المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أخبار الحمقى والمغفلين لأبي الفرج ابن الجوزي


Eng.Jordan
01-28-2012, 12:12 AM
تحميل الكتاب كاملاً من المرفقات


المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي‏ :‏
الحمد لله الذي أعطى الأنعام جزيلاً وقبل من الشكر قليلاً وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً وصلى الله على سيدنا محمد الذي لم يجعل له من جنسه عديلاً وعلى آله وصحبه بكرة وأصيلاً‏.‏
وبعد فإني لما شرعت في جمع أخبار الأذكياء وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالاً يحتذى لأن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أشياء‏.‏
الأول‏:‏ أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرمون فحثه ذلك على الشكر‏.‏
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال‏:‏ حدثنا علي بن الحسين بن الحسن بن أحمد بن شاذان قال‏:‏ حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد القرشي قال‏:‏ حدثنا خلف بن هشام قال‏:‏ حدثنا الحكم بن سنان عن حوشب عن الحسن أنه قال‏:‏ خلق الله عز وجل آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته فخرجت يوماً فأتيت أهلي فضحكت معهم فوقع في نفسي شيء فلقيت أبا بكر فقلت‏:‏ إني قد نافقت قال‏:‏ وما ذاك قلت‏:‏ كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الجنة والنار فكنا كأن رأينا رأي عين فأتيت أهلي فضحكت معهم‏.‏
فقال أبو بكر‏:‏ إنا لنفعل ذلك‏.‏
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال‏:‏ ‏"‏ يا حنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق يا حنظلة ساعة وساعة ‏"‏‏.‏
ترويح القلوب مطلوب مرغوب‏:‏ وقال علي بن أبي طالب‏:‏ روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فالتمسوا لها من الحكمة طرفاً‏.‏
وعن أسامة بن زيد قال‏:‏ روحوا القلوب تعي الذكر‏.‏
وعن الحسن قال‏:‏ إن هذه القلوب تحيى وتموت فإذا حييت فاحملوها على النافلة وإذا ماتت فاحملوها على الفريضة‏.‏
وعن الزهري قال‏:‏ كان رجل يجالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثهم فإذا كثروا وثقل عليهم الحديث قال‏:‏ ‏"‏ إن الأذن مجاجة وإن القلوب حمضة فهاتوا من أشعاركم وأحاديثكم ‏"‏‏.‏
وقال أبو الدرداء‏:‏ إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من لحق ما يكلها‏.‏
وعن محمد بن إسحاق قال‏:‏ كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة ثم قال حمضونا فيأخذ في أحاديث العرب ثم يعود يفعل ذلك مراراً‏.‏
وعن الزهري أنه كان يقول لأصحابه‏:‏ هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فإن الأذن مجة والقلب حمض‏.‏
وقال ابن إسحاق‏:‏ كان الزهري يحدث ثم يقول‏:‏ هاتوا من ظرفكم هاتوا من أشعاركم أفيضوا في بعض ما يخفف عليكم وتأنس به طباعكم فإن الأذن مجاجة والقلب ذو تقلب‏.‏
وعن مالك بن دينار قال‏:‏ كان الرجل ممن كان قبلكم إذا ثقل عليه الحديث قال‏:‏ إن الأذن مجاجة والقلب حمض فهاتوا من طرف الأخبار‏.‏
عن ابن زيد قال‏:‏ قال لي أبي‏:‏ إن كان عطاء بن يسار ليحدثنا أنا وأبا حازم حتى يبكينا ثم يحدثنا حتى يضحكنا ثم يقول‏:‏ مرة هكذا ومرة هكذا‏.‏
العلماء الأفاضل يحبون الملح‏:‏ قلت‏:‏ وما زال العلماء والأفاضل يعجبهم الملح ويهشون لها لأنها تجم النفس وتريح القلب من كد الفكر‏.‏
وقد كان شعبة يحدث فإذا رأى المزيد النحوي قال‏:‏ إنه أبو زيد البسيط‏:‏ استعجمت دار نعمٍ ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار وقد روينا عن ابن عائشة أحاديث ملاحاً في بعضها رفث وإن رجلاً قال له‏:‏ أيأتي من مثلك هذا فقال له‏:‏ ويحك أما ترى أسانيدها ما أحد ممن رويت عنه هو أفضل من جميع أهل زماننا ولكنكم ممن قبح باطنه فرأى ظاهره وإن باطن القوم فوق ظاهرهم‏.‏
ووصف رجل من النساك عند عبيد الله ابن عائشة فقالوا‏:‏ هو جد كله فقال لقد أضاق على نفسه المرعى وقصر طول النهى ولو فككها بالإنتقال من حال إلى حال لتنفس عنها ضيق العقدة وراجع الجد بنشاط وحدة‏.‏
وعن الأصمعي قال سمعت الرشيد يقول‏:‏ النوادر تشحذ الأذهان وتفتق الآذان‏.‏
وعن حماد بن سلمة أنه كان يقول‏:‏ لا يحب الملح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثهم‏.‏
وعن الأصمعي قال‏:‏ أنشدت محمد بن عمران التميمي قاضي المدينة وما رأيت في القضاة أعقل منه‏:‏ السريع‏:‏ يا أيها السائل عن منزلي نزلت في الخان على نفسي يغدو علي الخبز من خابزٍ لا يقبل الرهن ولا ينسي آكل من كيسي ومن كسوتي حتى لقد أوجعني ضرسي فقال‏:‏ أكتبه لي قلت‏:‏ أصلحك الله إنما يكتب هذا الأحداث فقال‏:‏ ويحك أكتبه فإن الأشراف يعجبهم الملاحة‏.‏


