المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القوس العذراء


عبدالناصر محمود
05-27-2013, 07:57 PM
القوس العذراء
-----------
{محمود محمد شاكر}
-------------

إلى صَدِيقٍ لا تَبْلِى مودَّتُه:
أمّا بَعْدُ، فإني لم أكنْ أتوقََّّعُُ يومئذ أن ألقاكَ. وإذا كُنتَ قد أُوتيتَ حياء يغلُبك عند البغْتَة على لسانك، حتى يُعوزَك ( 1) ما تقول، فقد أُوتيت أنا ضَرباً ثَرثاراً من الحياء، يُطْلِق لساني أحياناً عند البَغْتَة، بما لا أُحبُّ أن أقول، وبما لا أدري كيف جاء، ولم قيل! كنت خليقا يومئذ أن أقول غير ما قلت، ولكني وجدت شيئا منك يَنْسَرِبُ ( 2) في نفسي فيُثيرها، حتى يدورََ حديثي كُلُّه على إتقان الأعمالِ التي يُتَاح للمرء أن يزاولهَا ـ في لِمحة خاطفة من الدهر، نُسميها نحن الناسَ : العُمُر!! ياله من غُرُور! بيدَ أنّ هذا الحديثَ أَبَى إلا أن ينقلبَ عائداً معيَ في الطريق، يُسايرني، ويُصاَحِبني، ويُؤنس وَحْشتي، ويُسرُّ إليَّ بوَسْوسة خفية من أحاديثه التي لا تتشابَه، والتي لا تَتَناهى والتي هي أيضا لا تُمَلُّ. وإذا كانتْ ثرثرةُ حيائي قد صَكّت مَسامعك ببعض عُنفي وصَرَامتي، فعَسى أن يبعثَ في نفسك بعضَ الرضى، ما أرْوِيهِ لك من بقايا َتلك الأحاديث التي رافقتني منذُ فارقتك إلى أن استقرت بي الدارُ، ثم طارت عني إلى حيثُ يطير كُلُّ فِكْرٍ، وغابتْ حيثُ َيغيب!
الإنسانُ خَلقٌ عجيبٌ!! كلّ حَيٍّ، بل كُلّ شيء مخلوق، يسير على نَهْج (3 ) لاَحب لا يختلّ، يُؤَيِّده هَدْيٌ صادق لا يتبدَّل. ومهما تباينتْ مسالكُهُ في حياته، وتنوَّعت أعمالُه في حِياطة مَعِيشته، فالنهجُ في كل دَربٍ من دُروبها هُوَ هُوَ لا يتغَّيروالهَدْي في كل شأن من شؤونها هو هو لا يتخلّفُ (4 ).
تُولد الذَّرَّة ( 5) من النِّمال، وتنمو، وتبدأ سيرتها في الحياة، وتعمل فيها عملَها الجِدَّ، وتَفرغ من حَقِّ وجُودها، ثم تقضي نَحبَها (6 ) وتموت. هكذا مُذْ كانت الأرضُ وكانت النِّمال : لا تتحوّل عن نَهجٍ، ولا تَمْرقُ ( 7) من هَدْيٍ. وتاريخ ُأحدثِها مِيلاداً في مَعْمعة الحياة، كتاريخ أعَرقِ أسلافها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1 ) أعوزه الأمر يعوزه: إذا اشتد عليه وعسر، واحتاج إليه فلم يقدر عليه.
(2 ) ينسرب: يجري سائلاً متتابعاً لا يكاد يحسه.
( 3) النهج: الطريق المستقيم الواضح البين. واللاحب: الطريق الواسع الأملس، لا يعوقك في مسيرك فيه شيء. والهدي: السيرة المستقيمة المؤدية إلى غاية لا تضل عنها.
(4 ) لا يتخلف: لا ينقطع عنها فيتأخر، ويأتي في غير موعده ومكانه.
(5 ) الذرة: النملة الصغيرة الحمراء. النمال (جمع نملة).
(6 ) تقضي نحبها: تفرغ من عملها، وتبلغ مدة أجلها.
(7 ) تمرق: تخرقه وتخرج منه ضالة على وجهها.
-------------------------------

هَلاكاً في حَومِة الفَنَاء. لا هي تُحدِث (8 ) لنفسها نَهجاً لم يكنْ، ولا هي تبتدعُ لوارثِها هَدْيا لم يتقدَّمْ.
فسَلْ كل حيًّ : كيف تعملُ؟ ولِمَ تعمَلُ؟ ومَنِ الذّي عَلَّمَكَ وهَدَاك؟ ومَنِ الإمامُ الذي سَنَّ لك الطريقَ (9 )؟ وبأيّ عبقريّة يأتي إبداعُك؟ ولمَ كان عملُك نَسَقاً (10 ) مُنْقادًا لا يتغير؟ وكيف كَانتْ مهَارتُك تُراثاً ( 11) مُؤَبَّدًا لا يتبدل؟ وحذْقُك طَبْعاً راسخا ًلا يتحوَّل؟ ولم صارتْ سُنّة ( 12) الأوائل منكم لِزَاماً على الأواخر؟ ومِنهاج ( 13) الغابرين شَرَكاً للوارثين! بل كيف أخطأ الآخرُ منكُمْ أن يَسْتدرِك عَلَى الأوَل؟ والخَلفُ أن يُنَافس صَنعْةَ السَّلَف؟ وعَجَباً إذنْ! كيف صارَ كُلّ عملٍ تَعْمَله مُتْقناً، وأنت لم تَجْهَدْ في إتقانه؟ وأنى بلغتَ فيه الغاية، وأنت مسلوبٌ كلّ تدبيرٍ ومَشِيئة؟ وما أنتَ وعملُك؟ أتحبُّه وتألفُه؟ أم تَشْنَؤُه ( 14) وتسأَمُه؟ أتُخامُرك نَشْوة الإعجابِ؟ أبدعتَ فيه؟ أم تنتَابُك لَوْعة الحُزْن إذ أصابه ما يُتْلِفُه أويؤْذيه؟ ألم تسألْ نفسكَ قطُّ : فيمَ أعمَل؟ ولمَ خُلِقت؟ وفيمَ أعيشُ؟
وأنا على يقين من أنّك لن تسمَعَ جواباً إلا الصَّمَت المُستَنِكرَ، والذُّهولَ المُعرضَ، والصمَم المُسْتَخِفَّ الذي لا يَعْبَأ.

* * *
إلاّ الإنْسانُ!! إلاّ الإنْسان!!
ليتَ شِعْري كيف كَانَ مَدْرَجُ ( 15) أوَّله على أمِّه الأرض؟ وأيُّ هَدْيٍ كان لَفَرطه في مَطْلَعِ الفجْر؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
(8 ) تحدث: تبتدع طريقاً مخالفاً لسنة خلقها.
(9 ) سن الطريق: بينه ووطأه مستقيماً إلى قصد معروف.
(10 ) نسقاً: أي نظاماً متتابعاً متواتراً على سواء السبيل. منقاداً: سلساً مفضياً إلى نهايته.
(11 ) التراث: الإرث المورث، والمؤبد: الخالد منذ أبد الآبدين .
(12 ) السنة: الطريقة والسيرة اللازمة.
( 13) المنهاج: المسلك الواضح. الغابر: الماضي. والشرك: جادة الطريق لاتخفى معالمها، لظهور آثار السائرين فيها، فالسائر كأنه يهتدي فيها ويستقيم اضطراراً.
( 14) تشنؤه: تجده قبيحاً شنيعاً فتبغضه، تخامرك: تخالط نفسك فَتُغَطِّي على حسن تمييزك، كما تفعل الخمر بالعقول.
( 15) مدرج أوله: دبيب آبائه الأولين عليها. درج الصبي: دب على الأرض ومشى مشياً ضعيفاً. والفرط: السابق المتقدم.
ــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 08:05 PM
إنّه ككلّ حيّ، لم يُخْلَق سُدًى ( 16) ولم يُتْرك هَمَلاً. سلَك له ربُّه النَّهْجَ الأوّل ( 17) حتى يتكاثَر، وآتاهُ الهدْيَ القديمَ حتّى يَسْتَحْكِمَ، وسدَّد يَدَيْه حتى يشتدّ، وأنارَ بَصِيرتَه حتى يَسْتَكِمل، وأنْبَطَ ( 18) فيه ذخائر الفطْرة حتى يَسْتبحِر، وفَجَّرَ فيه سَرائرَ الإتقان حتى يَسُودَ ويتملَّك، وعلّمه البَيانَ حتى يَسْتَفْهِمَ، وكرَّمه بالفَتْحِ حتى يَتَغلَّب.
فلّما ثَبَتَ عليها وتأيَّد ( 19)، وتأَثَّل فيها وعَمَر، نَظَر إلى معروفها فاعتَبَر، وهجَم على مَجهولها فاستنكَرَ، فكأنَّهُ من يومئذٍ حادَ ( 20) عن النهج الذي لا يخَتلّ، ومَرَق من الهَدْي الذي لا يتبدّل.
ابتُليَ من يومئذ فتَمرَّس ( 21)، وأُسلِم لمَشِيئته فتحيَّر. جارَ وعَدَل، فعَرف وجرّبَ. أخطأَ وأصاب، ففكّر وتدبر. نزع( 22) إلى النهج الأوّل، فأخفَق وأدرك. تاق إلى الهدي القديمِ، فأعْطِي وحُرِم. احتَفر ( 23) ذخائر الفِطرة، فأَكْدَت عليه تارَةً ونَبَعْت. التمس شواردَ الإتقان، فنَدّتْ ( 24) عليه مرَّةً واستقادتْ. وإذا كلُّ صُنْعٍ يتقاضاه حَقُّ إحسانِه، وكلّ عملٍ يَحنُّ بِه إلى قرارِة إتْقانه. فعندئذ حاكَ الشكُّ في صدْر اللاحقِ، حتى قَدَح في تمام صُنْع السَّابِقِ، فَاسْتدرَك عليه. وقلِقَ الوارثُ، حتى خاف تقصيرَ الذاهب، فاستنكفَ الإذعانَ إليه. فكذلك جاشتْ نفسُه ( 25)، حتى انْدفقت صُبابةٌ منها فيما يعمل، وتَضَرَّمَ قلبُه، حتى ترك مِيسَمه ( 26) فيما أنشأ فَتَدَلَّهَ بصُنْع يديْه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 16) سدى: مهملاً غير مأمور ولا منهي ولا مسدد. الهمل: الضال المتروك بلا بيان يهديه أو يحكمه.
( 17) النهج الأول، والهدي القديم هو الفطرة التي فطر الله عليها آدم وولده قبل اختلافهم وضلالهم، ونزول التكليف، وبعثة الأنبياء.
( 18) أنبط: استخرج الماء من بطن الأرض. الذخائر (جمع ذخيرة) وهو ماتخيرته فأخفيته ودفنته عن العيون. يستبحر: ينشق ويتسع ويصير كالبحر لاينقطع ماؤه. السرائر (جمع سريرة):وهو ماكان مكتوماً كالسر، لايعرف حتى تعلنه. والفتح:ما انفتح بعد استغلاق.
( 19) تَأَيَّد: صار ذا أيد وقوة وتمكن. تأثل: تقادم عهده وثبت أصله. عمر: عاش وبقي زمانا طويلاً.
( 20) حاد: مال عنه وعدل إلى غيره. مرق: خرقه وخرج إلى ضلال المسالك.
( 21) تمرس: احتك بالشيء فأثر فيه. أسلم: ترك مخذولا بلا هداية.
(22 ) نزع: حن واشتاق.
( 23) احتفر: بذل الجهد في الحفر. أكدى حافر البئر: إذا حفر فبلغ الصخور، فقطع الحفر خيبة ويأساً.
(24 ) ندت: نفرت هاربة واستصعبت. استقادت: خضعت وأعطته المقادة.
(25 ) جاشت نفسه: فارت وارتفعت. والصبابة: بقية الماء التي تصب.
(26 ) الميسم: اثر الوسم بالنار، تدله: ذهب عقله من الحب والهوى
---------------------------------------

لأنّه استودعه طائفة من نفسه، وفُتِن بما اسْتَجَاد ( 27) منه، لأنه أفْنَى فيه ضِراماً من قْلبه.ِ وإذا هو يَسْتَخِفُّهُ الزَّهْوُ ( 28) بما حَازَ منه ومَلَك، ويُضنِيه الأَسَى عليه إذا ضاع أوْ هلَك.
هذا هُوَ الإنسان وعملُه. فإذا دبَّت بِينَهما جَفْوة تَخْتل ( 29) النَّفس حتى تَمَلّ وتَسْأم، أوْ عَدَتْ اليهما (30 ) نَبْوة تُراودُ القلبَ حتى يَميل ويُعرضَ، انطمستْ عندئذٍ أعَلامُ ( 31) النهج الأوّل، وركدتْ بَوارقُ ( 32) الهدْيِ المُتقادِم، وبقي الإنسانُ وحيداً مَلُوماً محُسوراً لا يزال يسْأل نفسَه: فيمَ أعملُ؟ ولم خُلِقت؟ وفيَم أعيش؟ فما يكون جوابُه إلاَ حَيْرةً لا تَهْدَأ، ولهيباً لا يَطفَأ، وظَلاماً لا يَنْقِشع.

* * *

بل حَسْبي وحسُبك. فلقد خشيتُ أن تقول لي: إنّما أنتَ تحدّثني عن الفنّ، ـ فهذه صفِة أهله ـ لا عن العمل، فليس هذا من نَعْتِه! وكأنّي بك قد قلتَ: إنَ الفنّ تَرَفٌ مُسْتَحْدَثٌ، أما العمل فشقاء مُتَقادِم. هذا مّما تَعجَّله الإنسانُ وعاناهُ لقَضاء حاجته، وذاك مّما تَأنَّى فيه وصافَاه ( 33) للاستمتاع بلذّته. والإنسان إذا جوَّدَ العمل، فمُنْتهَى هَمِّه أن يجعلَه على قضاِء مآرِبه أعْوَنَ، أو يكونَ له في أسباِب معيشته أنَجح وأربح. أمّا الفنّ، فَثَمَرة لغَير شجرته، يَسْقيها متأنِّق ( 34) من ينابيعَ ثرَّةٍ في وُجْدانه، وينْضجُها مشغوفٌ بِلاعجٍ منْ وَجْده وافتتانِه، في غير مَخَافةٍ مَرْهوبة، ولا مَنْفعة مَجْلوبَة، فذاك إذن بطبيعته مستهلك مُمتَهن( 35)، وهذا لحرمة نَشْأته مَذْخورٌ ( 36) مُكرَّم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
( 27) استجاد: وجد لذة جودته وحسنه.
(28 ) الزهو: التيه والفخر والعظمة.
( 29) ختله: خدعه على حين غفلة.
( 30) عدت إليه: أسرعت إليه على حين بغتة. والنبوة: القلق الذي يمنع الاطمئنان.
( 31) أعلام (جمع علم): وهو المنار الذي ينصب في الطرق لهداية السارين.
( 32) ركد البرق: سكن وميضه. والبوارق (جمع بارقة): وهي السحابة ذات البرق.
( 33) صافاه: أخلص له الحب، وأعطاه صفو مودته وهمه.
( 34) المتأنق: الذي يعمل الشيء بتجويد يأتي فيه بالعجب، حباً لما يعمل وإعجاباً به. ثرة: غزيرة الماء. لاعج: محرق يستعر في القلب ويترك فيه آثاراً.
(35 ) ممتهن: مبتذل.

