المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التايبوغراف: تجسيم الحروف بقوالب غير معتادة


Eng.Jordan
05-13-2013, 01:02 PM
الكاتب : محمد الفوز: الخبر
المجلة العربية

يشابه الخط العربي في جمالياته وأسراره الخيل ذلك الجامح بالدهشة والانفلات فلابد من صهوة لركوبهما، ‏والانطلاق إلى عوالم منسابة في شساعة الأماني، فكلما توكأت على طاولة اللحظة كي ترى خطاطاً عربياً يهيم ‏في زركشة الحروف والتباهي برقصة تانغو مع القصب، تكاد تخرج من الوعي وتترنم بحلم موسيقي يسبو ‏مشاعرك، الخط هو حالة انعتاق لروح كاتبه واعتقال ناعم لمن يتأمل مخطوطة تحدو الأبجدية والحبر والزمن ‏والموسيقى والرقصات في آن واحد، هو مشهد آسر، ويبدو أسطورياً عندما تنتهي اللوحة بمقاس كبير، وبخطوط ‏متداخلة وكأن الأعين شاردة فيما وراء اللوحة، والتساؤل الجم هو: كيف يستلهم الخطاط شكل اللوحة وأبعادها؟!‏
رغم هذا كله إلا أن الخطوط الحديثة أو الرقمية استطاعت أن تبني جسراً حيوياً وهو تحايل جميل لتقريب من ‏ليس لهم علاقة بالخط العربي إلى مضماره الشاسع، ومهما يكن من مناداة بعض الخطاطين إلى أن الخط الرقمي ‏كان متعسفاً، وأبعد الناس عن أصالة الخط والتمتع بلذة الورق إلا أن التطور التكنولوجي لا ينتظر أحداً، وسلطة ‏الزمن أقوى من سلطة الحضارات لذلك أن تتلاقى وجهات النظر بإيجابية أكثر أهمية من النوح والبكاء على ‏الخط والتندر على ضياعه. ‏
استطاع الخط العربي أن يواكب التقنية الحديثة وأن يكون نداً حميماً للفنون الرقمية الأخرى، مثل: الرسم الرقمي ‏والتصوير الرقمي والخطوط الحديثة التي يتم تركيبها بواسطة الاستفادة من تشكيل الكلمات بحروف أجنبية وما ‏إلى ذلك من مستجدات كبيرة في عالم البرامج التي أحدثت طفرة خيالية فيما يتعلق بالفن واستعادة مفاهيمه ‏والتغيير في جدوى كلاسيكية الفنون كي تواكب التكنولوجيا وتستفيد من النظريات الحديثة بلا انغلاق وتشدد في ‏استقبال ثورة الفن. ‏
وبما أن الخط العربي يشكل علامة فارقة في روح الأصالة، فإنني أمام (التايبوغراف) أقف صامتاً كحالة الذهول ‏التي تنتابني كلما شاهدت خطاطاً منزوياً وهارباً من ذاته للدخول في حالة سكر مع رائحة الحبر، والرقص-دون ‏هوادة- مع فاتنة الورق -أعني (القصبة)- تلك المياسة والمهفهفة والماجنة، فمن يدرك لوعة العلاقة السرية بينها ‏وبين البياض سيكون على مسافة حلم، وكأن ستارة المسرح تخبئ مشهداً متمايزاً لا يمكن التكهن به. ‏
