي اتخاذ العقل أصلا في التفسير مقدما على الشرع , فإذا ظهر التعارض فلا بد من تأويل النصوص إلى ما يوافق مقتضى العقل بينما السلف على العكس من ذلك كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية , فالاحتكام إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مكتفين بهما هو الأساس الذي يعتمد عليه أولا , وطوعوا المفاهيم العقلية لهذه النصوص , لأن العقل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو أمر يقوم بالعاقل سواء سمي عرضا أو صفة , وليس هو عينا قائمة بنفسها كما يعتبره الفلاسفة , إضافة إلى أن العقل يعجز عن الإحاطة بحقائق الدين .



القاعدة الثالثة : الاستدلال بالآيات والبراهين القرآنية



ما من مسألة من المسائل الكلامية الفلسفية , خاض فيها المتكلمون إلا وأوضحت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة كما يقول ابن تيمية , ففي القرآن طرائق كثيرة للاستدلال , كالنظر في ملكوت السماوات والأرض , وإشادته بالعلم والعلماء , قال تعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون * وفي السماء رزقكم وما توعدون ) الذاريات / 20 – 22



ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن القياس الصحيح هو الميزان المنزل من الله تعالى الذي يستدل به العقل ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ) الشورى/17 , وفسر السلف الميزان بالعدل , والقياس الصحيح من العدل الذي أنزله الله تعالى , ولا يجوز أن يختلف الكتاب والميزان ( القياس ) كما لا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح , فليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح .



إن مفهوم السلفية بالمعنى الذي أوضحناه لا ينحصر بزمن تاريخي , بل يمتد إلى العصر الحاضر , ويمكن استخلاص السمات البارزة للمنهج السلفي بعدة نقاط أبرزها :



1- الشمول : بعيد عن تجزئة جوانب الإسلام بين المتكلمين الذين اختصوا ببيان العقيدة , والفقهاء الذين اهتموا بالجانب العملي للإسلام , بينما اختصت الصوفية بالناحية الأخلاقية الروحية , فالإسلام كل لا يتجزأ .



2- التقدم لا الرجوع إلى الوراء : حيث لا تعارض بين السلفية كمنهج مأخوذ من عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام , وبين المعاصرة والحداثة بالاستفادة من علوم العصر وتقنياته , فليس كل قديم يترك ولا كل حديث يؤخذ , والفرق شاسع بين تاريخنا المشرف الذي نصبو لإعادة أمجاده , وتاريخ الغرب الذي يسمى العصور الوسطى المظلمة .



3- الأصالة لا التجديد : فكيف يمكن أن نقلد الغرب الذي يستصرخ فلاسفته للخروج من المأزق الحضاري الذي هم فيه ؟!



ويختم المؤلف كتابه بتوجيهات شيخ الإسلام ابن تيمية في تزكية النفس وتحسين الأخلاق وإصلاح المجتمع , بمبحث رابع طرح فيه السؤال التالي : ما السبيل إلى حياة أفضل ؟؟؟ مجيبا على ذلك بأن الوحي الإلهي هو المنقذ وليس الفكر الإنساني المجرد عن هذا الوحي , فالدين هو مصدر الإلزام الخلقي الناجع في هذا العصر , وهو مصدر الأحكام الشرعية أيضا , وأفضل النعم التي تتم بها السعادة الحقيقية للإنسان هي نعمة الإيمان بالله تعالى .



جزى الله تعالى الكاتب على هذا الكتاب المتميز , الذي يضع المنهج الصحيح في وقت كثرت فيه التيارات الفكرية المعاصرة , التي تحمل في ثناياها الكفر والزيغ والضلال , عافانا الله تعالى والمسلمين منها , إنه سميع قريب مجيب , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