( 36) مذخور: يتخذه المرء ذخيرة يصطفيها ويضن بها.
-------------------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 08:48 PM
وأقول : بل أنت تحدّثني عن الإنْسان وقد فَسَق ( 37) عن تِلاد فطْرته، واسَتْغَواه (38 ) الشُّحّ حتى انْسلخ من ركاز جبلَّتَه. غَرَّهُ ما أُوتيَ من التدبير، فاقتحم على غَيْب مُدَبَّر، يَعْتسفُه بسَفاهة جُرأته. واستخفّه ما أُعين به من المَشيئة، فهجَم على خْيرٍ مبذول، يستكثِر منه بضَراوة (39 ) نَهْمَته. فانْبَتَّ من يومئذ في فَلاة مَطْموسة بلا دَليل، يَظلُّ يكدح فيها كدْحًا حتى يُنادَى للرَّحيل!
جَاء مُيسَّراً لشيء خُلقَ له، فظلمه حقَه حتى عَضِل ( 40) بأمره فتعسَّر، وهُديَ مسددًا إلى غاية، فَغَفل عنها حتى تبدّد خَطوه واختلّ. ولو دانَ الإنسانُ بالطاعة لِفطْرته المكنونة فيه منذُ وُلِد، لأفْضى إلى خَبْئها ( 41) التَّليد إذا ما اسْتوىَ نَبْتُه واستحصَد. ولصارَ كلّ عمل يَعْتَمِلُه ( 42)، تدريبا لما استْعَصى منه حتَّى يلينَ وَيْنقادَ، وتهذيباً لما تراكم فيه حتى يَرِفَّ ( 43) ويتوهَّج. فإذا دَرِب عليه وصَبَر، أزال الثرى عن نَبْعٍ مُنْبِثق، فإذا ألحّ ولم يَملَّ، انشَقَّت فطرتُه عن َفْيضٍ متدفّق. ويومئذ يُسْفر ( 44) لَعينيه مَدَب ُّالنَّهجِ الأوّل، بعد دُرُوسه وعِفائه، ويَسْتَشْرِي في بَصيرته وَميضُ الهَدْي المتقادِم، بعد رَكْدته وخفائِه. وإذا كلّ عملٍ يَفْصم عنْه مُتْقَنًا، وكأنّه لم يجْهد في إتْقانِه، وإذا هو مُشرفٌ فيه على الغاية، وكأنه مسلوبٌ كلّ تدبيٍر ومَشِيئة، ولكنّه لايَفْصمُ عنه حين يفصِم، إلاّ مَطْويًا على حُشاشةٍ ( 45) من سِرّ نَفْسه وحياته، موسوماً بلَوْعَةٍ مُتَضرمة، على صَبْوَةٍ ( 46) فَنِيتْ في عِشرته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 37) فسق: خرج منها إلى الضلال. والتلاد: القديم الموروث الذي يولد معك.
( 38) استغواه: طلب غوايته وضلاله. وانسلخ: نزع نفسه منه. والركاز: أصله، قطع الذهب والفضة المركوزة المدفونة في باطن الأرض. والجبلة: الطبيعة الراسخة التي يبنى عليها الخلق. يعتسفه: يركب طريقه بلا روية ولاهداية ولا أناة.
( 39) الضراوة: اعتياد الشيء حتى لايكاد المرء يصبر عنه. والنهمة: الشهوة التي تسوق النفس فلا تكاد تنتهي. انبت: أتعب دابته في السير حتى انقطعت بلا رجعة. والفلاة: الصحراء المنقطعة لا ماء بها ولا أنيس. مطموسة: دارسة لا أثر فيها.
(40 ) عضل: ضاق فلم يدخل ولم يخرج.
(41 ) الخبء: المخبوء. التليد: القديم الموروث. استوى: بلغ غاية نمائه واعتدل. واستحصد: حان له أن يؤتي حصاده.
( 42) يعتمله: يجاهد في عمله.
(43 ) يرف: يبرق ويتلألأ.
( 44) يسفر: يشرق ويبين ويتوضح، والمدب: موضع دبيب الأقدام. والدروس: ذهاب الآثار وامحاؤها. والعفاء: تراكم التراب الذي يطمس الآثار. استشرى البرق: تتابع لمعانه. الوميض: لمعان البرق في نواحي الغيم. يفصم: ينفصل عنه دون أن ينقطع السبب بينه وبين عمله.
(45 ) الحشاشة: روح القلب، ورمق حياة النفس.
(46 ) الصبوة: الحنين الداعي إلى الميل مع الهوى.
-------------------------------------

ومُعَاناته.
فالعملُ كما تَرَى، هو في إرثِ ( 47) طَبِيعته فنٌ مُتمكّن، والإنسانُ بَسِليقة (48) فِطْرَتِه فَنَّان مُعْرِقٌ.
* * *

وإنّي لَمُحدِّثك الآنَ عن رجُلٍ من عُرض البشَر ( 49)، يَتَعيش بكدِّ يَديْه، صابَرَ ( 50) الفاقةَ عامَيْن، يعمَل عملاً يُفْلِتُ نَفَسًا من الغنى إليه، أغواهُ ثَراء يَبْهرهُ، فما كاد يُسْلِمه للبَيْع حتى بكَى عليه.
لم أعْرفُه، ولكن حدَثني عنه رجُلٌ مثْلُه عَمَلُه البَيان، ذاك فِطْرتُه في يَدَيه، وهذا فطْرتُه في اللِّسان.
* * *
هذا عامرٌ أخو الخُضْر : توجَّسَتْ ( 51) به الوحْشُ من عِرْفانها شدّةَ نِقْمته، جاءتْ ظامئة في بَيْضَة الصيف ( 52)، فراعَها مَجْثَمهُ في قُتْرتِه. قليلُ التِّلاد، غيرَ قوسٍ أو أسْهُمٍ، خفيّ الِمهَاد، غيَر مُقْلة تتضرَّم. تبيَّنتْ لَمْحَ عَيْنيه، فانقلبَت عن شريعة الماء هاربة، ذكرت نِكاية مَرْماهُ، فآثرت مِيتَةَ الظَّمأ على فَتْكة الأسْهُم الصائبة.
وما عامرٌ وقَوْسَه؟!
1 ـ فَدَعِ الشَّمَّاخَ يُنْبِئْكَ عن قَّواسِها البَائِس في حَيْثُ أَتاَهاَ:
2 ـ أيْن كاَنتْ فيِ ضَمِير الغَيْبِ منْ غِيلٍ( 53) نَماَهاَ؟
3 ـ كَيْف شقَّتْ عينُهُ الحجْبَ إليْها، فاجْتَبَاهَا (54 )؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 47) الإرث: الأصل الموروث.
(48 ) السليقة: الطبيعة التي لاتحتاج إلى تعلم. معرق: أصيل، له عروق ممتدة إلى أصوله.
( 49) عرض البشر: غمارهم وكثرتهم، بلا تحديد أو تعيين.
( 50) صابر: تكلف معها الصبر على عنت ومشقة. نفساً: قليلا ينفس عنه.
( 51) توجست: تسمعت إلى صوته الخفي على خوف.
( 52) بيضة الصيف شدة حره. مجثمه: جثومه في مكمنه لا يتحرك. والقترة: حفرة الصائد يكمن فيها. قليل التلاد: لا مال له موروث. والمهاد: الموضع الذي يمهده لنفسه. شريعة الماء: الموضع الذي ينحدر إلى الماء
( 53) الغيل: الشجر الكثير الملتف. نماها: رفعها وسواها وانتسبت إليه

( 54) اجتباها: اختارها واصطفاها.
------------------------
4 ـ كَيْفَ يَنْغَلُّ ( 55) إلَيْهاَ فيِ حَشاَ عِيصٍ وقاَهَا؟
5 ـ كَيْفَ أَنحى (56) نَحْوَها مِبْرَاتَهُ، حتى اخْتَلاَهَا؟
6 ـ كَيْفَ قَرَّتْ فيِ يديه، واطْمأنَّتْ لِفَتَاهَا؟
7 ـ كَيْفَ يَسْتَودِعُها الشَّمْسَ عَامَيْن.. تَرَاهُ وَيَرَاهَا؟
8 ـ كَيْفَ ذَاقَ البُؤْس.. حتى شَربَتْ ماَء لِحاَها ( 57)؟
9 ـ كَيْفَ نَاجَتْهُ.. وَنَاجَاها.. فَلاَنَتْ.. فَلوَاهَا؟
10 ـ كَيْفَ سَوَّاهَا.. وَسـَوَّاهَا.. وَسَوَّاهَا فَقَامَتْ.. فَقَضَاهَا؟
11 ـ كَيْفَ أَعطَتْهُ منَ الِّليِن، إذَا ذَاقَ (58 )، هَوَاهَا؟
12 ـ أيُّ ثَكْلَى أَعَولَتْ إذْ فَارَقَ السَّهْمُ حَشَاهَا؟
13 ـ كَيْفَ يُرْضِيهِ شَجَاهَا؟ كَيْفَ يُصْغِي لبُكاَهَا؟
14 ـ كَيْفَ ريعَ الوَحْشُ مِن هَاتِفِ سَهْم إِذْ رَمَاهَا؟
15 ـ كَيْفَ يَخْشَى طَارِقاً، فيِ لَيْلةٍ يَهْمِي ( 59) نَدَاهَا؟
16 ـ كَيْفَ رَدَّاهَا ( 60) حَريرَ البَزِّ حِرْصاً وَكسَاهَا؟
17 ـ كَيْفَ هَزَّتْهُ فَتَاهَا؟ وَتَعالَى وَتَبَاهى؟
18 ـ كَيْفَ وَاَفى مَوْسَم الَحج بِهَا؟.. مَاذَا دَهَاهَا؟
19 ـ أيُّ عَيْن ٍلَمَحَتْ سرَّهُمَا المُضْمَرَ؟.. بَلْ كَيْفَ رَآهَا؟
20 ـ انبَرَى كَالصَّقْرِ يَنْقَضُّ إلَيهَا.. فَأَتَاهَا!!
21 ـ مَسَّهَا ذُو لَهْفَة تَخْفى..، وَإنْ جَازَتْ مَدَاهَا
22 ـ قَالَ: سُبْحَانَ الذيِ سَوَّى!! وأَفْدِي مَنْ بَرَاهَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
( 55) انغل: تغلغل بين شجرها. الحشا: الجوف. العيص: الشجر النابت بعضه في أصول بعض.
( 56) أنحى: وجه وسدد. اختلاها: جزها وقطعها.
(57 ) اللحاء: قشر العود من الشجر.
( 58) ذاق القوس: جذب وترها لينظر ماشدتها.
( 59) يهمي: يسقط ويسيل.
( 60) رداها: جعله لها رداء والبز: الثياب.
----------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 08:54 PM
23 ـ أَنْتَ..!! بِعْنِيهَا..
ـ نَعَمْ إن شِئْتَ!! [تَعْسَا وَسَفَاهَا] (61 )
24 ـ قَالَ : بِالتِّبْرِ.. وَبالفِضَة، بالخزِّ.. وَمَا شِئْتَ سِوَاهَا
25 ـ بِثِيَاب الخالِ ( 62).. بِالعَصْبِ المُوَشَّى.. أَتَراهَا؟
26 ـ وأدِيِمِ ( 63) الماعزِ المَقْرُوظِ.. أرْبَى مَنْ شَراهَا!
27 ـ [كَيْفَ قَالَ الشَّيخُ؟!.. كَلاَّ! إنَّهَا بعْضِي وَالمَالُ؟. بَل ِالمالُ فَدَاهَا
28 ـ إنّها الفاقةُ والبُؤسُ!!.. نَعَمْ!.. هذا غِنًى!!.. كَلاَّ وشَاهَا ( 64)
29 ـ بَلْ كَفَاني فَاقَةً.. لاَ!.. كَيْفَ أَنْساهَا؟.. وَأَنَّى؟! وَهَوَاهَا]
30 ـ لَمْ يَكَدْ.. حَتَّى رَأَى نَاسَا، وَهَمْساً، وَشِفَاهَا:
31 ـ بَايِع الشَّيْخَ! أَخَاكَ الشَّيْخَ!.. قَدْ نِلتَ رِضَاهَا!!
32 ـ إنَّهُ رِبْحٌ..! فَلاَ يُفلتْكَ!.. أَعطَى، واشْتَرَاهَا ( 65)!
33 ـ وَرَأْى كَفَّيِه صفْراً، وَرَأَى المَالَ... فَتَاهَا (66 )
34 ـ لَمْحةً...، ثُمَّ تَجَلى الشَكُ عَنْهُ...، فَبَكَاهَا!
35 ـ وَرَثَاها بدُمُوع، وَيحَهُ! كَيْفَ رَثَاهَا؟1
36 ـ فَتَوَلَّى.. وَسَعِيرَ النَّارِ يُخْفِي وَلظَاهَا!
37 ـ حَسْرَةٌ تُطْوَى عَلَى أَخْرَى..، فأَغْضْى... وَطَوَاهَا!
* * *
فاسمعْ إذنْ صَدَى صوتِ الشّمَّاخ:
38 ـ تَجَاوبُ عَنْهُ كُهُوفُ القُرُونِ، تَرَدَّدَ فِيها كَأنْ لم يَزَلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

( 61) سفاها: دعاء عليه بخسران نفسه.
( 62) ثياب الخال: ثياب رقيقة تصنع ببلدة الخال. العصب: برود كانت تصنع باليمن، يعصب غزلها ويجمع ثم يصبغ فيأتي موشىً لبقاء ماعصب منه أبيض لم يأخذه صبغ. والموشى: المختلط الألوان.
( 63) الأديم: الجلد المدبوغ. المقروظ: المدبوغ بالقرظ. أربى: زاد ماله وارتفع على مايستحقه. شراها: باعها.
( 64) شاه الوجه: صار قبيحاً مشوهاً تكرهه النفس.
( 65) اشتراها: باعها.
( 66) تاه: من التيه، وهو العجب والفرح.
-------------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 10:54 PM
39 ـ وَأوْفَى عَلَى القِمَم الشَّامخَات: جبَالٌ مِنَ الشِّعْر مِنْهَا اسْتَهلْ (67 )
40 ـ تَحَدَّرُ أَنْغْامُه المُرْسَلاَتُ، أَنَغَامَ سَيْل طَغْى وَاحتَفَلْ (68 )
41 ـ رَأَى حُمرَ الوَحْشِ، فَابْتَزَّهَا ( 69) بِلاَبِلَها منْ حَدِيِث الوَجَلْ
42 ـ رَآهَا ظَمَاءً إلَى مَوْرِدٍ، فَفَزَّعَها عَنْه خَوْفٌ مَثَلْ(70 )
43 ـ فَطَارتْ سِراعَا إلى غَيِِرِه، بِعَدْوٍ تَضَرَّمَ حَتى اشتَعَل
44 ـ فَلَم تَدْنُ حَتَّى رَأتْ صَائِدَينِ، فَصدَّتْ عَنِ المَوْتِ لما أَهَلّ
45 ـ فَكَالبَرْقِ طَارَتْ إلى مَأمَن عَلَى ذِي الأرَاكَةِ ( 71) صافيِ النَّهَلْ
.. فحَّلأهَا عَنْ ذِي الأرَاكَةِ عَامِرٌ
أخُو الخُضْر، يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّواحِزُ
ـ قلِيلُ التِّلاَد، غَيَر قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ؛ *** كَأَنَّ الَّذي يَرْمِي منَ الوَحْشِ، تَارِزُ
ـ مُطِلاَّ بزُرْقٍ مِا يُدَاوَى رَمِيُّها، *** وَصَفْرَاءَ مِن نَبْعٍ عَلَيْهَا اَلَجلاَئِزُ
46 ـ فَكَيْفَ تَدَسَّسَ هَذَا البَيانُ حَتَّى رَأَى بعُيُونِ الحُمرْ؟
47 ـ وَكَيْفَ تَغَلْغَلَ هَذَا اللسَانُ وَبَيَّنَ عَنْ رَاجِفَاتِ الحَذَرْ (72 )
48 ـ لَوَاهَا (73 ) عَنِ الَّريِّ عِرْفَانَهَا أَخَا الخُضْرِ، عرْفَان مَن قَدْ عَقَلْ!
49 ـ وَعَلَّمهاَ أَيْن تُكْوى اُلُجنُوب بنَارِ الطَّبِيبِ لِدَاءِ نَزَلْ!
50 ـ وَأَنَّ اَلخَصَاصَةَ ( 74) قَوْسُ البَئِيسِ، إذا انْقَذفَ السَّهْمُ عَنْها قَتَلْ!
51 ـ يُسَابِقُ مُسْتَنْهِضَاتِ ( 75) الفِرَارِ فَيَقْتُلُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلْ!
52 ـ فَيُدرِكُهَا الَموتُ مَغروسَة قَوائِمُها في الثَّرى..، لَمْ تَزُلْ!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
( 67) استهل المطر: هطل واشتد انصبابه.
( 68) احتفل السيل: جاء بملء جنبي الوادي.
(69 ) ابتزها: غلبها وغصبها وسلبها، والبلابل: وساوس القلب التي تضطرب فيه. الوجل: شدة الخوف.
(70 ) مثل: انتصب قائماً.
( 71) ذو الأراكة: موضع ماء. النهل: أول الشرب عند ورد مناهل الماء.
(72 ) راجفات الحذر: التي ترجف بالقلب، حتى يضطرب اضطرابا شديدا.
(73 ) لواها: صرف وجوهها عن الشرب.
( 74) الخصاصة: الجوع والفقر والحاجة وسوء الحال. والبئيس: الفقير البائس الشديد البؤس.
(75 ) مستنهضات الفرار: التي تنهض به داعية الفرار.
-------------------------------