فصل
فقد بان مما ذكرنا أن نفوس العلماء تسرح في مباح اللهو الذي يكسبها نشاطاً للجد فكأنها من الجد لم تزل قال أبو فراس‏:‏ الرجز‏:‏ أروح القلب ببعض الهزل تجاهلاً مني بغير جهل أمزح فيه مزح أهل الفضل والمزح أحياناً جلاء العقل الإضحاك المحرم والإضحاك المباح‏:‏

فصل
فإن قائل قائل‏:‏ ذكر حكايات الحمقى والمغفلين يوجب الضحك وقد رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏:‏ إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوي بها أبعد من الثريا ‏"‏ فالجواب‏:‏ إنه محمول على أنه يضحكهم بالكذب وقد روي هذا في الحديث مفسراً‏:‏ ‏"‏ ويل للذي يحدث الناس فيكذب ليضحك الناس ‏"‏‏.‏
وقد يجوز للإنسان أن يقصد إضحاك الشخص في بعض الأوقات ففي أفراد مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال‏:‏ لأكلمن رسول الله لعله يضحك قال‏:‏ قلت‏:‏ لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة فوجأت عنقها‏.‏
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
وإنما يكره للرجل أن يجعل عادته إضحاك الناس لأن الضحك لا يذم قليله فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يضحك حتى تبدو نواجذه وإنه يكره كثيره لما روي عنه عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏"‏ كثرة الضحك تميت القلب ‏"‏‏.‏
والإرتياح إلى مثل هذه الأشياء في بعض الأوقات كالملح في القدر‏.‏
أبواب الكتاب فصل وقد قسمت هذا الكتاب أربعة وعشرين باباً وهذه تراجمها‏:‏
الباب الأول‏:‏ في ذك الحماقة ومعناها‏.‏
الباب الثاني‏:‏ في بيان أن الحمق غريزة
الباب الثالث‏:‏ في ذك اختلاف الناس في الحمق
الباب الرابع‏:‏ في ذكر أسماء الأحمق
الباب الخامس‏:‏ في ذكر صفات الأحمق
الباب السادس‏:‏ في التحذير من صحبة الأحمق
الباب السابع في ضرب العرب المثل بمن عرف حمقه
الباب الثامن‏:‏ في ذكر أخبار من ضرب المثل بحمقه وتغفيله
الباب التاسع‏:‏ في ذكر جماعة من العقلاء صدر عنهم فعل الحمقى
الباب العاشر‏:‏ في ذكر المغفلين من القراء
الباب الحادي عشر‏:‏ في المغفلين من رواة الحديث وتصحيفه
الباب الثاني عشر‏:‏ في ذكر المغفلين من القضاة
الباب الثالث عشر‏:‏ في ذكر المغفلين من الأمراء والولاة
الباب الرابع عشر‏:‏ في ذكر المغفلين من الكتاب والحجاب
الباب الخامس عشر‏:‏ في المغفلين من المؤذنين
الباب السادس عشر‏:‏ في المغفلين من الأئمة
الباب السابع عشر‏:‏ في المغفلين من الأعراب
الباب الثامن عشر‏:‏ في من قصد الفصاحة والإعراب من المغفلين
الباب التاسع عشر‏:‏ في من قال شعراً من المغفلين
الباب العشرون‏:‏ في المغفلين من القصاص
الباب الحادي والعشرون‏:‏ في المغفلين من المتزهدين
الباب الثاني والعشرون‏:‏ في ذكر المغفلين من المعلمين
الباب الثالث والعشرون‏:‏ في ذكر المغفلين من الحاكة
الباب الرابع والعشرون‏:‏ في ذكر المغفلين على الإطلاق‏.‏



الباب الأول في ذكر الحماقة ومعناها
قال ابن الأعرابي‏:‏ الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر حرب‏.‏

وقال أبو بكر المكارم‏:‏ إنما سميت البقلة الحمقاء لأنها تنبت في سبيل الماء وطريق الإبل‏.‏

