المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيناريوهات جديدة للشرق الأوسط


Eng.Jordan
05-27-2013, 10:47 AM
ثمة احتياج إلى قصة جديدة للشرق الأوسط، فالقصة القديمة تبدو مشابهة للعبة "عض الأصابع" وهي لعبة يلعبها ولدان، يضع كل منهما فيها يده في فم الآخر، ويقومان بالعض بشدة إلى أن يستسلم أحدهما. "كن عادلاً معي وإلا سأعض بمزيد من القوة." "أعطني سلاماً وإلا سأعض بمزيد من القوة." تقدم السيناريوهات المعيارية الثلاث التالية قصصاً جديدة عن الشرق الأوسط تهدف إلى إثارة مناقشات وتدابير جديدة من أجل السلام، وقد تولدت فحوى هذه القصص من اللجنة الدولية المشكلة من بضع مئات من المشاركين الذين أجابوا على جولات استطلاعات الرأي الثلاث المتوفرة على مواقع الإنترنت التالية:
http://www.acunu.org/millennium/rd1-mepeace.html
http://www.acunu.org/millennium/rd2-mepeace.html (http://www.acuni.org/millennium/rd2-mepeace.html)
http://www.acunu.org/millennium/MEPS-rd3.html

نرحب ترحيبًا بالغًا بالآراء المتبادلة حول تحسين هذه السيناريوهات أو كيفية استخدامها من أجل القيام بالمزيد من الأعمال البناءة.

المؤلفان:
جيروم س. جلين (Jerome C. Glenn) (السيناريو الأول)، وتيودور ج. جوردون (Theodore J. Gordon) (السيناريوهان الثاني والثالث).

السيناريو الأول: الأعمال المتعلقة بالمياه:
الآن وقد بدا أن السلام قد تحقق أخيراً في الشرق الأوسط فإن الجميع يزعم شرف هذا النجاح، وسيوثق المؤرخون الأسباب العديدة لذلك، ولكن الأغلبية تتفق اليوم على أنه عندما دعت سيدة مصر الأولى برنامجي التعليم والإنماء التابعين للأمم المتحدة واللجنة الرباعية (المكونة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والأمم المتحدة) ليشاركوا في المؤتمر الاستكشافي حول المياه في الشرق الأوسط بدأ إحساس جديد بالأمل يسري في المنطقة.

وبما أن القيادة الإسرائيلية السابقة قالت إنها لن تتخذ أية خطوات بارزة فيما يتعلق بخريطة الطريق التي اقترحتها اللجنة الرباعية حتى تتوقف الهجمات على الإسرائيليين، وبما إن الفلسطينيين الأكثر تشدداً قالوا إنهم لن يوقفوا هذه الهجمات حتى تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة, كان يتعين إيجاد منهج جديد لتناول القضية.

ووصولاً إلى نتائج أبعد من اتفاقيات المياه بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في منتصف التسعينيات توصل مؤتمر المياه في الشرق الأوسط إلى سلسلة من المفاوضات الإقليمية حول المياه يرأسها أحد مبعوثي الأمم المتحدة الذي يعينه الأمين العام للأمم المتحدة وتمولها اللجنة الرباعية. وسيضم المؤتمر وفوداً من إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية والمملكة العربية السعودية ومصر وسوريا وتركيا ولبنان إلى جانب اللجنة الرباعية ومراقبين دوليين، وسيبدأ المؤتمر عمله من مقدمة منطقية بأن ندرة المياه في المنطقة أمر لا مفر منه دون القيام بأعمال كبرى لتحلية المياه؛ وليس مجرد إعادة توزيع المصادر الحالية غير الدائمة للمياه وإنما يركز على زيادة مصادر المياه أيضاً، وقد أكد المندوب الأمريكي على هذه النقطة طوال المؤتمر قائلاً إن اتفاقيات اقتسام المياه وحدها لن تؤدي إلى تحقيق السلام حتى لو وافقت الولايات المتحدة على القيام بالتحكيم فيما يتعلق بانتهاكات هذه الاتفاقات، فإنتاج المزيد من المياه هو مفتاح بناء الثقة.

ويعتقد آخرون أن الحدث الفاصل الحقيقي الذي يؤدي إلى السلام هو استقالة كل من شارون وعرفات، وهو الأمر الذي من شأنه أن يمهد الطريق لتأسيس هيئة الشروط السبع المسبقة لتنسيق مجموعة الاتفاقيات المعقدة تعقيدًا غير عاديًا وكذلك والمشروعات ولجان الدراسة والمؤسسات المشتركة ومراقبة تمويل المشروعات المشتركة في الأبحاث التعاونية التي تتطور عبر السنين، وقد نتج عن المباحثات الهادئة بين المعتدلين من كلا الطرفين اتفاقيات جنيف والتي أدت إلى مزيد من المباحثات الهادئة تحت رعاية اللجنة الرباعية والتي أوضحت بجلاء الشروط السبع المسبقة. والاختصار الإنجليزي للكلمة الدالة على الشروط السبع المسبقة (SERESER) أخذ تسميته من الحرف الأول لكل شرط من هذه الشروط، ألا وهي: توفير حدود آمنة لإسرائيل، تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للاستمرار، حل مشكلة القدس، إنهاء العنف بين الطرفين وبناء الثقة، التنمية الاجتماعية والاقتصادية، التعليم، حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

غير أن آخرين يقولون إنه بدون المفاوضات السرية بين المتشددين ما كان من الممكن تحقيق أي من هذه الشروط، وكما قامت سويسرا بمساع حميدة كي يلتقي المعتدلون سراً ويصلوا إلى إتفاقية جينيف رحبت أيضاً بعقد اجتماعات المتشددين بها، وهو الأمر الذي انتحى طريقاً غير مباشراً إلى أن وصلوا إلى مائدة المفاوضات.

وبدأ الأمر كله في العراق، فالمسلمون السنة لم يرغبوا في أن تصبح العراق ثاني جمهورية شيعية، ومن ثم اتصل مندوبو منظمة الإخوان المسلمين الدولية (السنية) بالحاكم الأمريكي في العراق ليعرضوا تصورهم حول السلام بالعراق مع الولايات المتحدة، وشمل هذا التعاون جهوداً لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وتعين على الولايات المتحدة أن تؤكد على تحقيق الديمقراطية في العراق أكثر من تأكيدها على الإدارة العسكرية، وعلى منع تقسيم العراق إلى كانتونات تشبه تلك القائمة في سويسرا إذ أن ذلك سيعطي الشيعة اليد العليا في البلاد. وبما أن تحقيق السلام مع إسرائيل ووجود عراق ديموقراطي أفضل من القوة الإيرانية العراقية الشيعية الماحقة فقد وافق المتشددون السنة على لقاء المتشددين الإسرائيلين سراً، وقد أدى إصرار الولايات المتحدة وسويسرا على أن تبدأ الاجتماعات من النقطة التي انتهى إليها المعتدلون في اتفاقية جينيف إلى تأخير المفاوضات، ولكن بالنظر إلى أحداث الماضي تبين لهم أن هذه الاتفاقية هي الإطار الوحيد الذي يمكن أن ينجح.

وبغض النظر عمن سيوليه المؤرخون شرف وصفه بأنه المحرك الرئيسي للسلام فإن مفاوضات المياه قدمت قناة جانبية متماسكة للإبقاء على الأمل حياً, وبما أن المياه هي أهم الاحتياجات البشرية المتعارف عليها دولياً وبما أن المفاوضات كانت مركزة ولم تكن مباحثات عامة, فإن ذلك قد ساعد في بناء الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين فيما يتعلق بإمكانية تحقيق السلام، على سبيل المثال فإن الجزء الخاص بالجدار الذي يحيط بخزان المياه الجوفية بالجبل الغربي والذي يمد الفلسطينيين في الضفة الغربية بأكثر من نصف احتياجاتهم من المياه أعيد بناؤه نتيجة لمفاوضات المياه. وانعكست هذه الثقة على مفاوضات أخرى في المنطقة، ولكن عندما وصلت هذه المفاوضات الأخرى إلى طريق مسدود عادت بؤرة اهتمام الشرق الأوسط إلى التركيز على اجتماعات المياه لاستعادة الثقة. وعقب التوصل إلى اتفاقيات المياه قام كل من شبكة إدارة الموارد المائية العربية المتكاملة وهيئة المعونة الأمريكية والمركز الإقليمي العربي الإسرائيلي المشترك لأبحاث تحلية المياه بسلطنة عمان عمان والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بتنفيذ برامج مصرح بها سريعاً مثل الأنظمة الطارئة للغوث المائي في غزة.

