المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارس الاستشراق ... المدرسة الألمانية


Eng.Jordan
06-02-2013, 01:04 PM
د. أنور محمود زناتي (http://www.alukah.net/Authors/View/Culture/827/)

نستكمل اليوم مشوارنا في ذكر مدارس الاستشراق؛ فبعد أن تحدثنا عن المدرستين (الفرنسية[1] والبريطانية[2]) نقف اليوم مع المدرسة الألمانية؛ وهي على النحو التالي:

على الرغم من اتصالِ ألمانيا بالشرق منذ الحروب الصليبية الأولى، وانشقاقها بعد ذلك عن الكنيسة الكاثوليكية إثرَ حركة "مارتن لوثر"؛ فإن الدراسات الاستشراقية الألمانية لم تزدهرْ إلا في القرن الثامن عشر، متأخِّرة في ذلك عن بقية دول أوروبا، ولم يشارك العلماء الألمان في الدراسات العربية اشتراكًا فعليًّا إلا بعد أن توغَّل الأتراك في قلب أوروبا، التي بدأتْ تهتم بدراسة لغات العالَم الإسلامي[3].



ولعل الصفة البارزة للاستشراق الألماني أنه لم يزدهرْ نتيجةً للاستعمار - كما هي الحال مع فرنسا وإنجلترا وهولندا - أو يرتبط بأهداف دينية تبشيرية كسواه.



والاستشراق الألماني يمتاز بالموضوعية والعمق، وساهم المستشرقون الألمان أكثرَ من سواهم بجمع ونشر وفهرسة المخطوطات العربية، وخصوصًا كتب المراجع والأصول المهمة، ونشر المخطوطات، فإن أهمَّ ما قام به المستشرقون الألمان وضعُ المعاجم العربية؛ فقد وضع فرايتاج (1788 - 1861) المعجمَ العربي اللاتيني في أربعة أجزاء، ثم وضع فيشر (1865 - 1949م) معجمًا للغة العربية الفصحي، وقاموس هانزفير (1909 - 1981م) العربي - الألماني للغة العربية المعاصرة، وقاموس شراكل (1923م) الألماني - العربي، الذي صدر سنة 1974، والقاموس الضخم للغة العربية الفصحى الذي عمل عليه أولمان (1931) في جامعة توبنجن، وفي سنة 1980م كان قد وصل إلى حرف الكاف (ك)، وفي سنة 2000 انتقل العمل على هذا القاموس إلى جامعة ميونيخ، ووصل إلى حرف الميم (م)، وإن العمل على هذا القاموس سيستغرق مائة سنة ونيِّفًا، على الرغم من الإمكانات التكنولوجية والمادية المتوفرة، وعلى رغم أن الذي يعمل على هذا القاموس هو فريق عمل! ومن حسن الحظ وسوئه في آنٍ واحد أن آلافَ المخطوطات العربية والإسلامية قد وجدتْ طريقَها نحو المكتبات الألمانية[4]، فربما لو ظلَّت قابعةً في أماكنها لقُضِي عليها، وقد آلت إلى المكتبات الألمانية في الجامعات والبلديات، من خلال الشراء والاستيلاء عليها من الأقطار العربية، لكنها - وبحق - وجدت مَن يسعى إلى حفظها وتصنيفها وفهرستها والعمل على تحقيقها، وإن نظرة في أعداد هذه المخطوطات لتوضِّح لنا أهميتَها كذخائرَ تراثية لا تقدَّر بثمن.



