المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعريب وتوطين العلم


Eng.Jordan
05-13-2013, 12:53 PM
د نبيل سليم علي - مصر


نجاح تعريب العلوم يمثل أحد الشروط الجوهرية لتحقيق نهضة علمية وتكنولوجية تغرس جذورها في تربتنا ‏الثقافية القومية, ومجتمعنا العربي. وتوطين التكنولوجيا -وأي نوع من المعرفة- لابد أن يكون بلغة الوطن الذي ‏يسعى لتوطينها، أي أن توطين التكنولوجيا يحتاج أولاً إلى (تعريب) العلم، وهذا التعريب مرتبط ارتباطاً مباشراً ‏بقضية البحث العلمي وتطويره. لذا أصبح من أهم القضايا المطروحة للمناقشة والإسهام والحوار بين المفكرين ‏والعلماء العرب نظرياً ومنهجياً، من أجل الوصول إلى معنى شامل للتعريب لا يقتصر على تعريب المفردات ‏والمصطلحات وما في مستواها، وإنما يتعداها إلى تعريب المفاهيم، والتصورات الرئيسة التي قام، ويقوم عليها ‏العلم.‏
من المهم أن نوضح أولاً معنى التعريب, فنقول: إن مفهومه يعني تحويل الفكر غير العربي إلى فكر عربي، ‏وتعريب المصطلحات وصياغتها صياغة صوتية وصرفية مقبولة في اللغة العربية، وترجمة علوم ومعارف ‏الآخرين حتى يتم التفكير والكتابة والتأليف والمحاضرة والتعلم والبحوث والإنتاج العلمي باللغة العربية، ومن أهم ‏ما يلزم ذلك إتقان اللغة العربية من منابعها الأساسية. وهنا يقفز سؤال مهم: ما ملابسات إبعاد اللغة العربية عن ‏العلوم في أغلب الدول العربية وتدريسها بلغات أخرى؟ وما أثر ذلك على التقدم العلمي بها؟ ‏
لكي تكون الإجابة واضحة ومحددة، سنختار نموذجاً يتم تدريس العلوم فيه باللغة الأجنبية، وليكن النموذج ‏المصري، فبداية التعليم العالي في مصر كانت طيبة ومبشرة للغاية، فعندما أنشأ محمد علي باشا مدرسة الطب ‏عام 1727م، كان التعليم فيها باللغة العربية، مع أن أوائل أساتذتها كانوا من الفرنسيين والإيطاليين والأسبان ‏والألمان، فلم يحاول هذا الرجل الذكي أن يجعل التدريس فيها بلغة أولئك الأساتذة، ولا حتى بالتركية أو الألبانية ‏اللتين انحدر منهما، وكذلك لم يفعل رئيس مدرسة الطب الفرنسي (كلود بك) الذي حاول أن يعلم الأساتذة الأجانب ‏اللغة العربية, لا أن يعلم الطلاب اللغة الفرنسية. وظل التعليم العالي معرباً في مصر ستين عاماً، حتى وقع ‏الاحتلال الإنجليزي لمصر، وفرض المستعمر الإنجليزي تعليم الطب باللغة بالإنجليزية عام 1887 م، وقبل هذه ‏النكسة كان اليابانيون يُبعثون إلى مصر من أجل التعرف على الوسائل التي اتبعتها في نهضتها الحديثة الرائدة ‏حين ذاك، ولا شك أن لغة التعليم قامت بدور كبير في هذه النهضة. ‏