53 ـ وَعَرَّفَهَا أَنَّهُنَّ السِّهَامُ: زُرْقٌ تَلأَلأُ أَوْ تَشْتَعلْ!
54 ـ وَصَفْرَاءُ فَاقِعَة ( 76) ، أَذْ كَرَتْ مَصَارِعَ آبآئِهِن الأول
55 ـ سِهَامٌ تَرَى مَقْتَلَ الحَائمَاتِ ( 77) ، وقَوسٌ تُطلُّ بِحتْفٍ أَظَلّْ!
ـ تَخَّيرَهَا القَوَّاسُ مِنْ فَرْعِ ضَاَلِة *** لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِها وَحَوَاجزُ
ـ نَمَتْ فيِ مَكَانٍ كنهَا، فَاسْتَوتْ بِهِ، *** فَمَا دُونَها مِنْ غِيلِهَا مُتَلاَحِزُ
ـ فَمازَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطبٍ وَيَابِس *** وَيَنْغَلُّ..، حَتَّى نَالـَهَا وَهْوَ بَارِزُ
ـ فأَنْحَى عَلَيْها ذَاتَ حَدّ، غُرَابُهَا *** عَدُوٌّ لأِوْسَاط العِضَاهِ مُشَارِزُ
ـ فَلما اطْمَأَنَّتْ في يَديْهِ..، رَأَى غِنًى *** أحَاطَ بِهِ، وَأَزْوَرَّ عَمَّنْ يحُاَوِزُ
56 ـ تَخَّيرهَا بَائِسٌ، لَمْ يزل يُمَارِسُ أَمْثَالهَا مُذْ عَقَلْ
57 ـ تَبَيَّنَهَا وَهْيَ مَحْجُوَبةٌ، وَمِنْ دُونِها سِتْرُهَا المُنْسَدِلْ (78 )
58 ـ حَمَاهَا العُيُونَ فأَخْطَأنَهَا، إلىَ أنْ أَتَاهَا خَبِيٌر عَضِلْ (79 )
59 ـ رَأَى غَادَةَ نُشَّئَتْ في الـظِّلاَل، ظِلالِ النعيِم، فَصَلَّى(80 ) وهَلّ
60 ـ فَنَادَتْه مِنْ كِنِّهَا ( 81) فَاسْتَجَابَ: لَبَّيْكِ! [يَاقَدَّها المُعتَدلْ]
61 ـ سُتُورٌ مُهَدَّلَةٌ (82 ) دُونَهَا، وَحُرَّاسُها كَرِمَاِح الأَسَلْ
62 ـ يَبيسٌ ( 83) ورَطْبٌ وَذُو شَوكة فأَشَرطَها نَفْسَهُ.. لمُ يَبلْ
63 ـ وَسلَّ لِسَاناً من الباتِرَاتِ،... وَانَغلَّ ( 84) عاشِقُها اُلمخْتَبَلْ!!
64 ـ يَحُتُّ اليَبِيسَ ( 85)، ويُرْدِي الرِّطَابَ، ويُغْمِضُ في ظُلَمات تُضِلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
( 76) فاقعة: خالصة اللون مشرقة.
(77 ) الحائمات: التي تحوم الماء عطاشاً. الحتف: الهلاك. أظل: دنا وقرب، وألقى على الشيء ظله.
(78 ) المنسدل: الطويل المسترخي المرسل.
(79 ) عضل: داهية منكر شديد الغلبة.
(80 ) صلى: دعا وعظم الله وقدسه. هل: فرح وصاح.
(81 ) الكن: المكان الذي يسترها ويحجبها عن العيون.
( 82) مهدلة: مرخاة متدلية. الأسل: نبات دقيق القضبان طويل شديد الاستواء.
( 83) يبيس: يابس. ذو شوكة: ذو شوك. أشرطها نفسه: أعد لها نفسه، إما أن ينالها أو يهلك، غير مبال.
( 84) انغل: تغلغل. المختبل: الذاهب العقل.
(85 ) يحت اليبيس: يستأصل اليابس ويرميه. ويردي: يسقط الرطب. ويغمض: يوغل.

-------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 11:01 PM
65 ـ فَهَتَّكَ أَسْتَارَهَا بَارِزاً إلى الشَّمْسِ.. قد نَالَها! حَيَّهَلْ (86 )!!
66 ـ فَأَنْحَى (87 ) إلَيْها الِّلسَان الحَدِيدَ يَبْرُقُ..، وَهْوَ خَصِيمٌ جَدِلْ
67 ـ عَدُوٌّ شرِيس ( 88)، لَه سَطْوَةٌ بكُلِّ عَتِيٍ قَدِيِمِ الأَجَلْ
68 ـ فَأَثْكل أُمّا غذَتْها النَّعيمَ، ورَاحَ بِهاَ وَهْوَ بَادِي الجَذَلْ (89 )
69 ـ فَلَمَّا اُطْمَأَنَّتْ على رَاحَتَيِه، وَعَيْنَاهُ تَسْتَرِقَانِ (90 ) القَبَلْ
70 ـ رَقَاهَا، فأَحْيَى صَبَابَاتِها بتَعْوِيذَةٍ مِنْ خَفِيِّ الغَزَلْ
71 ـ فَنَاجَتْه..، فَاهتَّز من صَبْوةٍ، وَمِن فَرَح بِالغِنَى المُقْتَبَلْ ( 91)
72 ـ وَأَعْرَضَ عَنْ كُلّ ذِي خَلّةِ (92 )، غِنىً بالّتيِ حَازَهَا... وَانْفَتَلْ...
ـ فَمَظَّعَهَا عَامَيْن ِمـَاءَ لحَائِهَا *** وَيَنْظُرُ منهَا : أَيَّهـَا هُو غَامِزُ
ـ أَقَامَ الثِّقافُ وَالطَّرِيدَةُ دَرْأَهَا، *** كَمَا قَوَّمتْ ضِغْنَ الشَّمُوسِ المَهَامِزُ
73 ـ مَعَ الشَّمْسِ عَامَيْنِ.. حَتَّى َتِجفَّ وَتَشْرَبَ مَاءَ لِحَاءِ ( 93) خَضلْ
74 ـ وَفِي البُؤسِ عَامَيْنِ... يَحْيَى لَهَا، وَيُحْييه منها: الغنَى وَالأَمَلْ
75 ـ تَردَّدَ عَامَيْنِ... مِنْ كَهْفِهِ إلَى مَهْدِهَا، عِنْدَ سَفْحِ الجَبَلْ
76 ـ يُغَنِّي لَهَا، وَهُوَ بَادِي الشَّقاءِ، بَادِي البَذاذةِ ( 94)، حَتَّى هُزِلْ
77 ـ يُقلبها بِيَديْ مُشْفِقٍ لَهِيف (95 )، لطِيف، رَفِيق، وَجِلْ
78 ـ يُعَرِّضَها لِلَهيبِ الهَجِيِر، رَؤُوفاً بِهَا، عَاكِفاً لا يَمَلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

( 86) حيهل: كلمة تقال للحث والاستعجال.
( 87) أنحى: وجه ناحيتها. اللسان الحديد: هو المبراة الحادة القاطعة. خصيم: شديد الخصومة. جدل: شديد اللدد في الخصومة.
(88 ) شريس: شديد الشراسة. عتى: طال تمرده وكبره. قديم الأجل: متقادم العمر.
(89 ) الجذل: الفرح الذي يهز الأعطاف.
(90 ) تسترق: تسرق خلسة مرة بعد مرة.
(91 ) المقتبل: الذي سوف يستقبله.
(92 ) الخلة: الصداقة التي تتخلل النفس.
(93 ) اللحاء: قشر العود من الشجر. الخضل: الناعم الرطب الندي.
(94 ) البذاذة: رثاثة الهيئة وسوء الحال.
(95 ) لهيف: شديد التلهف والأسى مخافة أن تتلف وقد أشرف على صنعها.
----------------------------------------------
79 ـ فَلَمَّا تَمَحَّصَ ( 96) عَنْهَا النَّعِيمُ، وَاْشْتَدَّ أُمْلُودُهَا، وَاْنْفَتَلْ
80 ـ عَصَتْهُ، وَسَاءتْهُ أَخْلاَقُهَا نُشُوزا ( 97).. فَلَمَّا اْلتَوَتْ كَالمُدلْ
81 ـ أَعَدَّ الثِّقَافَ ( 98) لَهَا عاشِقٌ يُؤدِّبُها أَدَبَ المُمْتَثِلْ
82 ـ وَعَضَّ عَلَيْها.. فَصَاحَتْ لَهُ، فَأَشْفَقَ إشْفَاقَةً، وَانْجَفَلْ (99 )
83 ـ فَجَسَّ، فَغَاظَتْهُ وَاْسْتَغْلَظَتْ، فَعَضَّ بأُخْرَى، فَلَمْ تَمْتَثِلْ
84 ـ فَأَلْقَى الثِّقَافَ...، وَأَوْصى الطَّرِيدَةَ (100 ) أَنْ تَسْتَبِدَّ بِهَا، لاَ تَكِلْ
85 ـ وَألْقَمَهَا قَدَّها، فَانْبَرَتْ تُخَاشِنُها بغَلِيظٍ مَحِلْ ( 101)
86 ـ يُجَرِّدُهَا مِنْ ثِيَابِ العِنَادِ، وَمِنْ دِرْعِها الصَّعْبِ، حَتَّى تَذِلْ
87 ـ فَلمَّا تَعَرَّتْ لَهُ حُرَّةً وَمَمْشُوقَةَ القدَّ رَيَّا ( 102)، جَفَلْ
88 ـ وَسَبَّحَ لَمَّا اسْتَهَلَّتْ لَهُ، وَلاَنَ لَهُ ضِغْنُهَا (103 )... وَابْتَهَلْ
ـ وذَاَقَ..، فَأَعْطَتْهُ مِنَ الَّلينِ جَانباً *** كَفَى ـ وَلََهَا أَنْ يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ
ـ إذَا أَنْبَضَ الرَّامُونَ عَنْهَا، تَرَنَّمَتْ *** تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا اَلجنَائـزُ
ـ هَتُوفٌ..، إذَا ماخَالطَ الظَّبْيَ سَهْمُهَا! *** وَإنْ رِيعَ مِنْهَا أَسْلَمَتْه النَّوَاقِز
89 ـ أَطَاعَتْهُ مِنْ بَعْدِ أَنْ لَوَّعَتْهُ بَالوجْدِ عَامَيْنِ حَتَّى نَحلْ
90 ـ يُزَلْزِلُهُ أَمَلٌ يَسْتَفِزُّ فِي قَيْدِ بُؤْسٍ يُميِتُ الأَمَلْ
91 ـ فَلَمَّا أَذَاقَتْهُ، إذْ ذَاقَهَا، هَوًى أَضَمَرْتهَُ لَهُ لَمْ يَزَلْ
92 ـ تَبَّينَ إذْ رَامَهَا، حُرَّةً حَصَاناً ( 104)، تَعِفُّ فَلاَ تُبْتَذلْ
93 ـ تَلِينُ لأِنْبلِ عُشَّاقِهَا، وَتَأْبَى عَلَيْهِ إذَا مَا جَهِلْ (105 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ

( 96) تمحص: سقط عنها فخلصت منه واشتدت. أملودها: قوامها اللدن الناعم.
( 97)النشوز: العصيان وترك الطاعة.
( 98) الثقاف: حديدة في طرفها خرق يتسع للقوس، ليقوم عوجها، الممتثل: المحتذي بالأمر الذي يؤمر به.
(99 ) انجفل: ارتاع فارتد مسرعاً.
( 100) الطريدة: قصبة مجوفة بقدر ما يلزم القوس، فيها سفن خشن، والسفن (بفتحتين) هو ما يسمى (السنفرة).
(101 ) محل: شديد المكر والقوة.
(102 ) ريا: ناعمة يبرق فيها ماء الصفاء.
(103 ) ضغنها: عسرها والتواؤها وصعوبة انقيادها.
(104 ) الحصان: الحرة الممتنعة التي تعف عن الريبة.
( 105) جهل: استزله الشيطان واستخفه.
------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 11:08 PM
94 ـ فَأَغْضى حَيَاءً..، وَأَفْضَى بِهَا إلَى كَهْفِهِ خَاطِفًا، قدْ عَجِلْ
95 ـ فَأَهْدَى لَهَا حِلْيةً صَاغَهَا بِكَفَّيْهِ، وَهْوَ الرَّفِيقُ العَمِلْ ( 106)
96 ـ تَخَيَّرَهَا مِنْ حَشَا أَذْؤبٍ ( 107)، رَآهَا لَدى أَمِّها تَسْتظِلْ
97 ـ أَعَدَّ لَهَا وَتَراً كَالشُّعاعِ حُرَّا..، عَلَى أَرْبَعٍ ( 108) قَدْ فُتِلْ
98 ـ فَلَمَّا تَحَلتْ بِهِ، مَسَّهَا فَحَنَّتْ (109 ) حَنِينَ المَشُوقِ المُضِلْ
99 ـ فَكَفَّلَهَا ( 110) مِنْ بَنِي أُمِّها صَغِيراً، تَرَدى بِرِيشٍ كَمَلْ
100 ـ لَهُ صَلعَةٌ كَبَصِيصِ الَّلهِيبِ مِنْ جَمْرةٍ حَيَّةٍ تَشْتَعِلْ
101 ـ فَضَمَّتْ عَلَيْه الَحشَا رَحْمَةً وَكَادَتْ تُكَلِّمُهُ.. لَوْ عَقَلْ!
102 ـ فَجُنَّ جُنُونُ المُحبِّ الغَيُورِ..! فَأَنْبَضَ (111 ) عَنْها أَبِيٌّ بَطَل!ّْ
103 ـ أرَنَّتْ ( 112) تُبَكِّي أَخَاهَا الصَّغِيرَ: وَيْحِي!! أَخِي!! وَيْلَهُ!! أَيْنَ ضَلّْ
104 ـ فَظَلَّ يُفَجِّعُها ( 113) : أَنْ تَرى جَنَائِزَ إخْوَتِها... وَآ ثَكَلْ!
105 ـ فأَعْرَضَ ظَبْيٌ (114 ) فَنَادَى بِهِ أَخُوهَا..، وَنَادَتْهُ: هَا! قَدْ قُتِل
106 ـ وَقَفَّاهُ ( 115) ظَبْيٌ فَصَاحَتْ بِهِ..، فَخَارَتْ قَوَائِمُهُ.. ، فَاضْمَحَلّْ
107 ـ فَآبَا.. يَسَائُلهَا: هَلْ رَضِيتِ بثُكلِ الأَحَبَّةِ؟ قَالَتْ : أَجَلْ
108 ـ فَبَاتَا بلَيْلِة مَعْشُوقَةٍ تُباذِلُ عَاشََقَها مَا سَأَلْ
ـ كـَأَنَّ عَلَيْهَـا زَعْفَرَانَاً تَميرُهُ *** خـَوَازِنُ عَطـَّارٍ يَمـَان كَوَانِزُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
( 106) العمل: الذي يحسن العمل والحركة فيما يعمل.
( 107) أذؤب: (جمع ذئب).
( 108) على أربع: أي على أربع طاقات. وهو أكرم للوتر وأقوى.
( 109) حنت: رجعت صوتها ترجيع المشتاق أو الباكي. المضل: الذي قد ضل عنه أحبابه أو فارقوه، فهو ينشدهم.
(110 ) كفلها: جعلها تكفله وتضمه إليها كالأم. الصغير من بني أمها: أخوها السهم.
(111 ) أنبض القوس: جذب وترها ثم أرسله: فيسمع له صوت كالبكاء.
( 112) أرنت: صاحت صياح النائحة الحزينة.
(113 ) يفجعها: ينزل بها الفجيعة بعد الفجيعة.
(114 )أعرض الظبي: أمكن الرامي من عرضه، أي جانبه.
( 115) قفاه: تبعه وجاء بعده، اضمحل: سقط وانقشع.
---------------------------------

ـ إذَا سَقَط الأَنْدَاءُ، صِينَتْ وأُشْعرِتْ *** حَبِيرًا، وَلَمْ تُدْرَجْ عَلَيهَا المَعَاوِزُ
109 ـ يُغَازِلُهَا، وَهْيَ مُصْفَرَّةٌ، عَلَيْها بَقِيَّةُ حُزْنٍ رَحَلْ
110 ـ تُنَاسِمُهُ ( 116) عِطْرَها، وَالشَّذَا شَذَا زَعْفَرانٍ عَتِيقِ الأَجَلْ
111 ـ تَوَارَثْنَهُ الغِيدُ يَكْنِزْنَهُ لِزِينَتِهنَّ، خَفِيَّ المَحَلّْ
112 ـ فَسَاهَرهَا ( 117) يَزْدَهِيِه الجَمَالُ وَيُسكِرُهُ العَرْفُ، حَتَّى ذَهَلْ
113 ـ فَنَادَتْهُ : وَيْحَكَ! أَهَلَكْتَنِي! أَغِثْنِي... هَذَا النَّدَى قَدْ نَزَلْ
114 ـ فَطَارَ إلَى عَيْبَة (118 ) ضُمِّنَتْ حَرِيرًا مُوَشَّى نَقِيَّ الخَمَلْ
115 ـ كَسَاهَا حَفِيّ بهَا عَاشِقٌ! إذَا أَفْرَطَ الحُبُّ يَوْمًا قَتَلْ
116 ـ فَأَلْبَسَها الدِّفْءَ ضِنَّا بِها... وَبَاتَ قَرِيرًا (119 ).. عَلَيْه سَمَلْ!!
ـ فَوَافى بِهَا أَهْلَ المَوَاسِم، فاْنْبَرَى *** لَهَا بَيِّع يُغْلي بِهَا السَّوْم رَائِزُ
ـ فَقَالَ لَهُ : هَلْ تَشْتَرِيهَا؟! فَإِنَّهَا *** تَبُاَعُ بِمَا بِيعَ التِّلاِدُ الحَرَائِزُ
ـ فَقـَالَ : إِزَارٌ شَرْعَبِيٌّ، وَأَرْبَعٌ *** منَ السَّيَرَاءِ، أَوْ أَوَاقٍ نَوَاجِزُ
ـ ثَمَانٍ مِنَ الكُورِيِّ، حُمْرٌ، كَأنَّها *** مِنَ الجَمْرِ مَا أَذْكَى عَلَى النَّارِ خَابِزُ
ـ وَبُرْدَانِ مِن خـَالٍ، وَتِسْعونَ دِرْهَمًا، *** عَلَى ذاكَ مَقْروظٌ مِنَ الجـِلْدِ مَاعِزُ
117 ـ تَمَتَّع دَهْرًا بأَيَّامِهَا وَلَيْلاَتِهَا نَاعِماً قِدْ ثَمِلْ (120)
118 ـ يَرَاهَا، عَلَى بُؤْسِهِ، جَنَّة تَدَلَّتْ بِأَثْمَارِهَا، فَاسْتَظَلّْ
119 ـ تُصَاحِبُهُ فِي هَجِير القِفَارِ، وَفِي ظُلَم الَّليْلِ أَنَّى نَزَلْ
120 ـ فَيَحْرُسُهَا وَهْو فِي أَمْنَةٍ (121 )، وَتَحْرُسُهُ فِي غَوَاشِي الوَجَلْ
121 ـ يَجُوبُ الوِهادَ ( 122)، وَيَعَلُو النِّجادَ، وَيَأْوِي الكَهُوفَ، وَيَرْقَى القُلَلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