التايبوغراف هو فن تشكيل الحروف داخل النص، هكذا يعبر عنه في الساحة الإلكترونية، ولكن لا توجد مصادر ‏جادة لنقفو أثر هذا الفن وظهوره وأبطاله أيضاً، والمتتبع لذاكرة الخط العربي يرى أن الخط التناظري هو بداية ‏ونواة حقيقية لهذا الفن وما هو إلا استدعاء لصورة قديمة ومنجزة وبلورتها في شكل معاصر، وبأسلوب مختلف، ‏ومهمة الآلة أو التقنية الحديثة أن تعكس البعد الجمالي الخفي للفنون الكلاسيكية، فلا يعني أن نقتل الرمز القديم أو ‏نستبدله؛ فالرسم الثلاثي الأبعاد هو كشف لملامح أبعد مما نراه في لوحة زيتية مؤطرة، هكذا يبدو الفن المعاصر ‏لافتاً ما يدور خلف الورق وهو احتشاد واصطفاف لعين ثالثة لم نبصر بها إلا في زمن التكنولوجيا. ‏
ما هو التايبوغرافي؟
Type‏ هو الحرف المطبعي، ‏Graph‏ أي التمثيل من خلال الرسم، وأما ‏Typography‏ فهو تمثيل الأشياء من ‏خلال الأحرف، وبتعبير جرافيكي إنه فن التصميم وتشكيل الكائنات من خلال الأحرف بدلاً من الرسم بالفرش أو ‏استعمال الصور حيث يمكن إضافة صورة صغيرة إلى جانب التصميم لإكماله، غير أن العنصر الرئيسي في هذا ‏النوع من التصاميم هو الأحرف، وبذلك يرى البعض أن التايبوغراف هو إخراج لوحة فنية بواسطة الأحرف ‏ولذلك فإن الخطاطين الكلاسيكيين لا يعتبرونها لوحة خطية بمقدار ما هي لوحة جرافيكس، وأن الرسامين ‏الرقميين يتناولون الأحرف بعيداً عن كونها رمزاً خطياً كما أنهم لا يراعون أصالة الأحرف ولا يلتزمون بقواعد ‏الخط العربي القديم، كما أنهم بمعزل تام عن احترافية الخط، فالأحرف مجرد أداة للوصول إلى لعبة فنية وتشكيل ‏لوني لا قواعد له سوى أنه إبداعي وتكوين شكلي لأحرف عربية يمكن مزاوجتها أيضاً بحروف أجنبية وهذا يلغي ‏الاعتبار كون التايبوغراف فناً خطياً، وهو قادم من الغرب الذين أتوا ببرامج التصاميم استنفدوا ذاكرتهم وحفزوا ‏خيالاتهم الخصبة لابتكار تطبيقات وأفكار إبداعية تضيف للفن الرقمي جوانب متعددة من الدهشة والإبهار.‏
وسأضع شرحاً (منقولاً)، لطريقة عمل لوحة تايبوغرافية للتعرف على خصوصية هذا العمل قبل أن نسرد الكثير ‏من مرئياتنا حوله واقترانه بباقي الفنون الرقمية التي لا تتعرى عن بعض حيث تعتمد اللوحة التايبوغرافية على ‏ثلاث نقاط رئيسية (تطبيقية)؛ وهي: ‏
أولاً: اختيار الخطوط ‏
يعتمد في هذا الفن الخطوط ذات الحواف الناعمة، تلك التي تتميز بانحناء ثابث للقطاع الدائري أو القطاع شبه ‏الدائري (بيضاوي، مفلطح) عند نقاط الانعطاف، مع امتدادات مستقيمة لباقي مساحة الحرف. أو تلك التي تتمتع ‏بانعطافات حادة (أقل من 90) أو منفرجة (أكبر من 90) في الزوايا عند مناطق الانعطاف في النقطة، وأما ‏لوحات النقاط شديدة التداخل (خطوط انحناء كامل المساحة المستقيمة للحرف) تظهر بشكل كبير، شرط انسيابية ‏الانحناء ويرفض هذا الفن في الغالب الخطوط ذات النتوء الظاهرة للخارج بشكل كبير، والقطاعات ذات ‏الانحناءات المتكررة .‏
ثانياً: حجم النقطة (الحرف) ‏
هو مقدار ما يحتله الحرف الواحد المكون بتكراره للكلمة أو الجملة أو الشكل الفني من مساحة، ولا توجد ضوابط ‏تحكم حجم النقطة إلا في بعض مخطوطات الخط العربي، ذلك أن النقاط متشابكة مع الإشارة إلى أن عشوائية ‏حجم النقطة هو أحد مميزات هذا الفن.‏
