المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أطبع قصيدة للعرب


عبدالناصر محمود
05-08-2013, 08:56 PM
أطبع قصيدة للعرب
ــــــــــــــــــــــــــــ

( مجهول )
--------



تقديم : محمد خليل الزروق
-----------------

هذه القصيدة لا نعلم لها مصدرًا الآن إلا كتاب " الأشباه والنظائر 2/147 " للخالديَّيْنِ ، ولا يُعلَم صاحبها ، والرواية فيها لأبي عكرمة الضبي ، وعنه صَعَودَا محمد بن هُبيرة الأسدي أبو سعيد ، قال النديم : " أحد العلماء بالنحو واللغة على مذاهب الكوفيين ، وكان منقطعًا إلى عبد الله بن المعتز " ( الفهرست 1/1/224 أيمن فؤاد ) . وأما أبو عكرمة الضبي فهو عامر بن عمران بن زياد الرَّاوية ، من أهل سُرَّ مَن رأى ، قال ياقوت : " كان أعلم الناس بأشعار العرب وأرواهم لها ، وكان في أخلاقه شراسة ... ومات سنة خمسين ومائتين " ( معجم الأدباء 4/1479 عباس ) . ومات أبو عكرمة ولم يخبر بصاحب القصيدة .
والعجب من جهالة صاحب القصيدة ، وقلة مصادرها ، على جودتها وحسنها وطرافتها في بابها . وأما وصفها بأطبع قصيدة - كما ستراه فى القصة - فإنما هو على سبيل المبالغة في الاستحسان ، كما يقال : أمدح بيت ، وأهجى بيت ، وأغزل بيت ، وليس ثمة بيت واحد يوصف بهذا الوصف . وعذرًا لضيق وقتي عن تفسير غريبها ، ولو فعل أحد القراء ذلك فشكر الله له .

أطبع قصيدة للعرب
حدثنا أبو بكر أحمد بن منصور المعروف بابن الخياط النحوي - رحمه الله - قال : أخبرني صعودا ، قال : كنا في مجلس أبي عكرمة الضبي ، وكان أعلم الناس بأشعار العرب ، وأرواهم لها ، على شراسة كانت في خلقه ، فريناه نشيطًا فقلنا له : ما نظن أن للعرب قصيدة في صفة الحرب مثل قصيدة قيس بن الْخَطيم التي أولها :
أتعرف رسمًا كاطِّراد المذاهب * لعَمْرةَ وحشًا غيرَ موقفِ راكب
فقال لنا أبو عكرمة : ويخلق ما لا تعلمون ! فعلمنا أن عنده شيئًا يريد أن يفيدَنَاه ، فقلنا له : وما ذاك ، يا أستاذ ؟ قال للعرب قصيدتان في وصف الحرب ما لهم مثلهما ، قلنا : ما هما ؟ قال قصيدة الربيع بن زياد العبسي ... ( وأنشدها ) قال أبو عكرمة : والقصيدة الأخرى التي في صفة الحرب قصيدة ابن أحمر السعدي ... ( وأنشدها ) قال صعودا : فلما رأينا نشاطه سألناه عن أطبع قصيدة للعرب ، وأحسنها رونقًا ، وأكثرها ماءً ، فقال لنا : قد أكثرتم وأطلتم ! وسأنشدكم قصيدة كما قلتم ، وأنا أعطي الله عهدًا أن عرفتكم من قالها ( يريد أن لا عرفتكم ) ، قالوا : نرضى بذلك ، فأنشدنا :


ألا ما لعينك مطروفة
بذكر الخيال الذي زارَها
لذكر خيال سرى مَوْهنًا
فهاج على العين عُوَّارَها