وأول النجاحات الكبرى لزيادة موارد المياه كان تلك الاتفاقية التي أسرعت بشدة ببناء محطات التحلية الأسموزية العكسية لمواجهة ندرة المياه في المستقبل، ومن أولى خطوات الشراكة بين التكنولوجيا الإسرائيلية وأموال البترول العربي الإلتزام بتمويل قناة البحر الميت ومصنع تحلية المياه في منطقة البحر الميت لانتاج المياه وتوزيعها بطريقة متساوية على الأردن وإسرائيل وفلسطين. وتلى ذلك اتفاقية أخرى لبناء قناة مائية اصطناعية ونظام ري وشبكة للقنوات المائية من تركيا إلى سوريا والأردن وفلسطين وإسرائيل، وقد وفرت هذه المشاريع – وغيرها من المشاريع التي تبعتها – المياه للجميع اليوم من خلال بنية تحتية مشتركة للمنطقة. وقد أقيمت معاهد تعليمية عربية إسرائيلية للتركيز على الهيدرولوجيا (علم المائيات) والهندسة الهيدروليكية وأنظمة نقل وتوزيع المياه المحلاة. وقد ساعد ذلك أيضًا على بناء الثقة للبدء في بناء خطوط أنابيب البترول الجديدة من الخليج العربي إلى البحر المتوسط مع وجود منفذ في فلسطين وأخر في إسرائيل، وهو ما سيؤدي إلى تقليل الاعتماد على الأماكن الجغرافية الضيقة في الخليج والبحر الأحمر ويفيد التطوير الاقتصادي الفلسطيني.

وفي هذه الأثناء كان الكثير من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين البالغ عددهم 4.1 مليون شخص في حاجة ماسة إلى التعليم، فانهيار الاتحاد السوفيتي وطرد الفلسطينيين من دول الخليج العربي وغلق معظم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن أرغمت على الرحيل من لبنان عام 1983 زاد من صعوبة التحاق اللاجئين الفلسطينيين بالتعليم الثانوي والعالي. وفي الوقت نفسه لم يكن لدى هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلا القليل من المال لتوفير الخدمات الأساسية للاجئين للفلسطينيين ناهيك عن التعليم ذي المستوى الجيد. وبناء الجدار العازل زاد من تعقيد الحصول على التعليم ومن ثم بدا أن التعليم عن بعد هو السبيل الوحيد المعقول لذلك. وبموافقة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على ذلك اكتسبت السلطة الفلسطينية وفلسطينيو الشتات الإرادة السياسية لجمع أموال مبدئية من الدول والشخصيات العربية المانحة والغنية لوضع برامج التعليم عن بعد والبدء في "فيلق السلام" التعليمي لدعم التعليم عن بعد في مخيمات اللاجئين. ومع بدء ظهور علامات نجاح هذه البرامج مثل حصول الطلاب على منح دراسية في الجامعات ونجاح آخرين في القيام بأعمال عبر الإنترنت فإن إسرائيل ستسهم – كدليل على نيتها الحسنة – في توسيع هذه العمليات، وسيؤدي هذا إلى إيجاد أموالاً موازية من الدول العربية.

وقد قامت جامعة القدس المفتوحة في فلسطين بالمشاركة مع الجامعة المفتوحة في إسرائيل بتنفيذ برنامج غير رسمي للتعليم عن بعد بمساعدة من عدة منظمات أهلية وهيئة اليونسكو، حيث قاموا بوضع قوائم لمعلمين مشهورين وتوفير منهاج تعليمية جديدة للتعليم عن بعد، مما أكد على احترام المستقبل والأمل فيه. وقد وصل التعليم عن بعد إلى مزيد من النساء وعلم الجيل التالي قيمة الجهود الفردية في النجاح طالما أن تعليمهم قائم على التحركات والدوافع الذاتية. والأنشطة المشتركة للتعليم عن بعد بين الفلسطينيين والإسرائيليين قامت بكسر عدداً من القوالب الجامدة وأدت إلى تحقيق الثقة لتنظيم اجتماعات وجهاً لوجه وزادت من التزامهم وقدرتهم على تحقيق السلام في المنطقة.

وأدت هذه التطورات إلى قيام مجموعة من الشباب بتنظيم "مسيرة السلام الكبرى"، وقد أتى بعض القادة الشباب من صفوف التعليم عن بعد، وتخرج البعض الأخر من مشروعات "أطفال السلام" التي جمعت مراهقين من الجانبين سوياً بهدوء طوال سنوات عدة. ودعت مجموعات الشباب القادة السياسيين من الجانبين إلى إنهاء الاشتباكات وتوقيع معاهدات السلام، وهي الاتفاقيات التي سيقوم بتنفيذها فيما بعد هؤلاء القادة من "الجيل التالي" أثناء عملهم كموظفين في حكومتي فلسطين وإسرائيل.

وبينما كانت قنوات الجزيرة والسي إن إن وهيئة الإذاعة البريطانية تغطي مسيرة السلام الكبرى أذهل رئيس كاتون Katun مجلس الأمن الدولي في جلسة مغلقة عندما تبنى حلاً طبياً وقال إن: "الاستراتيجيات الدبلوماسية والعسكرية والسياسية والاقتصادية قد فشلت في تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وقد حان الوقت لتبني منهجًا للصحة العامة." توجد إجراءات في جميع البلاد لوضع المرضى النفسيين تحت الرعاية في المستشفيات عندما يكونون خطراً على أنفسهم وعلى الآخرين أيضاً ويعطونهم مهدءات ضد رغبتهم، فإذا كان الأمر كذلك لشخص واحد فلماذا لماذا لا نفعل ذلك مع اثنين؟ وإذا كان الأمر كذلك مع اثنين فلماذا لا نفعل ذلك مع كثيرين؟" ولم يستوعب أعضاء مجلس الأمن ماذا يقصد الرئيس بذلك، فأضاف: "من الواضح أن كثيرين من سكان الشرق الأوسط يعانون من أمراض عقلية، ولذلك أقترح على مجلس الأمن أن يخول قوة تابعة للأمم المتحدة سلطة وضع المهدءات في الهواء وأنظمة المياه الخاصة بالأطراف المتصارعة إلى أن يتحقق السلام."

لم يعرف أحد ماذا يقول، هل كان جاداً؟ ووصل السكون في مجلس الأمن إلى درجة لا تطاق، وفي النهاية قال رئيس كاتون: "أنتم تعلمون أنني على صواب وإن ذلك لن يحدث، وعليه فإنني أقترح بدلاً من ذلك أن تقوم قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة ومزودة برصاصات مهدئة ورغوة لاصقة وغيرها من الأسلحة غير المميتة بالانتشار في مناطق الصراع الفعلي أو المحتمل." وأخرج الرئيس ورقة وقرأ: "إن قوة الأمم المتحدة هذه ستقوم بما يلي:
1. تنفيذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يرسم الحدود بجلاء.
2. مراقبة انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها منذ حرب عام 1967.
3. حماية موظفي اللجنة الرباعية اللذين يقيمون وجهات النظر الإسرائيلية والفلسطينية فيما يتعلق بالحدود المقترحة للتأكد من أن الاتفاقيات سوف تظل باقية حتى بعد حدوث تغيرات في الأنظمة الحاكمة داخل إسرائيل وفلسطين.
4. تنفيذ اتفاقية الحقوق الدينية التي تضمن إمكانية الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس لكل الطوائف.

وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على هذه التوصيات، وفي غضون أسابيع من وصول قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بدأت العمليات المرتبطة بالشروط السبع المسبقة (SERESER) في التوسع، فقد اعترفت جميع الدول العربية رسمياً بإسرائيل كدولة مستقلة، ورحبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كأحدث عضو في الأمم المتحدة. وأصر المشتددون من الجانبين الذين حضروا المحادثات السرية في سويسرا على أن يتم القيام ببعض العمليات العامة "ليسير الأمر في الاتجاه الصحيح"، ومن خلال الشروط السبع المسبقة (SERESER) دعي الأسقف توتو للمساعدة في إنشاء "لجنة الحقيقة والمصالحة." وأصبحت هذه اللجنة بدلاً من الشوارع بؤرة اهتمام المناقشات الساخنة، ومثلما حدث مع مفاوضات المياه أصبحت اللجنة ذات تأثير معتدل لتقليل العنف والتركيز على قضايا العدل. وعقدت "الاجتماعات البلدية" Town meetings في جميع أرجاء المنطقة لمناقشة دور الأمم المتحدة، وواجه الوفد الإسرائيلي في مفاوضات المتشددين المعارضة الإسرائيلية لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بالحصول على اتفاق بوجود قائد أمريكي لقوات الأمم المتحدة.