ثالثاً: طول النقطة ‏
وتظهر هذه الخاصية في مخطوطات الخط العربي فقـط، وتعتمد على نوع الخــط المستخدم ومقدار المساحة ‏المراد تغطيتها، والحاجة إلى إظهار الناحية الجمالية للنقاط.‏
أمام ذلك كله حاول بعض المصممين العرب تمجيد الحرف العربي لإخراج لوحة رقمية خطية بالضرورة، وهو ‏استدعاء لتجربة الخطاطين القدامى في لوحاتهم التناظرية، وهنالك تجارب كثيرة تجسر الهوة بين الأعمال ‏الإبداعية القديمة والحديثة، وبالتالي يعيش المصمم أحلامه وأوجاعه وهواجسه، وكلما أوغل المبدع في الألم ‏واستدعائه بكل ما يمتلك من رهافة وذوق سوف تخرج ملامح لوحته من ذاته، من أعماقه المكبوتة، من ذلك ‏الحس الخفي الذي دوماً يعصف بالوجدان، ويقتلع كبرياء العزة لتنعكس على التجربة وتتماهى بامتياز لتأطير ‏المعاناة ووضعها في قالب حي وملون وذو دلالات أكبر.‏
وتختلف جودة العمل التايبوغرافي باختلاف وعي المصمم، وأقول –المصمم- الذي لا ينطلق بالضرورة من ‏موهبة خطية ولا يمكن أن نعتبره خطاطاً بالمعنى اليدوي فهو مجرد مصمم مهووس باحتراف الفرشاة والأدوات ‏الفنية من خلال برامج التصميم بشكل عام، كما أن الحروف لا تدل على الرسمة، والرسمة لا ترمز إلى حرف ‏معين، فهي عشوائية وغرضها المباشر هو إنجاز لوحة معبرة، سواءً كان الحرف المستخدم يعود إلى خط الثلث ‏كخط قديم وأصيل أو مقترناً بخط حديث كخط زمرد مثلاً أو غيرها من الخطوط التي يقترحها مبتكر الخط إما ‏باسمه الشخصي أو باسم مقترح، والأهم أن تتشكل لنا لوحة ذات دلالة مباشرة أو غير مباشرة بالحرف العربي أو ‏بالأجنبي وأحاول أن أقترب من الحروف العربية لننظر جمالية الحرف بعيداً عن اتصاله في كلمة أو عبارة. ‏
الموضوعات نجدها متباينة، وأهم تجربة في التايبوغرافي أنها منفصلة عن الأخرى، وبالتالي لدينا أفكار كثيرة، ‏وثرية، مهما كانت دقة العمل وإتقانه إلا أننا في معترك الاختبار والتمرين الحثيث على الفكرة يجعلها أكثر ‏رسوخاً، وأعمق روعة، وهو يشي بحالة التمرد والخروج عن المألوف والأيدولوجيات والفلسفات الفنية القديمة ‏التي يتوارثها الفنانون، ففي عصر التقنية تلاشت العودة وهو ما يؤكد قولنا إن العقل هو المستقبل وأن المستقبل ‏هو العقل الإلكتروني المحض الذي تدور في فلكه حقيقة التغيير والتكهن بالجديد يفيض من حشاشة الغد. ‏
فأيهما أجمل.. أن نرى الحرف العربي متصلاً ومتناغماً في كلمة أو عبارة، أو نجده تائهاً وعشوائياً يتشكل عبر ‏منظومة لا متناهية من الأحرف المكررة بغير هدى؟!!‏
