المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الانزياح الدلالي في الشعر الحديث


ام زهرة
05-08-2013, 11:54 PM
الأسلوبية التعبيرية والدلالة في النقد الحديث ترتكز على أنماط من التحولات الأسلوبية في الشعر ومنها الانزياح بأشكاله. نظام الربط في الجملة الشعرية والتكرار .. وبناء على ما ذكر يمكن تناول بعض من هذه الانزياحات كمدخل أول لهذا الموضوع المتشعب مع ضرب الأمثلة المبسطة.
الانزياح الدلالي :
إذا كان الانزياح أو الانحراف عن المعيار من أهم الظواهر التي تميز اللغة الشعرية عن السردية مع منحها شرف الشعر وخصوصيته. فإن هذا النوع من الانزياح يتسم ببعض السمات المصاحبة له كالابتكار والجدة والنضارة والإثارة. ومن الأمثلة على الانزياح الدلالي ما يسمى بانزياح النعوت عن منعوتاتها المتعارف عليها، وكمثال عل ذلك من قصيدة للشاعر بدر شاكر السياب " أنشودة المطر ":
عيناك غابتا نخيل ساعة *****
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
فجعل بدر العينان غابتا نخيل رغم قسوة شجر النخيل لكن جاءتا في هذا السياق على نحو مغاير تماماً خاصة مع إضافة دلالة ***** وهي اللحظة القريبة من طلوع الفجر وانبثاق الشعاع الأول للشمس مما أضاف ليونة وطرافة على المعنى . كذلك الشرفتان هذا الجسم الرخامي القاسي، حيث ظهرتا على غير ما هما عليه بإطلاق صفة ابتعاد ضوء القمر عنهما قليلاً قليلاً، في هاتين الصورتين استطاع الشاعر السياب أن يخلق انزياحاً دلالياً غاية في الروعة.
الاستعارة التنافرية
وهي صورة بلاغية تقوم على الجمع بين متنافرين لا علاقة جامعة بينهما؛ لخلق منظومة شعرية ذات دلالة ومغزى . وكمثال بسيط من النثر وهو الكلام الذي يحقق الملائمة الإسنادية للموصوفات، كأن تسند الألوان أو الصفات إلى موصوفاتها، على سبيل المثال: البحر أزرق .. العشب أخضر .. الطين بني .. وهكذا .
لكن في الشعر يختلف الأمر ليتحقق التنافر المطلوب وهو ابتداع شعري تخيلي بحت وكمثال على ذلك قصيدة " لم هذا الخوف "محمد ثلجي
يومياً
يختلطون جلوداً كالسمك المكبوبِ
على شبك الموتِ
فأسرح مع لون العشب البنيِّ
ونافذة فارغة في الخلفِ
الآنَ سأهرب للزحمةِ
آهٍ ... ما أبطأ هذا العمرَ
وما أقصرْ
فالتعبير العشب البنيُّ أحدث تنافراً مع تقدير النوع واللون والتنافر الحاصل بينهما هو ما ضمن خلق بعد جديد للمعنى المراد منه . فالعشب بدلالة الجسد كما أخبر عنه "يختلطون جلوداً" ودلالة العشب للكثرة وليست للنوع وهذه المفارقة هي من صنعت من هذه الجملة، الشعرية المطلوبة.
الإسناد النحوي
الجملة نوعان: الاسمية والفعلية: باتساق وانسجام فيما بينهما تتشكل الجملة النثرية العادية أو ( الإيصالية ) أما على مستوى الشعر فالاختلاف كلي على سبيل المثال حين نقول: "شقت السفينة عرض البحر" جمله عادية إيصالية بحيث أوصلت المعنى على أكمل وجه، بالمقابل لو قلنا: شقت عيونك قلب البحر .. اختلف المعنى كلياً وأصبح لدينا جملة شعرية متسقة منسجمة مع الابتداع الشعري. وكمثال على الإسناد النحوي قصيدة "مستوحشاً مثل رقيم " للشاعر شكري بوترعة :
وكنت سجين المكان الذي لست فيه ..
