المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آفاقُ التحوّل نحو الديمقـراطيّة في بلدان الربيع العـربيّ


Eng.Jordan
05-13-2013, 01:36 PM
ينطوي عنوانُ هذه الدراسة على وحدتين أساسيتين: "التحوّل نحو الديمقراطيّة" و"الربيع العربيّ." ولقد تعمّدْنا إطلاقَ الاصطلاح الأول بدلًا من "التحوّل أو الانتقال الديمقراطيّ" لأنّ الشارع العربيّ يوجد اليومَ في مرحلة مخاض ونضالٍ يُرجى منهما الوصولُ إلى بناء دول ديمقراطيّة حقيقيّة. ونحن إذ نؤْثر استعمال ذلك الاصطلاح، فإنما نُجاري باحثين آخرين؛ فهذا ناشط مغربيّ يؤكّد أنّ "المنطقة العربيّة... لا يمكنها أن تنتمي إلى الموجة الثالثة للديمقراطيّة التي وقعتْ في أمريكا الجنوبيّة، ولا إلى الموجة الثانية التي كانت قد وقعتْ في أوروبا الشرقيّة. فما نعيشه في العالم العربيّ هو... وضعُ الانتقال نحو الديمقراطيّة، لا وضع الانتقال الديمقراطيّ."1 وهو وضْع آتٍ لا محالة، على الرُّغم من ثقل تكلفته. يقول جواد الحمد: "تفيد المعطيات... بأنّ التحوّل الديمقراطيّ في العالم العربيّ مسألةُ وقت. لذلك، فإنه قد يكون من مصلحة النُّخب السياسيّة الحاكمة إبداءُ الجدّيّة بالانخراط فيها، قبل أن يُحْرموا حتى من المشاركة في العمليّة السياسيّة في حال نجاح هذه الحركات؛ كما هو الحالُ في توجّهات قطاعاتٍ مهمّةٍ في مصر ما بعد الثورة إزاء عناصر الحزب الوطنيّ الحاكم سابقًا."2 وبما أنّ هذا المخاض الذي يشهده العالمُ العربيّ غيرُ منتمٍ إلى أيٍّ من موجات الديمقراطيّة الثلاث التي عرفها العالمُ منذ نهاية الحرب الكونيّة الثانية، فلْنُسَمِّه "الموجة الرابعة" للديمقراطيّة، لِمَا لها من خصوصيات تُميِّزها من تلك الموجات التي حدثتْ في أوروبا الغربيّة، وشرق القارة الأوروبيّة، وأمريكا الجنوبيّة.
أما المكوِّن الثاني في العنوان فيثير بعض التساؤلات، من قبيل: لِمَ سُمّي حراكُ الشارع العربيّ ربيعًا مع أنه لم يبدأ في الربيع بل في أواخر الخريف (انطلقت الثورةُ التونسيّة في 17/12/2010)، وبداية فصل الشتاء (انطلقت الثورةُ المصريّة في 25/01/2011)؟ ولِمَ تصرّ أغلبيّةُ الكتابات على وصْفه بـ"العربيّ" علمًا أنّ تلك الديناميّة الاحتجاجيّة شاركتْ فيها كافّةُ أطياف المجتمعات الثائرة، بقطْع النظر عن انتماءاتها العرقيّة والمذهبيّة وغيرها؟
الواقع أنّ الربيع يقترن، في المخيال الجَمْعيّ، بالخصب والحياة والحُبور. لكنّ ما اقترن بربيعنا هو الحَرْق والدماء، منذ أن أشعل الشابُّ المُجازُ المعطّل محمّد البوعزيزي النارَ في جسده بعد الإهانة التي تعرّض إليها من سلطات بلده. ولئن اعتبرتْ فئةٌ قليلةٌ ذلك الإحراقَ اعتداءً على الذات التي نهى الشرْعُ عن قتلها، فإنّ الغالبيّة العظمى عَدّته فعْلًا بطوليًّا بالنظر إلى ما ترتّب عنه من رجّاتٍ عميقة أسقطتْ إلى الآن أربعة أنظمةٍ عربيّة استبداديّة، وأجْبَرت أنظمةً أخرى على إنجاز إصلاحات وتقديم تنازلات، وكشفتْ عمّا يسْتبْطنه المواطنُ من وعي وتوْقٍ إلى التحرّر والكرامة، ومن قدرةٍ على رفع رأس أمّته عاليًا وتأهيلها للقيام بدورها الحضاريّ المغيّب. وهذا ما أبرزه أحدُهم بقوله: "أنْ تحمل أمّةٌ من الأمم فردًا بعينه على كتفيْها... مسألةٌ فيها وجهةُ نظر. ولكنْ أنْ يحمل فردٌ واحدٌ – كما فعل محمد البوعزيزي – أمّةً على كتفيه، ويؤهّلها من جديد... لاجتراح المُعجزات، فتلك مأثرةٌ كبرى، تكشف... عن تكدُّسٍ للشرط الحضاريّ في العقل العربيّ، ولكنْ على مستوى الكُمون."3 ويرى واسيني الأعرج أنّ البوعزيزي انتقل من مجرّد بطل، كأبطال الملاحم الإغريقيّة، إلى "إيقونة حياةٍ وتحرّر،" وأثبت إمكانَ انبثاق الحياة من الموت والدمار (كما في أسطورة الفينيق أو العنقاء). إنّ إحراق البوعزيزي جسدَه الطاهر جعله يؤثّر في شبّانٍ كُثر من العالم العربيّ أقدموا على تكرير فعلتِه احتجاجًا على البؤس الاجتماعيّ والظلم السياسيّ والإهانة، كما فعل الشابُّ الجزائريّ حسن بوطرفيف مثلًا. يقول الأعرج، بشيء من المبالغة: "بدأتْ ظاهرةُ الاحتجاج حرْقًا تستشري بسُرعة كبيرة في كلّ الوطن العربيّ... فقد أصبح البوعزيزي اليومَ أشهرَ من أيّ مسؤول عربيّ، وفي صفّ الأبطال الاستثنائيين الذين قادوا وراءهم الملايين نحو التغيير، وهزّ عُروش الظلم."4
ولعلّ مصطلح "الربيع العربيّ" مقتبس من بيئات حضاريّة أخرى. بل يؤكّد خيري منصور أنّه "استُعير من أدبيّات الحراك الأوروبيّ في القرن 19، وبالتحديد عام 1848، العام الحاسم في تاريخ القارّة، والذي صدر فيه البيانُ الشيوعيّ. والمرة الثانية التي استُخدم فيها مصطلحُ الربيع كانت عام 1968 في براغ عندما دخل الجيشُ السوفييتيّ إلى غُرف النوم..."5 ويرى آخرُ أنّ المصطلح أطلقتْه وسائلُ الإعلام والدوائر السياسيّة في الغرب على الحراك الجماهيريّ الذي عرفته المنطقةُ العربيّة منذ اندلاع أحداث تونس في يناير 2011، استلهامًا ممّا حدث في أوروبا الشرقيّة بعد سقوط الاتحاد السوفياتيّ.6 ويذهب إدريس الكنبوري إلى أنّ هذا الاصطلاح "تسمية قديمة ظهرتْ في خمسينيّات القرن الماضي، حتى قبل أحداث تشيكوسلوفاكيا. ففي نهاية الخمسينيّات، ألّف الباحثُ والصحافيّ الفرنسيّ بينواست ميشان كتابًا تحت عنوان الربيع العربي، تطرّق فيه... إلى التطورات السياسيّة الكبرى التي همّت الشرقَ الأوسط ومنطقة الخليج وتركيا في تلك الفترة، وكأنّها إيذانٌ بربيع عربيّ يجرّ معه النهضةَ والتنميةَ والتقدّم الديمقراطيّ."7
حين نتأمّل الفاعلين والمشاركين في الاحتجاجات التي اكتسحت العالم العربيّ منذ بداية السنة الماضية، نجد أنّ الأطياف كلّها أسْهمت فيها: شبابًا وصغارًا وكهولًا، ذكورًا وإناثًا، عربًا وأمازيغ ومسيحيين وشيعة...، وإنْ كان ذلك لا يلغي تفاوتَهم الكَمّيّ، وتأثيرَهم في مآلات الثورات. ولهذا لستُ متحمِّسًا لاستعمال مصطلح "الربيع العربيّ" ما دام يقصره على أحد مكوّنات هذا الشارع المنتفِض، وما دامت دلالتُه عرقيّةً محْضًا. وأفضّل مصطلح "الربيع الديمقراطيّ،" حيث ينصرف الوصفُ إلى مقصد الثوّار الأسْمى، عربًا وغيرَ عرب، وهو بناءُ دول ديمقراطيّة تعدُّديّة حديثة قادرة على كسْب رهانات المرحلة، وعلى لعب أدوار إستراتيجيّة في محيطيْها الإقليميّ والدوليّ.