( 116) تناسمه: تهدي إليه نسيمها، والشذا: الرائحة الطيبة.
( 117) ساهرها: بات معها ساهراً. يزدهيه: يستخف لبه العرف: الرائحة الطيبة يعرف بها صاحبها.
( 118) العيبة: وعاء من أدم تحفظ فيه الثياب. الخمل: هدب القطيفة وزئبرها.
( 119) قرير: قد أخذته قرة البرد، وهو أشده، والسمل: الثوب الخلق الدريس البالي.
( 120) ثمل: أخذ فيه الشراب والسكر.
( 121) أمنة: أمان من الخوف. غواشي الوجل: ما يغشاه من المخاوف.
( 122) الوهاد: الأرض المنخفضة. النجاد: الأرض المرتفعة. القلل (جمع قلة): وهو رأس الجبل.
-----------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 11:17 PM
122 ـ ويُفْضي إلَى مُسْتَقَّر الحُتُوفِ: فِي دَارِ نِمْرِ، وَذِئْبٍ، وَصِلّْ ( 123)
123 ـ مَنَازِلَ عَادٍ، وَأَشْقى ثَمُودَ، وَحِمْيَرَ، وَالبَائِدَاتِ (124 ) الأُوَلْ
124 ـ مَجَاهِلَ مَا إنْ بِهَا مِنْ أَنِيسٍ، وَلاَ رَسْم دَارٍ يُرَى أَوْ طَلَلْ
125 ـ يُعَلِّمُهَا كَيْفَ كَانَ الزَّمَانُ، وَمَجْدُ القَدِيم، وَكَيْف انَتَقَلْ!
126 ـ وَكَيْفَ تَسَاقَى بِهَا الأَوَّلُونَ رَحِيقَ الحَيَاةِ وَخَمْرَ الأَمَلْ!
127 ـ وَأَيْنَ الأَخِلاَّء كَانُوا بِها يَجُّرونَ ذَيْلَ الهَوَى وَالغَزَلْ!
128 ـ وَملْكٌ تَعَالَى، وَطَاغٍ عَتَا، وَحُر أَبَى وَحَرِيصٌ غَفَلْ!
129 ـ فَدَمْدَمَ (125 ) بَيْنَهُمُ صَارِخٌ: بَقَاء قَلِيلٌ!! وَدُنْيَا دُوَلْ!!
130 ـ فَعَرْشٌ يَخِرُّ، وَسَاعٍ يَقَرُّ ( 126)، وَسَاقٍ يَمِيلُ.. وَنَجْمٌ أَفَلْ!!
131 ـ زَهِدْتُ إليْك وَفَارَقْتُهُمْ أَخِلاَّءَ عَهْدِ الصِّبَا وَالجَذَلْ
132 ـ فَنِعْمَ الصَّدِيقُ! وَنِعْمَ الخَلِيلُ وَنِعْمَ الأَنِيسُ.. وَنَعْمَ البَدَلْ!!
133 ـ صَدِيقٌ ( 127) صَدَاقَتُها حُرَّةٌ، وََخِل خِلاَلَتُهَا لاَ تُمَلّْ
134 ـ وَغَابَا مَعًا عَنْ عُيُونِ الخُطُوبِ، وَعَنْ كَلِّ وَاشٍ وَشى أَوْ عَذَلْ
135 ـ وَعَنْ فِتْنَةٍ تُذْهِلُ العَاشِقَيْن، تُضِيءُ الدُّجَى لِدَبِيبِ المَلَلْ
136 ـ وَطَالَ الزَّمَانُ، فَحَنَّتْ بِهِ إلى الحَجِّ دَاعِيَةٌ تَسْتَهلّ (128 )
137 ـ آَذَانٌ مِنَ اللّْهِ! كَيْفَ القَرَارُ؟ وَأَيْنَ الفِرَارُ؟ وَكَيْفَ المَهَلْ ( 129)
138 ـ تُرَدِّدُهُ البَيدُ بَيْنَ الفِجَاجِ، وَفَوْقَ الجِبَالِ، وَعِنْدَ السُّبُلْ
139 ـ أَصَاخَ لَهُ، وَأصَاخَتْ لَهُ، وَلَبَّتْهُ فَاْمْتَثَلتْ، وَامْتَثَلْ
140 ـ وَطَارَا معًا كَظِمَاءِ القَطَا ( 130)، إلَى مَوْرِدٍ زَاخِرٍ مُحْتَفِلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

( 123) الصل: حية تقتل إذا نهشت من ساعتها، لا تنفع فيها الرقية.
( 124) البائدات الأول: طسم وجديس وجرهم، وما باد من العرب العاربة.
( 125) الدمدمة: صوت مزعج يرجف على الناس ويطبق.
( 126) ساع يقر: بينا هو يسعى هنا وهناك، إذ ثبت مكانه. أفل: غاب وهوى.
(127 ) الصديق، والخل: يقال للمذكر والمؤنث جميعا. والخلالة: الصداقة التي تتخلل النفوس.
(128 ) تستهل: ترفع الصوت إهلالا بالحج، وتلبية لله سبحانه.
( 129) المهل: الاستنظار والتؤدة.
(130) ظماء القطا: القطا الوارد الماء. محتفل: فيه محافل الناس ومجامعهم
--------------------------------

141 ـ فَوَافى المَوَاسِم. فَاسْتَعْجَلتْ تُسَائلُهُ: مَنْ أَرَى؟.. أَيْن ضَلْ؟
142 ـ أَسَرَّ إلَيْها: أولاَكِ الحَجِيجُ!! فَلَبَّى لِرَبٍ تَعَالَى وَجَلْ
143 ـ وَنَادَتْهُ جَافِلَةً ( 131): مَا تَرَى! أَجَذْوَة نَارٍ أَرَى أَمْ مُقَلْ؟
144 ـ فَمَا كَادَ... حَتَّى رَأَى كَاسِرًا ( 132) تَقَاذَف مِن شَعَفَاتِ الجَبّلْ
145 ـ يُدَانِي الخُطَا، وَهْوَ نَارٌ تَؤُجُّ (133 )، وَيُبْدِي أَنَاةً تَكْفُّ العَجَلْ
146 ـ وَمَدَّ يَدا لا تَرَاها العُيُونُ، أَخْفَى إذَا مَا سَرَتْ مِنْ أجَلْ
147 ـ وَنَظْرَةَ عَيْنٍ لَهَا رَوْعَةٌ، تُخَالُ صَلِيلَ سُيُوفٍ تُسَلّْ
148 ـ فَلَمَّا أَهَلَّ وَأَلْقَى السَّلاَمَ، واْفتر عَنْ بَسْمِة المخْتَتِلْ ( 134)
149 ـ وَقَالَ : أذِنْتَ؟! وَيُمنَى يَدَيْه تَمَسُّ أَنَامِلُهَا مَا سَأَلْ
150 ـ رَأَى بَائسا مَالهُ حُرْمةٌ تَكُفُّ أَذىً عنه..، بُؤْسٌ وذُلْ
151 ـ وَقَالَ : فَدَيْتُكَ! مَاذَا حَمَلتَ؟ وَمَاذَا تَنَكَّبْتَ ( 135) ياَذَا الرِجُلْ؟!
152 ـ وَأَفْدِي الَّذِي قَدْ بَرَى عُودَهَا، وَقَوَّمَ مُنْآدَها (136 )، وَاعْتَمَلْ!!
153 ـ فَهَزَّتْهُ مَا كِرَةٌ، ( 137)لم يَزَلْ يَتِيهُ بِهَا السَّمْعُ، حَتَّى غَفَلْ
154 ـ فَأَسْلمَهَا لِشَدِيد المِحَالِ ( 138)، ذَلِيقِ الِّلسَانِ، خَفِيِّ الحِيَلْ
155 ـ فَلَمَّا تَرَامَتْ عَلَى رَاحَتَيْه، وَرَازَ ( 139) مَعَاطِفَهَا وَالثِّقَلْ
156 ـ دَعَتْ: يَاخَلِيليَ! مَاذَا فَعَلْتَ؟! أَأَسْلَمْتَني؟! لِسَوَاكَ الهَبَلْ (140)!!
157 ـ فَخَالَسَهَا ( 141) نَظْرَةً خَفَّضَتْ غَوَارِبَ جَأْشٍ غَلاَ بِالوَهَلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ

( 131) جافلة: مذعورة تكاد ترتد. جذوة النار: الجمرة الملتهبة.
( 132) الكاسر: الذي ضم جناحين وانقض: تقاذف: هوى على عجل. شعفات الجبل: رؤوسه وقممه.
( 133) تؤج: تتلهب، ويسمع لتلهبها صوت، وهو أجيج النار.
( 134) المختتل: المخادع الذي يطلب غفلة الصيد.
( 135) تنكب القوس: وضعها على منكبه.
( 136) المنآد: المعوج. اعتمل: جاهد في عملها.
( 137) ماكرة: كلمة مكر.
( 138) المحال: الكيد والمكر الشديد الخفي. ذليق اللسان: فصيح اللسان طليقه.
(139 ) راز الشيء: وضعه في كفه ليعرف ثقله وامتحنه، ومعاطف القوس: مقدار انعطافها إذا حناها وشد وترها.
( 140) الهبل: ثكل الولد.
( 141) خالسها: نظر إليها خلسة. خفضت: سكنت. الغوارب: أعالي الموج. الجأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع. الوهل: الفزع الملحق بالجنون.
--------------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 11:25 PM
158 ـ وَقَالَ : لَكَ الخَيْرُ! فَدَّيْتَنِي بنَفْسِكَ!!
ـ بَارِي قِسِيّ!
ـ أَجَلْ!!
159 ـ فَبِعْنِي إذَنْ!!
ـ هِيَ أغـْلَى عَلَّي، إذَا رُمْتَهَا، مِنْ تِــلاَدٍ ( 142) جـَلَلْ!
160 ـ فَقَالَ : نَعَمْ! لَكَ عِنْدِي الرِّضى، وَفَوْقَ الرِّضَى!
ـ [وَيْلهُ مَنْ مُضِلْ!]
161 ـ فَهَلْ تَشْتَرِيهَا ( 143) ؟!..
ـ نَعَمْ أَشْتَرِي!
ـ لَكَ الوَيْلُ مِثْلُك يَوْمًا بَخِلْ!
162 ـ فَدَيْتُكَ!! أَعْطَيْتُ مَا تَشْتَهِيهِ!.. مَابِيَ فَقْرٌ ولا بِي بَخَلْ ( 144)!
163 ـ فَنَادَتْهُ، وَيْحَكَ! هَذَا الَخِبيثُ! خُذْنِي إَليْكَ، وَدَعْ مَا بَذَلْ
164 ـ فَبَاسَمَها ( 145) نَظْرَةً..، ثُمَّ رَدَّ إلَى الشَّيْخِ نَظْرَةَ سُخْرٍ مُطِلّْ:
165 ـ بكَمْ تَشْتَرِيها؟!..
فَصَاحَتْ بِهِ : حـَذَارِ! حـَذَارِ! دَهَـاكَ الخَبَلْ!!
166 ـ لَهُ رَاحَةٌ نَضَحَتْ (146 ) مَكْرهَاَ عَلَي، فَدَع عَنْكَ! لاَ تُغْتَفَلْ
167 ـ فَقَالَ : إزَارٌ مِنْ الشَّرْعَبِيِّ (147) وَأَرْبَعُ مِنْ سِيَرَاءِ الحُلَلْ
168 ـ بُرُودٌ تَضِنُّ بِهِنَّ التِّجَارُ ( 148) إذَا رَامَهُنَّ مَلِيكٌ أَجَلّْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

( 142) التلاد: المال الموروث الذي ولد عندك. الجلل: الجليل العظيم القدر.
( 143) تشتريها: تبيعها.
(144 ) البخل (بفتحتين)، هو البخل.
( 145) باسمها: نظر إليها نظرة سخر مبتسم.
(146 ) نضحت: فضت مكرها كالعرق، دع عنك: احذر، تغتفل: تؤخذ من غفلتك.
( 147) الشرعبي: ثياب جياد سابغة. السيراء: برد فيه سيور يخالطها الحرير.
( 148) التجار (جمع تاجر).

-----------------------------

169 ـ وَمِنْ أَرْضِ قَيْصَرَ : حُمْرٌ ثَمَانٍ جَلاَهَا ( 149) الهِرَقْلِيُّ، مِثْلُ الشُّعَلْ
170 ـ ثَمَان تُضيءُ عَليكَ الدُّجَى! إذا عَمِيَ النَّجْمُ، نعمَ البَِدلْ
171 ـ وَبُرْدَانِ من نَسْجِ خَالٍ ( 150)، أَشَف وَأَنْعَمُ مِنْ خَدِّ عَذْرَاءَ..، بَلْ
172 ـ إذَا بُسِطَا َتْحَتَ شَمْسِ النَهارِ، فَالشَّمْسُ تَحْتَهُمَا..، لَيْسَ ظِلّْ
173 ـ وَتِسْعُون مِثْلُ عُيُونِ الجَرَادِ..، بَرَّاقَةٌ كَغَدِيرِ ( 151) الوَشَلْ
174 ـ كَمِرْآةِ حَسْنَاءَ مَفْتُونٍة، كَرَأْسِ سِنَانٍ حَدِيثٍ صُقِلْ
175 ـ أَجَلْ..!! وَأَدِيمٌ ( 152) كَمِثْلِ الحَرِيرِ، يُطْوَى وَيُرْسَلُ مثْلَ الخَصَلْ
176 ـ وَحَوْلَهُمَا زَفَرَاتُ الزِّحَامِ، وَأَذْنٌ تَمِيلُ، وَرَأْسٌ يُطِلّْ
177 ـ وَغَمْغَمَةٌ (153 )، وَحَدِيثٌ خَفِيٌ وَنَغْيَةُ زَارٍ، وآتٍ سَأَلْ
178 ـ وَعَاشِقةٌ في إِسَارِ (154 ) السوَامِ!! وَعَاشقُها في الشَرَاكِ اُحْتُبِلْ
179 ـ تُنَادِيه مَلْهُوفَة تَسْتَغِيثُ، ضَائَعَةُ الصَّوْتِ..، عَنْهَا شُغِلْ
ـ فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأمِيرِهَا *** أيَـأْتِي الَّذِي يُعْطى بِهـَا أَمْ يُجـَاوزُ
ـ فَقـَالوا لـهُ : بَايِعْ أَخـَاكَ.. وَلا يَكُنْ *** لَكَ اليَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ البَيْعِ لاَهِزُ
180 ـ [أَعُوذُ بِرَبِّي وَرَبّ السَمَاء وَالأرْض!.. مَاذَا يَقْولُ الرَّجُلْ؟!
181 ـ أَجُنَّ؟! نَعَمْ.. لاَ!.. أَرَى سُورةً (155 ) مِنْ العَقْل، لاَخَلجَاتِ الخَبَلْ!
182 ـ وَعَيْنَيْ صَفَاءِ كَمَاء القلاَتَ (156 )، وَعِرْنِينَ أَنْفٍ سَمَا وَاعتَدَلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