لقد كانت مصر مؤهلة لبلوغ ما حققته اليابان من تقدم مذهل فيما بعد لولا أن وأد الاستعمار ذلك الأمل بتحويل لغة ‏التعليم إلى لغة أجنبية، وقضى على قوة الإبداع والاختراع. فقضية التعريب قضية ضرورة ملزمة، ولها منافع ‏مؤكدة، والاعتراضات عليها مفندة وما هي إلا مجرد تسويفات مفتعلة، وما يتهم به الجاهلون العربية اليوم من ‏العجز عن الوفاء بمتطلبات العلم الحديث، إنما هو في واقع الأمر تعبير عن عجزهم في العلم والعمل واللغة ‏جميعاً، فالبعض يدعي أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب معطيات النهضة العلمية الحديثة، وهذا ادعاء ‏وافتراء كاذب.‏
إن اللغة العربية غنية وقادرة على أن تستوعب كل ما ينتجه الفكر، والدليل على ذلك: تلك النهضة الرائعة في ‏العصر العباسي، فعلم المنطق مثلاً ترجم العرب ما أُلف فيه، واستخدموا لقواعده ألفاظاً عربية مثل (الموضوع، ‏المحمول، النتيجة) وليس ذلك فقط، بل طوروه وأخذ الغرب عنهم، وهذا يدل على أن هذه اللغة لغة غنية، ‏والإحصاءات تؤكد ذلك، فاللغة الفرنسية مثلاً بها 25 ألف كلمة، أما العربية فبها 80 ألف مادة، والمادة عدد من ‏الكلمات، كما أن اللغة العربية لغة اشتقاق أيضاً، وبعقد مقارنة بسيطة بين اللغتين العربية والإنجليزية، يتضح ‏الفارق الكبير بينهما، ويوضح ثراء اللغة العربية، فمثلا كلمة: أخ، أخت، ابن أخ، بنت أخت.. إلخ؛ نجد أن ثلاثة ‏أحرف فقط مستعملة في كل هذه الكلمات، أما في الإنجليزية فنجد أخ ‏Brother، وأخت ‏Sister‏, ابن أخت ‏Nephew‏, بنت أخت ‏Niece‏, كما نجد أنه لا صلة بين هذه الكلمات تشير إلى علاقة الأخوة، وينطبق ذلك أيضاً ‏على كلمة كتب، كتاب، مكتب، مكتبة، كاتب، مكتوب.. إلخ مقارنة بمثيلاتها الإنجليزية، فاللغة العربية تحتاج إلى ‏من يستعمل ذلك، والعلماء حينما كانوا يسجلون أفكارهم وسائر العلوم التطبيقية باللغة العربية جعلوا الآخرين ‏يتعلمونها.‏
وأذكر جيداً عندما كنت مشاركاً في أحد المؤتمرات العلمية التي عقدت في موسكو أيام الاتحاد السوفييتي (سابقاً)، ‏أن تحدث السوفييت عن أحد كبار علمائهم القدامى بفخر عظيم واصفين إياه بأنه (أبو العلوم), وأنه قد وصل إلى ‏هذه الدرجة لتعلمه اللغة العربية -كما يقولون. وقد قال أحد المستشرقين عن اللغة العربية: (إنني لم أجد لغة من ‏بين اللغات التي تخترق القلوب والعقول إلا اللغة العربية، فهي لغة تقاس بالموسيقى). والدليل على غنى اللغة ‏العربية أننا لو أردنا مثلاً أن نحصي الكلمات التي تعبر عن حركة السير لوجدناها تزيد على 30 كلمة منها مثلاً: ‏يمشي، يسير، يسعى، يهرول، يدور… إلخ.‏
التعريب إذن أمر مهم جداً، بل أصبح قضية حيوية أمام الموقف المتردي لوضع اللغة العربية في النظام التعليمي ‏العام، الذي يساوي بينهما وبين اللغة الأجنبية في عدد ساعات الدرس في المدارس الحكومية بما لا يتطابق مع ‏نصوص الدستور والقانون من وضع أصيل للغة العربية في المجتمع، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن إنشاء المدارس ‏التجريبية -وهي مدارس لا يتطابق مسماها مع واقعها، لأنها مدارس لتعليم المواد العلمية بغير اللغة العربية، ‏وليست تجريبية في نظامها التعليمي- يعد مخالفة للنظام الإسلامي، بل