وحتى قبل استكمال هذه الاتفاقيات السياسية قام مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة بجمع قادة المجالس المحلية الفلسطينية المنتخبة سوياً لوضع تصميم لعملية تنمية اجتماعية واقتصادية شاملة والتي تضمنت خططاً يضعها المشاركون للمساعدة الذاتية في التنمية المحلية في المناطق الفلسطينية، وبدأ الناس في تحمل مسئولية تنمية مجتمعاتهم مع سعيهم للحصول على مساعدات فنية ومالية خارجية.

وقام مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة بالتعاون مع السلطة الفلسطينية وهيئة الشروط السبع المسبقة بالمساعدة في *** المساعدات الخارجية لعملية التنمية من خلال دعوة ممثلي الهيئات الدولة المختلفة للاجتماع سوياً (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوربي وهيئة المعونة الأمريكية والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والمنظمات الأهلية الدولية) مع لجان التنسيق المحلية التي تمثل لجنة الاتصال الخاصة ولجنة تنسيق المعونة المحلية وعدة منظمات أهلية فلسطينية. وحضر الاجتماعات أيضاً رجال أعمال وقادة دينيون. وظهر قادة فلسطينيون جدد من خلال الحوارات بين الأديان ومفاوضات المياه، وقد اكتسبوا احترام نظرائهم الإسرائيليين مما جعل التعاون ممكناً.

وتلقت المجالس المحلية الفلسطينية المنتخبة التدريب من شركة "شروق" (وهي شركة محلية مشاركة في عملية التنمية والتخطيط من مصر) حول كيفية تعبئة المجموعات المختلفة من الناس ومساعدتهم في تقييم مصادرهم وتخطيط مستقبلهم. وبإرشاد من مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة جذب هذا المنهج القائم على المساعدة الذاتية, موارد وخبرات أخرى، وعاد بعض الشباب الفلسطيني من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وكندا لتعبئة البرامج الخاصة بالقاعدة العريضة للشباب الفلسطيني، وهي البرامج التي يمولها ويعدها المليونيرات الأغنياء من الأمريكيين والعرب الذين لمسوا فوائد من تجميع الشباب الذين تمرنوا جيدًا على المبادئ الديمقراطية وعصر المعلومات في اتصال مباشر مع الشباب الفلسطيني المحلي. ويسير برنامج المشاركة الذاتي هذا جنباً إلى جنب مع التعليم عن بعد ليساند كل منهما الأخر، كما عمل "فيلق السلام" التعليمي ومتطوعو العمل الذاتي سوياً.

ولأن عمليات التخطيط بواسطة المشاركين المحليين أصبحت أكثر شيوعاً فإن نتائجها اتصلت بصناع قرار ميزانية التنمية في السلطة الفلسطينية وهيئة الشروط السبع المسبقة، ولأن الشباب الفلسطيني بدءوا يشهدون النتائج زاد إيمانهم بمستقبلهم، مما جعلهم يركزون طاقاتهم على تنمية مجتمعاتهم، ونتيجة لذلك وجدت جماعات الميليشيات الإسلامية القليل من المتطوعين، وبرز قادة محليون طبيعيون عبر هذه العملية في كل مجتمع، وقد غذى هؤلاء القادة فكرة تطور الحكومة النيابية التي تعتمد على مبادئ الاقتصاد الحر. أما المعاملات المنتظمة بين الفلسطينيين ومسئولي حكومتهم فقد جعلت الحكومة مسئولة أمام المواطنين مسئولية أكبر وكونت آلية لبناء الثقة ذات أهمية لتطور ثقافة الديمقراطية.

ورغم ذلك فإن أكثر القضايا صعوبة بخلاف قضية عودة اللاجئين كانت قضية السيادة على القدس. وقد نوقشت اقتراحات لإعلان القدس مدينة دولية وتأسيس مجلس أمناء لها تابع للأمم المتحدة بل وإجراء بترتيبات تعتمد على اقتسام الوقت بها، وفي النهاية أصبح من الواضح أن إسرائيل ستوافق على العودة إلى حدودها عام 1967 بما فيها الحدود داخل القدس، وأن الفلسطينيين سيوافقون على التخلي عن حق العودة لإسرائيل إلا فيما يتعلق ببعض المواقف الإنسانية الخاصة، وسيكون لجميع اللاجئين الحق في العودة إلى الدولة الفلسطينية الجديدة. واتفق الجميع على أن أية خطة لاقتسام الأماكن المقدسة بسلام يجب أن تضمن حرية الوصول لهذه المناطق والتي يجب أن تعترف بالحقوق الدينية لجميع العقائد، ولكن لم يتسن لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أن تشرف على الترتيبات إلا بعد أن أجريت عملية فريدة من نوعها للوصول إلى اتفاقية لاقتسام الوقت: فقد اقترح "جدول مكاني- زمني" والذي قام في النهاية بتحديد "البرامج الزمنية" الممكنة والأماكن المقدسة. اشتمل هذا الجدول على التوقيتات اليومية التي تتوافق فيها الأماكن التي تشهد أعلى إقبال مع التوقيتات السنوية التي تشهد هذا الإقبال نفسه. وقد أعطيت الأطراف التي تود الوصول إلى المزيج المتنوع للوقت والمكان في الجدول الفرصة لترتيب أولوياتها من القمة إلى القاع، وقام كل طرف بترتيب جميع هذه الخلايا في الجدول. وبصفة مبدئية قام مكتب المنسق الخاص التابع للأمم المتحدة وبعده هيئة الشروط السبع المسبقة (تم اختيارهما بموافقة جميع الأطراف) باستخدام هذا التصنيف لإعطاء كل طرف البرنامج المكاني-الزمني الذي يناسبه. وصدرت بيانات من القيادات الدينية المحترمة للديانات الثلاث تؤيد الفكرة وأقرت بأن إدارة علمانية للجدول يمكن أن تؤدي إلى اتفاق نهائي، وبالطبع كانت هناك خلافات غير أن هيئة الشروط السبع المسبقة مارست حقها في تقييم الأمور لاستكمال الجدول، وبعض المشكلات التي بدت مستحيلة حلت عن طريق إعطاء السيادة للأطراف المختلفة بتعاقب السنوات، وحلت بعض المآزق الأخرى من خلال اللجنة العلمانية الخاصة التي تبحث في النزاعات الدائرة. وبمجرد ملء الجدول المكاني- الزمني الرئيسي, أعلن عنه لتلقي المقترحات النهائية مع بعض التعديلات البسيطة الجدول النهائي الخاص بالقدس لا يزال يستخدم إلى الآن.

من العوامل التي ساعدت على تضميد جروح المنطقة المسلسل التليفزيوني العربي "سلام- شالوم" الذي دار حول فتاتين إحداهما فلسطينية والأخرى إسرائيلية، تقابلتا في معسكر للسلام واتفقتا على مواجهة الكراهية في مجتمعيهما. ورغم أن التبادل القائم في ظل برنامج "أطفال السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين يشمل عدداً قليلاً جداً من المراهقين إلا أنه أثار نقاشات في الجانبين زادت من الاعتقاد بأنه يمكن تحقيق السلام يوماً ما. وقد تمت الموافقة على الفكرة أثناء مباحثات المتشددين في سويسرا، وأشيع أن عدة أفكار لهذا المسلسل اقترحت أثناء هذه المحادثات.

واجهت الفتاتان أسبوعياً في البرنامج التليفزيوني ما بدا أنه عوائق مستحيلة وتغلبتا عليها بمودة وذكاء غير عاديين. وأظهرت أجهزة التليفزيون في شتى أنحاء العالم كيف أن هاتين الفتاتين استخدمتا هاتفيهما النقالين واتصلتا بشبكة المعلومات الدولية لتكوين حشود صغيرة من المتعاطفين معهما، وأسرعت هذه الحشود بدورها إلى المنطقة للتغلب على الطريق المسدود. وبدأت حشود سلام قامت بتقليدهم في الظهور في العالم الحقيقي، فبدأ شباب مسلحون "بهواتف السلام" في الاتصال بالجميع في مناطقهم لتهدئة الانفعالات عند نقاط التفتيش ومناطق المواجهة الأخرى.

وبعيد تشكيل أول حشود السلام القليلة تم إنشاء موقع على شبكة المعلومات الدولية لهواتف السلام مصاحباً بالصور، لفتح نافذة على العملية لجميع أنحاء العالم وخلق "شاهد عدل دولي" شبه فوري على نتائج كل حشد من هذه الحشود. والصور التي وضعت "قبل" و "بعد" ذلك على الموقع مع المسلسل التليفزيوني الأسبوعي "سلام- شالوم" زادت من الضغط الدولي للقيام بمفاوضات أكثر عقلانية ساعدت في النهاية على رسم خطوط للسلام.