أرى في المنام
يدي تزرع الريح في قرى المحبطين ..
أصيح : هنا مات قريني بضربة زهر ..
هنا اشتبك العاشق مع الحدائق وسقط في الأسر ...
إن القضية الأساسية في لغة شكري هي نقده للواقع بالهروب نحو اجتراء الحلم والأفعال التي استعملت في هذا الجزء جلها ماضية، كأنه يشير لماضٍ بقصد فعل المقارنة والمفارقة ومفردة الموت التي جاءت في نهاية المقطع عبارة مؤلمة بتضمين الضربة ونهاية مفروضة لهذا الحلم، بحيث نقل الدلالة المفضية عن حلم المحبطين من يبحثون عن العيش الكريم في أحلامهم للواقع المرير، الذي يصطدم بالموت المحتوم. فكأنه أعاد تشكيل الدلالة الإنسانية وإسنادها لواقع مرير لا يقبل وجود هؤلاء مما جعل من الأحلام الطريق الوحيد للتعبير عن أحلامهم وطموحاتهم.
الانزياح الإضافي :
هي المفاجئة التي ينتجها حصول اللامنتظر من خلال المنتظر؛ أي أن يتوقع المتلقي مضافاً إليه يتلاءم والمضاف. كأن تتوقع بعد كلمة طعنة الرمح أو السيف، لكن أن يضاف لها كلمة طعنة الريح أو الخوف هكذا يصبح لدينا انزياح اضافي شعري بحت: وكمثال مبسط على ذلك قصيدة جميلة بعنوان "أغنية الرحيل" للشاعر مجد أبو شاويش، يقول فيها :
يَبتَلِعُنَا الفَرَاغُ ،
تُوصَدُ نَوافِذُ العُمْرِ ،
وَتَتَهَاوَى شَظَايَا أيّامِنَا فُتَاتَاً
إِثْرَ طَعَنَاتِ الرِّيحْ
يبتلعنا الفراغ هذا الابتكار الذي صنعه الشاعر كان غاية في الروعة والجمال بحيث زاوج بين الابتلاع والفراغ وحرك على نحو ما المجال التقريري ساعياً إلى دائرة الشعر رغم كونهما لا يتفقان "إضافة" في بينهما فالابتلاع شيء والفراغ شيء آخر. في النهاية جعل من هذا التزاوج قيمة شعرية وفنية مميزة.
الانزياح التركيبي
وهو مخالفة التراتبية المألوفة في النظام الجملي. من خلال بعض الانزياحات المسموح بها في الإطار اللغوي كالتقديم والتأخير في بعض بنى النص، كتقديم الخبر على مبتدئه. أو الفاعل على الفعل أو النتيجة على السبب. كذلك الحذف الفني الذي يستغني عن بعض البنى والمفردات سعياً وراء التلميح لا التصريح، الذي هو أبلغ أثراً وأعمق دلالة. كذلك حذف بعض الكلمات والاستغناء عنها ببعض النقاط كدلالة مسكوتة عنها. وهذا في العادة ما يشمل النصوص ذات البعد السياسي والغزل الحسي. ومن الأمثلة على تلك الانزياحات التركيبية قصيدة " حتى تراه " للشاعرة آمال الساعي:
وهل تجدي السخرية ملهاة
تضج سمعك
أنا الوحل وهذا الحوض لي
وماءك يستغيث ... الفراغ
فجوة تصحو في ليلك.... مرآة
يلاحظ تقديم المفعول به "وماءك "على الفعل "يستغيث" وأصل الجملة:
" يستغيث الفراغ ماءك" لكن الشاعرة آثرت قلب النظام الجملي لتثير بذلك شهوة القارئ وتضيف للمعنى والفكرة بعض الغموض والنسق الشعري للسياق.