الدستوري العام الذي ينص على أن ‏العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وإذا كان هناك مبرر ملح لتعليم اللغة الأجنبية، فلا يجب أن يطغى على اللغة ‏القومية وعلى الأساس العلمي للمؤسسات التعليمية، كما أن الدراسات أثبتت أن كفاءة خريج هذه المدارس أقل في ‏مستواه العلمي من خريج مدارس التعليم الحكومي الذي يكون فيه تدريس مختلف المواد العلمية باللغة العربية عدا ‏اللغة الأجنبية، ناهيك عن المخاطر التي تتعلق بهوية طلبة هذه المدارس التجريبية، ومدارس اللغات الخاصة، ‏والمدارس التي لا تخضع للنظام التعليمي العربي، في تلك المراحل المبكرة، التي لا تكون العربية لغة تعاملهم ‏العلمي، كما ظهرت أيضاً ممارسات لغوية لبعض المؤسسات العامة يقصر عن التطابق مع نصوص القانون ‏وروحه بالنسبة للغة العربية، حتى أني رأيت بعض بنوك القطاع الحكومي بدأت مخاطبة عملائها بغير العربية، ‏كما أن قانون الاستثمار سمح للمؤسسات الخاضعة لأحكامه بالتعامل بغير اللغة العربية، بل إن هناك مؤشرات ‏إلى مخاطر وشيكة من جراء تغريب أوجه الحياة العامة، كل ذلك يتعارض مع القوانين المؤسسة للنظام العام، ‏ويجب التعامل مع هذا الوضع قبل أن يستفحل.‏
أيضاً هناك من يزعم أن تعريب العلوم سيؤدي إلى انقطاعنا عن مصادر العلم، وعدم متابعة التطورات العلمية ‏المتسارعة من حولنا، ولا شك في أن مجرد انقطاعنا عن مصادر العلم العالمي المتجددة حماقة، بل انتحار! ولكن ‏الصلة بين طلابنا وبين تلك المصادر ينبغي أن تتوثق من خلال أساتذتهم أولاً، ومن خلال تعريفهم بالمصطلحات ‏العلمية العالمية، ومن خلال الصفوة المختارة للدراسات العليا التي يحدد دورها في القيام بواجبات الريادة، ومن ‏ثم تعد لها إعداداً خاصاً من الناحيتين العلمية واللغوية، وهذه الصفوة ستقوم عند نضجها بالترجمة والتأليف ‏للقاعدة العريضة، وبذلك لا تنقطع عن مصادر العلم، ويؤدي ذلك إلى توطين العلم، وقيام النهضة العلمية على ‏أساس وطني. ولا يعني تعريب العلوم عدم الاهتمام باللغات الأجنبية بل يعني الاهتمام بها، والإعداد الجيد ‏للمترجم، فالترجمة أساس مهم من أسس التعريب.‏
ونحن لا نقصد أن تكون الترجمة أو التعريب منصبة على مجرد تعريب المفردات والمصطلحات وما في ‏مستواها –رغم أهمية هذا الجانب وأساسياته– وإنما نقصد أيضاً تعريب المفاهيم والتصورات الرئيسة التي يقوم ‏العلم عليها, وهي دون ترتيب: مفاهيم التوحيد القياسي للتجربة، والتجريب، والملاحظة، والاستنتاج -استناداً إلى ‏وقائع فعلية محددة ومتكررة- والقياس الكمي -الحسابي والرياضي- والفصل بين الموضوعي والذاتي، وبين ‏القابل للحساب كمياً وبين القاصر لا على التأمل الذهني أو الاستدلال المنطقي.. إلى آخر ما أنتجته فلسفات العلم ‏من مختلف المدارس والتيارات.‏
كما نقصد بالتعريب أيضاً، تعريب تاريخ العلم، فإن فلسفة العلم دون تاريخه هي روح بغير جسد، وتاريخ العلم ‏دون فلسفته جسد بلا روح، كما يقولون.‏