ما نعنيه بـ "بلدان الربيع العربيّ" هنا هو البلاد العربيّة التي عرفت احتجاجاتٍ عارمةً، صاحَبَها استخدامُ العنف ضدّها من قبل الأنظمة الحاكمة، وأدّت إلى إطاحة رأس النظام، والشروع في تطهير أجهزة الحُكم من أزلامه المتورِّطين في الفساد والاستغلال والإساءة إلى الشعب. ونقصد بتلك البلدان: تونس ومصر وليبيا واليمن، ونضيف إليها سوريا التي ما زال القتالُ فيها على أشدّه، وما زال أبناؤها يسقطون بالعشرات يوميًّا، في ظلّ استمرار تعنُّت النظام الأسديّ، المدعومِ من روسيا والصين وإيران، وتصميم الجماهير المُنتفِضة على السير قُدُمًا إلى حين إسقاطه.
ولا بدّ من أن نشير، من باب النَّصَفة، إلى أنّ الدول العربيّة ليست متساويةً في سُلّم الديمقراطيّة، كما في سلّم الاستبداد والفساد. وقد عبّر برهان غليون عن تفاوت البلاد العربيّة في تبنّي الديمقراطيّة بالآتي:
"...هناك أقطار عديدة أصبحتْ فيها التعدّديّة أمرًا قانونيًّا مشروعًا ومستبْطنًا في ذاكرة النظام السياسيّة، وهي في مرحلة يمكن أن نطلق عليها ‘ما قبل ديمقراطيّة’ أيْ تمهيديّة. وهناك أقطار أخرى تشكّل التعدديّة فيها أمْرًا واقعًا ليس من الممكن التراجُعُ عنه، بالرغم من أنّ السلطات تقوم بكلّ الإجراءات القانونيّة وغير القانونيّة لتفريغها من مضمونها، ووقف الحراك السياسيّ... وهناك – بالمقابل – أقطار تفتقر كليًّا للتجربة السياسيّة التعدديّة، بل لمفهوم السياسة وحدود ممارستها الدنيا، وتخضع لقوانين الاستثناء الدائمة التي تحوّلت إلى قوانين الحالة الطبيعيّة."8
الربيع العربيّ: السياق والدلالات والأبعاد
الربيع العربيّ ملحمة جماهيريّة بامتياز، قادها الشبابُ، بالأساس، بعيدًا عن أيّ تأطير سياسيّ أو حزبيّ أو إيديولوجيّ. وكان منطلقها شعبيًّا وسلميًّا. وكانت مفاجئة ككلّ الثورات، بل يرى ناشطٌ سياسيّ أنّها أعظمُ من الديناميّات الثوريّة الأخرى بسبب "تغيّر مفهوم الزمن في عصرنا الحاليّ؛ إذ أصبحت الدقيقة تتمتّع بقوة ***** الخارق في قلْب الموازين بفضل تطوّر وسائط الاتصال، وتطوّر تثمين الزمن بقدْره الماليّ والنفعيّ."9
ولا يستسيغ بعضُهم هذه الفجائيّة، مؤكِّدًا أنّ وراءها عواملَ ذاتيّة وموضوعيّة اتّحدتْ لتفعل فِعْلها في زعزعة أركان عدد من الأنظمة. يقول عبد الحسين شعبان:
"كان الأمر تراكمًا طويلَ الأمد لحراك سياسيّ واجتماعيّ ونقابيّ ومِهْنيّ، يتمظهر ثم يخبو... لكنه لا ينقطع... إلى أنْ حانت لحظةُ الانفجار المُثيرة للدهشة حَدَّ ‘المفاجأة’، يومَ أحرق الشابُّ التونسيّ محمد البوعزيزي نفسه... فانتقلت الشرارة وسرت مثل النار في الهشيم... حصلت اللحظة الثوريّة باتحادٍ بين العوامل الموضوعيّة والعوامل الذاتيّة، حين انتقل الخوفُ من المحكومين إلى الحاكم؛ فلم يعد هناك ما يُخيف الشعبَ بعد أن عملتْ آلةُ القتل ما عملتْه [فيه]... وهنا اختلّت موازينُ القوى لصالح المحكومين..."10
وأيًّا كان الأمر، فإنّ "ما يقع اليوم (أو وقع فعلًا) في العديد من الأقطار العربيّة سابقٌ على كلّ الجهاز النظريّ الذي تنتظم حوله منظومةُ الفكر العربيّ، التي كانت – حتى الأمس القريب جدًّا – غارقةً في تحليلاتها الفوقيّة لمسارات الشعوب، وتمفصُلات بنياتها الذهنية."11 .. إنه إعصار زلزل عروشًا عمّرتْ طويلًا، وعملتْ على تحويل كلّ ما تحت أيديها إلى حسابها الخاص ومَنْ يحيط بها من سَدَنة وأزلام. وقد ذكر برنامج وثائقيّ أعدّته هيئةُ الإذاعة البريطانيّة، مؤخّرًا، أنّ قادة مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا والعراق (أيام حُكم صدّام) نهبوا نحو 300 بليون دولار من ثروات بلادهم على مدى العقود الأربعة الماضية! وكان بالإمكان أن تزيد هذه الأموالُ لتبلغ أكثر من تريليُون دولار لو استُثمِرتْ بعقلانيّة.12 ولم يكن السياقُ الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ لتلك الأقطار بالمستقرّ البتّة؛ وهذا ما سرَّع وتيرة ذلك الإعصار.
لقد خرج مواطنو بلدان الربيع العربيّ إلى الشوارع بعدما أعْياهم الصبرُ والتحمُّل، للتعبير سلميًّا عن مطالبهم المشروعة. بيْد أن أنظمة الحكم، التي كانت قد استطابت العيش الرغيد وضمنت "الاستقرار،" استشعرتْ بعضَ الغرابة في هذا السلوك الاحتجاجيّ، وهي التي لم تتوان عن تنويم شعوبها وإغراقها في الوعود. وأمام "تمادي" المحتجّين في حراكهم، اضطرّ حُكّامُهم إلى الإطلالة عليهم عبر بوّابة الإعلام الرسميّ، ومنهم من اصطنع الجرأة فخرج إلى الساحات العامّة لمخاطبتهم، وتوجيه الوعيد إلى الشباب الثائر، الذي لم يسْلم من تهمٍ ثقيلة، من قبيل الإدمان على تعاطي حبوب الهلوسة وأنهم "إرهابيون" و"جُرذان." ولكنّ تلك التهديدات سارت في الاتجاه المعاكس؛ فمع استمرار الثورة، لم يجد رؤوسُ النظام بُدًّا من تلطيف لهجتهم، فانتقلوا من التهديد إلى التعبير عن "تفهّمهم" لمطالب المحتجّين، وإلى تقديم التنازلات. لكنّ ذلك لم يُجْدِ نفعًا لأنّ الشعب الثائر رفع سقفَ مطالبه إلى المطالبة بإسقاط النظام بتمامه. ولم يشذّ عن هذا السيناريو التنازليّ سوى معمّر القذّافي الذي كان – مدفوعًا بجُنون العظمة – أشدّ تعنّتًا وإصرارًا على قمع الثورة. وفي الوقت الذي فرّ فيه بن عليّ من تونس إلى السعوديّة، أُرغم مبارك على التخلّي عن رئاسة مصر لنائبه إلى حين عودة الهدوء وإجراء انتخابات رئاسيّة، ولكنّ الشعب رفض ذلك التنصيب، ليتحوّل زمامُ الأمور إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقدِّم مبارك ونجْلاه ومسؤولون كبار إلى المحاكمة. أما الرئيس اليمنيّ فاضطرّ بعد المراوغات إلى قبول المبادرة الخليجيّة، وتخلّى عن الرئاسة. ويبدو أنّ الأسد ما يزال معوّلًا على دعم بعض القوى العالميّة الكبرى وعلى حليفه الاستراتيجيّ في المنطقة (إيران)، ومرحّبًا بأيّ مبادرة لإنهاء الأزمة السوريّة ولكنْ من دون إبداء أيّ استعداد لترْك السلطة.