وتناقلت الإذاعة برامج حوارية حية لمناقشة كل برنامج من برامج التليفزيون، وكان من أكثر البرامج التي نوقشت باستفاضة ذلك البرنامج الذي تناول قيام الفتاتين بتكوين مجموعة سلام لمساندة اقتراحات الأسقف "توتو" حول كيفية تأسيس لجنة "الحقيقة والمصالحة". ومع الاعتراف بنجاح المسلسل التليفزيوني "سلام-شالوم" تبعته نسخة للكبار واجه فيها ساسة وقادة أخرون تحديات لحل المزيد من المشاكل المعقدة التي توازن بين السلام والعدل، وتسبب تفكيك المستوطنات في الضفة الغربية في اندلاع ما كاد أن يكون حربًا أهلية ، كما أخذ الجدار العازل وقتاً أطول، وقد تمت مساعدة هاتين المرحلتين الانتقاليتين من خلال المشاركة الفعالة لوسائل الإعلام ولجنة الحقيقة والمصالحة.

ومع تطور العمليات الديمقراطية في المنطقة واستمرار الولايات المتحدة في تقديم ضمانات أمنية فاجئت إسرائيل الكثير من دول الشرق الأوسط بمصادقتها على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية كدليل على نواياها الحسنة طويلة الأمد، وسمحت لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتحقق من تخلصها من الأسلحة النووية، وقد دفعت هذه الإجراءات المتشككيين إلى الإيماءة برؤسهم والقول بأنه يبدو أن السلام هذه المرة سيكون دائماً.

----- نهاية السيناريو الأول -----

السيناريو الثاني: المدينة المفتوحة
كيف أدى حل مشكلة القدس إلى السلام


يدل انبعاث الدخان الأبيض على انتخاب البابا الجديد الذي تولى منصبه بتواضع وحماس. كما أعلن فإن أولويته هي تسهيل تحقيق السلام في العالم وخصوصاً في الشرق الأوسط، وبدأ مهمته بتناول مشكلة القدس. وحذره مستشاروه قائلين: "إنك لن تفعل شيئاً إلا أن تضعف سلطتك، فهي مشكلة غير قابلة للحل." ولكنه دافع عن رأيه قائلاً إن الله قد أولاه هذه المهمة وسيكون اهتمامه هو والكنيسة منصب على إعطاء أولوية لهذه القضية على حساب السياسة، وقال: "إن صعوبة هذه المهمة لا ترفع إلا من أسهم الإقدام على اقتحامها، فهل هذه المشكلة أصعب من الابتلاءات التي امتحن الله بها يسوع أو موسى أو إبراهيم؟" فالتزم أساقفته الصمت إلا أنهم تهامسوا فيما بينهم بأن "الكنيسة ستكون في فوضى."

ودعا البابا بنفسه قادة الطوائف الأرثوذكسية والإصلاحية اليهودية في إسرائيل ونظرائهم في العالم الإسلامي، كما دعا زعماء البوذيين والهندوس. (دعى زعماء الديانات التي ليست لها صلة بالموضوع لإضافة مصداقية إلى الوقائع). وأعطى الرئيس الجديد للولايات المتحدة وزعماء الاتحاد الأوروبي إشارات سرية وماهرة بأنهم يوافقون على مثل هذا الاجتماع. والاستخدام الماهر لوسائل الإعلام ولاسيما المقابلات الحية على شبكتي السي إن إن CNN وسيكستي مينيتس 60 Minutes جعل من الصعب على الزعماء الدينيين الذين دعاهم البابا أن يرفضوا اللقاء والحديث.

وعندما أعلنت الخطط على الملأ قال المتشددون المسلمون إن هذه "حملة صليبية جديدة." وكان اليهود المنتمون إلى الجناح اليميني غير مهتمين بآراء الكنيسة الكاثوليكية ذاكرين طرد اليهود من القدس اثناء الحروب الصليبية.


مع ذلك استمرت الخطط الموضوعة لهذا الاجتماع وتقابل القادة الدينيون على أرض محايدة في مزرعة معزولة في نيوزيلاندا وأطلقوا على جلستهم التاريخية اسم "جلسة القادة الدينيين للسلام." واعتبر لقاء كبير حاخامات إسرائيل والمفتي في الغرفة نفسها انجازاً مهماً وعلامة فاصلة على الطريق الصحيح نحو السلام، إذ إن مجرد حضور الاجتماع حمل في طياته مخاطرة حقيقية يمكن أن تؤدي إلى أن ينبذهم المحافظون في بلادهم.

وفي الاجتماع الأول ازدادت حدة البرودة المبدئية قليلاً إذ إن كل فرد منهم يبرر موقفه بأنه هبة من الله، وحينئذ قال البابا: "صحيح أن الله أنعم على كل فرد منكم كما قلتم، ولكنه أعطانا أيضاً عقولاً لنفكر بها، وهذا هو ما أدعو الله أن نفعله. إن قضية القدس هذه ترتبط بالقانون والعرف الدينيين؛ ومن ثم يجب أن تسمو فوق المصالح الذاتية الدنيوية وفوق السياسة، ويمكننا أن نبدأ على الأقل في مناقشة كيفية حل هذه القضية، فمن السهل جداً أن نقول إنه يمكن جعل القدس دولة من مدينة واحدة مثل الفاتيكان؛ حيث يوجد فيها ثلاثة أديان. يجب علينا أن نسأل الله الرشاد."

ربما استمر الاجتماع لأن اليهود والفلسطينيون والعرب كانوا منهكين من الحروب؛ بل ربما أدركت الحكومات إن إمكانية التقدم دون بعض المساعدة من الخارج أمر غير مبشر؛ وربما استمر الاجتماع للاعتقاد العام بأن القضية وصلت إلى نقطة أنها "أصبحت شديدة الأهمية بحيث لا تترك للحكومات"؛ ربما يكون زيادة الاهتمام بالدين في شتى أنحاء العالم سبب في جعل الناس منفتحة للتفكير "بأسلوب أسمى."

وبدأ القادة الدينيون بنقاط الاتفاق ألا وهي ضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة، واتفقوا على أنه من السخف أن يحاول دين واحد أن يمنع من ينتمون إلى دين أخر من شرف زيارة تلك الأماكن. ويجب أن تتعدى الخطة المصالح السياسية والأيدولوجية والاقتصادية، ونمت الخطة من بذور الاتفاق هذه، فيجب أن تكون القدس مدينة مفتوحة لا تخضع لسيادة بلد واحد فقط ولكن يجب أن تكون تحت حماية الدين وسلطته، وأقروا أن مشكلة القدس لا تؤثر في إسرائيل أو مستقبل الدولة الفلسطينية فحسب وإنما هي قضية تثير اهتمام العالم، وأقروا في الإعلان أيضاً بأنه على اليهود والمسلمين والمسيحيين ومن ينتمون إلى ديانات أخرى أن يعملوا باتجاه اقتسام هبات الله.

ولكن كانت المشكلة أمام هذا الجمع هي كيفية انطلاقهم لتحقيق ذلك؟



أشار أحد المشاركين أن الأمم المتحدة أرست أسس هذا الأمر بالفعل، ففي أواخر عام 2003 أشار مؤتمر لليونسكو إلى إن ممثلي الإسرائيليين والفلسطينيين في المؤتمر يؤيدون بقوة اثنين من قراراته، وأكد المشاركون في مؤتمر اليونسكو "مساندتهم للمبادرة التي قام بها المدير العام لإعداد خطة عمل شاملة لحماية مدينة القدس القديمة، ودعوه أن يرسل سريعاً قدر الإمكان – بالتعاون مع الأطراف المعنية – بعثة فنية إلى القدس وتشكيل لجنة من الخبراء في غضون عام تكلف باقتراح الخطوط العريضة لخطة العمل هذه استناداً إلى أسس علمية وفنية محضة."




ودفع عدة مشاركين بأنه يجب أن يكون لكل مجموعة – سواء المسيحيين أو اليهود أو المسلمين – حدوداً واضحة في "المدينة القديمة" استناداً إلى تاريخها وتقاليدها.




وركز مشاركون أخرون على قضايا الحكم: فاقترحت مجموعة فرعية أن يكون للمدينة دستور وإدارة تمثيلية تضم الأديان الثلاث وتضم أيضاً مندوب من الأمم المتحدة بتصويت مزدوج لمدة خمس سنوات أو إلى أن يتحقق التطبيع دون وجود الأمم المتحدة.