تجاوز نحويَ هول النُّجود
وسهل البلاد وأوعارها

فبت به جذِلاً ليلتي
إلى أن تبيَّنتُ أسحارها

فلما انتبهت وجدت الخيال
أماني نفس وتذكارها

وفاض من العين مُغْرَوْرِقٌ
من الدمع ألْثَقَ أشفارها

لذكر التي دون أبياتها
تَنَائفُ تقطع مُزدارها

وساجٍ من البحر مغرورق
يُنَهْنِهُ دونِيَ أخبارها

نَزُورُ الكلامِ ، قطيع القيا
م ، لم يُظلم الهمُّ أسهارها

ولم تَشْتُ في صَرْمة بالغضا
ولا الحزنِ تنظر مَيَّارها

كأن سُخاميةً عُتِّقتْ
ثلاثين حولا وأعصارها

لقيصر لم يُغلها طابخ
ولم يُتعب الوطءُ عصارها

فأصفى بعَقْوته نفسَه
ولم يدْعُ للبيت تُجَّارها

- يُعَلُّ بها بَرْدُ أنيابها
إذا انتابت الطيرُ أوكارها

فياليتها ساعفت بالوصو
ل وقتًا وحُمِّلتُ أوزارها

وكَفِّي لها الرهنُ ألا أخون
وأن لا أضيِّع أسرارها

متى ما أنل ودَّها صافيًا
فقد قضَّت النفس أوطارها

وكنا ونحن لها جيرةٌ
يطول تجنبنا دارها

حياء على أنني أُستَجَنُّ
عليها وأغبط زوارها

إذا أنا أبثثتها حاجة
أطال فؤاديَ إضمارها

أرتني مخايل يعجبْنَني
لغيري تُنزل أمطارها

فيا ليت شعري هل أبصرنّ
بوادي العقيقين حُضَّارها ؟

وهل أشهدنّ بتلك الهضا
ب سَحْب الذيول وتجرارها

وعاذلةٍ باكرتْني تلوم
وتفري من الغيظ أطمارها

تخاف عليَّ اجتياب البلاد
ورميي بنفسيَ أقطارها

فقلت لتعلم ما نيتي
وأن لست أحفل إكثارها :

أعاذلَ مهلاً فقِدْمًا عصيتُ
مقال النساء وتأمارها

دعيني فلا أنا أرجو الخلود
ولا النفس تسبق مقدارها

وليس القعود بمنجي النفوس
بل الله يكتب إنشارها

وأرضٍ قطعت بلا صاحب
إذا الآلُ ألبس أطرارها

لهوت ببيض حسان الوجو
ه ، لم يلِجِ الضِّحُّ أبشارها

كمثل الجآذر يُلهينني
وأدعو إلى اللهو أبكارها

وخيلٍ هَدَيتُ ، وخيل حَمَيْتُ
إذا هي لم تحم أدبارها

وما زلت منذ فهمت الشؤون
ونقض الأمور وإمرارها

لِزَاز خصوم إذا أ***وا
أكفكف بالصمت مهذارها

وكشّافَ هول وركَّابه
وحلاّلَ بيدٍ وسيَّارها

عقرت لهم عند إرمالهم
قَلوصي ولم أدع أيسارها

ولم أك إذ خفت إرمالهم
كمن يكْسَعُ الشَّوْلَ أغبارها

فهذا بلائي ، وإني امرؤ
حلبت المعيشةَ أشطارَها

وكنت إذا ما أردت القريض
تخبِّرني الجنُّ أشعارها

أَرُوض صعاب قوافي القريـ
ـض حتى تَذِلَّ فأختارها

قواف يُوَرِّدها صاحبي
إلي وأكفيه إصدارها

* * *

قال صعودا : فوالله لقد جَهَدنا به كل الْجَهْد أن يعرِّفنا من قائل هذا الشعر ، فلم يفعل . فلما حضرته الوفاة كتب وصيته ، فقلت له : ما لتلك القصيدة في قلبي حلاوة حتى أعرف قائلها ! فإن رأيت أن تعرفني من قالها ؟ فضحك لي وقال : قد كنت أتوهَّمك موضعا للوصية ، وأما الآن فما أرى لك عقلا ، انبِذْ إليَّ كتاب الوصية ! أتُراني كنت في حال من الأحوال أسوأ أخلاقًا مني وأنا أستبين الموت في حركاتي ؟ والله لا عرفتَ قائلها مني أبدًا ! هات الوصية وقم ! فأخذها مني ، وانصرفت ، ومات في آخر يومه !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
{م: الرقيم }
ـــــــــــــــــــ