من الأسباب الرئيسة لاندلاع الربيع العربيّ سيادةُ الاستبداد والقهر والظلم، وغيابُ العدالة الاجتماعيّة والتوزيع المُنْصِف للثروات الوطنيّة، واستشراءُ الفساد والبيروقراطيّة والزبونيّة في الإدارة والقضاء، وتعاظمُ معدّلات البطالة في أوساط الشباب خرّيجي المعاهد والجامعات، والتطاولُ على حقوق المواطنين وحريّاتهم وكرامتهم. ولا يمكن إغفالُ أثر الأزمة الاقتصاديّة العالميّة (أوائل 2008) في الدول بأسْرها تقريبًا، بما في ذلك بلدانُ الربيع العربيّ، إذ أسهمتْ في تفاقم مشكلاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، من بطالة وفقرٍ وهشاشة وغيرها؛ الأمر الذي رشّح الوضعَ في تلك البلدان للانفجار في صورة غليانٍ جماهيريّ، مطلبُه الأساس هو الديمقراطيّة والحريّة والكرامة والعدل والشغل.
ولم تستبعد بعضُ الأبحاث أن تكون الشرارة التي أشعلتْ فتيلَ الربيع العربيّ هي تسريبات موقع ويكيليكس التي كشفتْ جملةً من خبايا الأنظمة العربيّة الشموليّة، ومناوراتها، والفساد المستحْكم فيها وفي كبار مسؤوليها. ويُنسب إلى جوليان أسانج أنّه قال: "أنا الذي أعطى إشارةَ إطلاقِ الثورات العربيّة!"13
إنّ الربيع العربيّ لم يجعل هدفَه الأسمى إسقاطَ رؤساء الأنظمة فقط، بل إسقاط هذه الأنظمة كلّها، لإدراكه أنّ من شأن الإبقاء على أجهزتها وكوادرها أن يُنبت في المستقبل قادةً مُفسدين آخرين. وجعل الربيعُ العربيُّ من القضاء على الأنظمة التسلطيّة نقطةَ البدْء في مسلسل طويل من الإصلاحات البنيويّة العميقة، وفي مجابهة التحدّيات المفروضة من الداخل ومن الخارج معًا. ولعلّ أبرز هذه التحدّيات: "تحديد الهُويّة والانتماء في ما يتعلّق بالدولة وطبيعتها ومرجعيّتها (دولة مَدنيّة – المرجعيّة الإسلاميّة – النظام العَلمانيّ...). ويشكّل بناءُ نظُمٍ تؤْمن بالتعدديّة السياسيّة والتداول السلميّ للسلطة، من خلال ممارسة الديمقراطيّة الحقِّ عبر صناديق الاقتراع، إلى جانب الإيمان بحريّة التعدديّة الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة والثقافيّة والاجتماعيّة للأقلّيّات وحمايتها، هاجسًا مشروعًا في تأمين دولة المواطَنة والوطن للجميع."14
ولعل أهمّ دلالة يمكن استقاؤها من حراك الربيع العربيّ أنّ إرادة الشعوب التوّاقة إلى الحريّة لا تُقهر، وإنْ وُوجهتْ بأعْتى أصناف السلاح، لأنها تدرك أنّ الحريّة والكرامة كنْزان عزيزان حقيقٌ أن تُبذل لأجلهما الأنفس. وكشف ذلك الحراك، أيضًا، أنّ الثورة نَتاجٌ حتميٌّ لواقعٍ سِمتُه الأبرزُ هي الفساد والقهر والركود وغياب المساواة.
وكشف الحراكُ دلالةً ثالثة، وهي نجاعة التحرك السلميّ الذي ميّز أغلبَ الثورات العربيّة. فبهذه الميزة حازت تلك الثوراتُ تأييدًا واسعًا، داخليًّا وخارجيًّا، وضمنتْ خسائرَ أقلّ مقارنةً بثورتيْ ليبيا وسوريا، اللتين استَعمل فيهما الثوّارُ العنفَ المضادّ، فجاءت الحصيلة ثقيلةً جدًّا في البشر والبنى التحتيّة. ذلك لأنّ الثورة، باستخدامها السلاح، تجعل النظامَ يسوِّغ عنفَه بمواجهة حَمَلَة السلاح الذين لا يتورّع عن رمْيهم بأوصاف الإرهاب والتخريب والاعتداء و"القاعديّة" (نسبةً إلى التنظيم المعروف). وبهذا، تُعدّ سِلميّةُ الربيع العربيّ من أبرز أسباب نجاح الثورة، بسرعةٍ وبكُلفةٍ أقلّ، في البلاد التي لم تلجأ إلى حمْل السلاح في وجه النظام، وإنْ توفّر في بعضها للثوار ـ كما في اليمن الذي تصنَّف ثورتُه ضمن الثورات المتفرِّدة من نوعها لذلك السبب تحديدًا. يقول عبد الإله بلقزيز:
"لم تفرض الثوراتُ العربيّةُ نفسَها، في بداية أمرها، بقوة شرعيّتها وشرعيّة مطلبها في تغيير نظام الاستبداد والفساد فحسْب، وإنما هي فرضتْ نفسَها – أيضًا – ببلاغة أدائها المَدَنيّ المتحضِّر، ورأسمالِها الأخلاقيّ السلميّ. فهي ما استُدْرجتْ إلى العنف على الرغم من سعْي نظاميْ مبارك وبن عليّ لتوريط جمهورها في عنفٍ يبرِّر للسلطة عنفَها. ذُهل الجميعُ بقدرة ملايين الناس على إلحاق هزيمة نكراء بنظاميْن عريقيْن في القمع، من دون إراقة قطرة دم. الدم الوحيدُ الذي أهرِقَ كان دمًا متظاهرًا لشبابٍ أعْزل، إلاّ من سلاح الإرادة والعزم والتصميم..."15
الديمقـراطيّة هي الحلّ!
لقد أدركتْ شعوبُ الربيع العربيّ فعّاليّة تبنّي الخيار الديمقراطيّ في تجاوُز أوضاعها المتأزّمة. على أنّ ما يَسِم ديمقراطيّة الربيع العربيّ أنها أكثرُ تغلغلًا في بنيات المجتمع، وبين فئاته الشعبيّة بخاصّة، خلافًا لِما كان عليه الأمرُ في السابق حين كانت مَطلبًا مُقترنًا، أساسًا، بالإنتلجنسيا.
وليست الديمقراطيّة المأمولة، في الحقيقة، تلك التي تأتي في أعقاب انقلابات سياسيّة، تُسْفر عنها ثوراتٌ داخليّة أو ضغوطٌ خارجيّة، ويجري الترتيبُ لها بعناية تامّة. وإنما سيرورة الانتقال الديمقراطيّ المُرادة، في بلداننا، تكمن في العمل على "تغيير وعي الأفراد وتعزيز فرص تعاونهم وتضامنهم وتنظيمهم... فهي ثمرة جهدٍ متواصلٍ محورُه الحقيقيُّ تحريرُ الإنسان، وقبل ذلك تحرّر أولئك الذين يؤمنون بتحرير الإنسان أو يعملون في حقله، من ثقافتهم غير الديمقراطيّة وأساليب عملهم التقليديّ. فهذا التراكمُ الثقافيّ والسياسيّ والإستراتيجيّ هو الذي يمهّد عادةً لنقلة كيفيّة، ويجعل من الانتفاضات والثورات المُحْتملة شيئًا آخرَ غيرَ التمرُّدات الشعبويّة... التي أدى إخفاقُها إلى تعزيز الاستبداد..."16
إنّ التعويل على الديمقراطيّة لإحْداث تحوّل نوعيّ في بلدان الربيع العربيّ أمرٌ يتوقف نجاحُه على مراعاة مبدإ التوافق، الذي ينصّ على وُجوب إشراك كل مكوِّنات المجتمع في بناء دولة الحقّ والقانون والعدالة. يقول باحث عراقيّ: "نموذج الديمقراطيّة الذي يناسب المجتمعاتِ العربيّة التي تجري فيها الاحتجاجاتُ الشعبيّة هو ديمقراطيّة الشراكة الوطنيّة التي تقوم على مبدإ التوافق الوطنيّ...؛ الأمرُ الذي يُضْعف حاجةَ القوى الوطنيّة للاستقواء بالعامل الخارجي ضدَّ بعضها البعض، كما يقلّل من فُرص بعض تيّارات الحركة السياسيّة للانفراد بالسلطة، سواء بالاستناد على الشرعيّة الانتخابيّة أو العنف."17
ولقد تعلَّم الإنسان من التجارب الثوريّة أنّ الطريق إلى الديمقراطيّة والتحرر والكرامة والعَدالة ليست مَفروشة بالورد. فالثورة الفرنسيّة مثلًا لم تترسَّخْ مبادؤها في عموم أوروبا إلّا سنة 1848، أيْ بعد حوالي ستين سنة من قيام الثورة. ولكنّ كلّ نموذج ثوريّ يُنظر إليه في سياقه العامّ الذي ظهر فيه. ومن هذا المنطَلق، ينفي عزمي بشارة أنْ تكون ثوراتُ الربيع العربيّ محتاجةً إلى مثل هذا الزمن لاعتبارات متعددة: "فهناك حاليًّا مؤسّساتُ دولة، وجيوشٌ حديثة، ووسائلُ اتصال متطورة، وفئات المثقفين والطبقات الوسطى، وصَيْرُورة تشكّل الأمم."18
يزعم بعضُ الباحثين أنّ معوّقات تحقيق الانتقال نحو الديمقراطيّة، بسَلاسة وبسُرعة، في بلدان الربيع العربيّ، متعلّقةٌ، بالبنية الفكريّة – السياسيّة لمجتمعات هذه الأقطار الثائرة. وانطلاقًا من تحليل هذه البنية، رصد فاخر جاسم جملةً من هذه المعوّقات منذ مطلع العقد الثاني من الألفيّة الحاليّة.19 أولُها: انحسارُ الفكر الليبراليّ الديمقراطيّ في هذه البلدان. وثانيها: ضعفُ الوعي السياسيّ في مجتمعاتنا، وهو ما يُصعّب فهْمَ لغة الخطاب السياسيّ المتداوَل الآن، والتي تؤسّسه أهدافٌ وشعاراتٌ كبرى من قبيل: الديمقراطيّة، ودولة الحقّ والقانون، والانتخابات، والدولة المدنيّة. وثالثُها: أسلوب التفكير الشموليّ لدى أطراف المشهد السياسيّ العربيّ.