وقد حَظِيتْ مكتبة برلين الوطنية بنصيبِ الأسد من هذه المخطوطات؛ إذ إن عددها يربو على عشرةِ آلاف مخطوط، فُهرِست في عشرة مجلدات، وفي مكتبة جامعة جوتنجن - جنوب ألمانيا - نحو ثلاثة آلاف مخطوط من نفائس التراث العربي، والكثير من المخطوطات الذخائر، ناهيك عمَّا بها من كلِّ إصدارات العالَم العربي والإسلامي من كتب ودوريات منذ اختراع المطبعة، جاوز عمر بعضها المائة عام، واختفتْ من المكتبات العربية، وصار الحصول على بعضها ضربًا من المستحيل، كل ذلك محفوظ بمكتبة جامعة توبنجن؛ مما يجعل دورها دورًا ثنائيًّا في خدمة المخطوط والمطبوع من الفكر العربي، لم يقتصر دَور المستشرقين الألمان على حفظ هذه المخطوطات فحسب، بل عمدوا إلى تحقيقها تحقيقًا علميًّا ذا فهارس متعددة، واستوجب تحقيقهم وضعَ مؤلفات تعد عُمُدًا في موضوعاتها؛ كالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، الذي وضعه المستشرق الألماني فلوجل 1802 - 1870م[5]، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، ومعجم شواهد العربية، وناشر كشف الظنون لحاجي خليفة، وكتاب الفهرست لابن النديم، وواضع فهرست المخطوطات العربية الموجودة في فيينا، وهي بحق مؤلفات رائدة يعتمد عليها المحققون العرب، وقد حقَّق المستشرقون الألمان عددًا كبيرًا من أمهات التراث العربي؛ مثل: الكامل للمبرد، وتاريخ الطبري الذي استمرَّ تسعة عشر عامًا من العمل المتواصل، ومؤلفات البيروني، وبدائع الزهور لابن إياس، وطبقات المعتزلة لابن المرتضى، ومقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، والفهرست لابن النديم، ومؤلفات ابن جني، وعددًا كبيرًا من دواوين الشعراء القدامى، وقد عكف "إيفالد فاجنر" على ديوان أبي فراس[6]نحو عشرين عامًا حتى أكمله تحقيقًا.



ولا يمكن لأي دارسٍ في الأدب والنقد العربيينِ أن يتجاهَل أعمال مستشرقين ألمان كبارٍ مثل كارل بروكلمان[7]، وكتابه: تاريخ الأدب العربي[8]، على الرغم مما ورد فيه من بعض الأخطاء التي حاول دارسون عرب أن يتداركوها عليه؛ كما فعل عبدالله بن محمد الحبشي[9]- لكن يبقى لكتاب بروكلمان فضلُ السبق في التعريف بالتراث العربي الإسلامي المخطوط في جميع مكتبات العالم، وهو جهدٌ فردي لم نستطعْ نحن - للأسف - فرادى وجماعات أن نقوم به، وقد أحسن الدكتور محمود فهمي حجازي وجمعٌ من المهتمين باللغة الألمانية - في ترجمته لهذا الكتاب ترجمةً وافية أفادت المتلقِّي العربي.



كما أن هناك معاجم وضعتْ في الألمانية؛ مثل معجم هانزفير (العربي - الألماني)، يعدُّ معجمًا رائدًا، كما يعدُّ كتاب العربية ليوهان فوك من المصادرِ التي لا يستغنى عنها، وقد تحدَّث نجيب العقيقي في كتاب: "المستشرقون" عن بعض المستشرقين الألمان، وعن إسهاماتهم الفكرية، كما قام بعض الأساتذة من المستشرقين الألمان البارزين بالتدريس في بعض الجامعات العربية، وخصوصًا في جامعة القاهرة؛ أمثال: ليتمان، وبرجستراشر، وشاده، وشاخت، كما أن أول مدير للمكتبة الخديوية في القاهرة كان المستشرق الألماني شتيرن، وعُيِّن بعض المستشرقين الألمان أعضاءً في مجامع اللغة العربية؛ تقديرًا لما قدَّموه من خدمات للغة العربية والدراسات الإسلامية.