( 149) جلاها: صقلها. الهرقلي: الرومي، نسبة إلى هرقل الملك.
( 150) خال: مكان تضع فيه البرود الجيدة.
( 151) الغدير: مكان يغادر السيل فيه بعض الماء. والوشل: الماء يتحلب من جبل أو صخرة، يقطر قليلا قليلا، لا يتصل قطره.
( 152) الأديم: الجلد المدبوغ اللين. الخصل (جمع خصلة): وهي لفيفة من الشعر المجتمع.
( 153) غمغمة: الكلام الذي لا يتبينه السامع، والنغية: كلمة ذات نغمة. الزاري: العائب المظهر للاحتقار.
( 154) الإسار: الأسر. والسوام: المساومة في البيع. والشراك (جمع شرك): وهو حبالة الصائد يرتبك فيها الصيد. احتبل: وقع في حبالة الصائد.
( 155) السورة المنزلة الرفيعة المشرفة الظاهرة. خلجات الخبل: مايتجاذب المخبول من الاضطراب، فتتَفكك أوصاله، ويتمايل يمنة ويسرة.
( 156) القلات (جمع قلت، بسكون اللام): نقرة في الجبل يقطر فيها ماء واشل من سقف أو كهف، وهو أصفى ماء. والعرنين: الأنف تحت مجتمع الحاجبين، حيث يكون الشمم، وهو دليل على كرم الأصل.
--------------------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 11:33 PM
183 ـ وَجَبْهَةَ زَاك (157 )، نَمَاهُ النَّعِيمُ في سُؤْدُدٍ وَسَرَاءٍ نَبُلْ
184 ـ أَيُعْطِي بِهَا المَالَ؟! هَذَا الخَبَالُ! قَوْس وَمَالٌ كَهَذَا؟ ثُكِلْ!!
185 ـ وَيَارَبِّ! يـَارَبِّ! مَاذْا أقَولُ؟.. أقَولُ نَعَـمْ!.لا فَهَذَا خَطَلْ
186 ـ أَبِيعُ!! وَكَيْفَ!.. لَقَدْ كَادَنِي ( 158) بِعَقْلِي هَذَا الخَبيثُ الَمِحْل
187 ـ أُفَارِقُها! وَيْكَ ( 159)!! هَذَا السَّفَاهُ! قَوْسِيَ! كَلاَ! خَدَيني وَخِلّْ!!
188 ـ أَجَلْ!! بَلْ هُوَ البؤْسُ بَادٍ عَليَّ! فأَغْراهُ بي! وَيْحَهُ! مَا أَضَلّْ!!
189 ـ يُسَاوِمُنِي المَالَ عَنهَا؟! نَعَمْ!.. إذَا لَبِسَ البُؤْسُ حُرَّا أَذَلّْ
190 ـ إذَا مَا مَشَى تَزْدَرِيِه العُيُونُ، وَإنْ قَالَ رُدّ كَأَنْ لَمْ يَقُلْ
191 ـ نَعَمْ! إنَّهُ البُؤْسُ!! أَيْنَ المَفَرُّ مِنْ بَشَرٍ كَذِئَاب الجَبَلْ؟!
192 ـ ثَعَالبُ نُكْرٍ ( 160) تُجِيدُ النِّفَاقَ حَيْثُ تَرَى فُرْصةً تُهْتَبَلْ
193 ـ كلاَبٌ مُعَوَّدَةٌ لِلهَوَانِ تُبَصْبِصُ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ بَذلْ
194 ـ فَوَيْحِي مِنَ البُؤْسِ!.. وَيْلٌ لَهُمْ!!. أَرى المَالَ نُبْلاً يُعَلي السِّفَلْ ( 161)
195 ـ فَخُذْ مَا أَتَيِتَ بِهِ..!! إِنَّه مَلِيك يُخَافُ، وَرَبٌ يُجَلّْ
196 ـ وَسُبْحَانَ رَبِّي! يَدِي! مَا يَدِي؟! بَرِيْتُ القِسِيَّ بها لم أَمَلْ!
197 ـ حَبَاني ( 162) به فاطِرُ النَيِرِّات وَبَاري النَّباتِ وَمُرْسِي الجَبَلْ!
198 ـ وَأَوْدَعَهَا سِرَّهَا عَالِم خَبِيرٌ بَمكْنُونِها لَمْ يَزَلْ!
919 ـ وَفِي المَالِ عَوْنٌ عَلى مِثْلِها! وَفِي البُؤْسِ هُونٌ ( 163)، وَذُلٌّ، وَقُلّْ!]
200 ـ تَنَادَوْا بِهِ : أنْتَ؟! مَاذَا دَهَاكَ؟! مَالكَ يَا شَيْخُ؟! قُلْ يَا رَجُلْ!
201 ـ وَآتٍ يَُصِيحُ، وَكَفٌّ تُشِيرُ، وَصَوْتٌ أَجَشُّ (164 )، وَصَوْتٌ يَصِلّْ!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ

( 157) الزاكي: النابت في نعمة وخصب وكرم، والسراء: المروءة والسخاء والشرف.
(158 ) كاده بعقله: احتال عليه وغلب عقله. المحل: الشديد المكر والدهاء.
(159 ) ويك: مثل، ويلك، تعجب وتهديد، السفاه: السفه والطيش. الخدين: الصديق المصاحب. والخل: الصديق المتداخل المودة.
( 160) النكر: الدهاء المنكر الخبيث: اهتبل الفرصة: اغتنمها وافترصها على غفلة.
(161 ) السفل (جمع سفلة): وهُم أراذل الناس وسقاطهم.
(162 ) حباه: أعطاه فأكرمه. فاطر النيرات: المبتدئ خلق الكواكب المنيرة. وباري النبات: خالقه.
( 163) الهون: الهوان والخزي. والقل: القلة والنقص.
( 164) أجش: فيه جشة أي: غلظ وبحة. صل الصوت: إذا خالطته حدة كأنها صوت حديد على الصفا. اختبل: أخذه الخبل، كالمجنون المضطرب.
-----------------------------------
202 ـ وَطَنَّتْ مَسَامِعُهُ طَنَّةً..، وَزَاغَتْ نَوَاظِرُهُ وَاخْتُبِلْ
203 ـ .. وَأَفْضَى إِلَيْهِ كَهَمْسِ المَرِيضِ أَشْفَى ( 165) عَلَى المَوْتِ مَا يَسْتَقِلّْ..
204 ـ تُنَادِيِه: وَيْحَكَ! وَيحِي!! هَلَكْتُ!! أَتَوْكَ بَقَاصِمَةٍ! وَآثَكَلْ!
205 ـ تَلَفتَ يَصْغِي..، وَمِثْلُ الَّلهيبِ ضَوْضَاءُ وَعْوَعَةٍ (166 ) فِي زَجَلْ
206 ـ فَهَذَا يُؤُجُّ ( 167)..، وَهـَذَا يَعَجُّ..، وَهَذَا يَخُورُ..، وَهَذَا صَهَلْ!
207 ـ وَدَان يُسِرُّ..، وَدَاعٍ يَحُثُّ..، وَكَفٌّ تُرَبِّتُ: بِعْ يَا رَجُلْ!
208 ـ لَقَدْ بَاعَ! بْع! بَاعَ! لاَ لَمْ يَبِعْ! غِنَى المالِ! وَيْحَكَ! بعْ يَا رَجْل!
209 ـ [وَحَشْرجَةُ ( 168) الموْتِ: خُذْنِي.. إلِيكَ!!
ـ لَبِّيْكِ!! لَبِّيْكِ!]
بِعْ يَا رَجُلْ!!
210 ـ [أَغِثْنِي!. أَجَلْ!]
بَاعَ! مَاذَا؟! أَبـَاعَ؟! نَعْم بَاعَ قَدْ بـَاعَ! حَقّاً فَعَلْ؟!
211 ـ [أَغِثْنِي! أَغِثْنِي! نَعَمْ!]
قَدْ رَبِحْتَ!!.. بــُورِكَ مــَالُكَ!
أَيْنَ الرَّجــُلْ؟!
112 ـ مَضَى!.. أَيْنَ!.. لاَ، لَسْتُ أَدْرِي!.. مَتَى؟
لَقَدْ بِعْتَ ؟!.. كــَلاّ وَكَــلاّ.. أَجَلْ!
213 ـ لَقَدْ بِعْتَ! قَدْ بِعْتَ!
ـ كــَلاّ! كَذَبْتَ!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخبل، كالمجنون المضطرب.
( 165) أشفى: أشرف. يستقل: ينهض.
( 166) وعوعة: صوت مختلط كوعوعة الكلاب، والزجل: ال***ة كأصوات اللاعبين.
(167 ) يؤج:يصوت بكلام مرتفع سريع. ويعج: يصيح صياحاً عالياً كالهدير. ويخور: يصيح بصوت غليظ كخوار الثور. وصهل: أخرج صوتاً مبحوحاً كصهيل الخيل.
(168 ) الحشرجة: غرغرة الميت، وتردد نفسه.
---------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 11:40 PM
لَقَدْ بِعْتَ! قَدْ بـــَاعَ!
ـ وَيْحِي! أَجـــَلْ
214 ـ لَقَدْ بِعْتُهَا.. بِعْتُهَا.. بِعْتُهَا.. جُزِيتُمْ بَخْيرِ جَزَاء، أَجَلْ!!..
215 ـ أَجَلْ بِعْتُهَا.. بِعْتُهَا. بِعْتُهَا!! أَجَلْ بِعْتُهَا!! لا،َ أَجَلْ لا،َ أَجَلْ
فَلَمَّاَ شَرَاهَا فَاضَتِ العَيْنُ عَبْرَةً،
وَفِي الصَّدرِ حَزَّازٌ مِنَ الوَجْدِ حَامِزُ
216 ـ [أَجَلْ.. لاَ أَجَلْ بِعْتُهَا! بِعْتُهَا!. أَجَلْ بعتها! بِعْتُهَا!.. لاَ أَجَلْ
217 ـ وفَاضَتِ دُمُوعٌ كَمِثْلِ الحَمِيم ( 169)، لَذَّاعَةٌ، نَارُها تَسْتَهِلّْ
118 ـ بُكَاء مِنَ الجَمْرِ جَمْرِ القُلُوبِ، أَرْسَلهَا لاَعِجٌ (170 ) مِنْ خَبَلْ
219 ـ وَغَامَتْ بِعَيْنَيْهَ، وَاْسْتَنْزَفَتْ دَمَ القَلْبِ يَهْطِلُ فِيما هَطَل
220 ـ وَخَانِقَةٌ ذَبَحَتْ صَوْتَهُ، وَهيضَ ( 171) اللِّسَانُ لَهَا وَاعْتقِلْ
221 ـ وَأَغْضَى عَلى ذِلَّة مُطْرِقًا، عَلْيه مِنْ الهَمِّ مِثْلُ الجَبلْ
222 ـ أَقَامَ..، وَمَا إِنْ بِهِ مِنْ حَرَاكٍ، تَخَاذلُ (172 ) أَعَضَاؤُهُ كَالأَشَلّْ
223 ـ وَفِي أُذَنْيهِ ضَجِيجُ الزِّحَامِ، وَ«بعْ بَاعَ، بعْ بَاعَ، بعْ يَا رَجُلْ»!
224 ـ وَأَخْلَدَ فِي حَيْثُ طَارَ السوَامُ ( 173) بِمُهْجَتِهِ، كَأرُومٍ مَثَلْ
225 ـ كَأَنْ صَخْرةٌ نَبَتَتْ، حَيْثُ قَامَ، تِمثَال حُزْنٍ صَلُودٍ (174 ) عُتُلْ
226 ـ وَمِنْ حَوْلِهِ النَّاسُ مِثْلُ الدَّبَى (175 ) عِجَالاً تَنَزى، دَهَاهُنَّ طلْ
227 ـ فَمِنْ قَائِلٍ : فَازَ! رَدَّت عَلَيْهِ قَائِلَةٌ : لَيْتَهُ مَا فَعَلْ!
228 ـ وَمِنْ هَامِسٍ: وَيْحَهُ مَادَهَاهُ! وَمِنْ مُنْكِرٍ: كَيْفَ يَبْكِي الرَّجُلْ!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
( 169) الحميم: الماء الحار. تستهل: تنصب.
( 170) لاعج: محرق. الخبل: اضطراب الجنون.
(171 ) هيص: انكسر وتدلى. واعتقل: حبس ومنع الكلام.
( 172) تخاذل: تتخاذل، يخذل بعضها بعضاً.
( 173) السوام: المساومة في البيع، والأروم: أصل الشجرة إذا ماتت وسقطت أغصانها. مثل: انتصب.
(174 ) صلود: صلب أملس. عتل: غليظ ثقيل ثابت.
(175 ) الدبى: الجراد قبل أن يطير، تنزى: تثب وتنقز. دهاه: غشيه وأصابه، والطل: المطر الخفيف.
-------------------------------------
229 ـ وَمِنْ ضَاحِكٍ كَرْكَرَتْ ( 176) ضَحْكَةٌ لَهُ مِنْ مَزُوحٍ خَبِيثٍ هَزَلْ
230 ـ ومِنْ سَاخِر قَالَ : يَا آ كِلاً! تَلَّبسَ فِي سَمْتِ (177 ) مِنْ قَدْ أُكِلْ!
231 ـ وَمِنْ بَاسـِطٍ كَفَهُ كَالمُعَزِّي وَهَيْنمَةٍ ( 178) غَمْغَمَتَ لَمْ تُقَلْ
232 ـ وَمِنْ مَشْفِقٍ سـَاقَ إِشْفَاقَهُ وَوَلَّى، وَمُلْتَفِتٍ لَمْ يُوَلّ
233 ـ وَسَالَت جُمُوعُهُمُ فِي الرِّمَالِ.. وَمَاتَ الوَغَى ( 179).. غَيْرَ حِسّ يَصِلّْ
234 ـ وَأَسْـفَرَ (180 ) وَانْجَابَ دَاجِي السَّوَادِ عَنْ مُخْبتٍ خَاشِع كَالمُصَلّْ
235 ـ وَظَلَّ طَوِيلاً.. لَهُ سَبْتَةٌ (181 ) وَإطْرَاقَةٌ، وَأَسىً يَنْهَمِلّْ
236 ـ أَفَاقَ وَقَيذَاً (182 )، بَطِيءَ الإِفَاقَةِ.. يَرْفَعُ مِنْ رَأْسِهِ كَالمُطِلّْ
237 ـ وَقَلّبَ عَيْنِيهِ: ماذَا يَرى؟ وَأَيْنَ الزِّحَامُ؟ وَأيْنَ الرَّجُلْ!
238 ـ رَأَى الأرْضَ تَمْشِي بِهِم كَالخَيَال، أَشَبْاحُهُمْ خُشُبٌ تَنْتَقِلْ
239 ـ وَهَامٌ ( 183) مُحَّلقَةٌ رُجـَّفٌ، وأُخْرى بَدَتْ كَنَزِيعِ البَصَلْ
240 ـ وَأَغْربةٌ ( 184): بَعْضُها جَاثِم يُحَرِّك رَأْسًا، وَبَعْضٌ حَجَلْ
241 ـ وَحَيَّاتُ وَادٍ، لِشَمْسِ الضُّحَى تُلوّي حَيَازَيمَها (185 ) والقُلَلْ
242 ـ وَأَزْفَلَةٌ ( 186) مِنْ ضِبَاع الفَلاَة تَخْمَعُ مِنْ حَوْلِ قتْلَى هَمَلْ
243 ـ وَهَنَّا وَهَنَّا ضِبَابٌ (187 ) مَرَقْن مِنْ كُلّ جُحْر لسَيْل حَفَلْ
244 ـ وَثَوْبٌ يََطِيرُ بِلاَ لاَبِسٍ، يَمِِيلُ مَعَ الرِّيحِ أَنَّى تَمِلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
( 176) كركر الضاحك: ردد الضحك.
(177 ) السمت: الهيئة.
( 178) هينمة: الكلام الخفي كالدندنة. غمغمت: اختلطت ولم تتبين.
(179 ) الوغى: الصوت المتداخل كأصوات النحل المجتمع. يصل: يكون له صوت كأصوات أجواف الخيل إذا عطشت.
(180 ) أسفر: أشرق. انجاب: انكشف. المخبت: الخاشع المتضائل.
( 181) سبتة: سكون وإطراق بلا حراك.
( 182) الوقيذ: المريض الدنف المشفي على الهلاك.
( 183) هام محلقة: روؤس محلوقة. رجف (جمع راجف): ترتجف وتضطرب. نزيع البصل: المنزوع بجذوره.
(184 ) أغربة (جمع غراب).
( 185) الحيازيم (جمع حيزوم): وهو ما اكتنف الحلقوم والقلل: الرؤوس، والحية تفعل ذلك وهي تتشمس.
(186 ) أزفلة: الجماعة تأتي مسرعة. والضباع: من لئام الحيوان. تخمع: تعرج. همل: مهملة ملقاة.
(186 ) الضباب تخرج من جحورها إذا دهمها السيل.
---------------------------------