وغني عن البيان أنه يستحيل أن تكتسب عقلية مجتمع ما هذا النوع من البصيرة العلمية، إذا ظل العلماء، معلمو ‏العلم، والجماعة العلمية يتخاطبون ويعلمون تلاميذهم ويكتبون أبحاثهم ويطلبون أن تؤدى اختباراتهم أو ‏امتحاناتهم بلغة أخرى، غير اللغة القومية أو اللغة السائدة في بقية إنتاج وتبادل ونشر الأنواع الأخرى من ‏الخطاب الاجتماعي –الإبداعي أو العملي–, فالنتائج المؤكدة لمثل هذا الفصل بين أنواع الخطاب الاجتماعي ‏الإبداعية والعملية والعلمية في المجالات المختلفة تشير إلى أحد ثلاث نتائج: ‏
أما أن يتبع الخطاب العلمي ثقافة ومجتمع اللغة التي يستخدمها، فيكون ملحقاً بها، تابعاً أو مستهلكاً، وإذا تمكن من ‏الإنتاج فإنه لاشك سيكون إنتاجاً فردياً خالصاً من ناحية، وناتجاً –في أغلب الأحوال- لبنية القاعدة المعرفية ‏والعلمية والبحثية العلمية التي تنتجها ثقافة اللغة المتبوعة، المتفوقة.‏
وإما أن يطغى الخطاب العلمي ونتائجه –باللغة المستعارة من الثقافة المتفوقة المتبوعة– على الحياة العملية ‏للمجتمع، فينسلخ بالتدريج من ثقافته الأصلية ويتخلى عن لغته التي ستتوارى إلى الاستخدامات المحدودة والمحلية ‏والضيقة، والأعمال السطحية أو الفلكلورية.. إلخ.. ‏
وإما أن تتجمد الثقافة القومية المحلية وتبسط قشرتها المتحجرة سيطرتها على الخطاب العلمي حتى يضمر ‏المجتمع وثقافته داخل قوقعة ماضيه ويتحجر في مكانه نائياً في المكان أو الزمان. ‏



‏ وفي تصوري أن معوقات التعريب نوعان:‏
أولا: النوع العملي، الخارجي.‏
ثانياً: النوع البنيوي الداخلي: وهو الأخطر. ‏
فالنوع العملي له أصوله وتجلياته، ومن أصوله:‏
طول عهدنا بالتغريب إثر إعادة فتح معاهد التعليم العلمية التي أغلقت عام 1841م بعد الهزيمة النهائية لمشروع ‏محمد علي.‏
ومن أصول هذا النوع العملي من معوقات التعريب أيضاً: أن المرحلة الطويلة (التي شملت معظم سنوات القرن ‏العشرين) هي المرحلة التي شهدت أكبر التحولات والتطورات والكشوف في مختلف العلوم (الرياضيات ‏والفيزياء والبيولوجيا والكيمياء والجيولوجيا والفلك حتى اللغويات والمعلوماتية!) وتطبيقاتها المتداخلة في ‏تكنولوجيا الثورة الصناعية الثانية (عصر الكهرباء وتداخل الفيزياء والكيمياء والميكانيكا), وشملت هذه الكشوف ‏والتطورات مختلف الميادين النظرية والبحثية والتطبيقية، وكان أن انهمرت سيول من المصطلحات مرتبطة ‏بمصطلحات سابقة. ومع تطور الرياضيات الحديثة وتداخلها مع كل من علوم المنطق واللغويات، تطورت مفاهيم ‏وفلسفات تخرج مباشرة من معامل البحث لتعود فتتحكم في البحث العلمي.‏


