المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فن المنمنمات


Eng.Jordan
05-13-2013, 01:03 PM
الكاتب : آمنة الحربي: الرياض
المجلة العربية

من الفنون التصويرية الجميلة ظهر فن يحمل اسم (المنمنمات)، وهو من فنون التصوير التي عرفت منذ القدم، ‏وشاع استخدامها بكثرة في المخطوطات والأعمال التصويرية. وتعني مفردة (المنمنمة) الشيء الدقيق المزخرف, ‏وقد شاعت تسميتها في القدم التزاويق. وهي رسوم فنية صغيرة أو منمنمة وضعت في الأصل لتزيين ‏المخطوطات القديمة.‏
وقد قيل إن كلمة (منمنمة) كانت مشتقة من اسم الداعية (ماني) البابلي؛ كونه اشتهر بإرفاق الرسوم في نصوص ‏كتابه الروحي، وقد بلغت المنمنمات الذروة في رسوماته.‏
ازدهر فن النمنمة في القرون الوسطى، في الهند وإيران وبعض البلدان الأوروبية. وقد امتازت المنمنمات ‏الإسلامية، بألوانها الزاهية وبأن صانعيها استخدموا في إبداعها الذهب والفضة على نحو بارع جعل منها أشكالاً ‏جمالية آسرة. ‏
وتطور فن النمنمة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فصارت المنمنمات ترسم على العاج والخزف وعلب ‏المجوهرات أيضاً، وتتخذ حلياً في بعض الأحيان. واستعملت المنمنمات كوسيلة للتعبير عن أعمال التصوير، ‏وبخاصة الصور الشخصية صغيرة الحجم التي كان يجري رسمها وتلوينها على الخشب والعاج والعظام والجلود ‏والكارتون والورق والمعدن.‏
كما أن المنمنمات تعد توثيقاً تاريخياً يساعد في اكتشاف عادات الشعوب المختلفة، وساهمت بجدارة في التعرف ‏على موروثات الأمم الحضارية والتاريخية، ونجد بين ثناياها وصفاً يصور الحياة الاجتماعية وتفاصيلها المتباينة.‏
وحفظ لنا هذا الفن صور الحياة والبيئة والعادات والطقوس والتقاليد والأحداث التاريخية وطبيعة المناخ والعمارة ‏والزي والفنون، وهو يرتبط بفن الزخرفة الهندسية بشكل كبير.‏
ونجد أن المنمنمات العربية والإسلامية كانت مسطحة وذات بعدين، هما: الطول والعرض، وبعدت كثيراً عن ‏التجسيم بالبعد الثالث، كما أن العنصرين الأساسيين في المنمنمة هما الخط والبقعة، ويأتي الإنسان بالدرجة الأولى ‏في المنمنمة ثم يأتي بعد ذلك الحيوان والنبات والعمران.‏
وقد ظهر هذا الفن في حضارات قديمة منها الحضارة الفارسية والهندية، ويعد كتاب (كليلة ودمنة) أول كتاب ‏عربي ظهرت فيه المنمنمات، كما ظهرت كذلك في مقامات الحريري وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. ‏ويرجع أقدم مخطوط إلى القرن عشر الميلادي، وإن كانت أعداد قليلة منها موجودة في مصر وإيران منذ القرن ‏التاسع الميلادي.‏
يقول بازيل غمري في كتابه (الرسم الإيراني): «يجب أن تبدأ دراسة الرسم الإيراني بالنسخ الخطية للعصر ‏الفارسي، والمدرسة العباسية اسم يطلق على النسخ الخطية المذهبة والمزينة بالرسوم التي اهتم بها الخلفاء ‏العباسيون.. جمعوها في عاصمتهم بغداد». ‏
وقد كان للفنانين الإيرانيين دور بارز في تطور المدارس الفنية للمنمنمات، وامتزجت خبراتهم مع خبرات ‏المدرسة العباسية في بغداد، لاسيما عند وصول البرامكة إلى موقع الحكم ، حيث استعانوا بالعديد من الفنانين ‏الإيرانيين إلى بغداد، فشاركوا في تأسيس مدرسة المنمنمات فيها، وقد عرف عن المدرسة السلجوقية محاولة ‏الحفاظ على أصالة الرسم الإيراني وملامحه المحلية بعيداً عن تأثيرات الفن الصيني. ولكن بعد أن استولى ‏المغول على إيران وبدأت تظهر المدرسة المغولية تغير مظهر فن المنمنمات؛ إذ أسس المغول مدارس في (تبريز ‏وشيراز ومرو) ارتبطت بالأسلوب الصيني، ثم ظهرت المدرسة (الهراتية) أو التيمورية في سمرقند وهي من ‏أبرز مدارس الرسم الإيراني على وجه الإطلاق. وبعد أن تأسست المدرسة الصفوية في العهد الصفوي انتقل ‏مركز الفن الإيراني من (هراة) إلى (تبريز)، وتعتبر رسوم المدرسة الصفوية صفحة جديدة في الرسم الإيراني. ‏