شعرية عنوانات القصائد والدواوين
لا شك أن العنوان أصبح ذا أهمية كبيرة في الشعر الحديث، إن لم يكن جزءًا من بنية القصيدة والعمل المكتوب. ولو بحثنا في أردان التاريخ ونبشنا صناديقه لوجدنا كثيراً منها كان على نحو مميز ملفت للانتباه.
في الشعر الحديث اختلف الأمر وأخذ بعداً آخر. فبعض العناوين كان رمزاً بعيداً عن جو النص ومضمونه، وبعضها معبراً عن القصيدة بأسرها. كما عمل الشاعر الفطن على صياغة عناوينه باتجاهات عدة كأن يصوغ منها صفات متنافرة، نحو: "طريق الحرير" آمال الساعي ، "قرن كنعان" مصطفى الصالح، " قصب الملح " محمد ثلجي. "ملامح خيبة"حيان حسن. أو أن يصوغها بأشباه الجمل، نحو: "بيت في الغيم "محمد بوحوش. "من أوراق عابر سبيل"ربيع عقب الباب.
أيضاً هناك ثمة نوع من العناوين لتشكيل الإثارة والإغراء لما تحمله من عناصر ببعد وتوقيعات إما سياسية أو دينية أو جسدية.
توظيف أدوات الربط " وجوداً وعدماً "
هذه التقنية الأسلوبية ظهرت بشكل جليّ في الشعر العربي الحديث. حتى باتت تشكيل أسلوبي فني، يمكن أن يفيد منه النص، ويحقق له مستوى جمالياً فريداً.
قديماً صنف هذا النوع من الأسلوب تحت مسمى ( الوصل والفصل ) بمعنى أن الوصل هو عطف جملة على أخرى. وعكسه الفصل، وهذا مألوف ومتبع في الجملة النثرية الإيصالية. أما على مستوى الشعر فيصبح الأمر مختلفا، إذ يكتفي الشاعر بربط جزئيات السطر الشعري بتجاوز دواليه. مع احتمالية ترك العطف بفعل أنه أبلغ من ذكره.
ومن الأمثلة على تصدر أداة العطف كل السطر الشعري في المقطع الواحد قصيدة للشاعر احمد جنيدو بعنوان" تفاسير كان "
إنني وجعٌ، لا يحيدُ، فهل يدركون.؟
دعيني بصمتي، ففي لغة العشق ألف قتيل ْ.
وألف دليل ٍ، وألف سبيلْ؟ ولا يعبرون.
على صفحة الحب أرسم وجها ً،
وأبدأ خطـّيْ الصغير
ففي لغة العشق ألف قتيل / وألف سبيل/ وألف دليل/ ولا يعبرون. هذا التكرار خطر جداً في أغلب الأحيان فكون التكرار وخاصة أحرف العطف يؤثر في كون المعنى منطلقاً مع كل جملة شعرية، إلا أنه قد لا يبعث على الملل ومبدأ عطف الجملة على سابقتها كدلالة رجعية للمعنى المترابط المتراص مع بعضه.
التقنية الثانية هو خلو المقطع من أدوات الربط وهذا أبلغ من الأول، ويكون الاستغناء عنه بتوالي أفعال الأمر أو الما ضيةومثال على ذلك قصيدة للشاعرة سليمى السرايري " جوليت "

أخذته جنيّة الرياح الأربعة
أسكنته قصرها العاجيّ
ألبسته آخر ما نسج الموج..
أخذته / أسكنته /ألبسته .. كلها أفعال ماضية استغني معها عن أحرف العطف تقديراً من الشاعرة ورغبة منها لتوسيع نطاق المعنى وتركه بلا ركيزة معطوفة؛ ليظل محلقاً على نحوٍ مستقل.
ما غاية استخدام الانزياح في الشعر؟؟
قديماً كان الشعر أكثره مناسبات. وتشكل ما بين المديح والهجاء والفخر والغزل العذري والتغني بالذات والشاعرية الخ وهذه النوعية من النصوص الشعرية تحتاج على الأغلب لمحسنات بديعية ملصقة على جسد الكلام كالاستعارات والتشبيهات والتكرار والتكلف والصناعة الشعرية والجزالة اللغوية والسجع والجناس وغيرها..
