المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارس الاستشراق ... المدرسة الروسية


Eng.Jordan
06-02-2013, 01:02 PM
د. أنور محمود زناتي (http://www.alukah.net/Authors/View/Culture/827/)



نظرًا لقرب روسيا النسبي من الشرق، فقد تمكَّنت من ربطِ أواصر العَلاقات مع هذه المنطقة منذ زمنٍ مبكِّر من التاريخ، وكان الاستشراق قويًّا في روسيا منذ عهد بعيدٍ؛ حيث تعودُ الصلات بين روسيا والعالَم الإسلامي إلى زمنِ الدولة العباسية، حيث تبادلتِ الدولة الإسلامية السفارات مع روسيا، ولَمَّا ضمَّت روسيا إليها بعض المناطق الإسلامية ازداد الاهتمام بالإسلام والعالم الإسلامي، وقد أفادتْ روسيا من الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، وبخاصة في فرنسا؛ حيث أوفدتْ روسيا بعضَ الباحثين للدراسة في مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس، وازدادتْ عند تأسيس الإمبراطورية العثمانية التي تُتَاخِم الحدود الروسية مباشرة، ونتج عن ذلك وجودُ عَلاقة تراوحتْ بين المدِّ والجزر، والصداقة والعداوة، وحقيقةُ الأمر أن الصراع بين روسيا وتركيا كان صراعًا سياسيًّا حول شبه جزيرة القرم، وتوسيع النفوذ السياسي على البحر الأسود، ولكن هذا الصراع لم يكن يومًا بدافعٍ ديني؛ أي: من منطلق العداء بين المسيحية الشرقية والإسلام، ولطالما اعتبر الروس أنفسهم شرقيين.

وفي هذا نرى أن العالَم العربي الإسلامي كان خارجَ دائرةِ هذا الصراع، وبالتالي لم يكن هناك صدامٌ بين روسيا والعرب المسلمين، ولم توجد الجيوش الروسية في أيِّ زمان على أراضي العالَم العربي الإسلامي، وإذا وجدت كان ذلك بدافعِ تقديم المعونة لبعض الحكومات القائمة؛ ففي أيام محمد علي عندما أرادتْ إنجلترا أن تحتلَّ الشواطئ المصرية، أرسلت الحكومة القيصرية الأسطول البحري الروسي، الذي اعترض محاولةَ إنزال مُشَاةِ البحرية الإنجليزية في الإسكندرية؛ ولذلك فإنه يمكننا القول: إن من أسباب تميُّز الاستشراق الروسي عن الاستشراق الأوروبي الغربي، أنه لم يصدر عن مثلِ أرضية العداءِ بين الغرب والشرق الإسلامي، وإنما كان هذا الاستشراق بدافع الفضول المعرفي الإنساني.

وقد شجَّعت الحكومات الروسية في العهود المختلفة دراسةَ التراث العربي الإسلامي، وخاصة ذلك الذي يتعلَّق بالأقاليم الإسلامية الواقعة تحت سيطرة روسيا؛ وذلك لتوسيع المعرفة بالشعوب الإسلامية، وكانتِ المصادر الثقافية العربية تشكِّل ركنًا أساسيًّا من مصادر معرفة شعوبِ القوقاز، وآسيا الوسطى، وحتى الروس، هذه المعرفةُ انعكستْ بشكل إيجابي لمصلحة روسيا كما يعترف بذلك المستشرقون أنفسهم، كنا نَعِيش جنبًا إلى جنبٍ مع شعوب آسيا الوسطى لمدة طويلة، الروس أنفسهم يرون أن التراث الشرقي الإسلامي هو جزءٌ من تراثهم؛ فيقول المستشرق "بلوندين": "نحن الروس، وجميع الذين في الساحة الروسية القيصرية السابقة، نحن شرقيون بأنفسنا، وجزء من أراضينا موجود في آسيا، وثُلُثَا حدودِنا مع دولٍ آسيوية؛ مثل تركيا والصين، وكذلك المناطق الإسلامية التي كانتْ قديمًا ولايات للخلافة العربية، وكانت أول مطبعة عربية قد أسِّست عام 1722 في مدينة سامارا على الفولجا، وكانتْ تقوم بطبع الكتب الدراسية، وفي عام 1754 طرح لومونوسوف مسألةَ تأسيس كلية اللغات الشرقية، وفي عام 1763 صدرتْ أول ترجمة روسية لكتاب ألف ليلة وليلة[1]، وكان لإنشاءِ كراسي اللغات الشرقية في الجامعات الروسية أثرُه في نشأة وتطور المدرسة الاستشراقية فأنشأتْ جامعة خاركوف عام 1804 كرسيًّا لتدريس اللغات الشرقية، وجامعة قازان لتدريس الألسنة 1811م، ويذكر المستشرق الروسي الشهير "أغناطيوس كراتشكوفسكي" Kratchkovski‏ أن تاريخ "الاستعراب" الروسي يبدأ من المرسوم الجامعي سنة 1804؛ لأن هذا المرسوم أَدخَل تدريس اللغات الشرقية في برنامج المدارس العليا، وأسَّس الأقسام الخاصة لهذه اللغات، وأما اللغات الشرقية في أوروبا الغربية في ذلك الزمان، فقد كانتِ المكانة الأولَى بين اللغات السامية للغة العبرية، أما في روسيا؛ فاللغات الشرقية في مفهوم الروس، كانت لغات الشرق الإسلامي، وشغلت اللغة العربية المكانة الأولى، وقد أُنشأ قسم اللغة العربية في جامعة خاركوف بعد صدور المرسوم في عام 1804 م مباشرة[2].