وغيرُ خافٍ أنّ ثورات الربيع الجارية لم تفلح، بعْدُ، في استئصال جذور الأنظمة السابقة، وإنْ أسقطتْ عددًا من رؤوسها، وفي تطهيرها من رموز الفساد والتسلّط. فهذه العناصر تشكّل "جيوبَ مقاوَمة" ما زال خطرُها قائمًا، وتجعل مسارَ التغيير صعبًا وبطيئًا.20 وينضاف إليها محاولاتُ أطراف أخرى من الخارج لوأدِ الحراك الجماهيريّ في بعض مناطقه.
ولا شكّ في أنّ لقوى المعارضة دورَها في تبطيء وتيرة التحوّل نحو الديمقراطيّة. ونمثّل لتلك المعارضة بالحالة السوريّة التي لم تنجح، بعدُ، في اختيار زعامةٍ توحّد صفوفَها وتنسّق نضالاتها. وهي لم تفلحْ، بعد مرور أزيد من عشرين شهرًا على انطلاق الانتفاضة، في تشكيل حكومة ائتلافيّة: تُحاور الغربَ والقوى الإقليميّة، وتستقبل الإمداداتِ والإعانات، وتجنّب البلد - بعد رحيل نظام الأسد - الانزلاقَ نحو الحرب الأهليّة والنزاع الطائفيّ. ورغم تدخّل دول أجنبيّة لتوحيدها، فإنّ مساعيها لم تصل بعْدُ إلى بغيتها؛ الأمر الذي يطيل أمدَ الأزمة ويوفّر وقتًا إضافيًّا للنظام لمزيدٍ من التقتيل والتدمير.
ولا يساعد مشكلُ الطائفيّة على الإسْراع بنقْل بلدان الربيع إلى طور الديمقراطيّة والتنمية والحداثة. فالطائفيّة – في نظر عبد الباري عطوان – "لا تقلّ خطورةً عن الديكتاتوريّات الفاسدة. وربّما يجادل البعض بأنّ هذه الأخيرة، أو بعضَها على الأقلّ، حافظتْ على وحدة البلاد العربيّة... إلّا أنّ هذا الطرح... مرفوضٌ، لأنّ تلك الديكتاتوريّات تتحمّل القسط الأكبر من المسؤوليّة في زرع بذور الطائفيّة في عددٍ من البلدان التي جرت فيها انتفاضاتٌ شعبيّة..."21
وعلى الرغم من هذه المعوّقات كلّها، فقد تكلّل حراكُ بعض هذه الشعوب بالنجاح، وإنْ كانت الحصيلة ثقيلةً بكلّ المقاييس. وممّا ساعد الثورة، في أغلب هذه الدول، على تحقيق ما حقّقتْه، طابعُها السِّلميّ المدنيّ، وانسجامُ نسيجها المجتمعيّ الذي عكسَه انخراطُ أبناء تلك البلدان في الديناميّة الاحتجاجيّة بصرْف النظر عن تفاوتهم الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ. ولا ينبغي أن نُغفل، هنا، الإسْهامَ المتميّز للطبقة الشابّة في إطلاق شرارة الربيع العربيّ وإنجاحِه، أعانَهم – على ذلك – استغلالُهم الواسعُ لوسائل الإعلام والاتصال الحديثة التي لم تستطع أنظمةُ الحُكم ضبْطَها وتعطيلَ مفعولها. كما كان تحييدُ الجيش في الصدام بين الشعوب المُحتجّة وأنظمتها أحدَ العوامل المُساعِدة على انتصار الثوار؛ وهذا ما أكّده بلقزيز بقوله:
"حياد الجيش، في الصدام العظيم بين الشعب والنظام، ساعد الثورة على اختصار الطريق إلى التغيير... فبمقدار ما حرم ذلك الحيادُ الأنظمةَ – في تونس ومصر واليمن – من مَخالِبَ وأنيابٍ لتمزيق جسد الثورة، وفّر شعورًا بالدعم المعنويّ للشعب الذي كان يحتاجُه كيْ يكسّر، نهائيًّا، شرانقَ الخوف التي ضُربتْ عليه لعهْدٍ طويل."22
بلدان الربيع العربيّ بعد الثورة: في إشكاليّة العلاقة بين السياسيّ والعسكريّ
يؤكّد خيري منصور أنّ "القطفة الأولى لأيّ حراك شعبيّ ليست مقياسًا يُحتكم إليه." فثمة تجارب علّمتْنا أنّه من الثورة يمكن أن يولَد نقيضُها، ومن نقيضِها يمكن أن تولد الثورةُ المظفّرة. أفَلَمْ يولد من رَحِم الثورة الفرنسيّة نابليون بونابرت، ذو النزعة التوسُّعيّة الإمبرياليّة؟ أفَلم تخلق الرأسماليّة الغربيّة كارل ماركس، ذا النزعة الاشتراكيّة الناقمة؟ أولَم يُفْضِ الاستعمارُ الأوروبيّ إلى ظهور حركاتِ المقاومة والتحرّر ضدّه؟ ولعلّ خوف قادة بعض ثورات الربيع العربيّ من استعادة فلول الأنظمة سيطرتها على زمام الأمور هو الذي جعلهم أكثر حرْصًا على مواصلة الثورة وتحصين مكتسباتها، لاسيّما أنهم لَمسوا رغبة بعض أطراف الدولة، وتحديدًا جهاز العسكر، في الالتفاف على الثورة، والانقضاض على دواليب الحكم.
إنّ وظيفة العسكر الرئيسة هي حماية الأوطان، واستتباب الأمن في الداخل. وعليه، فإنّ الواجب أن ينأوا بأنفسهم عن المعارك السياسيّة، وعن الانحياز إلى طرفٍ على حساب آخر؛ فهم خُدّام الوطن والشعب كلّه، وعليه أدّوا القَسَم حين الانضمام إلى المؤسّسة العسكريّة. غير أنّ سقوط الأنظمة في جلّ دول الربيع العربيّ خلّف فراغًا سياسيًّا تمخّض عنه بعضُ الارتباك، لاسيّما بعد الفشل في تشكيل حكومات ائتلافيّة وفي الاتفاق على قيادة تتولّى زمامَ إدارة هذه المرحلة إلى حين إجراء انتخابات ديمقراطيّة لاختيار رئيسٍ للبلاد. وتجنُّبًا لحدوث انزلاقات وحروب أهليّة حول السلطة، تولّى الجيشُ قيادةَ الدولة، وسط مخاوف كثيرةٍ من تحويلها إلى دولة عسكريّة. ونشير بهذا الكلام، أساسًا، إلى الحالة المصريّة.