التشكيل بالأحرف لم يكن عبر الكلمات، بل الرموز الحاسوبية قد استخدمت من قبل في تكوينات نقطية أو شكلانية ‏أو حروفية وبما أننا نتكلم عن الخط ومكانته اللامعتبرة لدى المصممين، وأزعم أن مكانة الحرف العربي تحديداً ‏غائبة لدى المصمم الجرافيكي لأن ثقافة الحرف ميتة، وهنا يكمن اللعب بالأحرف حتى يغدو الحرف مجرد ‏خطوط عادية ولا قيمة لها، ومسوغ ذلك أنهم لا يكترثون بمعنى الحرف ولا ماهيته ولا للمعنى بل المراد النهائي ‏لديهم هو اللوحة أو الشكل الخارجي الذي يتم تجريده من الأحرف، وهذا يحيلنا إلى ما يسمى ‏Oat lain‏ أو الخط ‏الخارجي لدى الرسامين، فعندما نضع الخط الخارجي ونفرغ أي لوحة من ملامحها الداخلية سيكون لدينا إطار ‏ودلالته رمزية بالتالي، ومهما أنتجنا مفهوماً فنياً جديداً أشك في أننا نهدم مفاهيم أصيلة وقديمة وهنا خطورة ما ‏تجترحه التقنية بحيث أنها لا تلتفت إلى أصالة القيم الفنية الأولى بل تتعداها وتزيلها من أجل قيم حديثة ومعاصرة ‏تتناسب مع جيل اللحظة. ‏
هنالك من يعتبر التايبوغرافي والتكست آرت ‏**** art‏ فناً واحداً، ولكن ثمة اختلاف بينهما وإن كانت الصبغة ‏الشكلانية تتقارب إلا أن التكست آرت معني باستخدام الرموز والنقط في تكوين لوحة جسمانية وشكلانية بينما ‏التايبوغرافي يستخدم الأحرف المتناثرة ويصوغ منها عملاً إبداعياً سواءً دلالته رمزية أو افتراضية أو خيالية أو ‏واقعية. ‏
إضافة إلى أن الفنان العربي لا يكترث بدلالة الأحرف مقارنة بالصورة بعكس الفنان الأجنبي الذي يكرر الجملة ‏أو الكلمة أو العبارة لتدلل على شكلانية الصورة التي يريد إنجازها كي تكون ملائمة وتعد إضافة معرفية للعمل ‏بين اللوحة ودلالة الحروف.‏
في المقابل لا أنكر أن هنالك محاولات جادة على مستوى عربي، ولكن احترافية التصميم الجرافيكي لدى ‏الغربيين لا يمكن إنكاره أيضاً على اعتبار أنهم أصحاب تكنولوجيا ولديهم معاهد متخصصة في ذلك، ومشكلتنا ‏في الوطن العربي هي أن المواهب والاعتناء بها يتصل بالفرد ذاته إما أن يطورها ويعززها بالمثابرة في التجربة ‏والبحث عن منافذ للتنفيس عن موهبته أو يحوم حول نفسه أو تتهاوى شيئاً فشيئاً هذه الموهبة أياً كان مستواها، ‏فالبداية صعبة والاستمرار أصعب ما لم يكن الطريق سالكاً ورحباً. ‏
وللتعبير بسهولة من خلال فن التايبوغراف هنالك مسافة أقرب لمحاكاة هذا الأسلوب الجديد وهو أن تضع صورة ‏أمامك، وبالتالي أن تنقطها أو تشكلها ووضع الحروف على أطرافها بشكل احترافي كي تتضح معالم الصورة ‏المراد اقتفاء أثرها، والمتتبع لهذا الفن يجد أن البورتريه النقطي أو الرقمي أو الحرفي أياً كانت تسميته هو أبرز ‏سمة للتجريب، فكل من يخوض هذه التجربة يلجأ إلى صورة ما سواءً كانت شخصية أو حتى صورة لكائن ما أو ‏صورة لجماد أو أي شيء آخر لمحاكاتها وسبر عوالمها بالتشكيل الحروفي وتمرير الحروف بأحجام مختلفة على ‏الشكل المراد حتى تتضح تلك المعالم، وقد تبدو ملامح الفنانة الهندية الشهيرة ايشواريا راي مثالاً واضحاً لما ‏أريده. ‏