عبدالناصر محمود
05-27-2013, 11:57 PM
245 ـ تَمَطّى بِهِ البعْثُ مِنْ نَعْسَةٍ، ومِنْ سِنة كَفُتُورِ الكَسَلْ
246 ـ وَدَبَّتْ إِليْه بَقَايَا الحَياةِ، فَرَفَّعَ أَعْطَافَهُ ( 188) وَاعْتَدَلْ
247 ـ وَظَلَّ يُنَازِعُ كَبْلَ ( 189) الذُّهُول وَيَحْتَلِجُ النَّفْسَ مِنْ أَسْرِ غُلْ
248 ـ كَنَاشِطِ ( 190) ثِقْلٍ طَوِيلِ الرِّشَاِء مِنْ هُوّة في حَضِيض الجَبَلْ
249 ـ رُوَيْدَا رُوَيْدَا فَثابَتْ لَهُ مُلَجْلَجَةً (191 ) يَعْتَرِيهَا هَلَلْ
250 ـ وَمِثْلَ الحَمَامَة بَيْنَ الضّلُوعِ قَدْ انْتَفَضَتْ مِنْ غَواشِي بَلَلْ
251 ـ يُقَلِّبُ جمْجُمَةً، خَالهَا كَجُلمُودِ صَخْرٍ رَكينٍ ( 192) حَمَلْ
252 ـ فَلأياً بِلأَي (193 ) وَآبَتْ لَهُ مُبَعْثَرَة مِنْ أَقَاصِي العِلَلْ
253 ـ وَنَفَّسَ عَنْ صَدْرِهِ زَفْرَةً، وَخَامَرَهُ (194 ) البُرْءُ حَتَّى أَبَلّْ
254 ـ أَحَسَّ بكَالجَمْر فِي رَاحَتَيْه: سَعِير تَوَقّد!! مَاذَا احْتَمَل؟
255 ـ وَيَبْسُطُ كَفَيهِ: مَاذَا أَرى جَوَابٌ حَثِيثٌ وَلوْ لَمْ يَسَلْ!!
256 ـ عُيُونٌ تُحَمْلِقُ فِي وَجْهِه، مِنْ الخُبْثِ تَزْهَرُ ( 195) أَوْ تأتَكِلْ!!
257 ـ [أَجَلْ بِعْتُهَا! بِعْتُهَا بِعْتُهَا!.. بَقَاءٌ قَلِيلٌ وَدُنْيَا دُوَلْ!]
258 ـ وَألْقَى الغَنىِ لِلثَّرى! وَانَتَحَى ( 196) وَنفَّض كَفَيْهِ: [حَسْبي! أَجَلْ]
259 ـ وَألْقَى إلَى غَالِيَاتَ الثِّيَابِ وَالبَزِّ نَظْرَةَ لاَ مُحْتَفلْ!
260 ـ وَوَلى كَئيبًا ذَلِيلَ الخُطَا، بَعيدَ الأَنَاةِ، خَفَّيِ الغُلَلْ ( 197)!
261 ـ وَأَوْغل فِي مُضْمرَاتِ ( 198) الغُيُوبِ يَطْوِي البَلاَبلَ طَيَّ السِّجِلّْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

( 188) الأعطاف (جمع عطف): وهو الجانب، من الرأس إلى الورك.
( 189)الكبل: القيد الضخم الثقيل. والغل: القيد الذي يجمع الأيدي إلى الأعناق.
(190 ) الناشط: الجاذب الدلو من البئر. والرشاء: حبل الدلو الطويل.
( 191) ملجلجة: مترددة ثقيلة لاتكاد تخرج أو تدخل: هلل: فزع وفرق ونكوص.
(192 ) ركين: عالي الأركان ثقيل.
(193 ) لأيا بلأي: بعد مشقة وجهد وإبطاء واحتباس.
( 194) خامره: غشي نفسه. أبل: برأ من مرضه وأفاق.
( 195) تزهر: تتلألأ. تأتكل: تتوهج كالنار إذا اشتد لهبها، وأكل بعضها بعضا.
(196 ) انتحى: اعتزل ناحية.
( 197) الغلل (جمع غلة): وهي حرارة الحزن.
( 198) المضمرات: البعيدة التي يخفى مكانها، والغيوب (جمع غيب): هو الأرض المطمئنة، التي يغيب فيها سالكها، والبلابل: قلقات الهموم. والسجل: الكتاب أوالصك الذي يطوى. نوافذ: ماضيات، كالسهام تنفذ في النفس . تفتضل: تترامى وتختصم.
---------------------------
262 ـ أرَادَ لِيَنْسَى وَبَيْنَ الضُّلوُعِ نَوَافِذ مِنْ ذِكَرٍ تَنْتَضِلْ
663 ـ فَأَحْيَتْ صَبَابتَهُ، وَالجِرَاحُ دِمَاءٌ مُفَزَّعَةٌ لَمْ تَسِلْ
264 ـ تُرِيهِ الرُّؤَى وَهْوَ حَيُّ النَّهارِ، وَتسْري بِهِ وَهْوَ لَمْ يَنْتَقِلْ
266 ـ وَيَبْسُطُ كَفَّيه مُسْتَغْرِقًا، فَتَحْسَبُهُ قَارِئًا قَدْ ذَهِلْ
267 ـ يَرَى نِعْمَة لَبِسَتْ نِقْمةً، وَنُورًا تَدَجَّى (199 )، وَسِحْرا بَطَلْ
268 ـ وَآيَتَهُ ( 200) عَاثَ فِيهَا الشُّحُوبُ فَأنَكَرَ مِنْ لَوْنِها مَا نَصَلْ
269 ـ وَأسَرارَهَا (201 ) فَضَّهَا طَائف لَهُ سَطْوَة وأَذى حَيْثُ حَلْ
270 ـ وَسَحْقَ (202 ) غِشَاءِ عَلَى أَعْظُمُُ، تَهَّتَك مثْلَ الأدِيم النَّغِلْ
271 ـ وَمَستْ أَنامِلَهُ رَجْفَةٌ، تَسَاقَطَ عَنَها سَنَاهَا (203 ) وَزَل
272 ـ وَأَفْضَى بَنظْرَتِهِ نَافِذًا إلى غَيْبِ مَاضٍ بَهَيمِ ( 204) السُبُل
273 ـ تَلاَوَذُ (205 ) أَشباحُهُ، كَالذَّليلِ، بِلُغْزِ نَخِيلٍ، وَدَاجِي دَغَلْ
274 ـ وَأَسْوِدَةً خَطِفَتْ فِي الظلاَم هَارِبة مِنْ صَيُودٍ خَتَلْ
275 ـ وَطْيرًا مُرَوَّعَةً أَجْفَلَت، وَآمِنَ طَيْرٍ وَدِيعٍ هَدَلْ ( 206)
276 ـ وَشقَّت لَهُ السُّدَفَ ( 207) الغَاشِيَاتِ حَسْنَاء ضالٍ عَلَيهْا الحُلَلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ

( 199) تدجى: لبسه الظلام.
(200 ) الآية: العلامة العجيبة، وهي يده. نصل: طفىء لونها وذهب.
( 201) أسرار الكف: خطوطها التي تدل على المغيب من أسرارها.
( 202) السحق: البالي المنسحق. تهتك: تخرق وتساقط. الأديم: الجلد المدبوغ. النغل: الذي فسد دباغه فتفتت وترفت.
(203 ) السنا: الضوء العالي.
(204 ) بهيم: مظلم لا ضوء فيه، ولا منفذ لبصر.
(205 ) تلاوذ: تدور كأنها تطلب ماتلوذ به. اللغز: الطريق الملتوي المشكل يضل سالكه. الداجي: الساتر الذي يلبس ما فيه ويستره. والدغل: الشجر الملتف المشتبك النبت. أسودة (جمع سواد): وهو شخص الشيء، لأنه يرى من بعيد أسود. خطفت: تسرع كالشعاع الخاطف.
( 206) هدل: غنى غناء الحمام.
(207 ) السدف: (جمع سدفة): ظلمة مختلطة بضوء يشوبها. الضال: السدر ينبت في السهول. تسوى من قضبانه السهام.

----------------------------

277 ـ أَضَاءَ الظَلاَمُ لَهَا بَغْتَةً، وَقَوَّضَ خَيْمتَهُ وَاُرْتَحَل
278 ـ أَطَلَّتْ لَهُ مِنْ خِلاَل الغُصُونِ عَذْرَاء مَكْنُونَة لَمْ تُنَلْ
279 ـ «رَأى غَادَةً نُشّئَتْ فِي الظِّلاَلِ، ظِلاَل النَّعِيم»، عَلَيْهَا الكللْ ( 208)
280 ـ عَروسٌ تَمَايَلُ مُخْتَالَةً، تُمِيتُ بدَلّ، وَتُحْيِي بِدَلَ
281 ـ وَنَادَتْه، فَاَرَتـَدَّ مُسْتَوفِزًا ( 209) بَجُرْحٍ تَلَظى وَلمْ يَنْدمِلْ:
282 ـ أفِق! قَدْ أَفَاقَ بِها العَاشِقُون قَبْلَكَ، بَعْدَ أَسىً قَدْ قَتَلْ!
283 ـ أَفِقْ! يَا خَلِيلِي! أفِق! لاَ تَكُنْ حَلِيف الهُمُومِ، صَرَيع العِلَلْ
284 ـ فَهَذَا الزَّمَانُ، وَهَذِي الحيَاةُ، عَلّمْتِِنيها قَدِيمًا: دُوَلْ!!
285 ـ أَفِقْ! لاَ فَقَدْتُكَ! مَاذَا دَهَاكَ؟! تَمَّتعْ! تَمَتَّع! بِهَا! لاَ تَبلْ!
286 ـ بِصُنْع يديْك تَرَاني لَدَيْكَ، فِي قَد أخْتِي! وَنِعْمَ البَدَلْ!
287 ـ صَدَقْتِ! صَدَقْتِ!. وَأَيْنَ الشبَابُ؟ وَأَيْنَ الوَلْوعُ؟ وَأَيْنَ الأَمَلْ
288 ـ صَدَقْتِ صَدَقْتِ!!.. نَعْمَ قَدْ صَدَقْتِ! وَسِر يَدَيْك كَأنْ لَمْ يَزَلْ
289 ـ حَبَاكَ بِهِ فَاطِر النَيِّراتِ، وَبَارِي النَّبَاتِ، وَمَرْسِي الجَبلْ
290 ـ فَقُمْ! وَاسْتَهِلَّ ( 210)، وَسَبِّحْ لَهُ! وَلبّ لِرَبٍ تَعالىَ وَجَلّْ

.... وَأستغْفِر اللَّه، فإلا تكنْ رَضيتَ فقد أَمْلَلْتك، وَإذَا أنا قد أسأتُ من حيثُ أردْتُ الإحسان.. ولكنَّكَ بعثتَ كَوامِنَ نفسِي مُنْذ رأيتُك، فتوَسَّمْتُ وَجْهك، وعرفتُ فيه شيئًا أخطأتُه في وُجوه كثير من أهلِ زَماننا، فأحببتُ أن أعِظك وَأعظَ نفسي بِنْعمة اللَّه عَلَى عباده، إذ جَعَل بعضَهم لبعضٍ قُدوة ًوَعِبْرَةً، وَآتاهُم من مكنونِ عِلْمه مالا يغُفلُ عَنْه إلاّ هالكٌ، ولا يُضَّيعه إلاّ مُسْتَهينٌ لا يبالي. وقد بلّغنَا رسولُ اللَّه عن ربهِّ بلاغًا يُضيء لكَل حَيِّّ نَهْجَ حياتِه، ويُمْسِكُ عليه هَدْي فِطْرته، إذ قال: «إنّ اللَّه يُحِبُّ إذَا عَمِل أَحَدُكُم عملاً أن يُتْقِنَه» وقال: «إنّ اللَّه كتَبَ الإحْسانَ على كُلِّ شيء، فإذَا قَتَلْتم فأحسِنُوا القِتلة، وإذا ذَبَحْتُم فأَحْسِنُوا الذِّبْحة، وَليُحدَّ أحدُكُمْ شَفْرتَه، ولْيُرِحْ ذَبِيحتَه» فَانْظُر إلى أين كتب اللَّه عَلَينا أن نبلُغَ في إتقان ما نَصْنع، وإحسانِ ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 208) الكلل (جمع كلة): وهي الستر الرقيق، كالذي تكون فيه العروس.
(209 ) المستوفز: هو القاعد إذا استقل على رجليه يتهيأ للقيام، ولما يستو قائما بعد.
(210 ) استهل: رفع صوته بالإهلال والتلبية لله سبحانه.
------------------------------
نَعْمَل!
اللهُم إنَّا نسألُك الثباتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشْد، والإتقَان في العَمَل، وَالإحسانَ فيما نأتي وما نَذر. وَنسْأَلُكَ منْ خير ما تَعْلم، ونعوذُ بك من شَرّ ما تَعْلم. وَنسألُك قَلْبا سَلِيمَا، ولسانًا صادقًا، وعملاً صالحًا، وسَداداً في الخير. والسلامُ على مِنْ اتَّبَع الهُدَى.

من أخيك..
محمود محمد شاكر
القاهرة: 17 ربيع الآخر سنة 1371هـ
15 يناير سنة 1952م


نشر في مجلة (الأدب الإسلامي) عدد (16) بتاريخ (1418هـ)

*****************************************

عبدالناصر محمود
05-30-2013, 03:00 PM
{ شعر.. قـوس الـشـمـاخ }

الأبيات التي استوحاها الأستاذ محمود محمد شاكر في القوس العذراء.. وهي للصحابي الجليل الشماخ بن ضرار الذبياني، شهد القادسية وتوفي سنة 22 للهجرة في معركة موقان.
---------------------------------------------------

1 ـ فحلأها عن ذي الأراكة عامر أخوا الخضر، يرمي حيث تكوى النواحز

2ـ قليل التلاد، غير قوس وأسهم، كأن الذي يرمي من الوحش، تارز

3 ـ مطلا بزرق ما يداوى رميها، وصفراء من نبع عليها الجلائز

4ـ تخيرها القواس من فرع ضالة لها شذب من دونها وحواجز

5ـ نمت في مكان كنها، فاستوت به، فما دونها من غيلها متلاحز

6ـ فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز

7ـ فأنحى عليها ذات حد، غرابها عدو لأوساط العضاه مشارز

8ـ فلما اطمأنت في يديه.. رأى غنى أحاط به، وازور عمن يحاوز
9 ـ فمظعها عامين ماء لحائها، وينظر منها: أيها هو غامز

10ـ أقام الثقاف والطريدة درأها، كما قومت ضغن الشموس المهامز
11ـ وذاق..، فأعطته من اللين جانبا كفى ـ ولها أن يغرق السهم حاجز

12ـ إذا أنبض الرامون عنها، ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز

13ـ هتوف..، إذا ما خالط الظبي سهمها! وإن ريع منها أسلمته النواقز

14 ـ كأن عليها زعفرانا تميره خوازن عطار يمان كوانز

15ـ إذا سقط الأنداء، صينت وأشعرت حبيرا، ولم تدرج عليها المعاوز
16ـ فوافى بها أهل المواسم، فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز

17ـ فقال له : هل تشتريها؟! فإنها تباع بما بيع التلاد الحرائز!