لقد كان للاستعرابِ الروسي منذ البداية مدرستانِ متمايزتان، ارتبطتْ إحداهما بوزارة الخارجية الروسية، وقد ساهمتْ هذه المدرسة في خدمة القرار السياسي والمصالح الروسية الخارجية، وكان هناك أيضًا في روسيا اتجاهٌ للدراسات الشرقية لأغراض سياسية، مع تعصب ديني، ولكن في نفس الوقت كان هناك مَن هو ضد هذه التيارات المتعصبة، وضد الدراسات الشرقية الكَنَسِيَّة غير الممتدة إلى وقائع تاريخية ثابتة، ونحن لا نرى هذا في أي دراسات شرقية خارج روسيا، والمدرسة الأخرى حملتِ الطابع المعرفي العلمي البَحْت، وحَرَص المستعرِبون فيها على استقلاليةِ عملِها، وقد نشأتْ هذه المدرسة وما زالت في بطرسبورج؛ حيث بُذِلت جهودٌ كبيرة من قِبَل العلماء في بطرسبورج؛ لتحقيق درجةٍ من الاستقلال المِهْنِي، ونشر الدراسات بعيدًا عن التوجه السياسي.

في بداية الاستعراب الروسي تَمَّت الاستعانةُ بعلماء من الغرب، كما كان الشأن بالنسبة للمجالات الأخرى المختلفة، فعندما بدأ القيصر "بطرس الأول" الإصلاحاتِ في السياسة والعلوم والجيش، ومختلف أوجه الحياة في روسيا؛ استعان بالخبراتِ الأوروبية من فرنسا وألمانيا وإنجلترا، ولكن "الاستعراب" الروسي ما لَبِث أن أخذَ بتكوينِ نفسه؛ معتمدًا على المصادر الشرقية الإسلامية مباشرة، بدايةً من خلال التبادل الثقافي الذي جرى، والمعايشة المباشرة للموظفين والعسكريين الروس في مناطق الفولجا، والبحر الأسود، والقوقاز، وآسيا الوسطى، ووصف هؤلاءِ هذه البلاد في الكتب والصحف شعرًا ونثرًا، إضافة إلى توافدِ أبناء هذه المناطق إلى بطرسبورج وموسكو، وتعلمهم في جامعاتها ومعاهدها، وقد كان هؤلاءِ الوافدون يعكسون قوَّة تأثيرِ الثقافة العربية الإسلامية، فإن قوَّة تيار التراث العربي القديم في القوقاز استطاعتْ أن تحملَ - حتى أيامنا - اللغةَ العربية الفصحى التي لا تستخدم في التخاطب العامِّ في موطنها في البلاد العربية.