توجد قضية شائكة أخرى يحث شعر بعض أعضاء الوفود أن "جبل الهيكل" يجب أن يكون "منطقة مفتوحة" لا تخضع لأي سيادة؛ وقال آخرون إن فكرة المدينة المفتوحة لن تنجح بسبب مشاكل الأمن والسيطرة على الحدود ...الخ، ودفعوا بأن الأمم المتحدة فشلت عام 1947 في تطبيق خطتها لتدويل القدس ومن غير المحتمل أن تنجح هذه الخطة اليوم، إنها فكرة جاء وقتها وانقضى.
وفي النهاية قال بعض الناس إنهم لا يريدون أي هيئة من الأمم المتحدة أن تتدخل واقترحوا تكوين هيئة دولية أخرى للقيام بهذه الأغراض لتحقيق أهداف واضحة مع احترام جميع الأطراف الفاعلة لها ومع سلطة واضحة كي تصبح المفاوضات حقيقة ودائمة.


وعندما بدا النقاش لا نهاية له وبدأت المرواغة في الاتفاق كالعادة طلب البابا من المجموعة أن تنتقل للصلاة في الأماكن المقدسة وفي النصب التذكاري للمحرقة في القدس وفي مقابر الفلسطينيين وطلب أن يصلي هؤلاء القادة الدينيون من أجل غفران العنف ومن أجل الحكمة ومن أجل استجابة القيادة الدينية ومن أجل البصيرة التي يعوزها تشكيل الخطة، وكانت لحظة حافزة ومؤثرة، ووضعت الخطة وتعهد القادة باستمرار الاتصال والعمل في ظل الرب من أجل السلام.

أرسل تقرير "جلسة القادة الدينيين للسلام" إلى الأمين العام للأمم المتحدة وطلب من الجمعية العامة أن تستصدر قانوناً يعلن أن القدس مدينة مفتوحة بتصميم جديد وأن حكومات الدول المعنية بذلك تؤيد الخطة في ظل وجود التشريع المطلوب. أما الدور الذي ستضطلع به الأمم المتحدة فسيتم تقنينه بقرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن. وطبقًا للخطة سيتم انتخاب قائد القدس كل ست سنوات من قبل الجمعية العامة مع وجود قاعدة بأنه لا يحق لطائفة ما أن تحتفظ بالمنصب أكثر من فترة رئاسة واحدة، ويجب التعامل بقسوة مع الإرهاب في المنطقة.

وحظي نشر توصيات مؤتمر "القادة الدينيين للسلام" بترحيب عام واسع النطاق، كما أثار جيوباً قليلة من المنشقين وتسبب في صيحات "بالخيانة" وما هو أسوأ، ولكن كان واضحاً أن ثقل الشعور العام بدأ في بناء قوة دافعة غير مسبوقة نحو السلام، وحتى أكثر الفصائل تطرفاً شعرت بأن الأرض تتغير من تحت أقدامها؛ وبدأت في إعادة تعريف ما يريده الرب منهم.

وناقش القادة الدينيون في جميع أنحاء العالم العواقب المحتملة "لجلسة القادة الدينيين للسلام"، وعلى الرغم من أنهم لم يضعوا الأمر أمام العامة بصورة مباشرة إلا أن الملالي والمشايخ والحاخامات الأرثوذكس في الشرق الأوسط واجهوا قضية مركزية وهي حفظ قوتهم وحفظ ماء وجوههم.

وبالنسبة للملالي كانت هناك نقاشات جديدة، فكثيراً ما قال المؤمنون المسلمون بأن فلسطين وهبها الله للمسلمين، ولكن رجل دين قال إن لليهود الحق بكل تأكيد في العيش في الشرق الأوسط كما لنا هذا الحق، وهذا مكتوب في القرآن الذي يخبرنا عن أرض الميعاد لليهود، فالقرآن يقول إن الله وعد موسى واتباعه بالأرض المقدسة أثناء خروجهم من مصر: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين" (المائدة، الأية 23). ومن ثم لا يمكن للمسلمين اتفاقاً أن ينكروا مفهوم أرض الميعاد، ويحتاج المسلمون إلى تطوير أساليب تجذب اليهود للعودة دون تهديد للعرب والمسلمين. تصور لو أن مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن تمكنت من وضع سياسات وقوانين تقول "إننا سنرحب بأي يهودي يريد المجئ إلى هذا الجزء من العالم والإقامة فيه على أنه جزء من أرض الميعاد؛ سوف نمنحك الجنسية؛ وإذا أردت أن تشتري بيتاً وأرضاً فهذا حسن؛ إذا أردت أن يأتي إليك أقاربك للعيش معك أو زيارتك فهذا حسن؛ قم بعملك وعش وسط مجتمعك وقم ببناء كنيسك ولتكن لك قوانينك الخاصة التي تحكم عائلتك وحياتك، ولكن لا تهدد الكيان الوطني. وتعال إلى أي جزء – إلى سوريا، إلى مصر، إلى العراق، إلى الأردن – تعال إلى المكان الذي تعتقد أنه أرض الميعاد." إن مثل هذا الحل يستند إلى فهم ديني لوعود الله لليهود والمسلمين على حد سواء. وأضاف دون نية بأن يسخر من أحد: "يمكننا أن نتوقع من اليهود في المقابل سماحاً مماثلاً بحق المشردين في العودة إلى ديارهم أيضاً."

الاضطراب والفوضى. يفسر بعض رجال الدين المسلمين الكلمات المقدسة حسب طريقتهم الخاصة، ولكن لا يهم التشوش العقلي الذي وضعوه عند تفسيرهم للأية السابقة (المائدة، الأية 23) حيث أنها كانت واضحة بما يكفي مما يجعل من الصعب البعد عن فهمها الصحيح.

ويجب إعلان أن الإرهاب جريمة دينية، فالفتوى التي تهدد المعارضين ساعدت على إنهاء الهجمات الانتحارية، وقال بعض المتطرفين إنهم سيستمرون وأن العنف نجح وأنه يمكن قراءة القرآن الكريم وتفسيره بطرق مختلفة، ولكن سبق السيف العزل وشكلت القوة الدافعة للسلام.

أما في إسرائيل فإن الأحبار الأرثوذكس الذين يحركون اليمين المتطرف وقعوا في حيرة، فإذا أعطوا أساساً دينياً لليهود للعيش في المنطقة يكون المسلمون قد أجهزوا في شوط واحد على القوة السياسية لليمين الإسرائيلي المتطرف، وربما تكون هذه هزيمة تامة. وقد أصدر الأحبار البيان التالي:

يقبل اليهود بأن السبيل إلى تحقيق وعد الرب لا يشمل حرمان الآخرين من أوطانهم؛ وإذا ما قبل المسلمون والعرب الاعتراف بإخلاص بحق اليهود في التمسك بأرض الميعاد وقاموا بجهود جادة لتحقيق هذا الوعد فإنهم سيجدوننا معهم لتحقيق سلام "متأصلة جذوره" وليس السلام الظاهري الذي أمكن القضاء عليه ووطئه بالأقدام وتلطيخه طيلة 55 عاماً. ونعد بأن ننشر الفكرة اليهودية بقدسية أوطان الآخرين وسنساعد في خلق مستقبل يجعل الأوطان جميعها مقدسة وآمنة.

والفكرة التي بدأت في نيوزيلاندا وسط القادة الدينيين تحققت على أرض الواقع السياسي؛ فقد توقفت الأعمال الانتقامية لهدم المنازل، وطالب القادة الدينيون بإيقاف مهمات التعقب والتدمير، وقد كان.

ولم يستسلم المعتصبون في الحال، فقيل من جانب: "سنقذف القنابل حتى تسقط إسرائيل"، وقيل من الجانب الأخر: "سننتقم بكل قوة – لقد كنا ضعفاء يوماً ما وكلفنا ذلك ستة ملايين روح." ولكن تآكلت ببطء قاعدة القوة للمتطرفين إذ بدا واضحاً اختفاء دعمهم وأصبحوا بالتدريج لا علاقة لهم بمجتمعهم، وتسارعت في إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية الحركة نحو العلمانية.