فبعد إعلان مبارك تخلّيه عن السلطة، ورفضِ الثوّار تنصيبَ نائبه رئيسًا موقّتًا، انتقلت القيادةُ إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فقام بعدة إجراءات لتهدئة الأوضاع، ولكنّه أتى بأخرى جَرَّت عليه انتقاداتٌ. ومن تلك الإجراءات إصدارُ إعلان دستوريّ مكمِّل حلّ بموجبه مجلسَ الشعب، وأسند صلاحيّاتٍ أخرى إلى المجلس العسكريّ. ومع ذلك، استمرّ هذا الأخير في إدارة أمور البلد، والإعداد للانتخابات الرئاسيّة التي جرَت، برعاية الجيش، وبحضور مراقبين، وبإشراف القضاء، واحتدم التنافسُ فيها بين طرفين: أحدهما حظي بتزكية المؤسّسة العسكريّة هو أحمد شفيق، والآخَر عن الإخوان المسلمين هو محمد مُرْسي. وعقب ذلك، ذهب كثيرون إلى أنّ مصر صارت بقيادتين: قيادة حقيقيّة قويّة لا تظهر إلى العلن (العسكر)، وقيادة "شكليّة" تأتمر بأوامر العسكر. ولكنّ هذا الافتراض سرعان ما انكشف بأنه مجرد وهْم، وذلك حين أقدم مرسي في 12/8/2012 على عزل الجيش عن السياسة، وإرجاعه إلى ثكناته ليُباشِر وظيفته المركزيّة في حماية أمن مصر، وإحالة عددٍ من أركانه على المعاش، مع إسْناد مهامّ أخرى لهم بحُكم خبرتهم. كما أعاد رسْم حدود المجلس العسكريّ، وحدّد مهامّه، سياسيًّا، بأنه هيئة استشاريّة غير ذات قرار. وهكذا أمسى مرسي رئيسًا فعليًّا ذا صلاحيّات كافية لإقامة جمهوريّة جديدة، تحقيقًا لمطالب المحتجّين الذين طالما اشتكوا من مؤسّسة العسكر.
إنّ ما حدث في مصر يؤشّر على أنها بصدد تدشين مرحلة جديدة من تاريخها المعاصر، أهمُّ معالمها أنْ لا سلطة تعلو على سلطة الشعب، وأنْ لا خيار للنهضة والتنمية سوى الديمقراطيّة الحقّة، التي يكون مصدرها صناديق الاقتراع، لا الخارج. ولا شك في أنّ ثوار مصر كانوا يترقّبون تلك الخطوات الحاسمة من رئيسهم الذي صوّتوا لصالحه حين حَجّوا، بكثافة، إلى مراكز الاقتراع.
الربيع العربيّ وفاعِليّة التدخّل الخارجيّ
لم يكن يتصوّر أحدٌ أن يُبادر أيٌّ من الرؤساء العرب المطاحين، مؤخّرًا، إلى التخلّي عن منصبه، بطريقة هادئة سلميّة، لأنهم لم يؤمنوا بمبادئ الديمقراطيّة، من قبيل: احترام الإرداة الشعبيّة بإقامة انتخابات نزيهة، والتداول السلميّ على السلطة. لذا، لم تكن الاستحقاقات المنظَّمة، على عهدهم، تمرّ في أجواء ديمقراطيّة لكثرة ما يشوبها من تزوير. وتجرّأتْ بعضُ الأنظمة على المساس بنصوص دساتيرها بما يضْمن لرأس النظام الترشُّح – وبالتالي الفوز – لولاية رئاسيّة أخرى، والاستمرار في التربُّع على كرسيّ الرئاسة إلى حين مغادرته إلى مثواه الأخير. وعمل بعضها كلّ ما وَسِعها الجهدُ لتوريث العرش إلى الابن... علمًا أنّ الأب لم يأتِ إلى منصبه ذاك بطريقة ديمقراطيّة، بل بانقلابات ودسائس في الأغلب. وكان تشبُّثهم بأهداب السلطة غريبًا؛ إذ منهم مَنْ أبدى الاستعداد لتصفية كلّ المعارِضين ولتحويل البلد إلى "جَمْر" نظيرَ استمراره في الزعامة، متعلِّلًا بما قدّمه من خِدْمات وتضحيات لتحرير الوطن وبنائه! ونستحضر، في هذا السياق، معمّر القذّافي، الذي كان يردّد أنه "ملكُ ملوك إفريقيا وعميدُ الحكّام العرب"، وأنه – في الوقت نفسه – ليس رئيسَ دولة حتى يتخلّى عن منصبه بل زعيم ثورة وباني النهر الصناعيّ العظيم. ولمّا خرج الليبيون يهتفون بإسقاط نظامه، جَنّ جنونُه، وحرّك أرْتالًا من الدبّابات والطائرات والراجمات والجنود لدّكِّ بنغازي دَكًّا. ولو لم يُستدْعَ حلفُ الناتو ويتدخّلْ سريعًا، لكان أمرُ بنغازي، والشرق الليبيّ عمومًا، مختلفًا تمامًا! فبفضل هذا التدخّل، وبفضل الحظر الجويّ المفروض على الطيران الحربيّ الليبيّ، خفّت حِدّة تهديد النظام، وشُلّت قدراتُه الحربيّة بصورة ملحوظة، وتقوَّت – بالمقابل – شوكةُ المعارضة.
ولا يَستبعد متتبِّعو الحراك الشعبيّ الذي شهدته تونس ومصر واليمن حضورَ أيادٍ خارجيّة في إنهاء أنظمتها. ففي تونس، لم يغادر بن علي منصبه إلّا بعد تلقّيه أوامرَ بالتخلّي عن الرئاسة سلميًّا قبل أن يُرْغَم على تركه، لاسيّما أنّ الدول الغربيّة، التي طالما أيّدته، طفِقتْ تغيّر موقفها حين اتضح لها اتجاهُ مؤشّر الصدام بينه وبين الشعب. وفي هذا المساق، أكد جون غيسنيل (المخابرات السرّيّة الفرنسيّة) أنّ أجهزة المخابرات والدوائر السياسيّة في الغرب كانت على عِلمٍ مسبّق بثوارت الربيع العربيّ، بما فيها "ثورةُ الياسمين" التونسيّة، ولكنها لم تُخْطر الأنظمةَ بذلك لأنها كانت ترغب في حصول تغييرات سياسيّة في المنطقة. والدليل أنّ تونس، مثلًا، شهدتْ أحداثًا دمويّة خلال السنوات 1969 و1978 و1980 و1984، قمعتْها السلطاتُ بوحشيّة، ولم يتدخّل الغربُ لإيقافها.23 ولم يختلف الحال كثيرًا حِيال ما جرى في مصر: فالجماهير قرّرتْ مواصلة النضال إلى أن يسْقط النظام، فما كان من القوى الكبرى ـ في نهاية المطاف ـ إلّا تأييدها ومطالبة الرئيس بترك منصبه سلميًّا. وفي اليمن، أرغم رئيسه السابقُ على التوقيع على المبادرة الخليجيّة، وعلى تلبية أوامر الأطراف الخارجيّة المتدخّلة، رغم طول مراوغاته وتلكّؤاته غير المُجْدية أمام إلحاح الثوّار على إسقاط نظامه مهما كان الثمن.
إذًا، من الحقائق المشتركة بين الثورات العربيّة التي أطاحت أنظمة الاستبداد أنّ "دورًا أجنبيًّا كان موجودًا، أو حاول أن يكون موجودًا، في عمليّة الانتقال في معظم الحالات... أقرأُ في وثائق وتصريحات عديدة ما يؤكّد أن نيّة التدخّل كانت قائمة، وبعضَ الترتيبات للانتقال كانت جاهزة... هذه النيّة وتلك الجُهوزيّة هما من صَميم حقوق الدول العُظمى، التي دأبت على تقديم معونات اقتصاديّة أو عسكريّة، واعتبرتْ دائمًا أنّ هذه المعونات... حافزٌ كافٍ للتدخّل في أيّ وقت، ولو للمحافظة على عائد هذه المعونات ومراقبة إنفاقها."24 وليس بالضرورة أن يتّخذ التدخّل الأجنبيّ صورةً مباشرة، كما حصل في الحالة الليبيّة، وإنما قد يتخذ صورًا غير مباشرة؛ من قبيل تدريب المحتجّين في الثورات غير السلميّة، وتوجيههم، وإطْلاعِهم على خطط النظام وتحرّكاته وتموْقُع آليّاته، وتسليحهم بأنواع مختلفة من السلاح. يقول أحدُ النشطاء المغاربة: "ما وقع، ويقع، في عالمنا العربيّ من ديناميّات احتجاجيّة لا تسقِط عنه فكرة ‘اليد الخفيّة’...التي تؤسّس للقوانين، وتنسحب إلى الخلف، تاركةً الفرصة للديناميّة بأنْ تطوّر ذاتَها بذاتها، وتفرز بعد ذلك ما ينسجم مع إمكاناتها الذاتيّة الاجتماعيّة."25
ومن نافلة القول أنّ تدخّل الدول الغربيّة لا يكون مجّانيًّا، بل تحْكمه مصالحُها الشخصية. وبقدر ما تكون مصالحُها كبيرة في أيّ منطقة، ومكاسبُها المنتظرة مضمونةً ووافرةً، تكون مبادرتُها بالتدخّل أسْرع. ولعلّ هذا ما يفسّر، إلى حدّ ما، تدخّلها في ليبيا الغنيّة بالنفط، الذي كان يتحكّم في تسْويقه القذافي بمِزاجه المعروف، وعدمَ تحمُّسها، بالمقابل، للتدخّل – بالصيغة نفسِها – في اليمن، رغم أنه كان مصدرَ تهديدٍ لسُفنها ولوجودها مرارًا؛ فاليمن – كما يبدو – فقير مقارنةً بليبيا، وأسفرتْ حساباتُها عن أنّ ما تكسبه من تدخّلها قد لا يوازي ما تخْسَره. وشعوب هذه المنطقة واعيةٌ بهذه الحقيقة، ولكنها لم تبادر بطلب ذلك التدخّل – أتحدّث هنا عن الثورة الليبيّة – إلّا حين وجدتْ نفسها بين خياريْن: إمّا أن ترضخ وتطلبَ هذا الدعم، وإما أن تُجْهض ويتعرّض متزَعِّموها والمُشاركون فيها لأقسى العقاب والفتك.