أما في شمال القوقاز، فقد عاشتِ اللغة العربية حياةً كاملة لا في الكتابة فحسب، بل وفي الحديث أيضًا، لقد كان للشعوب الإسلامية في وسطِ آسيا واحتكاكِها المباشر مع الروس دورٌ كبيرٌ في الاستعراب الروسي؛ إذ ساهمتْ في نقل الثقافة العربية الإسلامية مباشرةً إلى الاستعراب الروسي، دون المرورِ بالمصفاة الأوروبية الغربية، ولقد صب التراث العربي الإسلامي مباشرة في مجرى الاستعراب الروسي، دون تشويه، أو إنشاء، أو أسطرة صورٍ وهمية عن الشرق العربي المسلم، وقد ساهم وجودُ المستعربين من العسكريين في القوقاز في ترجمة العديد من الآثار الأدبية العربية الإسلامية؛ إذ قام الجنرال "بوجوسلافسكي" بترجمة القرآن الكريم من العربية إلى الروسية مباشرة[3]، ومن المستشرقين الروس "كاظم بك" الذي دخل الإسلام، وقام بتحقيق مخطوطة اليعقوبي، وكذلك رازين الذي يعتبر متخصِّصًا في اللغتين العربية والفارسية.

ونجد أيضًا كريمسكي (1871م - 1941م)[4]، الذي تعلَّم العربية والفارسية، وأسَّس مكتبة كبرى في جامعة موسكو.

ومن أشهر المستشرقين الروس:
"كراتشكوفيسكي [5] "Kratchkovski"، الذي شغف منذ صغره بدراسةِ آراء المستشرقين، ودراسة اللغة العربية، وذهب إلى الشرق فزار مصر، وسوريا، وفلسطين، فاطَّلع على خزائن كتبها، وتعرَّف إلى علمائها وأدبائها، ثم عاد إلى بلاده وعيِّن أستاذًا للعربية[6]، وثَمَّة رأيٌ يقولُ: إنه كان مكتشف الأدب العربي الجديد بالنسبة للغرب[7].

ويُمكِن لنا إيجاز أهم خصائص هذه المدرسة في الآتي:
• الاهتمام بالأدب العربي بصفة خاصة.
• التذبذب الواضح بين الموضوعية الجادَّة والعداء السافر.
• الاستعانة بسكَّان آسيا الوسطى في مجال الاستشراق.
• البعد عن الأغراض الدينية، بل بث الأفكار الاشتراكية، ومحاولة إيجاد قدم لها في الشرق.
• تميَّزتْ بالاهتمام بتصنيف المخطوطات وفهرستها.

[1] يحيى مراد: المرجع السابق، ص35.

[2] انظر: كراتشكوفسكي: تاريخ الاستعراب الروسي.

[3] فاطمة عبدالفتاح: إضاءات على الاستشراق الروسي دراسة - من منشورات اتحاد الكتَّاب العرب 2000.

[4] كريمسكي: مستشرق روسي، درس في جامعة موسكو في الفترة من 1892م إلى 1896م اللغات السلافية، والعربية، والفارسية، عاش في سوريا في الفترة من 1896م إلى 1898م، عمل أستاذًا للعربية وآدابها في كلية لازاريف، وأستاذًا للعربية في قازنا من 1898م إلى 1918م، تولى منصب سكرتير مجمع العلوم الأوكراني، وترأس قسم الدراسات العليا في خاكوف بعد الثورة البلشفية 1917م، من آثاره: (العالم الإسلامي ومستقبله، 1889م)، (تاريخ الإسلام في جزأين 1904م)، و(الأدب العربي الحديث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، موسكو 1906م).

[5] كراتشكوفسكي: مستشرق روسي، ولد في 16 مارس 1883م، أمضى طفولته في طشقند؛ حيث تعلم اللغة الأوزبكية، درس اللغات الكلاسيكية اليونانية واللاتينية، بدأ بتعلُّم اللغة العربية بنفسه، وفي عام 1901م التحق بكلية اللغات الشرقية في جامعة سان بترسبرج، ودرس عددًا من اللغات؛ منها العبرية، والحبشية، والتركية، والفارسية، درس التاريخ الإسلامي على يد المستشرق بارتولد، زار العديد من الدول العربية والإسلامية؛ منها: تركيا، وسوريا، ولبنان، ومصر، وتعرف إلى كثير من أعلام الفكر العربي الإسلامي، منهم: الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد كرد علي، وغيرهما، اهتم بالشعر العربي في العصر الأموي وفي العصر العباسي.

[6] نجيب العقيقي: المستشرقون، ج 3، ص 954.

[7] نا دولينينا: مجلة " المستشرقون " المرجع السابق، ج 2، ص 57.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/49831/#ixzz2V3GZFtbN