وقد ازدهرتِ الدراسات الاستشراقية في ألمانيا بفضلِ إنشاء كراسيَّ عديدة لتعلُّم العربية في ألمانيا، وازدياد المكتبات الشرقية التي اكتظت بالآلاف من المخطوطات والمؤلفات العربية والشرقية النادرة، وتأسيس الجمعيات الشرقية؛ كالجمعية الشرقية الألمانية[10]، وإنشاء المجلات المتخصِّصة، منها: مجلة عالم الإسلام، التي أنشأها مارتن هارتمان، ومجلة: إسلاميات، التي أنشأها فيشر، وبرز في هذا المجال "فريدريش روجار" تلميذُ المستشرق النمساوي الكبير "جوزيف بورجشتاله"، وكذلك "هاينريش بارث".



ونجد أيضًا "آهلفارت" الذي تعلَّم العربية وأتقنها، وهو الذي وضع فهرس مكتبة برلين عن المخطوطات العربية[11].



ومن كبار المستشرقين "يوليوس فلهوزن"، الذي برز في مجال الدراسات الإسلامية؛ فحقَّق تاريخ الطبري، وكذلك نجد "تيودور نولدكه" الشهير، و"كارل بروكلمان" صاحب تاريخ الأدب العربي الذي يعدُّ موسوعة لا غِنى عنها لأيِّ باحثٍ في مجال الدراسات الإسلامية، كما أشرنا آنفًا، بجانب دَورهِم انصبَّ اهتمامُهم على تعلُّم اللغة العربية وتعليمها، ولقد كان للمعاهد الاستشراقية في الألمانيتين - قبل الوحدة - وفي الدول الناطقة بالألمانية؛ مثل: النمسا، وسويسرا، وجانب كبير من هولندا، وبلجيكا، ولوكسمبورج، وغيرهم - دورٌ كبيرٌ في نشر اللغة العربية، وقلَّ أن نجدَ مدينةً كبرى في ألمانيا دون أن نرى مركزًا لتعليم اللغة العربية.



وهنالك عددٌ لا بأس به من المجلاَّت المتخصِّصة في الآداب العربية والإسلامية، أو في أمور السياسة والاقتصاد بالمنطقة، وربما كان من أهمِّ هذه الدوريات مجلة عالَم الإسلام Die welt des Islam، وهي مجلَّة تُعنَى بالتراث والحداثة في الإسلام، وفيها مقالات لا غنَى للباحث عن الاطلاع عليها، ومن أسفٍ أنَّ ما ينشر فيها لا يترجَم إلى العربية.



وهنالك مجلةُ الشرق، وهي مجلة تُعنَى بالأمور المعاصرة في العالَم الإسلامي المعاصر، كما أننا لا نغفلُ دَور المتاحف الإسلامية المنتشرة في ربوع ألمانيا، ومعظمها عبارة عن مجموعات فنية خاصة لهُوَاةٍ جَمَعوها - ومعظمهم من المستشرقين - خلال رحلاتهم نحو الشرق، وإذا تجاوزنا عرضًا عن كيفية الجمع وما اعتراها من شبهات السرقة، إلا أن فتحَها للجمهور مجَّانًا يعرف المشاهد الأوروبي بحضارة الإسلام وفنونه المبدعة، بما فيها من نفائس المخطوطات، والمصاحف، والوثائق النادرة.



ونلقي الضوء على مؤسِّس الدراسات العربية في ألمانيا "يوحَنَّا يعقوب رايسكه" 1716 - 1774:

وُلد "رايسكه" عام 1716 في مدينة "زبوربج" في "سكسونيا"، وكان والد "رايسكه" دبَّاغًا، فانتمى هو إلى طبقة الحرفيِّين الفقراء، والذين يُعانون توابع الحرب الكبرى، وهناك أخبار عائلية قديمة تقول: إن والد جد "رايسكه" أصله من "بوهيميا"، ثم التحق بالجيش "السكسوني" في حرب الثلاثين سنة، ثم بقي في "سكسونيا" بعد نهاية الحرب، وكانت طفولة "رايسكه" وشبيبته متعسِّرة بتأثير الفقر.