وفي ظل خلفية من الأحوال المحسنة (إزالة الجدار العازل، ووجود شبكة اجتماعية ناجحة للفلسطينيين، وانتهاء أعمال القتل) تغير تعليم الشباب المسلم، فالمدارس التي قامت بتدريس الكراهية لليهود يوماً ما اعتدلت وتحولت على الأقل إلى قبول سياسة "دعه يعمل" – إن لم يكن الأمر مجرد تسامح حماسي – وهو خطوة أولى معقولة للمعتدلين من الجانبين. وسحبت الكتب المدرسية التي تلعن اليهود وأدخل مكانها الكتب التي تعلم التسامح والعوامل الإيجابية لعمل كل دين في المنطقة، وقد أطلق هذا البرنامج المعروف ياسم "برنامج قرطبة" بواسطة ثلاث دول عربية (بما فيهم سوريا ومصر) واستند إلى التعاون الناجح بين الأديان الثلاث في العصر الذهبي لأسبانيا تحت حكم المسلمين في القرن العاشر لتعليم التسامح والتعاون وقيم "الفوز" بالعالم السلمي، وتم تمديد برامج التبادل التعليمي لتوفير تعليم للمدرسين في بيئات مختلفة – الإسرئيليون في الجامعات العربية والعرب في إسرائيل، وأنشئت المدارس في المنطقة لتعليم الأطفال العرب والإسرائيلين. إن التحول من الكره إلى التسامح لا يمكن أن يحدث في لحظة ولكنه بدأ بالأمل في أن يقوم الجيل الجديد بأفضل مما قام به الجيل القديم وأن يحمل رؤى للسلام أثناء بلوغهم مرحلة الرشد.

ومع جلسة القادة الدينين للسلام، ومهمة الأمم المتحدة، وانتهاء تعليم عدم التسامح، وقبول الكثير من المسلمين بفكرة وجود اليهود في الشرق الأوسط، وانتهاء التفجيرات الانتحارية والأعمال الانتقامية التي تسببت فيها، وتخفيف حدة التعاليم التي تشعل الأمور ولا تهدئها بقي أن ندعم السلام غير المستقر الذي تحقق.

ومع إنهاء العنف من الطرفين بنيت ثقة ضعيفة على نحو استثنائي يحتاجها الموقف من القاع وصولاً إلى مائة ألف مشروع مشترك يشارك فيها المسلمون والإسرائيليون، ومن هذه المشروعات ما هو كبير (مثل مشروعات التعاون الزراعي) ومنها ما هو صغير (المحال المملوكة ملكية مشتركة) ومنها ما هو محلي (المدارس الجديدة التي افتتحت لجميع التلاميذ الذين يودون الالتحاق بها) ومنها ما هو وطني (تقليل القيود على الصادرات والواردات بين إسرائيل والدول العربية). مع تحسن روح الثقة هذه نمت المشروعات من ناحية العدد والأهمية، كما زادت التنمية الاقتصادية وزاد عدد الوظائف المتاحة وانخفضت نسبة البطالة، وفي عرض رائع للجهود الاجتماعية المتبادلة خلق هذا الرخاء الناشئ المزيد من الثقة والتعاون، فقد تم تطبيع السفر من إسرائيل وإليها حيث بات التحكم في ذلك مقصوراً على جوازات السفر والتأشيرات فقط. وقد أقيمت منطقة تجارة حرة على غرار اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية NAFTA (بين إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا والأردن) لتحسين تنافس دول المنطقة في الاقتصاد العالمي والحد من الاعتماد على القوى الخارجية الكبرى ومساعد تحويل الاقتصاديات المحلية، وبالإضافة إلى ذلك أسست مجتمعات المغتربين من اليهود والعرب علاقات فعالة تهدف إلى جعل هذا الشرق الأوسط الجديد الشامل حقيقة واقعة، ومن خلال الاستثمار والقيادة والضغط أصبح هؤلاء المغتربون قوة فاعلة دفعت عملية السلام للأمام لمصلحة دولهم ومشروعاتها واقتصادياتها وشعوبها.

وتعجب مراقبو الخارج كيف أن الحاجة إلى موظفين أزالت الاحتياج السابق إلى القيود المفروضة على السفر، وقالوا إن ذلك لم يتحقق إلا عندما أصبح إنهاء التفجيرات الانتحارية حقيقة واقعة، فمنذ سنوات مضت قال أحد الأشخاص: "أوقفوا التفجيرات الانتحارية وسيكون كل شيء ممكناً." وقد كان محقاً في ذلك.

والمشروع المشترك الذي أقيم تحت رعاية هيئات المعونة المسيحية الدولية وشيوخ البترول العرب واليهود في جميع أنحاء العالم لم يسهم في القضاء على الفقر في المنطقة فحسب وإنما ساهم أيضاً في نمو التفاهم الديني والثقافي، وأسس أيضاً صندوق إسرائيلي فلسطيني للمصالحة، وبفضل هذا الصندوق حصل ضحايا التعذيب والاعتقال وعائلات من قتلوا على يد الجيش والإرهابيين من الطرفين على تعويضات.

يبالغ المرء إذا تمنى أن يتوقف العنف نهائياً, كما لو أنك تضغط على زر صغير لننتقل من الظلام إلى النور؛ فحتى في أكثر البيئات سلماً نجد بعض دعاة العنف، وهو الشيء نفسه الذي يحدث في الشرق الأوسط، ولكن الآن تقوم الدول وشعوبها باستنكار الأعمال الفردية ووصفها بأنها ضد الإنسانية وضد الدين.

وفي هذا العام من التعاون الاقتصادي المتنامي كُلفت لجنة إسرائيلية فلسطينية بمراجعة وضع اللاجئين، وتفاوضوا حول اتفاقية تحدد عدداً معيناً من الفلسطينيين الذين سيكون لهم حق العودة إلى إسرائيل والإسرائيليين الذين يمكنهم البقاء في المناطق الفلسطينية، وقالت إسرائيل إن تحديد عدد المهاجرين هذا لم يكن يختلف في الحقيقة عن حق أية دولة في وضع قيود على الهجرة إليها، ورد الفلسطينيون بقولهم إن هذه الحدود الإسرائيلية كانت تمنع الناس عن مسقط رؤوسهم وعائلاتهم. واتضح أن الإسرائيليين كانوا مهتمين بأن أصوات المهاجرين (يطلق الفلسطينيون عليهم لقب "العائدون") الانتخابية ستكون أكثر من أصواتهم هم في مجتمعهم الديمقراطي، وهذه القضية كانت تنذر بتهديد لعملية السلام ولكن تم التوصل في النهاية إلى حل وسط بقبول حد معين من هؤلاء اللاجئين يعتمد على بيانات تعداد السكان الذي يسجل الأعراق الموجودة في إسرائيل ويقصر حق التصويت على الناس الذين عاشوا في البلد لمدة سبع سنوات. بالإضافة إلى ذلك ففي حالة تأسيس الدولة الفلسطينية فإن المستوطنين الإسرائيليين المقيمين في المناطق الفلسطينية والفلسطينيين المقيمين في إسرائيل سيمنحون فرصة الحصول على الجنسيتين.

واتبع السياسيون الذين أعقبوا مرحلة عرفات وشارون الجماهير الرافضة، وقدمت إسرائيل اقتراحاً تاريخياً إلى الأمم المتحدة يستند إلى النقاشات والمساهمات التي قدمها الناخبون الإسرائيليون والفلسطينيون. وكان هناك شك في مطالبة الأمم المتحدة أن تلعب دوراً ولكن في الواقع لم يكن هناك مكان أخر يمكن أن يقدم فيه هذا الاقتراح التاريخي. واستند هذا الاقتراح على التوازن بين حاجة الإسرائيليين للأمن وحاجة الفلسطينيين إلى تأسيس دولة دائمة لهم، وفي ظل هذه الصفقة المتكافئة وافقت إسرائيل على الانسحاب من جميع المناطق التي احتلتها منذ حرب 1967 وغلق المستوطنات المناسبة والتنازل عن هذه المناطق للدولة الفلسطينية الجديدة. وسيمنح المستوطنون الإسرائيليون في هذه المناطق الجنسية المزدوجة. وطالب هذا الاقتراح الدول العربية بأن تعترف بصراحة ووضوح بدولة إسرائيل المستقلة مع حقها السيادي في البقاء إلى الأبد، ومن وجهة النظر الفلسطينية حدد الاقتراح بجلاء حدود الدولة المقترحة حديثاً (تقريباً كما ذكر في اتفاقيات جينيف). وبما إن الفلسطينيين اشتركوا في صياغة القرار كانت النتيجة معروفة سلفاً وهي قبول الحدود المقترحة، ودعا القرار الأمم المتحدة أيضاً إلى فرض عقوبات وجزاءات معينة (وهي نقطة نوقشت كثيراً) إذا ما تم مخالفة مواده. وفي تحرك غير مسبوق لكنه قد يعكس أحد نماذج المستقبل تمت الموافقة على القرار من خلال استفتاء ساعد على التأكيد على أنه عندما تقبل الأمم المتحدة الاتفاقية فإن شعبي هذين البلدين سوف يدعمونها.

