المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول تفكيك العالم العربي وإعادة تركيبه


ام زهرة
05-20-2013, 10:01 PM
خلّفت الحقبة الاستعمارية وراءها عدة قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، مزروعة حول وداخل حدود العالم العربي. فلم تألُ القوى الاستعمارية جهداً في زرع بذور فتن طائفية أو إثنية تكاد لا تخلو منها دولة عربية، بل أنّ الأطماع الخارجية لا تعدم وسيلة لخلق هذه الفتن خلقاً، وابتداعها إذا لم تكن قائمة على النحو الذي يحقق مصالحها في استمرار سيطرتها على المنطقة وعرقلة أية فرصة لتكوين تكتل مستقل وفاعل لها، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.

غير أنّ المشاريع الخارجية ما كان لها أن تنجح لولا أنها وجدت عوامل داخلية تحقق لها هذه الأطماع، سواء كانت هذه العوامل سياسات خاطئة تكرس الأوضاع ما قبل الوطنية وتغذيها، أو صراعات داخلية تقتات على هذه الأوضاع وتستغلها.

إنّ مشكلة العرب الأولى عدم إنشائهم حيّزاً للسياسة خارج روابط القرابة والدين والمذهب، لذلك بدت أغلب الأقطار والمجتمعات العربية عصية على التوحد الوطني، ملغّمة بكل عوامل الانفجار الداخلي والتشرذم القبلي والطائفي والمذهبي والإثني والعشائري. وما انزلاق الصراع إلى مستويات قبل وطنية وقبل مدنية، على ما تبرهن عليه حالات عربية عديدة، سوى دلالة على جدية المخاوف.

وليس لانعدام الاستقرار المزمن في المنطقة العربية مصدر واحد، فمصادره متعددة ومختلفة، وأول ما ينبغي الإشارة إليه في تحليل هذه المصادر الموقع الجيو - سياسي المميز الذي تحتله المنطقة العربية. فمما لا شك فيه أنّ المنطقة قد شكلت ولا تزال تشكل مركز جذب وميدان تنافس دائم، وبالتالي ساحة صراع وتنازع دولي، تتجدد أسبابه وتتبدل ولكنها مستمرة بلا انقطاع.

ولا شك أنّ الجغرافيا المصطنعة التي حكمت اتجاه وشكل تطور العالم العربي المعاصر بعد الاستقلال هي المصدر الأهم لانعدام الاستقرار الذي عرفته المنطقة. ومهما كان الدافع لذلك، وهو مختلف بين دولة وأخرى، ولو ارتبط جميعه بالصراع على النفوذ الدولي وحماية المصالح الخاصة للدول الكبرى، عملت أطماع الدول الأوروبية ونزاعاتها الخاصة على التشجيع على تقسيمه إلى مجموعة كبيرة من الدول الصغيرة بشكل اعتباطي، يستجيب لحاجات ضمان النفوذ الغربي بعد زوال الاحتلال أكثر من استجابته لحاجات التميّز في شروط حياة السكان أو في هويتهم الوطنية أو في مصالحهم.

ومن جهة أخرى، كان التشكيل التاريخي لدولنا العربية عند بدايات القرن العشرين مهلهلاً وضعيفاً إثر تفكك الإمبراطورية العثمانية وزوالها، إذ برزت أصناف عدة من الدول العربية: دول منقسمة على ذاتها، ودول مركبة من الأقاليم، ودول تاريخية قديمة، ودول لا تاريخ لها. وعاشت هذه الدول تحمل جملة هائلة من التناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية من دون أن يلتفت إليها أبناؤها، وخاصة نخبها الفكرية والسياسية، ليعترفوا أولاً بحجم معضلاتها كي لا يتهموا في وطنيتهم، فضيعوا فرصاً ثمينة لإيجاد حلول عملية بعد الاعتراف بها.

لقد فشلت أغلبية الحكومات العربية، على مدى أكثر من ستين عاماً، في بناء دولة لكل مواطنيها. وبالتالي، فإنها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تشويه صورة الدولة المركزية إلى حد جعل شرائح واسعة من مجتمعاتها تتطلع إلى صيغ حكم بديلة، قاسمها المشترك تقليص دور السلطة المركزية أو حتى الانفضاض من حولها.

وفي ظل هذا الالتباس والقصور والتردد والتراجع كان من الطبيعي أن تنتكس المجتمعات العربية وتتذرر إلى تكويناتها ما قبل الوطنية وما قبل المدنية، وأن يرتكس الفكر العربي إلى الغيبي والسلفي والتقليدي، وأن تثار من جديد المخاوف على الوحدة الوطنية وتطرح الفيديرالية والكونفيديرالية حلاً لأزمة الاندماج الوطني.