ويمكن الاستشهاد ببعض التجارب العربية في الخط القديم فيما يتعلق بتجذير هذا الفن حتى لو كان على سبيل ‏المقاربة مع العلم أن التايبوغراف هو فن رقمي بامتياز ولكن من يمتلك ملاحظة وذاكرة معرفية لابد أن يعود ‏أدراجه كي تكون معرفته الحديثة ذات مرجعيات موازية للفن المعاصر، وقد وجدت في لوحات الخط التناظري ‏والخط الشكلي أو الشكلاني ما يعزز هذا المفهوم، ولست بائساً كي أحيل المتلقي إلى ضرورة الماضي وما هو ‏نكوص مني بل هي زيادة الإلمام بالموضوع وتضمينه بعداً ثقافياً وفكرياً وحضارياً. ‏
يذكرني فن التايبوغراف برسم شجرة العائلة فهو بمقدار التعقيد إلا أنه ممتع ويعكس رغبة ملحة وكامنة في إنتاج ‏صورة معبرة ودالة على شيء محدد مع المفارقة في التشبيه ولكن المكابدة والصبر على لوحة كهذه هو مغامرة ‏مجنونة حيث يموت الزمن بين يدي الفنان وتتلاشى قيمة الوقت، حيث تكمن قيمته فيما بعد إنجاز العمل والتباهي ‏بدقته ومستوى إبداعه، ولكن بعد كل هذه الإشارات والأمثلة أعتقد أن الفن الرقمي قادر على احتواء الزمن ‏واستدراك الوقت الضائع بين يدي الفنان وذلك بعمل برنامج متخصص لإنجاز لوحة تايبوغرافية لاسيما وأن ‏التايبوغراف لا يعتمد على نظام محدد ولا قواعد فنية بل هو بعثرة شكلانية ورص للأحرف بطريقة فنية، بمعنى ‏آخر يمكن الاشتغال على برنامج خاص لأداء هذه المهمة التقنية ذات الطابع الفني أو عمل فلتر خاص لبرنامج ‏الفوتوشوب أو غيره من البرامج الفكتورية التي تدعم هذه التقنية وبما أن هذا الفن رقمي فالبرنامج الرقمي أولى ‏بإنجازه وبالتالي نبتعد قليلاً عن لغط الخطاطين وعشوائية الرقميين والانتقال بهذا الفن إلى مرحلة جديدة ‏ومزدهرة بالأفكار التقنية البحتة، وليس أبرز من عشوائية هذا الفن ولا أعني العشوائية كمنظر قبيح بل بالعكس ‏هذه عشوائية الجمال وربما يسميها آخرون تلقائية أو عفوية أو إلهاماً، ولكن النتيجة واحدة حيث تعبر الصورة ‏أكثر من الكلمات وهذه الأحرف المكتنزة دليل على أن الفن غير مألوف دائماً وأن المبدع الحقيقي هو الذي يكسر ‏من حدة النظرية ويلوي عنق اللحظة المتخيلة لتغدو واقعاً ملموساً وليس محض افتراضية مهملة. ‏
لقد استفاد الفنان الغربي أو المصمم أياً كان لقبه أو صفته من التقنيات الحديثة وتراكم الخبرات والمشاهد البصرية ‏المفتعلة بالكاميرا أدت إلى تغير واضح في سياق التفكير ومآل هذه المتغيرات وصدمة الغرابة هو أن يستحث ‏عقله بجنون مبرر، وأن يستبق الزمن وأن يأتي بالجديد، كما أننا كعرب لابد أن نسهم في تطويع التقنية الحديثة ‏لخدمة الخط العربي وإنجاز لوحات أقل تكلفة وبإمكانية متناولة وعلينا أن ننظر للقيمة الحضارية والمعنوية للخط ‏وليس مجرد لوحة أو رائحة حبر