حاول المتطرفون من الجانبين أن يخرجوا الاستفتاء والحكومة عن مسارهما وحاولوا تخويف الشعب من خلال ممارسة بعض الفظائع، إلا أن هذه الفظائع جعلت العامة يلعنون التطرف أكثر، وأقر الاستفتاء القرار بأغلبية ساحقة.

وبفضل الازدهار الاقتصادي وعملية السلام الناجحة والثقافة السياسية المتنامية أصبحت كل من فلسطين وإسرائيل جزيرتان للديمقراطية والرخاء، والتأثيرات النافعة التي تدفقت منهما ساهمت في التغيرات السياسية العميقة في الشرق الأوسط، فأصبح الوضع في لبنان أكثر استقرارًا بفضل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين وإسرائيل وتفكيك ميليشيات حزب الله، واتبع المسلمون والمسيحيون في لبنان النموذج الجيد في فلسطين وأكدوا على اتفاقية السلام وأصبحت لبنان بلداً يعيش في رخاء كما كانت من قبل.

وبعد النظر في الأحداث منذ مؤتمر القادة الدينيين للسلام, قال الملالي والمشايخ والأحبار إنه قدر الله، وما تبقى هو تفاصيل إن شاء الله.

----- نهاية السيناريو الثاني -----




السيناريو الثالث:
خطة دوف Dove (الحمامة):
بدأت هذه الخطة في إسرائيل بفكرة بسيطة ألا وهي إنهاء العنف الانتقامي. وقد سميت هذه الخطة باسم "دوف" Dove (الحمامة)، وناقش قادة إسرائيل احتمالات هذه الخطة في سرية؛ وقلما كان النقاش يطرح علناً لفترة وجيزة في الكنيست، ولكنه إجمالاً كان نقاشاً سرياً. وفكرة خطة دوف هدفت إلى تكوين رأي عام عالمي – بما فيه الأكثرية الفلسطينية والعربية – ضد التفجيرات الانتحارية، فقال صقور النقاش: "لا يوجد إلا ردان فقط على عنف التفجيرات؛ الأول أن ندر لهم خدنا الآخر حتى ينهكوا من قتلنا؛ والثاني العين بالعين. فالتلمود يعلمنا مبدأ العين بالعين، فإذا تخلينا عن هذا المبدأ سيعتقد الرأي العام الإسرائيلي والعالمي أننا ضعفاء، وسيرى أعداؤنا إعطاؤنا خدنا الآخر لهم على أنه تنازل، فيجب أن نستمر في الرد حتى ولو كنا نسير في نفق مظلم." ولكن معارضيهم قالوا: "ولكن تاريخياً كان المقصود من "العين بالعين" الحد من الانتقام وليس تصعيده؛ أي أن الإصابة الطفيفة لا تسبب إلا رد فعل طفيف، ولقد جربنا معهم منطق العصا ولم يقودنا كما قلتم إلا إلى نفق مظلم خيارنا الوحيد فيه هو المزيد من القوة، إن انتقامنا المتزايد يضعهم مأزق حرج، فإذا أوقفنا القوة – وأعلنا ذلك من طرف واحد – فإن العالم سيرى الفلسطينيين برؤية جديدة، فكثير من الناس يرونهم الآن على أنهم مناضلين من أجل الحرية ببساطة لأننا نرد عليهم هجماتهم، فإذا توقفتا سرعان ما سينظر إليهم على حقيقتهم كإرهابيين، وإذا توقفتا فقد يجتمع المسلمون المعتدولون ويأخذوا بزمام المبادرة ليضغطوا نحو تحقيق السلام في معسكرهم."

وبينما كان هذا النقاش السري مستمراً كان للمتطرفين الإسلاميين نقاشهم السري أيضاً. وقد كان هذا التطابق في الزمن غير عادي؛ فربما يكون الإعياء الشديد في كلا الجانبين في نفس الوقت هو الذي أدى إلى هذه النقاشات السرية الداخلية. ودفع صقور الإسلاميين بتوسيع نطاق أنشطتهم والانتقال من المهمات التفجيرية إلى أشكال فتاكة أخرى تؤثر على عدد أكبر من الناس وتصبح أكثر وضوحاً وترويعاً وإقناعاً للإسرائيليين، والأشكال التي قد تستخدم كانت واضحة ومتوافرة بسهولة وتتراوح بين السموم الكيماوية والمشعة إلى الأسلحة النووية الصغيرة، فهم يقولون: "ألا يعلم الإسرائيليون أن التفجيرات الانتحارية هي سلاحنا الوحيد الفعال؟ عليهم أن يدركوا أن توسيع النطاق أمر مهم لقضيتنا، فما عليك إلا أن تنظر كيف أن عملية نيويورك كانت مؤثرة في إحداث بلبلة في الغرب وتغيير طبيعة الصراع، فقد نقلنا الصراع إلى ديارهم وصارت قضيتنا في عقول الناس في جميع أنحاء العالم، لقد أطلق ذلك العنان لقوى هائلة لن تؤدي إلا إلى انتصارنا، عليكم قياس نجاحنا باحباط الغرب في أفغانستان والعراق، وبانتشار الإرهاب العالمي، وبعجز الأمم المتحدة. يجب علينا أن نحافظ على إيماننا بنصرنا المطلق."

ولكن خصومهم في النقاش كانوا راديكاليين بالمعنى العكسي للكلمة، فقالوا: "فكروا فيما تقولونه، لقد أيقظت أفعالنا المارد النائم، ولقد استسلمت ليبيا، وبدأ مفتشو الأمم المتحدة عملهم في إيران، ونحن نختبئ في أفغانستان والعراق، فهل يحقق ذلك هدفنا؟ هل يساعدنا ذلك على إقامة وطننا الآمن وإدانة إسرائيل لما ترتكبه من جرائم."

والرد هو: "كيف تغيرت يا أخي، لقد اعتدنا أن نقول إن مهمتنا هي القضاء على إسرائيل واسترداد وطننا، والآن أنت على استعداد لحسم القضية في مقابل إدانة إسرائيل."
"نعم، قد تكون هذه المناقشة مختلفة قليلاً عن ذي قبل، ولكنها تعترف بواقع ألا وهو أن إسرائيل لن يقضى عليها، فالغرب لن يسمح بذلك، ألا ترون كيف أن مسار عملنا الحالي يضر بفرص تأسيس وطننا؟ فهذا الطريق يكلفنا خيرة شبابنا الذين قد يصبحون يوماً ما قادة هذا البلد، فإذا توقفنا عن مثل هذه الأعمال وغيرنا من تكتيكنا فمن الذين سينظر إليهم على أنهم معتدون؟ من الذي سيحقق نجاحاً أكبر في المفاوضات؟ ما العذر الذي سيسوقه رئيس وزرائهم لهدم منازلنا وقتل شعبنا؟"

"ولكن هل يمكننا وقف التفجيرات الانتحارية حتى لو رغبنا في ذلك؟ هل سنضطر إلى أن نطلق النار على شعبنا؟" هذا هو السؤال الذي يبقى بلا إجابة.

لذلك نجد أن لكل طرف أسبابه لإيقاف العنف واتخاذ طريق أخر، ولكن بقوة الاندفاع الذاتي– مثل صبي الساحرة – استمرت التفجيرات وتصاعدت العمليات الانتقامية كذلك.

ولكن حادثاً غير متوقع غير مجرى الأحداث، فالعنوان يقول:

الإسرائيليون الذين يرفضون الخدمة في الأراضي المحتلة يعلنون أنهم لن يشاركوا في هجمات بالقنابل
الصحافة الإسرائيلية والرأي العام والسياسيون يدينون 27 طياراً لأنهم غير صالحين للخدمة

القدس - التحق 27 طياراً احتياطياً الأسبوع الماضي بحركة "الرافضين للخدمة في الأراضي المحتلة" وقالوا إنهم لن يشاركوا في هجمات بالقنابل على الضفة الغربية وقطاع غزة التي غالباً ما تؤدي إلى إصابات بين المدنيين. وقال الطيارون في التماس إلى قائد القوات الجوية اللواء دان هالوتز (Dan Halutz): "إننا نرفض أن نشارك في هجمات القوات الجوية على السكان المدنيين، ونرفض الاستمرار في إيذاء المدنيين الأبرياء."

وفي الأسبوع الماضي أصبح "الرافضون" جزءاً من حركة صغيرة ولكن شديدة الرفض لسياسة إسرائيل المسماه "بالقتل المستهدف" والتي تقوم بموجبها الطائرات الحربية والمروحيات بإلقاء قنابل أو صواريخ لقتل إرهابيين يختبئون في مناطق مدنية.