والتحق "رايسكه" بمدرسة زبوريج الرسمية، وظلَّ فيها حتى بلغ السنة العاشرة من عمره، ومن سنة 1728 إلى سنة 1732 كان تلميذًا في مدرسة بمدينة هالة، وهناك درس اللغة اللاتينية والأدب الكلاسيكي على أيدي معلِّمين أثنَى عليهم.



ثم ترك رايسكه هالة سنة 1733، واتَّجه إلى "لايبزج"؛ حيث بدأ دراستَه الجامعية، وقد نال منحتينِ منحهما إياه أمير سكسونيا، ومجلس لايبزج البلدي... واستنسخ رايسكه ما وجده من مخطوطاتٍ عربية في مكتبة لايبزج البلدية، واشترى من كتب عربية ما كان تحت متناول يده، وكان قد فرغَ من قراءةِ الكثير مما طُبع من كتبٍ عربية حتى سنة 1736.



ومن الكتب العربية المطبوعة التي استقصاها كتابُ: "عجائب المقدور في نوائب تيمور" لابن عربشاه الدمشقي، حققه يعقوب جوليوس المستعرِب الهولندي المدقِّق سنة 1636، ومن الجدير بالذكر أن "رايسكه" لم يقرأْ فقط مؤلَّف ابن عربشاه المكتوب بالسجع الإنشائي، بل تغلَّب على صعوبات ذلك النص، وانتبه إلى أغلاط فاتتْ ذكاء جوليوس.. ولما أدرك رايسكه نقصانَ تحقيق جوليوس؛ سافر إلى دريسدن، وزار السيد "سيبش"، واستنسخ مقابلاته لنسختي كتاب ابن عربشاه الباريسيتين، فلم توجد عرقلة تمنع رايسكه - وكان ابن تسع عشرة سنة - عن السير وراء غرضه، وكان غرضه الإحاطة لا باللغة العربية وحسب، بل بالأدب العربي على اختلاف أقسامه، ولم يُخْفِ رايسكه نزعتَه إلى البحث عن تاريخ الشرق، وكانتْ أبحاثه التاريخية الشرقية مطابقةً لعقيدة أصحاب التنوير؛ فترجم كتاب ابن عربشاه برمَّته إلى اللغة اللاتينية، ثم أحرقَ تلك الترجمة، وذلك الإحراق يدلُّ على إفراطه في النقد الذاتي، كانت الظروف تدفع رايسكه إلى القنوط، لم يجد في وطنه من مخطوطات ومطبوعات عربية إلا شيئًا قليلاً، وكان قد درس ما وجده منها، أضف إلى ذلك أن الوسائل والمراجع التي كانت في متناول يدِ المستشرق الأوروبي حينئذٍ لم تكنْ إلا كتابينِ؛ كتاب النحو العربي، الذي وضعه العالم الهولندي "توماس إربنيوس"، ونشره في مدنية ليدن سنة 1613، ثم القاموس العربي اللاتيني، الذي ألَّفه العالِم "يعقوب جوليوس" المشار إليه فيما سبق، وأصدر سنة 1653.



ولَمَّا تأمَّل "رايسكه" في الصعوبات التي واجهها؛ رأى أن أمامه طريقين: إما أن يتابع أبحاثه العربية دون الاستفادة منها، وإما أن يتركها فيتوجَّه إلى ممارسة مهنة يتكسب منها معيشته، وقد اختار الطريقَ غير المطروقة؛ فأصرَّ على متابعة أبحاثه مهما كان ما يلاقيهمن صعوبات مالية وأضرار اقتصادية، وكان يحتاج إلى التقصِّي عن نوادر المخطوطات العربية الموجودة في مكتبة جامعة ليدن Leiden؛ ولذلك عزمَ على أن يسافر إلى هولندا فيدرس في ذلك المركز الاستشراقي، الذي كان قد ازدهر في أيام إربنيوس وجوليوس، وكان يشرف عليه حينئذٍ اللاهوتي والمستشرق "ألبرت شولتنس".