أما بخصوص الثورة السوريّة، فهي تتلقّى اليومَ دعمًا خارجيًّا من بلدان عدّة، ولكنّه يبدو غيرَ قادر على الإسراع في إنهاء الأزمة، وأنّ التدخّل العسكريّ وحده الذي يستطيع تحقيق ذلك، وإنْ كان صَعْبًا جدًّا، كما ما يؤكّد الجنرال عاموس يدلين (رئيسُ شعبة الاستخبارات العسكريّة السابق ومديرُ معهد أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ)، وذلك لضخامة عدد جنود الجيش العربيّ السوريّ، وامتلاكه ترْسانة أسلحةٍ متطورة جدًّا، وتوفُّره على مخزون مهمّ من الأسلحة الكيماويّة والبيولوجيّة.26 ولا ريب في أنّ التدخّل العسكريّ سيُكلّف سوريا ما بعد بشّار ثمنًا غاليًا لو حدث مستقبلًا. لكنْ يحقّ لنا التساؤل: ما الحلّ، إذًا، في ظلّ تمادي النظام السوريّ في التقتيل والتدمير، ورفض المعارضة أيَّ تفاوُض معه ما دام بشّار رئيسًا للبلاد، وفشل الحلّ السياسيّ؟!
لقد سمعنا مثل هذا الرفض في الحالة الليبيّة. ولا جدالَ في أنّ سببه هو إدراك عواقب ذلك التدخّل وتكاليفه الجسيمة. لكنه أحيانًا قد يكون الخيار الوحيد المُمْكن لتفادي إبادةٍ قد يُقْدِم عليها النظام في غياب توازن القوة بين طرفي الصراع. على أنّنا لا نقول إنّ التدخّل الخارجيّ سيؤدّي إلى إقامة الديمقراطيّة، بل قد يعرقلها: فقد دعمت الولاياتُ المتحدة العسكريين للانقلاب على الحكومات الوطنيّة في بلدانهم، ابتداءً من انقلاب سوهارتو في أندونيسيا سنة 1965، وبينوتشي في الشيلي سنة 1973، وضياء الحقّ في باكستان سنة 1977، وغيرها من الانقلابات التي أفضت إلى قيام أنظمة بوليسيّة مستبِدّة فاسدة. كما أنّ التدخّل الغربيّ في العراق ما بعد سقوط صدّام لم يؤدِّ إلى إقامة دولة ونظام ديمقراطييْن، كما وُعِد العراقيون قَبْلًا، بل إلى بناء سلطة مُحاصصة طائفيّة وعِرْقيّة.27 وقد سبق لتشومسكي أنْ أكّد سلبيّة التدخّل الأمريكيّ على مسار بناء الديمقراطيّة حين قال: "حيثما كان تأثيرُ الولايات المتحدة أقلّ، كان التقدّم على صعيد الديمقراطيّة أكبر."
الإسلاميّون وآفاقُ التحوّل نحو الديمقراطيّة في بلدان الربيع العربيّ
بات واضحًا، بعد نجاح الثورة في بعض بلدان الربيع العربيّ، أنّه حين تتوفّر للعمليّة الانتخابيّة ظروفٌ من النزاهة والشفافيّة والممارسة الديمقراطيّة، أو حدٌّ معقولٌ من ذلك، فإنها تُسْفر، في أغلب الأحايين، عن فوز القوى المحسوبة على التيّار الإسلاميّ.28 ومردُّ ذلك إلى امتدادها الجماهيريّ، وتمكُّنها من التأثير – بمبادئها ذات المرجعيّة الإسلاميّة – في قطاع عريض من الناس، في الوقت الذي فقد فيه الثقة بالأحزاب التقليديّة التي تحمّلتْ مسؤوليّةَ تسيير الشأن العامّ عقودًا من دون أن تحقّق أكثرَ المطالب الشعبيّة. ويحدّد الطاهر بنجلّون سببين أساسييْن لصعود "التيّارات الإسلامويّة" رغم عدم مشاركتها في ثورات الربيع: غياب الفعل الديمقراطيّ في الدول التي عرفت احتجاجاتٍ جماهيريّة، وما أثارته الأزمةُ الاقتصاديّة العالميّة الحاليّة من مخاوف كانت وراء ازدياد الإقبال على الاحتماء خلف الدين لتفادي الاكتواء بتداعياتها.29 ففي تونس ما بعد الثورة، فاز حزبُ النهضة. وفي مصر ما بعد مبارك، فاز حزبُ الحريّة والعدالة. وقبل عصر الثورات العربيّة الجارية، فاز الإسلاميون في الجزائر، ولكنْ وُوجهوا بمُضايقات حَرَمتْهم تولّي المسؤوليّة. وفازت حركة حماس حين نُظّمتْ في فلسطين انتخاباتٌ نزيهة وديمقراطيّة، ولكنها لم تَمْضِ بعيدًا في إدارة الشأن العامّ بسبب العراقيل التي جابهتْها، وللحصار الذي فُرض عليها؛ الأمر الذي قاد إلى تأزيم الأوضاع في فلسطين التي ما زالت بحُكومتيْن: واحدة في الضفّة وتحظى باعتراف دوليّ مع أنّ مرشّحيها لم يفوزوا بالانتخابات، والثانية في القطاع وتُعدّ في حكم المُقالة مع أنها الفائزة في تلك الانتخابات!