نسكبها على صدر الورق لحظة الكتابة، أن نتجاوز ذلك كله إلى أن الخط ‏العربي هو حالة فريدة من التعقيد والجمال في نفس الوقت ولذا يجب أن نهزم التعقيد وننتصر للجمال بوسائط ‏تقنية لا تقلل من شفافية الروح لدى الخطاط الكلاسيكي بل تدعمها والتجربة خير برهان، ومن إفرازات الخط ‏العربي لا ننسى الخطاط جلال أمين صالح في لوحاته التي اشتهر بها عندما رسم بعض الملوك والشخصيات ‏العربية البارزة بتكراره لاسم الشخص منذ عام 1984م حيث سجلته وزارة الثقافة السعودية كأول من يرسم ‏الصور بالكلمات في العالم، كما في صور بعض ملوك المملكة العربية السعودية بدءاً بالمؤسس الملك عبدالعزيز ‏وباقي أبنائه من الملوك والأمراء. ‏
كما أن استخدام شركات الدعاية والإعلان فن التايبوغراف أدى إلى تطويره وتطويعه حتى وصل إلى قمة ‏الاحترافية كي يؤدي الغرض الإعلاني والرفاهية في مفهوم الصورة والتميز بدرجة أساسية، حتى أنه بات جزءاً ‏من الهوية وأن اللوحة التايبوغرافية لم تعد كتلة في فراغ النص ولا مجرد حروف عشوائية بل هنالك معنى ‏وحكاية إعلانية تجاوزت الفن الجرافيكي إلى اللعبة الإعلانية وقد أبدع المصممون مجموعة من الإعلانات التي ‏تعد علامة فارقة فيما يتعلق بدمج الحروف النصية مع صورة من أجل حكاية مقترحة كما سنلاحظ في إعلان ‏شركة ‏BMW، وليس عبثاً أن تستخدم شركة عالمية كهذه فن التايبوغراف إلا عندما وجدت حداثة المفهوم ‏وغرابته وفائدته للصورة الإعلانية الجديدة التي تبتعد عن النمطية والكلاسيكية في المفهوم. ‏
بما أننا لا نمتلك مرجعيات حول هذا الفن ألا يمكن أن يكون (الوشم) بغض النظر عن طقوسه وروحانيته أو ‏شيطانيته إلا أنه كنحت للجسد يلهمنا نحت الحروف في شكل وقالب له تعبيره الخاص وسمته البصرية التي ‏تتمايز عن الأشكال المألوفة ولاسيما أن التايبوغراف يخلو من امتلاء الكتل وبالتالي هذا الفراغ والأحرف ‏المتباعدة والمتقاربة هي على سبيل الكي والتلاحم يكمن في المشاهدة؟!! ‏
هي مجرد إحالة وتشبيه وليس تشابهاً أو اعتقاداً ضمنياً بأن التايبوغراف هو وشم رقمي ولكن تمرين الفكر على ‏تقويض المفاهيم السابقة واستدعائها لا يعني التقريب ولكن يعني التقارب، فيما أنطلق برؤاي التي سرعان ما ‏تتبخر أمام هول الغرابة وكثافة الصور التي تدخلني في معترك المرجعية ومحاولة الاشتباه فيما لا يكون أن ‏يكون.‏
بإمكانك أن ترسم قصة أو تتخيل قصة أو تكون قصة من جمل وتعبر عنها بأشكال عبر الحروف، وهنا تأتي ‏صعوبة أخرى، فأن تتخيل أسهل من أن ترسم، وأن ترسم أسهل من أن تكون عبارات وأشكالاً دالة على حكاية ‏واضحة وذات أهداف محددة، ولكن دعونا نبتكر حكاية من هذا التصميم.. لنجرب حكاية أو نصاً أو أي عبارة ‏إزاء هذا التصميم المشبوه بين الجرافيكي والتايبوغرافي وإن كنت أرى أن التصميم الرقمي متداخلاً في مفاهيمه ‏كالكتابة التي لا تقبل التجنيس في بعض الأحيان، لنجرب: ‏