وصل رايسكه إلى ليدن في سنة 1738، وبقي في هولندا حتى سنة 1746، وخاب أمله حينما أخبره "شولتنس" بعدم إمكانية تدبير منحة له؛ لأنه أجنبي، والمِنَح كانت معينة للهولنديين دون غيرهم، فكان رايسكه مضطرًّا إلى إعطاء دروس لاتينية ويونانية ليكسبَ مبلغًا كافيًا لدفعِ تكاليف المعيشة والمصروفات المحددة؛ للاشتراك في محاضرات الأساتذة الجامعيين، ولدخول المكتبة، واستعمال المخطوطات المحفوظة فيها.



وسكن رايسكه في بيت "يوحنا لوزاك" الكتبي، وكان من واجباته تصحيحُ الكتب المصفوفة في مطبعته، ومع أنه بذل كثيرًا من وقته في تحقيق تلك الواجبات، إلا أنه تعمَّق في قراءة المخطوطات العربية؛ مما مهَّد له "شولتنس" الطريق إليها، ولو كان رايسكه مطلقَ التصرف فيها لفضَّل استنساخ المخطوطات التاريخية على استنساخ غيرها، لكنه لبَّى أمر "شولتنس" معلِّمه؛ فاهتمَّ بقراءة دواوين عدة من دواوين الشعر العربي، واستنسخ له منها ديوان جرير، ولامية العرب للشَّنْفَرى، وديوان طهمان بن عمرو الكلابي، ثم حماسة البحتري، وعُنِي بتحقيق معلقة طَرَفة بن العبد، وأضاف "رايسكه" إلى تحقيقه لنصِّ المعلَّقة تحقيقَه لشرح أبي جعفر بن محمد بن إسماعيل النحَّاس، ثم ترجمته اللاتينية للمعلقة، وقد افتتح تحقيقه بمقدمة طويلة، واختتمه بملاحظات وتعليقات بيَّن فيها صعوبات أبيات المعلقة، وأوضح ما يلتبس من معاني الكلمات والصور الشعرية، وكثيرًا ما استشهد على معنى كلمة ببيتٍ مأخوذ من قصيدة شاعر آخر؛ مثل كعب بن زهير، والمتنبِّي، وتدل تلك الاستشهادات على رسوخ رايسكه في الشعر العربي، جاهليًّا كان أم أُمَويًّا أم عباسيًّا.



وجدير بالذكر أن رايسكه لم يقتصرْ على الإتيان بشواهد عربية، بل استشهدَ بأبياتٍ مأخوذة من الشعر اليوناني أيضًا؛ فكانتْ معرفة رايسكه بالأدب اليوناني تُوازي معرفته بالأدب العربي، وتحقيقه لمعلقة طَرَفة هو برهانٌ قاطع على مقدار الجهد الذي بذله في قراءته المخطوطات المحفوظة في مكتبة ليدن Leiden، وعلى الفائدة التي استفادها منها.



وبينما فهرس "رايسكه" مخطوطاتِ مكتبة ليدن العربية، واستنسخ منها ما اهتم به من تأليف ابن قتيبة، وأبي الفداء، وابن أبي أصيبعة، وغيرهم، كان القسُّ الماروني يوسف سمعان اللبناني قد فرغ من فهرسة المخطوطات الشرقية - ومنها العربية - المحفوظة في المكتبة الكليمانتينا الفاتيكانية سنة 1728، وتابع رايسكه نشاط السمعاني (1686 - 1768)[12] العلميَّ، وأشار إليه في مقالٍ له نشره في مجلة الأدباء سنة 1750.