والأصل الثالث لهذا النوع العملي من المعوقات هو أننا لم نواكب في اللغة العربية هذه التطورات: لم نشارك فيها ‏بأي قدر تقريباً: ولم نترجم أمهات أعمالها المؤسسة في حينها، ولم نضع لها المعاجم ولم نضم إلى معاجمنا ‏الموجودة مصلحاتها العملية والنظرية ومصطلحات العلم التقنية، ولا مصطلحاته الفكرية المفاهيمية، فإن نظرة ‏سريعة إلى معجم عربي حديث نسبياً – كالمُنجد، أو حديث فعلاً – كالوسيط - سوف تكشف لنا مقدار غيبة ‏مجموعات كاملة من أهم علوم عصرنا ومصطلحات أهم نظرياته العلمية،أو فكره النظري العلمي، وفلسفات العلم ‏التي ارتبطت بتطور تلك العلوم بالذات أو نبعت منها، أو ارتبطت بتيارات نظريات المعرفة وعلم العلم ‏والمعرفة.. إلخ.‏


وحتى ما تم تعريبه من بعض تلك الأعمال واجه عقبات أخرى منها: أن المترجمين لم يكونوا متخصصين ‏فامتلأت ترجماتهم بأخطاء كبيرة، وتركيزها في اتجاه الامتحانات السنوية والتوظيف المكتبي, ومنها محدودية ‏انتشار التعليم نفسه، ثم ضعف القدرات الاقتصادية لدى الجمهور المتعلم، وضعف –أو تقليدية– العقليات التي ‏تنتجها المنظومة التعليمية/الترفيهية أو الإعلامية للمجتمع ككل، الأمر الذي يجعل النشر العلمي عملاً غير مربح ‏مادياً، وقليل العائد معنوياً.‏


أما عن تجلي هذه المعوقات العملية التي تعترض عملية التعريب، فيمكن حصرها في ارتباط المتخصصين باللغة ‏التي تعلموا تخصصهم العلمي بها، وضعف تعلمهم للغة العربية التي لم يزودها اللغويون والمعجميون والمفكرون ‏بالأدوات والمعدات اللغوية اللازمة، الأمر الذي يحتم على غالبية المتخصصين الارتباط بأدوات ومعدات اللغة ‏التي تعلموا بها. وحتى العلماء المتخصصون الذين عملوا على نشر (معاجم) لتخصصاتهم، أو شروحاً للمفاهيم ‏الفكرية المرتبطة بها؛ فإنهم مالوا أساساً إلى ترجمة معاجم عن لغات أخرى (الإنجليزية والفرنسية غالباً) دون ‏محاولة لإضافة أي مساهمة أصيلة في تطوير تلك المفاهيم أو تأصيلها في ثقافتنا العربية أو البحث عن جذور لها ‏في الفكر العربي.‏
إن هذا النوع العملي من معوقات التعريب يمكن مواجهته ومحاصرته بالتدريج من خلال حملة متوسطة المدى قد ‏تستغرق خمسة وعشرين عاماً إلى جيل واحد فقط, وتعمد في وقت واحد إلى:‏
‏1 - ترجمة أمهات الأعمال العلمية وشروحها الأساسية من مختلف اللغات المنتجة للعلم الحديث, مع إضافة ‏‏(معجم) للمصطلحات مع كل ترجمة.‏
‏2 - وضع معاجم للمصطلحات والمفاهيم يشارك فيها أساساً متخصصون ولغويون.‏
‏3 - تأليف شروح بالعربية, معززة بالمعاجم التي تعرب المصطلحات والمناهج.‏
‏4 - تعظيم ميزانيات البحث العلمي وميزانيات النشر العربي. ‏
‏5 - تعظيم وتعزيز البحث والتحقيق والنشر لأمهات وشروح أعمال التراث العلمي العربي.‏
‏6 - إعمال القوانين الخاصة بالتعليم في مدى زمني وجيز.‏
أما النوع الثاني من معوقات التعريب الذي قلنا إنه الأخطر, فهو النوع البنيوي, ويمكن تلخيص هذا النوع كله في ‏عائق رئيس وحيد، لكنه ضخم ومتجذر إلى درجة تحيله إلى سلسلة متراكمة ومرتفعة من العوائق المانعة؛ إنه ‏يتمثل في العقلية الكامنة التي شاعت وترسخت في (المجتمع العلمي) أو جماعة العلماء والمتخصصين، على مدى ‏عدة أجيال الآن، وهي عقلية التسليم بالأمر الواقع على أساس أنه هو الممكن الوحيد والمتاح الواحد بغير بديل، ‏رغم كل ما يقال لهم، ويثبت بالتاريخ المحقق أنه أمر عارض ومفروض.‏