‏«تؤلمنا حرارة الزمن ‏
فنتأوه..‏
كلما خلعنا ثياب المشيئة ‏
في مصائر الوجع ‏
نرتعش أكثر ‏
ونبلل أطراف المنايا بالعدم ‏
حتى نقتل الدروب البعيدة بموال السأم» ‏
هذه محاولة للتعبير عن الصورة، فالحروف عاجزة على التشكل، إنها تبحث عن معنى، وتتسامر فيما بينها ‏للخروج من مغبة الألم، حتى تتبرأ من الاحتمالات، وتترك للعين أن تدلل على ما تريد بلا إحالة مفرطة أو كلام ‏يشوبه الصمت المدقع كما في الصورة/القصة التي تختزل معاني كثيرة: ‏
أمام هذه الغرابة والحيل الإبداعية نتجاوز حتى أنفسنا كي نعبر بما نتصوره أو ندعيه، فحسب الصورة والحروف ‏الكامنة أو الطائشة أن تنقلنا من لحظة ساكنة إلى لحظة متحولة بل تحيطنا بموقف مفترض، وحالة لا يمكن الفرار ‏منها إلا عندما نقوم باختطافها والمثول بنقد أو تصريح أو شتيمة وهذه الحالات المرتبكة ذات اعتلال سببه ‏المغامرة والانكسار كذلك. فلا يوجد مفكر أو نظرية تمنح الآخرين وشاية لنقدها أو تقويضها أو العبور –بسلام- ‏بعد اجتراح مكانتها ومفرداتها ولنقل قدسيتها أيضاً، إلا أن ميزان الخط العربي يتيح للخطاط أولاً و للمتلقي ثانياً ‏أن يرى أبعاداً وجماليات كثيرة في النقط والأحرف المتباينة لحظة التدريب، وبما أننا نرى جماليات كثيرة قد تنشأ ‏من تجريبنا للخط والتدرب على طرق معينة ينبغي لنا اكتشاف الضوء العابر بين أصابعنا لا أن نتوكل على ‏طريقة معينة ونخشى الميل وندرس بصرامة تامة كل قوانين الخط، أي نعم على المتدرب أن يتقن الأساسيات ‏ولكن لمن يمتلك موهبة فذة ومتمردة أن يخرج قليلاً.. بل يخرج كثيراً على أنماطه وكلاسيكيته، ويتحلى بالصبر ‏على التمرد بدلاً من الصبر على إتقان الحرف الأصيل، وهذه مجرد نزعة تحريضية المراد منها تحقيق ريادة ‏لافتة في الخطوط المعاصرة حتى لو عارضني الكثيرون فلا بأس أن نتجادل ونختلف. ألا يمثل (ميزان الخط ‏العربي) خطوة جادة لانقلاب المفهوم السائد؟!!‏
لقد اكتسب الخط العربي صفات قدسية لاقتران كثير من مخطوطاته بآيات القرآن الكريم، وهذه صبغة الفن الأولى ‏عندما يحاول اكتساب شرعية والتلبس بمهابة حالمة نجده يتشبث بالديانات، والنقوش السومرية والبابلية كانت ‏تمثيلاً وتجسيداً للطقوس الدينية آنذاك، ولو عدنا –قليلاً- إلى أصل الكتابة وأصل الرسم والتدوين لوجدنا أن ‏‏(النقطة) هي الأثر الخالد والأول والمتفرد للأشياء، وهذه النقطة باعتبارها بداية كونية ألهمتنا كل المخطوطات ‏والمعارف والتداعيات حيث لا قيمة للنقطة سوى تحديد الموقع في بدهيات إقليدس تصبح كل الأهمية هاهنا، ‏وبالعودة مرة أخرى إلى أدبيات الخط العربي نجد ضرورة امتلاء الفراغات في الجلي الديواني وخط الطغراء ‏إلى حد ما. ‏