وفي عصرنا الحالي لم يعد الشعر وسيلة رئيسة في حفظ الموروث القبلي والديني والاجتماعي مع دخول وسائل أخرى وأساليب أكثر مرونة وقبول من الجمهرة، فاتجه الشاعر لقضايا أكثر حميمة وقرب من الشارع كالقضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية إضافة لتأثره الكبير بالطبيعة ومحاولته خرق سننها العادية والتحليق في فضائها وكل هذا يحتاج لفنون أخرى غير الدارجة والمتعارف عليها فجاءت الانزياحات لتلبي رغبه وتشبع روحه وغريزته.
فالانزياح عبث بالجملة الشعرية ذاتها ومحاولة لتقليل المحسنات البديعية على جسدها وإدخالها في روحها؛ ليكون الشعر أكثر ملائمة وأقرب من التفكر والتبصر والإغراق، وهذا يتطلب استدعاءات تاريخية وأسطرة العمل وموروثا ثقافيا واجتماعيا، كذلك أحداث اللبس في المعنى بإفضاء رموز متشابكة متداخلة، واستعمال جمل مركبة بلغة قريبة من المجتمع مفهومة غير مبتذلة، والأهم الصورة بدلاً من الإطباق على المعنى والتركيز على الفكرة.
وهناك ما يمكن أن نسميه شعرية الكلمة وتطورها، ومنها التحولات في هذا الجانب إذ أن التناسب بين الكلمة / المعنى وبين الغرض / الموضوع كان الأساس الذي يتم به قياس شعرية / شاعرية الكلمة إلا أن الشعر الحداثي بداية من الرومانطيقية أو الرومانسية أخذ في التحول بهذا المقياس إلى آفاق أخرى مبرزا الانزياح في المعنى، ولعل الانزياح قد يخفى على الكثيرين لذا فيمكن لنا ( كما عبر عنه أستاذنا الدكتور أحمد مطلوب في كتابه في المصطلح النقدي) أن نعتبر الكلمة ذات مستويات متوالية تنازلية للمعنى أعلاها المعنى المعجمي لها، ويليها ما يمكن أن نعطيه مستويات دلالية له تكون محور ابتكار الشاعر الحداثي وقدرته في الانحراف بمعنى الكلمة إلى معنى ذات دلالة جديدة ( تجديد اللغة ) كما جاء في قصيدة بلقيس للشاعر الكبير نزار وبدايته ( شكرا لكم ) فهذا الأسلوب أو تلك الجملة ذات محمول توصيلي إلا أن الشاعر وظفها في الموقف ( اغتيال زوجته) لتأخذ معنى دلاليا ساخرا غاضبا تعجبيا مقترنا بالحزن معا، وهنا يبدو لنا تحول بين المعنى المعجمي السطحي للكلمة والجملة إلى آفاق أخرى دلالية أعطت لها صفة الشاعرية ما يعني انفتاح جميع الكلمات وقدرتها على أن تعطي ذات الصفة شريطة أن يجيد الشاعر بقدرته على توظيفها في الموقف؛ لتأخذ المعنى الدلالي المراد الجديد.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن قوة المعنى الدلالي لتتحول معه إلى كلمة شعرية / شاعرية تكمن في المسافة الفاصلة بين المعنى المعجمي / السطحي وبين المعنى الدلالي الجديد والموظف في الموقف الشعري، وكلما اتسعت هذه المسافة كانت الكلمة / الجملة ذات شعرية أكثر من غيرها وبالتالي سقط بهذا ما يسمى المعجم الشعري والعكس صحيح كلما وصل المسافة بين المعنيين حد التطابق كلما تحولت الكلمة للصفة العلمية وابتعدت عن الشعرية / الشاعرية .
منقول