إنها عقلية تستند إلى وقائع كلها حقيقية ولكنها كلها بلا استثناء عارضة وخاضعة للتغيير وليست أبدية وليست من ‏قبيل قوانين الطبيعة ولا من فروض الخالق عز وجل. عقلية تقول بأبدية حقائق: أن التطورات في الخارج قد ‏سبقتنا وتسبقنا إلى الآن، وأنه لا يمكن ملاحقتها، وأنه لا بحوث لدينا –نظرية خصوصاً– ولا وقت عندنا.. إنها ‏عقلية خمول وكسل ذهني يؤدي إلى ميل يفضل (التبعية) حيث يرتبط التغريب (بالغين) واستمراره بالمصالح – ‏من قبيل الدعوات والمؤتمرات، والنشر في المجلات العالمية الغربية، وعضوية اللجان الدولية، والتلميع ‏والوجاهة العالمية..إلخ.‏
هذا النوع البنيوي المتعلق ببنية العقلية الاجتماعية السائدة (خاصة العقلية السائدة لدى الجماعة العلمية) يحتاج إلى ‏نوع من إعادة (تربية وطنية وقومية) على المستويين التربوي والمعنوي، ولكنه على المستوى المادي والعملي ‏يحتاج إلى عدة إجراءات عملية منها:‏
‏1 - تعظيم ميزانيات البحث العلمي النظري والتطبيقي ونشر نتائجه بالعربية.‏
‏2 - إلزام المؤسسات الإنتاجية بتوظيف العلماء واستثمار بحوثهم (تطبيقياً) وإشراكهم بنسبة يحددها القانون في ‏عوائد الاستثمار.‏
‏3 - إنشاء مراكز بحثية تهدف إلى تطوير قاعدة معرفية علمية وطنية تكون بالضرورة منفتحة على الجماعات ‏والمؤسسات العلمية المناظرة في الخارج.‏
‏4 - العمل على إقامة هيئات علمية عربية فاعلة, ويمكن طرح الفكرة على الجامعة العربية لتكون للهيئة ‏المقترحة صلاتها بكل من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية والمنظمة العربية للعلوم والتربية والثقافة.‏
‏5 - إنشاء جوائز عربية للبحث العلمي ذات قيمة عالية، وإصدار مجلات عربية قومية في العلوم ومفاهيم الفكر ‏العلمي وفلسفاته.‏
‏6 - تعريب لغة تدريس العلوم في بلاد الوطن العربي، فهو عنصر جوهري في منظومة تنميتها البشرية ‏والقومية، وخطوة أساسية في تأصيل العلم والأسلوب العلمي في التفكير والسلوك وتنمية ملكة الابتكار والإبداع.‏
‏7 - أن تكون العربية هي اللغة الوحيدة التي يتم بها تدريس المواد العلمية في جميع مراحل التعليم قبل الجامعي، ‏ولا يشرع في تعليم التلاميذ لغة أجنبية إلا بعد تمكنهم من لغتهم العربية القومية، ويتم تحويل المدارس التجريبية ‏ومدارس اللغات والمدارس الأجنبية إلى تدريس مختلف العلوم باللغة العربية رفعاً لكفاءة العملية التعليمية وتعميقاً ‏لتوطين العلم في المجتمع وحفاظاً على هوية أبنائنا.‏