أيضاً حاول الخطاط العربي أن يصنع من الكلمات رسوماً، وأن يختلق فضاءات كونية عبر الفواصل وتحلية ‏الكتابة ببعض الرموز التي تتناسب مع بعض الخطوط كالثلث والديواني والطغراء، بينما لا تنفع مع خطوط ‏أخرى كالنسخ أو الرقعة بشكل خاص، وكما يقال دوماً إن «الفنان الإسلامي عدو الفراغ». هنالك لوحات تغطي ‏مساحات كبيرة من اللوحة، حيث أن الكلمات تتحول إلى كتلة واحدة وذات سبك عال لمحاصرة الفراغ واستلاب ‏البياض من الورقة إلى حد العتمة أحياناً، ولذلك نجح الفنان العربي في العصور الأولى سواء عبر الهندسة ‏المعمارية الإسلامية أو عبر المخطوطات أو النقوش على اعتبار أن الخط هو جزء من المفهوم الفني آنذاك كما ‏أنه يشكل ملمحاً بارزاً لدارسي العمارة والتاريخ الإسلامي، والجدير بذكره أن المفهوم ذاته انتقل إلى الخطاطين ‏المعاصرين حتى بات مفهوم الكتلة اللونية وشغل فراغات اللوحة عابراً ونافذاً في جميع اللوحات كما أنه اقتحم ‏مجالات التصميم الرقمي والخطوط الرقمية وبما أن الذاكرة لا تتجزأ فإنني أجد التشكلات الحروفية في لوحات ‏الخط العربي ذات صدى تايبوغرافي، وأنها سبقت كل التجارب الأجنبية على اختلافها ولا يعني التقليل من ‏شأنها، لكن الاعتراف بأسبقية الفنون العربية في مجالات محددة ينبغي أن يشار له.‏
سنلاحظ أن الخط العربي يصبح غير مقروء وغامضاً جداً عندما يتشابك بينما وضوح الخط الإنجليزي عادي ولا ‏بأس بدرجة وضوحه؛ ما السر؟!!‏
لا غرو أن هنالك سهولة في التعامل مع الحرف اللاتيني أكثر من الحرف العربي، وذلك أن الحرف اللاتيني ‏يعتمد الشكل الهندسي والزوايا الحادة والحواف المصقولة التي تخفف من تعقيده وتسهل عملية تركيبه على أي ‏شكل وبالتالي تمرير الرؤية الفنية بدقة وانسيابية عالية فلنقارن صعوبة الصورة التي تم استخدامها في تكوينات ‏خطية بالحرف اللاتيني إزاء لوحة خطية عربية أقل تعقيداً في الصورة ولكنها عويصة ومستحيلة الفهم.‏
البعض يرى أن الفن مضيعة للوقت، فما بال من لا يؤمن بحساسية الفن، وأنه علاج روحي وانعكاس معرفي ‏وحضاري ووجودي أيضاً. وماذا سيقول عن التايبوغرافي؟!!‏
الفن هندسة روحية ومكنون ضخم في الذات ولا يجب أن نطلق عليه سهام اللعنة مادمنا لا نعي فلسفة الفن إجمالاً، ‏فالذي يرى أن الفن عبث ببساطة متناهية عليه أن يرى هندسة الشوارع وبناء البيوت ومعمار الفضاء وانسيابية ‏السيارة وأناقة اللباس كلها تأتي من مخيلة الفنان، ومن عبثه ومن جنونه، ومن الصبر الذي يكتم أنفاسه حتى ينتج ‏للبشرية قيماً جديدة وأفكاراً لا تضاهى، فالخيال أشد وطأة من المستحيلات الثلاثة، لكنه يصبح عادياً وتافهاً ربما ‏عندما ينزل من عليائه إلى الواقع، فهل نكون معلقين بين الحالتين أو نتجرد من حيل الفكرة، ونصمت حتى تتبدد ‏رغبتنا في احتواء الأسرار الغامضة؟!‏