كان ذلك جزءاً من حركة سلام – "صغيرة ولكن شديدة الرفض" كما قالت رويترز - ولم تكن هذه الحركة معروفة بصفة عامة خارج إسرائيل، وفي الواقع كان المعتدلون في المعسكرين الفلسطيني والإسرائيلي على اتصال لبعض الوقت، وكانوا يتحدثون من خلال موقع للسلام على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) باستخدام أسماء مستعارة عادة، وكانوا يقولون إنه يمكن تحقيق السلام، فهذه العبارة كانت البيان الواضح الذي يصدرونه عندما يكون القتل والانتقام في كل مكان من حولهم، وقالوا إن التاريخ سيديننا لعدم اتخاذنا موقفاً واضحًا وعدم التصرف استناداً إلى قناعتنا الأخلاقية، فالحياة كما هي عليه الآن غير مقبولة.

وعرفت هذه الحركة خارج المنطقة، وكانت الفكرة التي مفادها أن المعتدلين قد يكتسبون قوة وأن هذه القوة الجديدة قد تساعد في تحقيق السلام فكرة مغرية، والسؤال الذي لم ينطق به في الأمم المتحدة وواشنطن ولندن وفي كل مكان يبحث فيه الناس ذوي النيات الحسنة عن السلام هو: "ما الذي يمكن فعله لتشجيع هذه الحركة؟" وقد وجدت بالطبع معارضة لهذه الحركة داخل إسرائيل وفي صفوف الفلسطينيين. وحركات السلام مثل "أمهات من أجل السلام" في إسرائيل تشكلت وحلت، فهل الوقت مختلف الآن؟ فهل ترجح عملية قتل واحدة أو قنبلة قاتلة واحدة أو عملية اغتيال غير مفهومة كفة الميزان؟ تمنى البعض أن يحدث ذلك وخشي أخرون من أن ذلك لن يحدث. وفي الأمم المتحدة اعترفت جائزة غاندي التي ظهرت حديثاً بالشجاعة الأخلاقية المرجوة لتحقيق الاعتدال، ولأنها قد تتسبب في جعل الحائزين عليها معرضين للاستهداف فقد منحت الجائزة دون الإعلان عن أسمائهم إلى أن يتحقق السلام. وأسست الأمم المتحدة أكاديمية لمناهضي العنف كمؤسسة دائمة، واعتبرت منظمة العفو الدولية الرافضين للخدمة الذين قبض عليهم لمقاومتهم السلطة العسكرية سجناء رأي، وتأسست حركة واسعة النطاق لإطلاق سراحهم، وقد أطلق صراحهم في النهاية من السجون العسكرية، ورشح قائدهم لنيل جائزة نوبل للسلام، ولكن السبب الرئيسي للتقدم في عملية السلام هو أن كل طرف كان يمكنه القول: "انظر، هناك شريك في الطرف الأخر."

وجاءت حركة الرفض في ذات الوقت الذي كان يبحث فيه السياسيون عن مخرج لتغيير المسار، فقد اجتمعت هذه القوى سوياً، والخطوات التي كانت ضعيفة في البداية حركت العنف باتجاه السلام، واتبعت الحركة خطى غاندي والملك فزاد عدد المنتمين إليها، وعلى غرار ما حدث في فترة حرب فيتنام عندما زاد عدد المنشقين في الولايات المتحدة, أصبح المنشقون في إسرائيل وصفوف الفلسطينيين هم التيار الأغلب.

وهنا نتناول ما حدث بعد ذلك، فالأمر كان كمباراة في الشطرنج، وتغيرت القيادة في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني نتيجة لتغير الكثير من العوامل، فقد اضطلع بدور في ذلك كل من زيادة الضغط السياسي الخارجي، والانتخابات الجديدة، ووصول المبادئ إلى سن الشيخوخة، والمنافسة السياسية غير الودية. وتنامت المساندة الشعبية في الجانبين بداية من الرافضين للخدمة العسكرية إلى نطاق أكبر من السكان، ومع وجود القيادة الجديدة محل القديمة وعمل حركة السلام كدوامة من حولها تقدمت اللعبة للأمام، حيث حصل الإسرائيليون على ضمان بأن التفجيرات ستتوقف وأن المحرضين عليها سيقبض عليهم ويعاقبون، وحصل الفلسطينيون على اتفاق صارم بأن الإسرائيليين سينسحبون إلى حدود ما قبل عام 1967 وسيوقفون بناء المستوطنات (يمكن بقاء المستوطنات القائمة بالفعل مع حصول ساكنيها على الجنسيتين) وينهون الغارات الانتقامية. ووصف الفلسطينيون ذلك بأنه إنهاء للاحتلال، ووصفه الإسرائيليون بأنه انتصار للسلام.

وفي غضون أشهر قام الإسرائيليون بالتفاوض حول سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات ليست مع السلطة الفلسطينية فحسب وإنما مع جميع الدول العربية بشكل أساسي، ونصت الاتفاقيات والمعاهدات على أن لإسرائيل الحق في البقاء وسيكون في المنطقة من الآن فصاعداً حالة عدم اعتداء، ورحب الفلسطينيون والدول المجاورة بموافقة إسرائيل على توقيع اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية في مقابل وعود من هذه الدول بأن تظل خالية من الأسلحة النووية وتسمح بإجراء عمليات التفتيش الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة. وبالتأكيد يجب حل بعض المشاكل الأخرى في لعبة "هات وخذ" هذه؛ وأول هذه المشكلات هي السيادة على القدس (التي أصبحت في النهاية مدينة مفتوحة ذات حكومة ديمقراطية، وتكون مفتوحة لجميع الأديان وتتحمل مسئولية حماية جميع الأماكن المقدسة وحراستها). وثاني هذه المشكلات هي مشكلة الفلسطينيين الذين يرغبون في العودة إلى إسرائيل، وقد تفهمت إسرائيل أن عودة كتل ضخمة من المهاجرين سوف تفسد البنية السياسية؛ ونتيجة لذلك وضع نظام الحصص لعودة المهاجرين. وقد قدمت لبنان والأردن – وإلى حد ما – مصر وسوريا المساعدة باستيعاب بعض المهاجرين، وبحث الساخرون عن الأجندات المخفية ولكن السلام كان قد عم، وأصبحت الأقلية المسلمة المتطرفة غير مرئية وكان ذلك مبعث على القلق، غير أنه تمت تنحية المتآمرين جانباً، ولاقى صمتهم ترحيبًا واسعًا.

ومع استمرار لعبة "هات وخذ" ظلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الخلفية بعيدًا عن المشاركة المباشرة، إلا أنهما ساعدتا بطرق أخرى، وتم تشجيع رأس المال الأجنبي على التدفق إلى المنطقة من خلال التجارة والحوافز الممنوحة له، وبدأت الولايات المتحدة حملة دبلوماسية لإيقاف الدعم المالي العربي للميليشيات المسلحة ومالت بتأييدها لإسرائيل بعيداً عن الأسلحة. والأساس المنطقي لهذه التغيرات في السياسة كانت ببساطة ما يلي: كي تتحقق عملية سلام بناءة بين الإسرائيليين والفلسطينيين يجب على من هم خارجها أن يتوقفوا عن تأجيج النيران. وأراد بعض السياسيين أن يقدموا يد "العون" لهذه العملية بطرق أخرى (وجني بعض الفوائد السياسية) ولكن انتصر العقلاء في النهاية وترك الطرفان ليتوصلا إلى الاتفاقيات بأنفسهم.

وعندما اتضح أن مباراة الشطرنج تتطور تدفق رأس المال الأجنبي إلى المنطقة كما كان مرجواً، وأنشئت شركات جديدة وهبطت نسبة البطالة بين الفلسطينيين هبوطاً حاداً. لقد كانت دورة لتحقيق الذات ؛ أي أن التحرك نحو السلام كان حافزاً على خلق الجو المناسب للسلام. ومع وجود مشروعات المياه الجديدة واسعة النطاق أصبحت مساحات شاسعة من صحراء النقب خصبة وقابلة للسكنى.

وجوهرة التاج كانت قيام الطرفين بتقديم بيان رسمي مشترك إلى مجلس الأمن الدولي يعلنان فيه أنهما يعتبران أن قرارات الأمم المتحدة أرقام 194 و 242 و 338 قد نفذت بالكامل، ويطلبان من الأمم المتحدة أن تراقب لبعض الوقت تقدم هذه الاتفاقيات والالتزام بها، وعندما وافقت الأمم المتحدة على ذلك في عام 2006 دقت أجراس السلام - التي كانت مترددة في بدايتها - طويلاً وعميقا.

----- نهاية السيناريو الثالث -----



المصدر لهذا المحتوى


The Millennium Project


www.millennium-project.org/millennium/MEPS-Arabic.doc‏