المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صدام الحضارات" في شرق آسيا الإسلامي- روبرت كابلان


Eng.Jordan
05-12-2013, 01:26 PM
"
(http://www.neworientnews.com/news/files/news/)

يمثل الإسلام هاجساً في الولايات المتحدة منذ عقد من الزمان على الأقل؛ حيث جعلتنا هجمات الحادي عشر من سبتمبر والعنف المستعصي على الحل في العراق وأفغانستان وباكستان (بغض النظر عن مدى مسؤوليتنا فيه) حيارى. وتخبرنا كتب التاريخ بأن الإسلام انتشر عبر شمال أفريقيا؛ غير أن ثمة جانباً آخر للتاريخ الإسلامي ظل غير معروف، رغم أنه يضيء منطقة جغرافية استراتيجية مهمة من القرن الحادي والعشرين. ذلك أننا بينما نركز - نحن في الولايات المتحدة - على النصف الغربي من العالم الإسلامي في صحاري الشرق الأوسط، هناك نصف شرقي في الغابات والأدغال الخضراء للمناطق المدارية حيث تتقاطع اليوم طرق الطاقة العالمية وحركة الملاحة التجارية البحرية.

والواقع أن الإسلام ليس ديناً صحراوياً سوى جزئي؛ فهو بالقدر نفسه دين بحري، لا يحمل فكراً قتالياً ضيقاً، وإنما عالمية وكوزموبوليتانية نشرها تجار متعلمون على مدى القرون في بحار الشرق الأقصى. فشخصية "سندباد البحري" الأسطورية مثلاً كان عربياً من عُمان يقيم في البصرة؛ وأسفاره البطولية في القرن الثامن إلى القرن العاشر شملت شرق أفريقيا وخليج البنجال وجنوب بحر الصين، في ما يمثل دليلاً على الانتشار البحري للإسلام حتى شرق آسيا.
غير أنه إذا كان 20 في المئة من المسلمين يعيشون في الشرق الأوسط، فإن 60 في المئة يعيشون في آسيا، وفق "مركز بيو للبحوث"؛ ذلك أن العالم العربي إضافة إلى إيران وأفغانستان وباكستان (وهي الخلاصة الجغرافية لحروبنا وتخوفاتنا) يضم 632 مليون مسلم؛ هذا في حين أنه يوجد في الهند وبنجلاديش وميانمار وماليزيا وإندونيسيا وجنوب الفلبين 565 مليون مسلم إضافي. ولما كانت مدن الطبقة الوسطى في شرق آسيا الآخذة في النمو تحتاج لكميات متزايدة من النفط والغاز الطبيعي من الشرق الأوسط، تعكف الصين حالياً على مغازلة شرق العالم الإسلامي، الذي يقع على الخطوط البحرية الرئيسية إلى الشرق الأوسط.
فعلى طول سواحل جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، تقدم الصين اليوم المساعدات العسكرية والاقتصادية وتقوم ببناء الموانئ ومراكز الحاويات؛ كما تقوم السفن الحربية الصينية بزيارات لموانئ المنطقة؛ وذلك لأن الحكومة الصينية تعتبر بحر جنوب الصين "مصلحة جوهرية" (ما يثير استياء الولايات لمتحدة وحلفائها) جزئياً لأنها تمثل بوابة إلى هذه المدن العالمية الإسلامية المدارية التي يعرفها الصينيون جيداً منذ العلاقات التجارية في عهد سلالات "تانج" و"سونج" و"يان" في القرون الوسطى.

ومثلما يشرح الأنثروبولوجي الراحل كليفورد جيرتز، فعندما انتشر الإسلام عبر شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، فإنه دخل إلى "منطقة عذراء بالأساس، في ما يتعلق بـ"الثقافة الرفيعة""؛ وذلك حتى يبني حضارة كاملة من الصفر؛ ولكن ومع قيام الموجات المتتالية من التجار العرب والفارسيين بمخر عباب بحار الشرق بين شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا في العصور الوسطى (قبل رحلة فاسكو ديجاما) حاملين التوابل والأقمشة القطنية والأحجار الكريمة والمعادن، أصبح الإسلام مجرد طبقة واحدة من مزيج ثقافي هندوسي وجافاوي معقد.