أما القس الماروني ميخائيل الغزيري (1710 - 1791)[13]، فنشر فهرسة للمخطوطات العربية المحفوظة في مكتبة الأسكوريال من سنة 1760 إلى سنة 1770، وكان رايسكه قد ترك أبحاثه العربية حينئذٍ؛ لأنه لم يجدْ من يشجِّعه عليها ولا من يساعده فيها، واعتزل بعد ذلك الحياة الجامعية، وترك لايبزج، وبقي في بيت والديه مدة سنة يشتغل بتأليف مقالة هي مدخل إلى تاريخ الشرق الإسلامي، لها ثلاثة أبواب: الأول في الشعوب والدول الإسلامية، والثاني في بلدان دار الإسلام، والثالث في المراجع التي تحت تصرف المستشرق المؤرخ، ثم رجع رايسكه إلى لايبزج سنة 1747، وكتب هناك مقالة في الأمراء المسلمين الذين اشتهروا إما بأدبهم، وإما بحبهم للأدباء، وأهدى مؤلَّفه هذا إلى "فريدريك كريستيان" ابن أمير سكسونيا، وبإهدائه هذا إليه نال لقب "أستاذ"، ومنحتْه حكومة سكسونيا منحةً ظلَّت تدفعها إليه حتى سنة 1755.



ولما أصبح رايسكه أستاذًا جامعيًّا، كان عليه أن يُلقِي محاضرةً افتتاحية على الأساتذة والطلاب سنة 1748م؛ فعزم على أن يُحَاضِر في تاريخ العرب في العصر الجاهلي، وكان مصدرُ تفكيره في التاريخ العربي الجاهلي ما وجده في القرآن في سورة سبأ من قوله - تعالى -: ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ﴾ [سبأ: 16]؛ ولذلك سَمَّى مقالته التي طبعتْ بعد إلقاء المحاضرة بـ: سيل العَرِم.



ونوى رايسكه وضْعَ كتابٍ يشتمل على تاريخ العرب قبل الإسلام، سَمَّاه تاريخ الدين المسيحي عند العرب كما كان قبل ظهور محمد الرسول، إلا أنه منعه عن تحقيقِ نيَّته فقرُه، وعدمُ اهتمام معاصريه بالدراسات العربية، لغوية كانت، أم أدبية، أم تاريخية؛ لذلك كان على صوابٍ حين قال: "لقد أصبحت شهيد الأدب العربي".



وقد سلك رايسكه طريقَه الوَعِرة، فكان شديدَ الشكيمة قويَّها، لم تتغلَّب عليه الهموم والغموم التي قاساها في حياته العادية، وسنة 1754 نشر الجزء الأول من ترجمته اللاتينية لكتاب أبي الفداء الأيوبِيِّ، المسمَّى بمختصر تاريخ البشر، وباع منه ثلاثين نسخة فقط، فلم يَنشُر الأجزاء الباقية، مع أن ترجمتَه كانتْ كاملة للكتاب بأسره.



أما في سنة 1755، فأصدر تحقيقَه وترجمتَه اللاتينية للرسالة الهزلية التي كان قد وجَّهها ابن زيدون الشاعر الأندلسي إلى أبي عامر بن عبدوس، وفي السنة نفسها أصبح عضوًا في جمعية الفنون والعلوم التي كان رئيسُها الأستاذَ "جوتشد"، الناقد الأدبي المشهور، وعندما كان مقيمًا بعاصمة سكسونيا، نقل لاميَّة العَجَم - قصيدة الشاعر مؤيد الدين الطغرائي - إلى الألمانية، وهناك التقى بالكونت واكربارت، وبفضل نفوذ هذا الرجل النبيل توظَّف رايسكه في لايبزج سنة 1758، فأصبح مديرَ مدرسةِ "مار نيقولا"، ومع كثرة الأشغال الإدارية والتعليمية التي كان يقوم بها؛ ألَّف مقالتينِ في سنتي 1758 و1759، هما نتيجةُ دراساته لكتابِ مَجمَع الأمثال للمَيْداني، الكتاب الذي قال فيه: "إني أحترمُ هذا الكتاب، ولا بدَّ لي من الاعتراف بأني شغفت به حبًّا"، ولم يزلْ زملاؤه من العلماء والأدباء يغفلون عن نشراته، فتركها واتَّجه إلى الاهتمام بالأدب اليوناني، وخاصة بكتب ثوكيديدس المؤرخ وديموسثينيس الخطيب، وكان رايسكه قد مَرِض بالدرن، وتوفِّي سنة 1774، وحافظت زوجته على ما تركه من مخطوطات.



