المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مواقف طريفة لا تنسى


ام زهرة
05-12-2013, 06:46 PM
كنت أشرح للتلاميذ البيت الأول من قصيدة المعري
غير مجد في ملتي واعتقادي ..... نوح باك ولا ترنّم شاد
رفع أحد الطلاب " النشامى " يده يريد أن يبدأ الشرح - فتعجبت منه.. فهو منذ أن عرفته والكرسي سواء لا يتكلم ولا يشارك ، فهو في واد ورفاقه في واد آخر
قلت نغتنم الفرصة ونسمعه لأول مرة ، لعل الله تعالى أنطقه !
قال بلهجته العامية :الدبوية – نسبة إلإلى مدينة دبي -.
" مجدي يبي يغير ملتي واعتقادي !، وانْهُ ما يقدر . لكن " نوح " ما يعرف إني ريّالاً زين ثابت على اعتقادي ، ما بَـدّل أبدْ ، فهو يخاف إني أغير ملتي فيبكي وايد ... لكن شادي يعرف من آني ، فهو مطمئن على ثباتي ويترنم فرحان . "
فقلت له : ما شاء الله ، ذكاء نادر ومعنى لم أنتبه له سنين طويلة ، لك على هذا المعنى النادر خمس درجات ، وصفق التلاميذ له.
وقد فهم تلميذنا النجيب من البيت أن مجدي حاول تغيير ديني ومعتقداتي – وهو لا يقدر على ذلك لثبات الإيمان في قلبي – ولأن نوحاً لا يعرفني ظن أنني قد أتغير فبكى ، أما شادي فقد ضحك من محاولة مجدي اليائسة لأنه يعرف إيماني وصلابة موقفي .
***

في درس البلاغة أفهمت الطلاب أن أركان التشبيه أربعة : هي المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه
وبدأ الطلاب يؤلفون جملاً تدل على استيعاب ما أخذوه .
أحد التلاميذ - وكان عبقرياً يقارب الزمخشري في الذكاء - وليس من عادته المشاركة في الدرس لاستغنائه - بفهمه - عن الدروس رفع يده ، ومد أصبعه ، ومط جسمه حتى كاد يصل إليّ ، وهو يصيح أنا يا أستاذ أنا ..
عجيب أمره يرفع يده ويقوم ويرغب في الإجابة وهو البليد الذي ينام الكرسيُّ عليه - عفواً أقصد أنه نائم على الكرسي ، وقد ينصرف الكرسي إلى بعض الـدورالبعيدة قبل أن يتحرك الطالب من الغرفة .. نعم يا سعيد ، هات يا ولدي مما أفهمك المولى . فقال : أنت كالحمار في الصبر ...نعم جاء بأركان التشبيه الأربعة كلها ...
سكت الصف وهدأوا كأن على رؤوسهم الطير ، وخافوا أن أفعل به الأفاعيل .. لما عرفوا من شدة بأسي وعقابي ..
نظر الطالب حوله لا يدري لم سكت رفاقه وهدأ الصف !، وأنا أنظر إليه فأراه يجلس خائفاً مستغرباً أن يكون أخطأ ، أو أن خطأه كان عظيماً .
إنه لم يقصد ما قال : إنما أراد أن يشارك ، ويشارك فقط ...
ابتسمت أسرّي عنه ، والتفتّ إلى التلاميذ أقول لهم :
دخل الشاعر البدوي "عليُّ بن الجهْم " على الخليفة يمدحه فقال :
أنت كالكلب في حفظك للود ..م .. وكالتيس في قراعك للخطوب
قامت قائمة الحاضرين يسفـّهـونه ، وكادوا يضربونه لولا خوفـُهم من الخليفة الذي بادر قائلاً : دعوه .. دعوه ، فما قال إلا ما تعلمه في بيئته البدوية ، فهل كان يعيش إلا مع الكلاب والماعز والإبل ... ووو؟... والإنسان ابن بيئته . خذوه عاماً يعيش في القصور الفارهة ، وعلموه الحضارة ، فإذا ذاق الحياة الحضرية ، وعاش بين أهل المدينة فسيكون شعره شيئاً آخر ...
بعد سنة وقف هذا الشاعر البدويّ " المتحضّر " بين يدي الخليفة في العاصمة العراقية أم الدنيا في ذلك الوقت حماها الله ، يقول :
عيون المها بين الرصافة فالجسر ...... ***ْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري
ضحك الطلاب ..... ولكن التلميذ لم يدر لمَ كان سكوتهم وتوجسهم أولاً ، ولا سبب ضحكهم ثانياً !..


د عثمان قدري مكانسي