18ـ فقال : إزار شرعبي، وأربع من السيراء، أو أواق نواجز

19ـ ثمان من الكوري، خمر، كأنها من الجمر ما أذكى على النار خابز

20ـ وبردان من خال، وتسعون درهما، على ذاك مقروظ من الجلد ماعز

21ـ فظل يناجي نفسه وأميرها أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز

22ـ فقالوا له : بايع أخاك.. ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز

23ـ فلما شراها فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز من الوجد حامز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

ـــــــــــــ الهوامش (1) حلأها : طردها عن الماء ومنعها، والضمير لحمر الوحش. وذو الأراكة : موضع ماء. والخضر : قبيلة منها عامر الخضري الرامي، معمر، ذكره امرؤ القيس في شعره. والنواحز (جمع ناحز) : داء يصيب الحيوان في رئته فيسعل منه، فيكوى جنبه فيشفى. (2) التلاد : المال القديم الموروث. تارز : الذي يبس في مكانه ومات. (3) الزرق : السهام في شدة بياضها. والرمي : المرمي . والنبع : شجرة تتخذ منه القسي، أصفر. والجلائز عصب يلوى على القوس ليشدها من غير عيب بها. (4) الضال : شجر تتخذ منه السهام كالنبع، أصفر، طيب الرائحة. الشذب : الأغصان المتفرقة المتهدلة من الشجرة. (5) كنها : سترها في كن. والغيل: الشجر الملتف، ويسكنه الأسد ويحميه. وشجر متلاحز: متضايق دخل بعضه في بعض. (6) ينجو : يقطع ما يؤذي. ينغل : يدخل في شيء متلاحم على مشقة. بارز : ظاهر للشمس. (7) أنحى عليها : قصد وأقبل يقطعها. وغراب الفأس: حدها المرهف. والعضاه: شجر عظيم ذو شوك. مشارز: شرس سيئ الخلق. (8) أزور : مال وأعرض. من يحاوز: من يخالطه من أصحابه الذين في حوزته. (9) مظعها : وضعها في الشمس لتشرب ماء لحائها. واللحاء : قشر العود. وغمز العود : جسه، لكي ينظر أين يلينه ويقيمه. (10) الثقاف : خشبة في طرفها خرق يتسع للقوس، فتدخل فيها وتغمز حتى تسوى. والطريدة : قصبة مجوفة خشنة الحواف تدخل في القوس لتبري قشرتها. الدرء: العوج. والشموس: الفرس العصية الجموح. والمهامز (جمع مهماز) : تنخس به الدواب لتستقيم. وتقويم ضغنها : تأديبها حتى يلين قيادها. (11) ذاق : جذبها ليختبر شدتها أو لينها. كفى : أي كاف لا يزيد عن الحاجة. يغرق السهم : أي يستوفي جذبها فيلين، فربما قطع السهم يد الرامي. يقول : لها حاجز من القوة والصلابة يمنع لينها أن يبلغ به الرامي إلى إغراق السهم. (12) أنبض القوس : جذب وترها، فإذا أطلقه نبض ورن. الثكلى: التي مات ولدها. والجنائز (جمع جنازة) : وهو الميت نفسه هنا. (13) هتوف : لها صوت عال. وحذف جواب إذا كأنه معلوم لا شك فيه، أي إذا أصابه السهم مات على المكان. ريع: ذعر. وأسلمته : خذلته ولم تحمله. والنواقز. قوائمه التي ينقز بها، أي يقفز. (14) الزعفران: من الطيب، أصفر، من زينة النساء ولا سيما في العرس. تميره : تصب فيه الماء لتذيبه. والخوازن : النساء التي تخزنه. والكوانز : التي تكنزه في وعاء، وأهل اليمن مشهورون ببيع العطر وصناعته. (15) الأنداء (جمع ندى) : وهو بلل الصباح. أشعرت : ألبست. والحبير : ثوب موشى من الحرير الناعم. والمعاوز: الثياب الخلقة يلبسها المساكين. لم تدرج : لم تطو عليها، بل تصان بالحرير. (16) أهل المواسم : مجامع الناس في زمن الحج. بيع : مشتر يحسن البيع والشراء. والسوم: المساومة. رائز : مختبر لشدتها ونقلها. (17) التلاد: المال القديم الموروث. الحرائز: التي تحرز ولا تباع لنفاستها. (18) الشرعب : من أجود الثياب وأغلاها. والسيراء : ثياب مخططة نفيسة. أو أواق : أو بمعنى واو العطف هنا. والأواقي (جمع أوقية) وهي من الموازين. نواجز : حاضرة غير مؤجلة. (19) ثمان : يعني ثماني أواق من الذهب. والكوري : منسوب إلى كور الصائغ الذي توقد فيه النار، يعني ذهبا مصوغا. والخابز: صانع الخبز على النار. (20) بردان : تثنية برد. والخال : موضع تصنع به الثياب النفيسة الرقيقة. على ذاك : أي مع ذاك. والمقروظ : المدبوغ بالقرظ : والماعز : جلد المعزى، وهو من أجودها. (21) أميرها : الذي يؤامره ويشاوره. يجاوز : يتركه ويمضي. (22) لاهز : دافع مانع. (23) شراها : باعها. وحزاز: قاطع يحز حزا شديدا. والوجد : أشد الحب وأحره. وحامز : ممض محرق.
نشر في مجلة (الأدب الإسلامي)عدد(16)بتاريخ (1418هـ)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-22-2014, 01:07 PM
العلامة: مـحمـود محمد شاكر؛ في الرسائل الجامعية
-------------------------------


30 / 2 / 1436 هــ
22 / 12 / 2014 م
------------

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
...............................