إنّ الحركات الإسلاميّة التي وصلتْ إلى سُدّة الحكم، مؤخّرًا، ستجد نفسها أمام أسئلة وتحدّيات جديدة. فبالأمس كانت تنتقد وتعارض وتطالب بالتغيير حين تُواجه الأغلبيّة الحاكمة. ولكنها اليوم اختارت تحمّل مسؤولية الإدارة والتدبير، جاعلةً نفسَها في مكانٍ قابلٍ للمُحاسَبَة. ولكي تنجح فإنّ عليها:
"أن تُثبت قدرتها على استيعاب هذه المرحلة ‘الصِّفْريّة’ في الحياة السياسيّة العربيّة، والتخلّص من ضغط الإرث السياسيّ السابق، والانتقال من ‘فِقه الضرورة’ وخطاب ‘الابتلاء والصبر’ إلى الخطاب السياسي المَرِن والحُرّ. وعليها، أيضًا، تجنّبُ السعي وراء مكاسب اللحظة، عبر محاولات الحصول على أكبر نصيب من كعكة السلطة في هذه المرحلة السياسيّة الحسّاسة التي لم تصل فيها المجتمعاتُ بَعْدُ إلى حيّز الاستقرار؛ فما زالت القوى التقليديّة (الجيش - القوى الرأسماليّة - النخبة العَلْمانيّة) تمسك بكثير من مَفاصل الدولة. لذا، يجب أن ترتكز أولويّة الحركة الإسلاميّة على بناء دولة القانون والمؤسّسات المدنيّة الصلبة والراسخة لتكون ضمانًا لاستمرار الفضاء السياسيّ الحرّ في المستقبل."30
ويتعيّن عليها، كذلك، الانتقالُ، سريعًا، من الشعارات والوعود الانتخابيّة إلى الفعل والعمل؛ وإلاّ فإنّ الشعب سيضطرّ إلى تجريب غيرهم. إنّ حديث تلك الحركة عن الانفتاح والدولة المدنيّة ودولة الحقوق والديمقراطيّة يجب "أن يُرافقه عملٌ داخليّ للاستعداد لكيفيّة التعامل مع المتغيّرات المتسارعة حولهم."31 وهي مطالَبَة أيضًا بإدراك أهميّة الفصْل بين الدعويّ والسياسيّ في نشاطها، وبتطبيقه إذا أرادت أن تنجح في مساعيها:
"ففي الوقت الذي حسم فيه حزبُ النهضة التونسيّ خِيارَه بأنه حزبٌ سياسيّ، واستطاعت الحركةُ الإسلاميّة في المغرب إنتاجَ نموذج ناجح في الفصل الكامل بين الحركة الدعويّة والحزب السياسيّ...، بقيتْ بعضُ الحركات الإسلاميّة في المشرق العربيّ تمارس هذا التداخل بوضوح. إذ إنّها غالبًا ما تلجأ إلى تشكيل حزبٍ يكون بمنزلة ذراع سياسيّة للحركة، ويخضع دومًا لقرارات قيادة الجماعة؛ وهو أمرٌ يوسّع من هامش التداخل بين الفضاء السياسيّ (الذي يعتمد على التكتيك والتحالفات والحسابات الواقعيّة) وبين الفضاء الدعويّ (الذي يعتمد على التربية والتعليم والدعوة والعمل الإغاثيّ). وهذا التداخل سيُسْهم – دون شك – في تسْييس العمل الدعويّ، وتسييس الفتاوَى ومَنابر الجمعة، وعدم فكّ الارتباط بين الشيخ/ الداعية ورجُل السياسة. وهو الأمر الذي سيجعل كثيرًا من مناطق التنافس السياسيّ تتجاوز مساحة المشروعات والبرامج، وتدْخل في حيّز الصراع الدينيّ الذي يستلهم مفرداتِ الانحراف والفِسْق والبدعة والعداء للدين."32
إنّ وصول "الإسلام السياسيّ" إلى تولّي مسؤوليّات عُليا في هرم الدولة أعاد إلى الواجهة الحديثَ عن حدود نجاحه في مهامّه السياسيّة الجديدة، وعن انعكاسات ذلك على المستوييْن الإقليميّ والدوليّ. فلقد ساد الاعتقادُ أنّ التيارات الإسلاميّة لا تملك القدرة على بناء دُول مَدَنيّة حديثة ديمقراطيّة؛ ومنهم مَنْ تجرّأ على إرْجاع سبب تخلّفنا إلى ذلك، ونادوا بعزل الإسلام عن السياسة. على أنّ إنكار علاقة الإسلام بالسياسة أدّى إلى:
"ظهور التشوّهات الفكريّة والدينيّة في البيئة العربيّة وغير العربية، ودفع – كذلك – إلى التصنيفات التي لا تزال متداولة، مثل ‘الإسلام المعتدل’ و‘الإسلام المتطرِّف’ أو ‘الإسلام الجِهاديّ’؛ وهي – في الحقيقة – كلماتٌ صُنِعتْ كلّها في بيئة الاستبداد التي لا تؤمن إلّا بشيطنة الآخَر. تلك استراتيجيّة قسّمت المجتمعات، وأحْدثت وقيعةً حقيقيّة في بنى المجتمع؛ بحيث بقي النظامُ السياسيّ الرابحَ الأول والأخير من كلّ ذلك."33
إنّ النَّصَفة تقتضي النظرَ إلى حركات "الإسلام السياسيّ" التي نجحتْ في الوصول إلى السلطة في بلدان الربيع العربيّ بوصفها قوةً سياسيّةً فاعلة، وذاتَ برامج انتخابيّة تنافُسيّة، انخرطتْ في العمل السياسيّ بعد فترة من التركيز على الممارسة الدعويّة، وعبّرتْ عن رغبتها في التباري النزيه لتحمّل مسؤوليّة تسيير الشأن العامّ؛ فدخلت المُعْترَك الانتخابيّ بحزْم وعزْم، وتمكّنتْ من تحقيق نتائج مُدْهِشة. ومثلما جرّب المواطنون نماذجَ في الحكم مختلفةً، فلِمَ يُلحّ بعضُهم على منع الإسلاميين من تولّي مناصب المسؤوليّة إذا صوّت لهم الجمهور؟! إنّ من حقّ هؤلاء، إذا بلغوا تلك المناصبَ عبر صناديق الاقتراع، أنْ يقودوا المجتمع وفق آليّات التسيير الديمقراطيّ المتعارَف عليها، ثم تجري مُحاسبتُهم لاحقًا على أدائهم. كما يجب عدمُ النظر إلى قوى "الإسلام السياسيّ" بوصفها غُولًا، وإلصاقُ صفات الإرهاب والتخلّف والرجعيّة بها، بل كمكّون مجتمعيّ مهمّ يمارس السياسة عن وعي، وفي انسجام تامّ مع ثوابت الوطن.
وعلى الرُّغم من تصريحات قادة الحركة الإسلاميّة الفائزين بنيّتهم في الإسهام الفعليّ في بناء الديمقراطيّة، التي لا تتعارض في رأيهم مع الإسلام، فإننا ما زلنا نرى كثيرين لا ينظرون بعين الرضا والتفاؤل إلى الوضْع الجديد. فهذا سلامة كيلة يكتب: "الشعب يثور لكي يطالب بالعمل والأجْر الذي يجعله قادرًا على العيش، وبتحسين الظروف العامّة، وتحقيق الديمقراطيّة الحقيقيّة، وبناء الدولة المدنيّة. و[لكن] تصل إلى الحُكم قوًى ليست في وارد كلّ ذلك. هذه هي الأزمة التي تعيشها الثورات، والتي تؤسّس لحالة يأس..."34 وتخشى خديجة الرويسي من الانقلاب على الديمقراطيّة في بلدان الربيع، وذلك من قِبَل القوى التي تسيطر الآن على حكوماتها؛ وهو ما يهدّد بالعودة بالأمور إلى نقطة الصفر.35
لهذه المخاوف أسبابٌ لا يتردّد أصحابُها في بيانها. ونكتفي بالإلمام ببعضها ممّا أثير بصدد الحالة المصريّة. فبعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات الرئاسيّة فوْزَ مرسي بتاريخ 24/06/2012، في عمليّة انتخابيّة عُدّت الأولى من نوعها في تاريخ مصر من حيث نزاهتُها وديمقراطيّتها، عمد إلى الاستقالة من جماعة الإخوان المسلمين، ليكون على مسافة واحدة من جميع مكوّنات المجتمع. ورغم ذلك، ظلّ القلق "يسود أحزابًا وحركاتٍ وطوائفَ وأديانًا، لعبتْ دورًا فاعلًا في إسقاط نظام حسني مبارك، بشأن إمكانيّة تطبيق الرئيس الجديد ومجلس الشعب الجديد مقوّمات دولة مدنيّة ديمقراطيّة تجعل الجميع مُتساوين في الحقوق؛ تلك الدولة التي لا يمكن أن تكون إلّا بأنظمة ومؤسّسات وآليّات ديمقراطيّة يكْفلها دستورٌ جديد يستمدّ قوته من تجاربِ دول مدنية مستقرّة..."36 وقد لخّص علاء الأسواني أسباب الشكوك والمخاوف التي صاحبتْ، وأعقبتْ، خُطْوات مرسي، في دراسةٍ مركّزة له.37 ومنها أنّ مرسي ينتمي إلى جماعة الإخوان، التي لم تكن مسجّلة ولا خاضعة لرقابة أجهزة الدولة على ميزانيّتها الضخمة؛ وهو ما يستدعي فتْح "صندوقها الأسود" طَمْأنةً للشعب المصريّ. ومن المخاوف أيضًا احتفاظُ مرسي بوزارة الإعلام، مع أنّ الثوّار طالبوا بالاستعاضة عنها بإنشاء مجلس أعلى للإعلام يتولّى مراقبةَ أداء مختلف وسائل الإعلام، على اعتبار أنّ تلك الوزارة واجهةٌ تتّخذها الأنظمةُ القمعيّة لتوجيه الرأي العامّ وتمْرير ما يريده النظامُ إليه. وقد عزا بعضُهم إصرارَ مرسي على الاحتفاظ بالوزارة المذكورة، وتعيينَ عضوٍ من جماعة الإخوان على رأسها، إلى رغبته في ترْويض الإعلام بدلَ تحريره. وبينما أجْرى مجلسُ الشورى، الذي يسيطر عليه الإخوان، تغييراتٍ جوهريّةً على الصحُف "القوميّة،" باشرتْ وزارةُ الإعلام عملها القِطاعيّ بحملة فحْص التصاريح الخاصّة ببعض المُذيعين العاملين في قنوات خاصّة، ثم إغلاق قناة "الفراعين" لأجل محدود. كما صودرتْ جريدةُ الدستور المستقلّة، وقُدّم رئيسُ تحريرها إسلام عفيفي إلى المحاكمة لعدة تهمٍ وُجِّهتْ إليه (منها بثُّ معلوماتٍ كاذبة، والتحريضُ على زعزعة استقرار البلد بإثارة الفتنة الطائفيّة، وإهانةُ رئيس الجمهوريّة، ونشرُ كتاباتٍ تدّعي أنّ انتخابه تمّ بطريقة مزوّرة). وامتدّت أيدي التغيير إلى الصحف الأدبيّة؛ فقد قرّرت السلطاتُ الجديدة استبعادَ الكاتبة التقدُّمية عبلة الرويني من رئاسة هيئة تحرير أخبار الأدب، وتعويضها بمجدي العفيفي، الذي يُوصَف بأنه من المقرّبين من الإخوان؛ وهو ما أثار موجةً من الاستنكار، لاسيّما أنّ الرويني تعدّ أولَ رئيس(ة) تحرير تتولّى هذه المسؤوليّة داخل الصحيفة بالانتخابات في مصر بعد الثورة، عقب إضرابٍ مفتوح خاضه محرِّروها، لأسابيعَ، احتجاجًا على سياسات رئيس تحريرها السابق مصطفى عبد الله.