‏‏وإذا كانت اللامركزية الإدارية تضفي على المسار الديمقراطي مزيداً من النضج والتكامل، فإنّ الدعوة لفيديرالية على أساس مذهبي هي على النقيض عامل إقلاق ومحاولة تمييز غير صحي، تفضي إلى إرباكات كثيرة في عملية البناء الديمقراطي ومفهوم المواطنة.

blank لقد ترافق طرح الفيديرالية في المشرق العربي بالحديث عن التكوين الفسيفسائي للتركيب السكاني في المنطقة، وهو تركيب متنوع في بناه القومية والدينية والطائفية، مما يفسح في المجال أمام تأسيس كيانات على تلك الأسس، يمكن جمعها في إطار كيان فيديرالي جامع، يكون محصلة تفاهمات بين الكيانات الداخلة فيه. فبعد أن تغيّر العالم من حول النخبة الثقافية والسياسية في المجالين العربي والإقليمي، وتغيّرت الظروف الداخلية والخارجية، وصارت بلدان المشرق في دائرة تحديات جديدة وشديدة التعقيد، خاصة على ضوء المآلات التي ستشهدها سورية، فإنها شرعت في إعادة النظر في كثير من مسلماتها وأنماط تفكيرها وطرائق عملها وعلاقاتها، وإطلاق أفكار وآليات جديدة باتجاه مشروع مستقبلي لبلدانها وللمنطقة، يتجاوز حمى الانقسامات والصراعات، وقد تكون الأنظمة اللامركزية، بما فيها النظام الكونفيديرالي، أحد خيارات المشروع. لكنّ الأهم من ذلك كله، أن لا تذهب هذه النخب إلى فرض أية خيارات على شعوبها بالقوة، وخاصة بقوة المحتل الأجنبي.

وفي هذا السياق، ثمة احتمالان ينضجان في واقع العرب الراهن: احتمال أن نذهب إلى مصالحة تاريخية بين أطراف السياسة والمجتمع، تتيح انتقالاً تدريجياً وآمناً نحو وضع بديل، نقبله جميعاً لأنه من اختيارنا، واحتمال نقيض يعني تحققه ذهابنا من أزمتنا الراهنة إلى حال مفتوح على الاقتتال والفوضى. هذان الاحتمالان هما بديلان تاريخيان للواقع العربي الحالي، يمثل أولهما فرصة وثانيهما كارثة. ولكي يرجح احتمال الفرصة فلندرك أنّ الدولة المركزية واحتكار القرار السياسي والإداري لم يعودا ممكنين في ظل عالم يتجه نحو اللامركزية وتوسيع دائرة المشاركة واحترام الخصوصيات.

وفي السياق نفسه، يفترض أن تمثل الأقليات القومية أو الدينية عاملاً ذا بعد إيجابي في الحياة العربية، إذ يمكن أن تضيف تنوعاً يضيف إلى مجتمعاتنا ويجعلها أكثر ثراء ثقافياً وتسامحاً وانفتاحاً. في كل الأحوال فإنّ التعايش والاندماج يقتضي تسليماً من جميع مكوّنات مجتمعاتنا بضرورة إشاعة روح التسامح وقيم العيش المشترك، وهذا يوجب على الأقليات ألا تتقدم بمطالب لا تستطيع الأكثرية قبولها. كما أنّ للحكومات دوراً أكثر أهمية ، إذ أنّ عليها أن تتيح تكافؤ الفرص الإدارية والسياسية والثقافية، فلا يعقل أن تمنع كفاءة من خدمة وطنها من موقع تخصصها وتميّزها بسبب انتمائها القومي أو الاجتماعي أو السياسي، كما يتوجب على الحكومات، خاصة بعد ربيع الثورات العربية، صيانة الحقوق الدينية والسياسية والثقافية عبر مؤسسات وقوانين دستورية تؤسس لسياق وطني، يصون حقوق الجميع وتطوير النظام السياسي وإرساء متطلبات الديمقراطية فيه.

ومن جهة أخرى، على الصعيد الاستراتيجي، تظل المنطقة العربية محتفظة بثقلها الخاص، في منظور المصالح الدولية. مما يجعلها منطقة غير مستقرة، ومعرضة للاهتزاز والتوتر، يحمّل حكوماتها مسؤولية بناء موقع استراتيجي، وفق منهج عقلاني، غير تصادمي، يستند إلى أصول الحوار بين دول الشمال والجنوب، وإلى توفير الإمكانيات الذاتية، بما يحمي الجدار العربي من محاولات الاختراق الأجنبية، وبناء سياسة واضحة مع دول الجوار.

وهكذا، يبدو أننا دخلنا مرحلة دقيقة جداً، مرحلة إعادة ترتيب الأوراق إقليمياً ودولياً، وربما إعادة ترتيب الأنظمة والدول والحدود، استعداداً لمحاولة صياغة نظام أمن وسلام في منطقة الشرق الأوسط.

د. عبدالله تركماني

– نُشرت في صحيفة " المستقبل " اللبنانية