سُجلت عن الشيخ محمود محمد شاكر ثلاث رسائل جامعية، نُوقشت منها اثنتان وهما رسالتا ماجستير، أولاهما في كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة، وقد صدرت الرسالة عن مكتبة الخانجي بمصر تحت عنوان: «شيخ العروبة وحامل لوائها أبو فهر محمود محمد شاكر بين الدرس الأدبي والتحقيق» وصاحب هذه الرسالة هو الأستاذ محمود إبراهيم الرضواني. وكانت الثانية في قسم اللغة العربية بجامعة اليرموك بالأردن وقد طبعت أيضاَ، في سلسلة أعلام المسلمين في العصر الحديث التي تصدرها دار البشير بالأردن ومؤسسة الرسالة ببيروت، تحت عنوان: «محمود محمد شاكر..الرجل والمنهج» وصاحب هذه الرسالة هو الأستاذ عمر حسن القيام. أما الرسالة الثالثة فهي رسالة دكتوراه مسجلة في الجامعة الأردنية للأستاذ إبراهيم الكوفحي، ولم ينته من إعدادها بعد. * في الرسالة الأولى يقول صاحبها الأستاذ محمود إبراهيم الرضواني: هذا البحث يتناول قمة شامخة من قمم الأدب والفكر في عصرنا هو الأستاذ محمود محمد شاكر.. وقد دفعني إلى هذا البحث ماشعرت به من التعتيم حول نتاج هذا العلم الشامخ، فقد تناولت أيدي الباحثين بالدرس والتحليل نتاج من هم أقل في المكانة الأدبية منه وكان غريبا أن يبقى ما أبدعه بعيدا عن حقل الدراسة العلمية الجادة، فاستخرت الله تعالى وكان اختياري لهذا الموضوع. الأمر الثاني: ما وصلت إليه حياتنا الأدبية من اضطراب يشعر به الدارس المستقرئ لما على الساحة من اتجاهات وإبداعات، بحيث يمكن القول إن الساحة الأدبية تحتاج إلى تصور كلي جديد ينبع عنه إنتاج أفرادها، وهذه الحاجة إلى المنهج ماسة وملحة، وهو منهج يجب ألا يكون غريبا عنها، فقد جربنا العديد من المناهج البراقة والحديثة وكان من الطبيعي أن يقابلها الجسد العربي بالرفض ولو بعد حين، فمن طبيعة الأشياء أن يرفض الجسم الدم الغريب عن فصيلته. ومن هنا كان اتجاهي لدراسة منهج محمود محمد شاكر. الذي يمكنني القول إن اسمه يرتبط بالعودة إلى الأصل العربي في الدرس الأدبي، أو قل إنه اتجاه نحو منهج عربي في درس الأدب ونقده في العصر الحديث. وأبو فهر لم يصدر في رفضه لهذه المناهج الحديثة عن عصبية وجهل بها كما هو حال الكثير من الدعاة إلى الأصالة بل كان في رفضه لها على علم بها وخبرة بمسالكها، ومعرفة بأصحابها وروادها، واطلاع على أحدث ما أنتجوه. ومن هنا تأتي قيمة الوجهة التي انتهجها، ورفضه للكثير من هذه المناهج والتيارات، ووصفه لحياتنا الأدبية بالفساد، ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذا المنهج عند أديبنا فهو ـ في رأيي ـ طوق نجاة وسط هذا الخضم المتلاطم من الآراء والاتجاهات المتباينة التي يشعر معها الواحد بالتشتت وفقدان الهوية، وما أخطر أن يصل الباحث إلى هذا. إن «محمود محمد شاكر» في كلمات قليلة ـ دعوة إلى بث الأمل في صدور المتشائمين من صلاحية التراث العربي لهذا الزمن وبرهان على تواصل الأجيال في هذه اللغة الشريفة على مر العصور، فأن يوجد واحد مثله في فهم نتاج السابقين وتمثله وانتهاجه طريقا لاحباً، ونهجا واضحا بارز المعالم، لدليل على الثراء والغناء في هذا التراث العظيم. إن دعوة محمود محمد شاكر للعودة إلى الأصالة في درس الأدب، عودة بالأمة إلى هويتها، تلك الهوية التي طمس منها الكثير أعداؤها من المستعمرين وبني جلدتهم من المستشرقين والمبشرين وتلاميذهم من المستغربين. وإنه لمن العجيب أن يوجد باحث في أصول المنهج في الدرس الأدبي في لغتنا العربية، وهو غير متمكن من أصول البحث في هذه اللغة، وإن أول أصل هو المعرفة والاستيعاب لدلالات هذا اللسان وما أبدعته قريحة أصحابه. كيف يمكن لدارس أن يتكلم في المناهج والأصول النقدية ويحاول تطبيق ذلك على الإبداع العربي وهو صفر اليدين من ذلك، إن هذا لشيء عجاب!! ويقول الباحث في خاتمة الرسالة: وبعد فإننا نريد أن ننظر في أهم ما كشف عنه البحث، والنتائج التي توصل إلىها على سبيل الإيجاز: حاول الباحث أن يوضح ثقافة أبي فهر ومصادر هذه الثقافة التي ظهر أثرها في نتاجه الأدبي سواء في الدرس الأدبي أو التحقيق للتراث، فكشف عن روافد ثقافته الأولى وأهم المؤثرات التي أثرت في حياته، وأظهر البحث في خلال ذلك دور شيخه المرصفي، ورأينا أن للشيخ المرصفي يدا لا تنسى عند صاحبنا بل كان هو المؤثر الأكبر والأول في حياته وهو الذي وجهه إلى الغاية التي انتهى إلىها بعد ذلك، من قراءة كاملة وواعية للشعر العربي، وجل تراث العربية ثم أيضا وجهته هذه القراءة إلى إعادة النظر في القضية المحيرة وهي قضية «إعجاز القرآن»، وربط هذه القضية بقضية التذوق والشعر الجاهلي، فكانت هذه الثلاثة هي مدار حياة أبي فهر الأدبية، وشغله الشاغل. ومن ثم فإن الباحث حاول أن يرصد هذه القضية رصداً دقيقا ويتتبع أثرها في منهجه وكتابته. فألقى الضوء على منهجه في التعامل مع الشعر العربي خاصة الجاهلي منه، وأظهر أهم النقاط التي يرتكز علىها هذا المنهج سواء في مجال تحقيق النص الشعري أو في مجال التعامل مع النص نفسه، واتضح من خلال ذلك اهتمام أبي فهر بقضية نسبة الشعر إلى صاحبه، فوضع بعض الأصول التي يمكن أن يتبعها الباحث في تحقيق مثل هذه النسبة والفصل في أمرها وطبق لنا هذه الأصول من خلال مدارسته لنص ابن أخت تأبط شرا ثم أراد أن يثبت لنا صحة هذا الشعر من وجه آخر غير التحقيق التاريخي، أعني بذلك مطالبته لدارسي الشعر أن يعايشوه معايشة كاملة ويدارسوا ألفاظه وصوره ومعانيه مدارسة تامة مع الاعتماد على المقارنة بين أساليب الشعراء حتى يتم العثور على الفرق بين الشعر الجاهلي وغيره. والذي أثار هذه القضية لدى شاكر هو ما حدث لهذا الشعر في أوائل هذا القرن من الشك في صحته على يد الدكتور طه حسين. ومن ثم فقد وضح البحث صلة أبي فهر بأستاذه الدكتور طه حسين. أيضا كشف عن تصور أبي فهر النظري لقضية التذوق، وكيفية تحليله لهذا المصطلح وتاريخه عنده، ومن خلال ذلك وضح البحث صلة التذوق عند أبي فهر بقضية الشعر الجاهلي وإعجاز القرآن، وبين أنهما متلازمان عنده لا ينفك أحدهما عن الآخر، فمعرفة إعجاز القرآن معرفة صحيحة يجب أن يقوم على تذوق هذا الشعر تذوقا دقيقا سليما. وعمود عملية التذوق عنده هو التدبر والتأمل وإدمان القراءة للبيان الإنساني قراءة تتوقف عند أحرفه وألفاظه وتراكيبه واكتشاف الفروق الدقيقة بين الدلالات المختلفة، حتى يصل التذوق بهذه القراءة إلى مرحلة فن تمييز الأساليب. ووسع أبو فهر مجال التذوق فلم يقصره على الأدب والشعر بل تجاوزه إلى جميع أنواع البيان الإنساني، وعامل كل بيان معاملة الشعر في التذوق وهذا مفهوم خصب للتذوق كشف عنه البحث. أيضا كشف البحث عن معالم السيرة الفنية في كتاب «المتنبي» وأشار البحث إلى إهمال النقاد لهذا الكتاب في دراستهم للسيرة الفنية، مع أنه توافرت فيه شروط كتابة السيرة الفنية بطريقة جيدة وفي وقت مبكر من حياتنا الأدبية، مما يؤهله لأن يحتل مكانة مهمة بين كتب السيرة. أيضا حاول البحث أن يوضح منهج أبي فهر في بعض قضايا اللغة والأدب فكانت وقفة البحث مع كتاب «المتنبي» ودراسته من وجه آخر غير وجه السيرة الفنية، فكشف عن أهم القضايا التي دار حولها الكتاب والمنهج الذي سلكه أديبنا لإثبات قضايا تتصل بالمتنبي أو تزييفها، وظهر لنا اهتمام أبي فهر بمجال التحقيق التاريخي للأخبار وعدم ثقته في الرواية دون تمحيص لها من كل وجه وظهر توظيفه لمنهج المحدثين في مجال الدراسة الأدبية. أيضا ظهر تطبيق التذوق على شعر المتنبي تطبيقا جيداً، حيث حاول محاولة فريدة في مجال الدراسة الأدبية وهي ترتيب القسم الأول من «ديوان أبي الطيب» ترتيبا تاريخيا بالاعتماد على وجدان الشاعر وحركته الداخلية، وهذا العمل أظهر براعة أبي فهر في مجال التذوق. ونظرا لأهمية التذوق عند أديبنا حاول البحث أن يتتبع بعض آثار التذوق في كتاباته الأدبية فتعرض لبعض القضايا التي ظهر فيها التذوق في كتاب أباطيل وأسمار. ومن خلال النظر في قضايا هذا الكتاب تتضح لنا أهميته، وأهمية القضايا التي تناولها أبو فهر في فهم نتاجه الأدبي حيث كان أهم ما ظـهر للبحث بالمدارسة أهمية التحقيق التاريخي في المنهج عنده، أيضا قيمة ضبط دلالة الكلمة ومعرفة درجتها من الحقيقة والمجاز وعدم قبول ألفاظ أو مصطلحات دونما تمحيص أو مراجعة وكان أساس أبي فهر النقدي مبنياً على فهمه لعربية النص، ومدى قرب الكلمة أو بعدها عن الحقيقة والمجاز وانطلاقا من هذا الأساس رفض بعض الألفاظ الشائعة في الشعر الحديث مثل الخطيئة، والصلب، والفداء، وغيرها من الألفاظ التي تناولها في هذا الكتاب. وأخيرا كانت وقفة البحث الطويلة مع منهج أبي فهر في تحقيق التراث، ومن خلال فصل خاص رصد البحث هذا المنهج في كتبه المحققة رصدا تاريخيا ملاحظا تطور المنهج ونموه، وظهر بالمدارسة استكمال أبي فهر لعدة المنهج في التحقيق بل تجاوز ذلك المنهج إلى قضايا تزيد علىه، ومن ثم رصد البحث جزءا من الفصل لمعرفة الروافد الثقافية لهذا المنهج وتوضيح أثر هذه الروافد على منهجه في التحقيق. واتضح من خلال هذا وذاك أن منهجه يكاد يشكل لنا مدرسة مستقلة في التحقيق يسير على نهجها أفراد قلائل ممن يهتم بالتحقيق. وأخيرا فهذا البحث ما هو إلا مدخل لدراسة نتاج أبي فهر، ولفت نظر الباحثين إلى أهمية هذا النتاج الذي غفل عنه الكثير من الدارسين. وأنه مايزال هناك في نتاجه مجالات كثيرة تحتاج إلى دراسة وإعادة نظر بما يمكن أن يفيد في حقل الدراسة الأدبية. * * * * وفي الرسالة الثانية يقول الأستاذ: عمر حسن القيام: حين صحت عزيمتي على دراسة شخصية شاكر والكشف عن منهجه في القراءة والتفسير والنقد كان الإطار الذي وضعته لذلك هو: «محمود محمد شاكر الناقد» الأمر الذي يقتضي التوقف عند أغلب إنجازاته، في النقد وقراءة التراث ونشره، وصراعه الفكري مع التيارات المعاصرة. حين توغلت في ارتياد الآفاق المعرفية لشاكر وحاولت نقدها والإبانة عنها، وجدت نفسي أمام ناقد بعيد الغور، واسع الآفاق، تتسم كتابته بالجدل والاعتراض، والإشارات الكثيرة إلى الظواهر، والدفاع المستبسل عن كيان ثقافي متكامل هو الثقافة العربية الإسلامية. فكان أن عدلت عن الخطة السابقة، وأجمعت أمري على الكشف عن منهج شاكر من خلال موقفه من قضية الشعر الجاهلي بغية توفير أكبر قدر ممكن من التركيز والتحليل في الدراسة، محاولا التيقظ لحق العلم والدرس الأدبي المنصف الذي يحاول أن يقول ما لـ «شاكر» وما علىه. لقد كانت قضية الشعر الجاهلي إحدى القضايا الكبرى المؤثرة في بنية الثقافة العربية المعاصرة وقد أثارت جدلاً واسعاً بعد طروحات د. طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926م. وكانت سبباً في وجود غير قليل من الدراسات التي تصدت مباشرة لنقد مظاهر الخلل والزيف في تلك الطروحات. ويبدو أن شاكرا أدرك مبلغ التهافت الذي ركب آراء طه حسين، وأدرك أن وراء الأكمة ما وراءها، فقابل ذلك بالإهمال وربما بالازدراء حين رأى هذا النزق الفكري الذي أطبق على قضية الشعر الجاهلي، وانحرف بها عن كونها قضية أدبية تعالج بالدراسة والتحليل والنقد، لتصبح دلالة على رؤية تزدري إنجازات الأسلاف ولا تصبر على سبر أغوارها، واستخراج ما فيها من ركاز العلم والإبداع. كان كتاب ابن سلام الجمحي «طبقات فحول الشعراء» التربة التي بذر فيها شاكر البذور الأولى لآرائه المتعلقة بالشعر الجاهلي، ثم اتسع إطار البحث النظري فيما كتبه في «فصل في إعجاز القرآن» الذي قدم به لكتاب «الظاهرة القرآنية» لصديقه مالك بن نبي سنة 1958م، ثم كانت دراسته «نمط صعب ونمط مخيف» سنة 1969م، واحدة من أدق إنجازاته النظرية والتطبيقية حول قضية الشعر الجاهلي، وعليها كان الاعتماد في المقام الأول في هذا البحث، وفي سنة 1975م ألقى شاكر مجموعة من المحاضرات في الشعر الجاهلي وغامر المغامرة الجريئة حين طلب أن يكون أصل الأصول في دراسة الأدب والتاريخ معا هو النظر في كتاب الله تعالى باعتباره حادثة أدبية فريدة في تاريخ البشرية، وتجليا مذهلا للغة بحسب مفهوم الإعجاز. ويهدف هذا البحث إلى دراسة مجمل الموقف النقدي لمحمود محمد شاكر من الشعر الجاهلي، وذلك بفحص أصوله النظرية ودراسة جهوده التطبيقية في هذا المجال، والكشف عن مفهوم المنهج وضوابطه ومحدداته، ومدى سيطرة شاكر على مقولاته النظرية في المعالجة التطبيقية، وذلك ضمن إطار تاريخي يحاول تحليل الظاهرة في سياقها، ويطمح إلى وصف قراءة شاكر ونقدها من خلال علاقاتها مع القراءات الأخرى التي يكاد يجمعها الخروج على الطرائق النقدية الموروثة ولا سيما بعد انعطافها نحو البلاغة وقواعدها. وكان لقلة الدراسات النقدية حول شاكر أثر حقيقي في مبلغ الصعوبة التي واجهتني في كتابة هذا البحث الذي شرعت فيه مجردا من العون النقدي. وكان لدراسة د. إحسان عباس «القوس العذراء» التي كرم بها أستاذه شاكراً بمناسبة بلوغه السبعين فضل سابغ على هذا البحث، وذلك بما حفلت به من القيم النقدية الرصينة التي ثبتت قلبي ومنحتني قدراً من التوازن تخلصت به من نشوة الإعجاب العاطفي بشاكر، وأعانتني على تنظيم أفكاري حول دقة إنجازات شاكر وكبير محله في العلم، ولقد كانت خسارة البحث كبيرة حين لم أفد إلا في الذماء الأخير مما كتبه العلامة إحسان عباس في سيرته الذاتية «غربة الراعي» حين قال: «لقد تعلمت من محمود، وغرفت من علمه الغزير أضعاف ما قرأته وسمعته قبل لقائه.. وكان لقائي به فاتحة عهد جديد في حياتي العلمية، والميزة الكبرى فيه أنه ذو رأي عميق واطلاع واسع، وليس هنالك من هو أقدر منه على فضح التفسيرات التي تزيف التاريخ والحقائق.. وكان محمود ولا يزال يعتمد فهم الأسباب ويحسن ربط النتائج بها على نحو دقيق متفرد لم أجده عند غيره». أما ما كتبه د. زكي نجيب محمود في مقالته «القوس العذراء» فهو تبجيل خالص يخلو من روح النقد، وأجود منه ما كتبه د. محمد مصطفى هدَّارة، في «القوس العذراء: رؤية في الإبداع الفني»، وأما دراسة د. عبدالعزيز الدسوقي «المتنبي بين محمود شاكر وطه حسين» فهي دراسة مضطربة ابتدأها الدسوقي مسبحا بحمد شاكر وختمها بما لفت إليه نظر القراء الذين لحظ أحدهم أن الدراسة لا تجري على سنن النقد وضوابطه. ولم أطلع إلا في مرحلة متأخرة جداً على دراسة الأستاذ محمود الرضواني: «أبو فهر محمود محمد شاكر بين الدرس الأدبي والتحقيق». وقفت في الفصل الأول عند المعالم الأساسية التي أسهمت في تشكيل شخصية شاكر وموقفه النقدي. مع محاولة تتبع لأهم إنجازاته العلمية. وقد ظهر استبداد الثقافة العربية الإسلامية بالتكوين الثقافي لشاكر، ورغبته عن غيرها من الثقافات في بناء رؤيته النقدية وأداتها، على الرغم من اطلاعه على الثقافة الغربية إحدى أعظم الثقافات إنجازا في الفكر الحديث. وظهر أيضا ضخامة الجهد الذي بذله شاكر في سبيل ردم الهوة بين الأجيال المتأخرة واللحظات الزاهرة في الثقافة العربية بما تجلى في إنجازاته العلمية من روح إبداعية في جميع الميادين التي تحرك فيها: من نشر للآثار العلمية النفيسة وقراءتها قراءة دقيقة، إلى قراءة نقدية بارعة لبعض ظواهر هذه الثقافة كما في كتابه «المتنبي»، إلى إبداع فريد ينير طريق التعامل مع التراث كالذي رأيناه في «القوس العذراء» وأهم من هذا كله تلك العزة الأدبية التي تجلت في شخصية هذا الناقد وهو يقف شامخا مجلجلا في وجه هجوم كاسح على الثقافة العربية الإسلامية. وناقشت في الفصل الثاني الأصول النظرية للمنهج عند شاكر، وأن مفهومه للثقافة وانبثاقها عن أصل أخلاقي هو الدين أو ما في معناه هو أدق ضابط لمفهوم المنهج عنده. وأن التجديد لا يكون صحيحا ذا معنى إلا إذا كان تجديدا ناميا من داخل الثقافة متحاورا مع روحها. وظهر واضحا الأثر العميق الذي أفاده شاكر من كتاب الله تعالى، ومن الجهود العلمية الدقيقة لعلماء الرواية «المحدثين»، وأن «فقه اللغة» هو المدخل الأساسي لمفهوم المنهج عند شاكر، والذي ينقسم إلى شطرين: شطر في معالجة المادة، وشطر في معالجة التطبيق. وأن الأول منهما يقتضي جمع المادة من مظانها على وجه الاستيعاب المتيسر، ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا بتحليل أجزائها بدقة وحذق حتى يتيسر للدارس أن يميز بين صحيحها وزائفها، وأن الآخر منهما يقتضي ترتيب المادة مع التيقظ لوضع كل حقيقة من الحقائق في موضعها الذي هو حق موضعها، ثم بينت معالجة شاكر لقضية رواية الشعر الجاهلي من خلال هذا المنظور، وصحة انتساب الأثر الأدبي إلى صاحبه. أما الفصل الثالث، دراسة النص، فقد بينت فيه نقطة الانطلاق الأولى في مواجهة النص الشعري الجاهلي وهي العلاقة بين إعجاز القرآن والشعر الجاهلي، وأن القرآن الكريم حادثة أدبية فريدة ينبغي اتخاذها أصلا للدراسة الأدبية، يقتضي استيعابا لمفهوم «البيان». وأن مدخل شاكر لتفسير العلاقة بين الشعر الجاهلي وإعجاز القرآن مدخل صحيح يتجاوز الخطأ الذي وقع فيه القاضي الباقلاني في «إعجاز القرآن» حين جعل انتقاص الشعر الجاهلي والطعن في جودته الفنية مدخله الأساسي لبحث طبيعة هذه العلاقة، فتجاوز شاكر ذلك وأجاد في صياغة علاقة قائمة على أساس السمو الأدبي في كلا النموذجين، وأن ذلك يعني بالضرورة ضخامة التجربة الشعرية الجاهلية وطول عمرها حتى تصل إلى هذه المرتبة في الإبداع الفني. وكشف هذا الفصل عن وعي شاكر بإمكانات النقد العربي القديم في دراسة النص، وأن هذا النقد لم يواصل طريقه في دراسة الشعر ونقده، بل انعطف إلى صياغة مفاهيم البلاغة، وأن شاكرا كان يعلم أن هذه المفاهيم لم تكن قادرة على الدخول في قلب التجربة الفنية والكشف عن أسرارها. وفي الفصل الرابع أمكن التمييز بين مدخلين أساسيين في ممارسة شاكر النقدية هما: المدخل الشكلي الجمالي، والمدخل الأخلاقي، وأن الأول منهما هو تلخيص لكيفية تشكيل المعنى، وأن الآخر هو تركيز على ماهية المعنى. وقد وقفت عند ثلاثة تجليات أساسية في المدخل الشكلي هي: لغة النص، وموسيقى النص، والصورة الشعرية. فوضحت أن شاكرا قد فرق بين اللغة الأدبية واللغة العادية بما عمد إلىه الفنان في الأولى من تحريف مقصود في اللغة هو ما سماه شاكر بالإسباغ والتعرية. وأن الشاعر الجاهلي، ابن أخت تأبط شرا موضوع هذه الدراسة قد بنى قصيده على الإيجاز المبدع في اللغة، وأن شاكرا قد استدرك على الشراح القدماء غير قليل من فهومهم للغة الشعر، ثم جعل يزيد على نص اللغة حين وجد اللغة لا تفي بالمعنى الشعري. أما موسيقى النص، فهي إحدى تجليات وحدة القصيدة، وفيها كشف شاكر عن العلاقة المُسْتَسِرَّة بين اللغة والموسيقى والمعنى، وأماط اللثام عن طبيعة «بحر المديد» الذي بنيت علىه قصيدة «إن بالشعب الذي دون سلع» وما تقتضيه من لغة موجزة خاطفة الدلالة مدافعاً في خلال ذلك عن عظمة الإنجاز الموسيقي الذي تم على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي. أما الصورة الشعرية، فقد أوضح شاكر أن الطبيعة الموسيقية للنص قد فرضت على الشاعر أن يطرح التشبيه المسترسل، وأن يعمد إلى الصورة الدقيقة المحددة، وأن الصورة هنا هي تعبير عن انفعال عميق تجاه الأشياء، وأنها دالة على روح المبدع وطبيعة إحساسه الغزير بالأشياء. وفي إطار المدخل الأخلاقي بما هو تركيز على ما هية المعنى، بينت أن شاكرا لم يتجاوز حدود مغزى هذه التجربة الفردية، تجربة الشاعر في هذه القصيدة «إن بالشعب» وأن دراسته لم تتصل أسبابها بأسباب الموقف الوجودي للإنسان الجاهلي وتوقه الروحي العنيف للخلود وتأكيد الذات. لقد ثار شاكر على التهمة المندلقة على الشعر الجاهلي، وأنه شعر مضطرب مفكك الأجزاء مفتقر إلى الوحدة، فكانت دراسته رداً علميا متينا على هذه القالة، وأثبت أن هذه القصيدة بناء فني متكامل، آخذ بحظ وافر من مقومات الفن الأصيل، وكان مدخله الرائع «أزمنة النص» من أنبل الوسائل التي يسلكها الناقد للكشف عن تكامل النص ووحدته، واستغل شاكر الطبيعة الموسيقية للنص للدلالة على هذه الوحدة، واستطاع أن يجلو هذه القصيدة في أبهة التكامل والانسجام. لقد تنبه شاكر إلى سر قضية الشعر الجاهلي، وأدرك أنها «لم تكن قضية أدبية خالصة، لأن القضية الأدبية لا تقوم على ألفاظ من الهجاء، بل تقوم على دراسة مؤيدة بالبرهان والشواهد، وبالنفاذ إلى أعماق البيان الإنساني في عصوره المختلفة، أي بالنقد الذي يكشف أسرار الجمال، كما يكشف بعض ما أحاط به من العيوب، أما أن تفضي «قضية ما» إلى احتقار شامل وازدراء واستهانة واستخفاف، ثم إلى إعراض ناشئة الأجيال، لا عن الشعر الجاهلي وحده، بل عن الشعر العربي كله، بل عن اللغة نفسها، إعراضا لا مثيل له في تاريخ الأمم، فهذا شيء لا تنتجه قضية أدبية وأيضا، أدرك شاكر خطورة «المحنة» التي ابتلي بها الشعر الجاهلي، فكتب هذه الدراسة «إكراما لناشئة الشعراء المحدثين والنقاد، فإن مآل هذا الأمر كله إليهم، فهم ورثة هذه اللغة بمجدها، وشرفها، وجمالها وفنها، لا ينبغي أن يضللهم عنها، أو يبعثر خطاهم إليها، من عمد إلى إرث آبائهم من لدن إبراهيم وإسماعيل علىهما السلام إلى يوم الناس هذا، فسماه لهم «تراثا قديما»، ليجعله عندهم أثرا من الآثار البالية، محفوظا في متاحف القرون البائدة، ينظر إليه أحدهم نظرة من وراء زجاج ثم ينصرف. فإذا أتاح الله لهم، أو لبعضهم، أن يطأ هذا الضلال بكبرياء الفن وعظمته وصراحته وحريته، فقد ذلل لمن بعده وعورة الطريق إلى الذرى الشامخة، وأزاح من مجرى النهر المتدفق من منابعه الخالدة كل ما يعترضه من صعاب، أشدها وأعتاها: التوهم والخوف، واستطالة الطريق، والعجلة إلى شيء إن صبر على امتناعه اليوم، فهو بالغه غدا وحائزه. لقد كانت مهمة شاكر هي استنقاذ القديم: شعرا ونقدا وما من شك في جلالة التجربة التي حمل أعباءها، ولكن الحاجة ستبقى ماسة إلى من يستأنف هذه التجربة ويفيد من إبداعاتها، ويدفع قراءة النص القديم إلى آفاق جديدة تكشف عن بهجته الفنية ومعاناة المبدع الروحية. وبحق، كانت قراءة شاكر للشعر الجاهلي قراءة اجتهادية باذخة أعادت لهذا الشعر عظمته، وجعلتنا نشعر بقيمة الشعر الجاهلي وروعته، وبقدر ما أهين الشعر الجاهلي على يد بعضهم بقدر ما أعيد له الاعتبار على يد شاكر. إنها «قراءة أذكى امرئ في جيله». * * * محمود محمد شاكر.. قصة قلم بالإضافة إلى الكتابين الماضيين [اللذين هما في الأصل رسالتا ماجستير] صدر في سلسلة كتاب الهلال بمصر [نوفمبر 1997] كتاب بعنوان «محمود محمد شاكر.. قصة قلم» للأديبة عايدة الشريف التي أنجزت هذا الكتاب قبل وفاتها بقليل ولم يقدر لها أن تراه مطبوعا، فقد لقيت ربها قبل وفاة الشيخ محمود شاكر بأربعة أشهر، رحمهما الله رحمة واسعة. وقد جاء الكتاب في نحو «347» صفحة من القطع الصغير وقدم له العلامة المحقق الدكتور محمود الطناحي بمقدمة ضافية، تحدث فيها عن المؤلفة وعن صلتها بالأستاذ محمود محمد شاكر وبأسرته حتى إنها رافقتهم في أداء فريضة الحج عام 1972م. وقد جاء الكتاب في بابين أولهما بعنوان: قبل التعارف: محمود شاكر كما قرأته، وهو يتضمن أربعة فصول تتوالى كما يلي: 1 ـ شخصية متفردة فذة 2 ـ حجر الزاوية في شخصية شاكر 3 ـ أسلوب شاكر ومعاركه 4 ـ تفنيد شاكر للدعوة إلى العامية وأما الباب الثاني فقد جاء أيضا في أربعة فصول كما يلي: 1 ـ بداية اللقاء 2 ـ معركة مع البحر المتلاطم 3 ـ سرد تاريخي 4 ـ التذوق منهج محمود شاكر وقد جاء الكتاب حافلا بالحديث عن حياة الأستاذ محمود محمد شاكر وعلمه، ومتضمنا كثيرا من الذكريات والخواطر التي تعطي صورة عن ذلك الرجل العظيم، وكل ذلك في أسلوب عفوي قريب إلى الذهن والقلب. نشر في مجلة (الأدب الإسلامي)عدد(16)بتاريخ (1418هـ)
------------------------------------------
* { ملتقى أهل الحديث }
ـــــــــــــ