وكان مثقفون مصريون قد نظّموا وقفاتٍ احتجاجيّة للتعبير عن قلقهم مِمّا رأوْه زحفًا إخوانيًّا على مؤسّساتهم، وللتنديد بالهجمة التي تستهدف الثقافة والإبداع في مصر. ومن أحد بياناتهم نَقتطف هذه الأسطر:
"من أجل الحفاظ على العقل الثقافيّ المصريّ وقدرته على الخيال والتفكير والتعبير بحريّة تامّة؛ وحفاظًا على مكتسبات المصريين في حريّة الاعتقاد والتفكير وحريّة ممارسة الشعائر والطقوس؛ وانطلاقًا من احترام قيم التعدّد وقبول الآخر وغيرها من المُرتَكزات التي قامت عليها أفكارُ النهضة في مختلف الحضارات الإنسانيّة؛ فإنّ المثقفين المصريين يُطالِبون السلطةَ المصريّة، في شكلها الأخير، بإثبات حُسْن نواياها تجاه احترام استقلاليّة المؤسّسات، وعدم تسْييسها لصالح تيّار أو جماعة، وإعمال معيار الكفاءة في الاختيار والعَزْل، وليس الانتماء الفكريّ أو الإيديولوجيّ للحزب أو الجماعة الحاكِمة."38
خاتمة
رغم كل الصِّعاب والتحدّيات، فإنّ أكثر متتبِّعي مسار الحراك الشعبيّ الذي شهدته أجزاء مختلفة من الوطن العربيّ، طَوالَ عامين تقريبًا، يتفاءلون خيْرًا، لأنه يتجه، بخُطى ثابتة، نحو بناء الديمقراطيّة في بلدان الربيع العربيّ، وإشاعة قيمها العُليا، وإعادة الاعتبار إلى للمواطن بوصْفه مصدرَ السلطة الحقيقيَّ، والقطع مع سلوكات ماضَوية طالما اكتوتْ شعوبُ تلك الأقطار بلظاها. وما زالت البلدان العربيّة، التي وقفنا في هذه الدراسة عند ثوراتها، تناضل وتجدُّ في العمل، أملًا في الانتقال نحو شطآن ديمقراطيّة حقيقيّة تحقق لتلك البلدان التنمية الشاملة، وتضْمَن لمُواطنيها حقوقهم وحريّاتهم كاملة.
* كاتب مغربيّ.
** الدراسة المنشورة مختصَر من دراسة أطول للباحث.
(1) محمد العوني، في الندوة التي نظّمتها مجلة الآداب (إعداد وتقديم: عبد الحقّ لَبْيَض)، بالرباط، في موضوع "الثورات الديمقراطيّة العربيّة: تفاعُلات الراهن وتحدّيات المستقبَل" (2012).
(2) جواد الحمد، "دلالات التحول الديمقراطيّ في العالم العربيّ ما بعد الثورات،" موقع مركز دراسات الشرق الأوسط (عَمَّان). (http://www.mesc.com.jo/OurVision/2011/9.html)
(3) معاذ بني عامر، "بين سقراط ومحمد بوعزيزي: فعل الإرادة الحُرة واستشراف القادم،" جريدة الدستور (الأردن)،15/07/2011
(4) واسيني الأعرج، "البوعزيزي أيقونة الحياة،" مجلة الواشنطوني العربي (إلكترونية)، أكتوبر 2011
(5) خيري منصور، "تراجيديا الربيع وكوميدياه،" القدس العربي (لندن)، 18/ 19 أغسطس 2012
(6) محمد عبد الشفيع عيسى، "هل هو الربيع العربيّ بالمعنى الغربيّ حقًّا؟" الجريدة (العراق)، 28/05/2012
(7) جريدة المساء (المغرب)، 06/09/2012، بتصرّف
(8) برهان غليون، "آفاق الديمقراطيّة في البلاد العربية،" مجلة بريق (الإلكترونيّة)، أكتوبر 2009، ص 18
(9) محمد العوني، م.س.
(10) عبد الحسين شعبان، "إشكاليّات ما بعد الربيع العربيّ،" مجلة "الحوار المتمدّن" (إلكترونيّة)، 11/01/2012.
(11) من كلمة عبد الحق لبيض التقديميّة في ندوة "الثورات الديمقراطيّة العربيّة،" م.س.
(12) فهمي هويدي، "بلايين مصر المنهوبة،" الشروق الجديد (مصر)، 05/09/2012.
(13) خديجة صفوت، "العسكر والإخوان: التحرر الوطنيّ وخندقا الباطل،" مجلة الكلمة (إلكترونيّة)، لندن، أغسطس 2012.
(14) عامر صالح، "الربيع العربيّ وخيار الديمقراطيّة: الأسباب – المخاطر – الآفاق،" مجلة الحوار المتمدّن (العراقيّة)، 27/09/2011.
(15) عبد الإله بلقزيز، "عوامل ساعدتْ على نجاح التغيير،" مجلة الفرقان (الدار البيضاء)، ع.69، 2012، ص 49.
(16) برهان غليون، "آفاق الديمقراطية في البلاد العربيّة،" م.س، ص 18.
(17) فاخر جاسم، "الاحتجاجات الشعبيّة العربيّة وآفاق تطورها الديمقراطيّ،" مجلة الأكاديميّة العربيّة في الدنمارك، ع 10، 2011، ص 154
(18) جريدة الصباح (المغرب)، 13/08/2012
(19) فاخر جاسم، م. س، ص 149 – 150
(20) إدريس لكريني، "الرهانات الإستراتيجيّة للحراك العربيّ،" الصباح، 12/10/2011.
(21) عبد الباري عطوان، "الاستقطاب الطائفيّ المسكوت عنه،" القدس العربي، 25 ـ 26/8/2012
(22) عبد الإله بلقزيز، "عوامل ساعدتْ على نجاح التغيير،" م.س.
(23) المساء، 06/09/2012
(24) جريدة المساء، 13/08/2012
(25) من مداخلة شارك بها عزيز إدامين في ندوة "الثورات الديمقراطيّة العربيّة: تفاعُلات الراهن وتحدّيات المستقبَل،" م.س.
(26) القدس العربي، 22/08/2012
(27) فاخر جاسم، م.س، ص 149-150.
(28) طلعت رميح، "الانتخابات المصريّة .. تحول ديمقراطيّ بأفق إسلاميّ،" مجلة البيان، ع 301، ص 76
(29) الطاهر بنجلون، "لماذا تعاطف الربيعُ العربيّ مع الإسلامويّين؟" مجلة الدوحة (قطر)، ع.57، يوليو 2012، ص 18
(30) نواف بن عبد الرحمن القديمي، "الإسلاميون وربيع الثورات الممارسة المُنتجة للأفكار،" المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، أبريل 2012، ص 21
(31) محجوب الزويري، "الإسلام السياسيّ ومخاض الثورات العربيّة،" المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، أكتوبر 2011، ص 3
(32) نواف القديمي، "الإسلاميون وربيع الثورات...،" ص 22
(33) محجوب الزويري، م. س، ص 1-2
(34) سلامة كيلة، "أزمة الثورات العربيّة،" الشروق الجديد، 21/04/2012
(35) من حوار مع خديجة الرويسي، أجراه جمال بورفيسي، الصباح، 05/07/2012
(36) راسم الحديثي، "مصر والرئيس الجديد،" جريدة الجريدة، 05/07/2012
(37) علاء الأسواني، "فرْحة صادقة ومَخاوف مشروعة،" المساء، 15/08/2012
(38) جريدة المنعطف (الرباط)، 27/08/2012