وكان رايسكه أولَ المستشرقين الذين اشتهرتْ بنشاطهم جامعةُ "لايبزج"، وثانيهم "هاينريش ليبرشت فلايشر"، الذي قرأ العربيةَ على "سلفستر دي ساسي" رائد الاستشراق الفرنسي، وكلاهما كانا معجَبين بمؤلَّفات رايسكه.



وقد أعاد "فلايشر" تأسيس الدراسات العربية في ألمانيا، وكان له كثيرٌ من التلاميذ، فأصبح فلايشر رئيسَ المذهب الاستشراقي المسمَّى "بمذهب لايبزج"، ذلك المذهب الذي بُنِي على أساس التنوير العقلي، وكان أول مَن وضع هذا الأساس المتين المستشرق يوحنا يعقوب رايسكه.



بقي إلقاء الضوء عن أهمِّ اتجاهات المستشرقين الألمان، ويصنفون إلى ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: الموسوعيون التراثيون.

يرى هؤلاء أن التراث العربي والإسلامي بحرٌ يجب خوضه، وقد أنفقوا سنواتِ عمرِهم في هذا التراث، قراءة وتحقيقًا، ونقدًا وتحليلاً، وأهمُّهم - كما أشرنا آنفًا - بروكلمان وفرايتاج، والشاعر والأديب فريدريك روكرت، الذي اعتنَى بشعر المعلقات ومقامات الحريري، وترجمة ديوان الحماسة لأبي تمام مع تعليقات وافية وغير ذلك، ومنهم: سيمون فايل، ومارتن هارتمان، وشبيتا، وأوجست فيشر، وليتمان ونولدكه، وآدم بيتز، وآنا ماري شميل.



الاتجاه الثاني: المستشرقون التراثيون المتخصصون:

وهم كُثُر، ولعل أهمهم أعضاء جمعية المستشرقين الألمان (DMG)، التي تأسَّست في عام 1845م، وقد عقدتْ مؤتمرَها العلمي السابع والعشرين في رحاب جامعة بون، وقد ضم أكثر من خمسمائة مستشرق، واستمر من التاسع والعشرين من شهر سبتمبر حتى الثاني من أكتوبر العام 1998، وقد تنوَّعت الأبحاث بين التراث والمعاصرة، لكنها اتجهت نحو التخصيص.



مستقبل الاستشراق الألماني:

إن المتتبِّع لحركة الاستشراق الألماني ربما يعودُ بها إلى القرن الثاني عشر الميلادي، إلا أن البداية الحقيقية المنظَّمة ولدتْ على يد جمعية المستشرقين الألمان (DMC) - وهي في منعطف طرق - فجماعة (DAVO) استقطبت الشبابَ ومَن لم يجد دورًا في (DMG) من كبار المستشرقين؛ لأنها قد احتفظتْ بطابعٍ تقليدي وطقوسٍ جامدة لم يجدْ فيها الشباب دَورهم، ولم يجد فيها ما يصبو إليه؛ فأعضاء الجمعية الكبار وجَّهوا اهتمامهم إلى علوم الشريعة والفلسفة الإسلامية، والفَلك، والنحو، والمعاجم، والتحقيق، والشعر والنثر، وهي أمورٌ لم يعدْ لها من الشباب مَن يتحمَّس لها كثيرًا، لكن هذا الجيل الجديد لم يهتمَّ كثيرًا بعلوم اللغات الشرقية القديمة، وإنما يودُّ أن يقفزَ عليها؛ معتمدًا على مصادر باللغة الألمانية والإنجليزية، وأحيانًا بالفرنسية، مغفِلاً المصدر العربي حتى لو كان مختلفًا معه.