وإذا كانت الديمقراطية شبه منعدمة في العالم العربي، فإنها شائعة في المجتمعات الإسلامية لجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا. ذلك أنه في العالم العربي، لم يترك النهج الإسلامي الساعي إلى بناء حضارة كاملة تتصف بالكمال مجالاً واسعاً للشرعية السياسية العلمانية للتجذر. ونتيجة لذلك، هناك لجوء متكرر في بعض البلدان إلى الإيديولوجيا المتطرفة، أو إلى الديكتاتورية البريجنيفية العقيمة الموجودة في بعض الأنظمة الشرق أوسطية. أما في المناطق المدارية الإسلامية، فإن الإسلام محرر من كل ذلك: حيث يتقاسم الفضاء المعنوي مع تقاليد دينية أخرى حتى تزدهر الحياة السياسية العلمانية؛ حيث تضم إندونيسيا على سبيل المثال أكبر عدد من المسلمين في العالم، ومع ذلك فهي ليست دولة تطبق النهج الإسلامي.

ولكن هذه النسخة الحميدة من "الإسلام" باتت اليوم تواجه تحدياً من التكنولوجيا المعاصرة، التي تتيح المجال لتدفق المال والإيديولوجيا الدينية لبعض الدول العربية. ثم هناك أيضا التأثير القوي لشبكات تلفزيونية عالمية توجد في الشرق الأوسط مثل "الجزيرة"، التي أدخلت الإسلام المداري إلى الحساسيات السياسية العربية والأوروبية اليسارية، لتعوِّد الإندونيسيين والبنجال وآخرين، على سبيل المثال، على الكفاح في الأراضي الفلسطينية التي تبعد عنهم بآلاف الأميال.

وعلاوة على ذلك، هناك تأثير السفر الجوي الذي يسمح لـ200 ألف إندونيسي كل عام بأداء فريضة الحج في السعودية. كما أن الخطوط الجوية اليمنية تسافر إلى إندونيسيا أربع مرات في الأسبوع، مما يعزز الروابط التاريخية عبر المحيط الهندي بين منطقة حضرموت في اليمن وجاوا في إندونيسيا. غير أنه إذا كانت الأجيال السابقة من التجار من حضرموت ومن الحجاز قد ***ت تأثيرات صوفية ليبرالية وبدعية إلى بحار الجنوب، فإن أموال بعض الدول الشرق الأوسطية باتت اليوم تترجم كتاب هتلر "كفاحي" إلى اللغة الإندونيسية. إنها العولمة حقا.

غير أن هذا الإسلام ما بعد الحداثي يصطدم مع مستورَد آخر: المادية الجذابة التي ترتبط في ماليزيا وإندونيسيا بالصين الشيوعية. إنه "صدام الحضارات" الحقيقي. فالأميركيون كانوا يعتقدون أنهم يملكون وجه الرأسمالية العالمية بعد انهيار جدار برلين؛ غير أنه تبين اليوم أن الصينيين في شرق آسيا الإسلامي هم من يملكونه؛ ذلك أن الصينيين يمتلكون الكثير من المراكز التجارية الجديدة التي تنتشر فيها متاجر "لوي فيتون" و"فيرساتشي" وغيرهما من متاجر المصممين العالميين.

وفي الوقت الذي يشتكي فيه الأميركيون على نحو يمكن تفهمه من صعود الصين السلطوية، فإن النموذج الرأسمالي النشط للصين هو المسؤول إلى حد كبير عن النزعة الاستهلاكية في الشرق الأقصى المسلم، والتي من الصعب فصلها عن التدفق الحر للأفكار في المنطقة. فلمن ستعود الغلبة في معركة الفوز بعقول وقلوب مسلمي شرق آسيا ياترى؟ المؤشرات تشير إلى أننا يفترض أن نشجع الصينيين.