وقد ظهرت المنمنمات كرسوم توضيحية رافقت بعض الكتب العربية والإسلامية، لاسيما (مقامات الحريري) ‏و(كليلة ودمنة) وغيرهما، ثم أصبح هذا اللون من الرسم والتصوير فناً قائماً بذاته، يمكن اعتباره نوعاً من ‏‏(التصوير الإسلامي) الذي تابعه باجتهاد فنانون رواد في مراحل تاريخية مختلفة، وفي العديد من الدول العربية ‏والإسلامية، لاسيما بغداد العباسية، وإيران وآسيا الصغرى.‏
وأتقن العرب فن التصوير والنقش والتزويق والترقين، وذلك بما خلفوه على الجدران والخشب والمعدن والزجاج ‏والخزف والعاج والثياب، ولاسيما ما زينت به المخطوطات من منمنمات بلغت حد الروعة فيما ينسب إلى ‏مدرسة التصوير العربية في بلاد الشام والعراق.‏
وقد اشتهر عدد كبير من الفنانين الرواد منهم (يحيى بن محمود بن يحيى الواسطي) الذي اشتهر وعرف كواحد ‏من مصوري (مقامات الحريري) التي تم إنجازها عام 1237م, وهو أحد أهم المصورين الذين عرفتهم الحضارة ‏العربية، بل من أفضل فناني العرب حيث يمتلك موهبة قوية ويجيد التعبير كمصوّر وملوّن ورسّام منمنمات، ‏ومصور للأحداث، إذ كانت قدرته فائقة فيما قدم من أحداث (مقامات الحريري) بأسلوب فني رائع، يعتبر من ‏أجمل الأساليب ويعد بحق من معجزات الفن التشكيلي العربي، وخير دليل على ذلك رسوماته لهذه المدرسة فقد ‏أجاد رسم شخصية أبي زيد (بطل مقامات الحريري). ‏ثم جاء (بهزاد) الذي يُعدُّ من أشهر رسامي المنمنمات في ‏تاريخ الفن الإنساني.‏
ولد بهزاد ببلدة (هراة) الواقعة بأفغانستان، وكان مولده في حدود سنة 854 هجريَّة (1450 ميلاديَّة)، وعاش ‏وأبدع لوحاته في بلاط ملوك الدولة التيمورية، ثم قام الشاه إسماعيل الصفوي برعايته، فقضى النصف الثاني من ‏حياته بمدينة تبريز حتى وفاته سنة 943 هجريَّة (1537 ميلاديَّة)، وشاع في كتب التاريخ أن الشاه إسماعيل ‏الصفوي حين دخل في حربه مع العثمانيين، خاف على حياة بهزاد فحفظه هو والخطَّاط شاه محمود النيسابوري ‏في قبو سرىٍّ حتى انتهت الحرب. ‏
قام بهزاد برسم منمنماتٍ كثيرة، وأبدع في رسومات مع نصوصٍ مخطوطة مثل ديوان الحديقة (بوستان) لسعدي ‏الشيرازي، وديوان خمسة للنظامي. وكان أسلوبه الفني أكثر حدة ودرامية من أسلوب الكثيرين من رسامي ‏عصره، كما كان أكثر اهتماماً بالأفراد وشخصياتهم وبمشكلات الحياة اليومية. وبعد (بهزاد) جاء (محمد خان ‏شيباني) و(ميراك) و(ميرزا علي) و(مير سيد علي) و(مظفر علي) وغيرهم.‏
والمتأمل لفن المنمنمات يجد أنها تحمل مضامين عديدة، منها حكائية المشهد الذي يحمل مشاهد مختلفة تمثل وقائع ‏عدة، بالإضافة إلى التوزيع الهندسي المتباين المستويات والاتجاهات, والتراتبية في تسلسل الأحداث وانتظامها ‏كما أنها منتظمة في توزيع الأشكال، ونجد في المنمنمة إدهاشاً بصرياً منقطع النظير. كما نلاحظ في المنمنمة دقة ‏التفاصيل وثراء لونياً متنوعاً، وهي فن جميل يحتاج للتأمل العميق لإدراك تفاصيله الدقيقة والانغماس في عالمه ‏العميق.‏