قال‏:‏ ابن الأعرابي‏:‏ وبها سمي الرجل أحمق لأنه لا يميز كلامه من رعونته‏.‏

الفرق بين الحماقة والجنون‏:‏ فصل وقد ذكرنا ما يتعلق باللغة في هذا الاسم ولا يظهر المقصود إلا بكشف المعنى فنقول‏:‏ معنى الحمق والتغفيل هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود بخلاف الجنون فإنه عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعاً فالأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد ورويته في الطريق الوصال إلى الغرض غير صحيحة والمجنون أصل إشارته فاسد فهو يختار ما لا يختار ويبين هذا ما سنذكره عن بعض المغفلين فمن ذلك‏:‏ أن طائراً طار من أمير فأمر أن يغلق باب المدينة‏!‏ فمقصود هذا الرجل حفظ الطائر‏.‏

الباب الثاني أن الحمق غريزة
عن إبي إسحاق قال‏:‏ إذا بلغك أن غنياً افتقر فصدق وإذ بلغك أن فقيراً استغنى فصدق وإذا بلغك أن حياً مات فصدق وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق‏.‏

القاضي أبو يوسف يتكلم عن الحماقة‏:‏ عن أبي يوسف القاضي قال‏:‏ ثلاث صدق باثنتين ولا تصدق بواحدة إن قيل لك إن رجلاً كان معك فتوارى خلف حائط فمات فصدق وإن قيل لك إن رجلاً فقيراً خرج إلى بلد فاستفاد مالاً فصدق وإن قيل لك إن أحمق خرج إلى بلد فاستفاد عقلاً فلا تصدق‏.‏

عن الأوزاعي إنه يقول‏:‏ بلغني أنه قيل لعيسى ابن مريم عليه السلام‏:‏ يا روح الله إنك تحيي الموتى قال‏:‏ نعم بإذن الله‏.‏

قيل وتبرىء الأكمة قال‏:‏ نعم بإذن الله‏.‏

قيل‏:‏ فما دواء الحمق قال‏:‏ هذا الذي أعياني قال جعفر بن محمد‏:‏ الأدب عند الأحمق كالماء في أصول الحنظل كلما ازداد رياً زاد مرارة‏.‏

الحمق شر من الرعونة‏:‏ قال المأمون‏:‏ تدرون ما جرى بيني وبين أمير المؤمنين هرون الرشيد كان لي إليه ذنب فدخلت مسلماً عليه فقال‏:‏ أغرب يا أحمق‏.‏

فانصرفت مغضباً ولم أدخل إليه أياماًن فكتب إلي رقعة ليت شعري وقد تمادى بك الهج ر أمنك التفريط أم كان مني إن تكن خنتنا فعنك عفا الل ه وإن كنت خنتكم فاعف عني فسرت إليه فقال‏:‏ إن كان الذنب لنا فقد استغفرناك وإن كان لك فقد غفرناه‏.‏

فقلت له‏:‏ قلت له يا أحمق ولو قلت لي يا أرعن كان أسهل علي‏.‏

فقال‏:‏ ما الفرق بينهما قلت له‏:‏ الرعونة تتولد عن النساء فتلحق الرجل من طول صحبتهن فإذا فارقهن وصاحب فحول الرجال زالت عنه وأما الحمق فإنه غريزة‏.‏

وأنشد بعض الحكماء‏:‏ الخفيف‏:‏ وعلاج الأبدان أيسر خطباً حين تعتل من علاج العقول

الباب الثالث في ذكر اختلاف الناس في الحمق
الحمق فساد في العقل‏:‏ وقد ذكرنا أن الحمق فساد في العقل أو في الذهن وما كان موضوعاً في أصل الجوهر فهو غريزة لا ينفعها التأديب وإنما ينتفع بالرياضة والتأديب من أصل جوهره سليم فتدفع الرياضة العوارض المفسدة‏.‏

وبعد فإن الناس يتفاوتون في العقل وجوهره ومقدار ما أعطوا منه فلهذا يتفاوت الحمق‏.‏

قيل لإبراهيم النظام‏:‏ ما حد الحمق فقال‏:‏ سألتني عما ليس له حد‏.‏

وتلا عمر هذه الآية‏:‏ ‏"‏ ما غرك بربك الكريم ‏"‏ قال‏:‏ الحمق يا رب‏.‏

كل إنسان وفيه حمقه‏:‏ وقال علي رضي الله عنه‏:‏ ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش‏.‏

وقال أبو الدرداء‏:‏ كلنا أحمق في ذات الله وقال وهب بن منبه‏:‏ خلق الله آدم أحمق ولولا ذلك ما هناه العيش‏.‏

وعن مطرف قال‏:‏ لو حلفت لرجوت أن أبر أنه ليس أحد من الناس إلا وهو أحمق فيما بينه وبين الله عز وجل وكان يقول‏:‏ ما أحد من الناس إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه عز وجل غير أن بعض الحمق أهون من بعض وعنه قال‏:‏ عقول الناس على قدر زمانهم وكان يقول‏:‏ هم الناس والنسناس وأرى أناساً غمسوا في ماء الناس‏.‏

وقال سفيان الثوري‏:‏ خلق الإنسان أحمق لكي ينتفع بالعيش‏.‏

وأنشد بعضهم‏:‏ الطويل‏:‏ لعمرك ما شيءٌ يفوتك نيله بغبنٍ ولكن في العقول التغابن