‏8 - اتخاذ جميع الخطوات الضرورية للبدء فوراً في تعريب التعليم الجامعي استناداً إلى القوانين العربية التي ‏صدرت من جميع الحكومات العربية في هذا الصدد وإلى توصيات اتحاد الجامعات العربية، وأن تكون السيادة ‏للغة العربية في مختلف وجوه النشر العلمي، وكذلك في المؤتمرات التي تعقد بالبلاد العربية، وعلى قبول البحوث ‏المنشورة باللغة العربية بين الإنتاج العلمي الأصيل لأعضاء هيئة التدريس المتقدمين للترقية.‏
‏9 - إنشاء لجنة للتعريب والترجمة والتأليف الجامعي في كل كلية جامعية أو معهد بحثي، وأن تكون لها مهام ‏محددة بما يخدم قضايا التعريب والترجمة، ويتم تحويل أقسام اللغات في الكليات التي درجت على أن تكون ‏العربية لغة التدريس فيها إلى تدريس مختلف العلوم باللغة العربية.‏
‏10 - الالتزام بكتابة الإعلانات الرسمية (سواء الحكومية أو الصادرة عن شركات وهيئات قومية) ونشرها ‏وإذاعتها بلغة عربية صحيحة، وألا تتضمن إعلانات الوظائف إكساب وضع متميز لخريجي أقسام اللغات في ‏الجامعات أو خريجي مدارس اللغات والاستعاضة عن ذلك –إن لزم الأمر– بامتحان في اللغة الأجنبية المطلوبة. ‏
‏11 - قيام رجال التشريع بمراجعة القوانين الخاصة باستخدام اللغة العربية في الدولة، وإصدار قانون يستكمل ما ‏نقص فيها، والحزم في مراقبة تنفيذ تلك القوانين ومتابعة كل ما يستجد في هذا المضمار.‏
‏12 - قيام جهات الإنتاج والخدمات وهيئات تحرير الصحف والمجلات والدوريات ودور النشر بالبلاد العربية ‏بالاستمرار في استعمال الرقم العربي الأصيل (9876543210) بالأسلوب والمواصفات الصحيحة في مختلف ‏أنشطتهم وأعمالهم، حيث لا يوجد على الإطلاق ما يبرر العدول عنها إلى الأرقام الغبارية المستعملة في أوروبا، ‏مع الانتباه إلى أن تغيير الأرقام يخشى أن يكون تمهيداً لتغيير الحرف العربي نفسه، كما أن تمسك المشرق ‏العربي بالأرقام العربية الأصيلة فيه حفاظ على اللغة العربية ذاتها، ومن المنطقي أن يتوحد العرب جميعهم على ‏الأرقام العربية الأصيلة فالتمسك بها تمسك بالعربية.‏
‏13 - أن يضاعف المهتمون بقضية التعريب جهودهم الدؤوبة لتحقيق رسالتهم، والـتأكيد على أن البدء الفعلي ‏لتعريب لغة العلم سيذلل العقبات، ويعمل كل منهم – في حدود إمكانياته الشخصية, أو في حدود مسئولياته ‏المباشرة – على تحقيق أي قدر مستطاع من التعريب فيما يدرس أو يكتب من مواد علمية، وعلى الدعوة لتعريب ‏تدريس العلوم بالإقناع الموضوعي، وتفنيد الاعتراضات التي تثار ضده، واستخدام اللغة العربية الصحيحة في ‏أعمالهم، وحوارهم وتدريسهم، والتأكيد على أن تعريب العلوم شرط أساس في توطين العلم والتقنيات لدفع ‏الاقتصاد الوطني إلى الأمام، كما أنه عنصر ضروري في تفعيل آليات التنمية في المجتمع.‏
إن استقلال العلم العربي ضرورة بقاء ومصير من حيث ضرورة العلم وتطبيقاته (من سلوك الأفراد – بتأثير ‏العلم والفكر العلمي عليهم، إلى التصنيع وإدارة مؤسسات مجتمع حديث), فالاستقلال العلمي دعامة رئيسة ‏وأساسية للاستقلال الاقتصادي وللمشاركة من مواقع المشاركة الفاعلة والإيجابية في حركة العالم وتقدمه.‏