إضافة إلى ذلك نجدُ أن المستشرقين الألمان لديهم مناهجُ يستخدمونها في أبحاثهم الجزئية، لكننا نَفتَقِدُ منهجًا كليًّا للاستشراق نفسه، ولقد خدم بعضُ المستشرقين الكنيسةَ، ولكن هذا الدور يظل محدودًا لانتشار الاتجاه العلماني، وتحول الكنائس في ألمانيا إلى مزارات سياحية، بل لم يجدْ أحد القساوسة بدًّا من تأجيرِ إحدى الكنائس إلى مخزنٍ للبضائع عندما لم يجد مصلِّين، ولكن هذا لا ينفي وجودَ بعض المتعصِّبين ضد الإسلام، وليس بالضرورةِ أن يكونوا مع المسيحية، ولقد وجد بعضُ المحايدين أنفسَهم في حالِ حربٍِ ضد الإعلام الغربي الذي يوجِّه التهم للعرب والمسلمين طيلة الوقت، فساير بعضهم الإعلام، بل تحوَّل واحد منهم مثل "كونسلمان" إلى بوقٍ إعلامي خطير ضدَّ الإسلام، لكن المستشرقين الألمان لا يعدُّونه واحدًا منهم؛ لأنه نشأ إعلاميًّا وعمل في الحقل الإعلامي.



لكل ما سبق، فإن الاستشراق الألماني يظلُّ بمعزلٍ عن الاستشراقات الأميركية والبريطانية والفرنسية، ويظل له تميُّزه الواضح حتى لو اختلفنا معه، بَيْدَ أن هذا الاختلاف يجعلُنا نردِّد مع الشاعر الألماني الكبير جوته: "مَن عَرَف نفسَه أدرك أن الشرق والغرب لا يفترقانِ".



ويمكن لنا إيجاز أهمِّ خصائص هذه المدرسة في الآتي:

• عدم ارتباط الاستشراق بأهدافٍ سياسية، أو دينية، أو استعمارية.

• غلبة الروح العلمية والإنصاف على توجهات هذه المدرسة.

• تعدُّد مجالات البحث وشموليتها لفروع المعارف الشرقية: "آداب - لغة - تاريخ - جغرافيا - فنون... إلخ".

• الاهتمام بعلم الببليوجرافية، وفهرسة المخطوطات، وتصنيف وتحرير المعاجم العربية: "بروكلمان - فستنفلد - هانزفير".

[1] http://www.alukah.net/Culture/0/48499/

[2] http://www.alukah.net/Culture/0/48814/

[3] محمد عوني عبدالرؤوف: جهود المستشرقين في التراث العربي المجلس الأعلى للثقافة 2004 ص 23.

[4] استفدنا كثيرًا من مقال د· محمد أبوالفضل بدران، بمجلة الوعي الإسلامي، بتاريخ: 2006-01-16، العدد رقم: 483.

[5] جوستاف فلوجل: مستشرق ألماني، ولد في باوتسن بألمانيا, وتعلم بليبسيك, وزار فيينَّا وباريس وبلادًا أخرى للدرس والتنقيب في مكتباتها، واستقر مدرِّسًا للغات الشرقية في معاهد بلاده، له بالعربية: "نجوم الفرقان في أطراف القرآن"، ونشر كتبًا عربية؛ منها: "الفهرست" لابن النديم, و"كشف الظنون" لحاجي خليفة.

[6]Siehe: Rudi aret: Arabistik and Islamkunde an deutscher Universitaeten, Deutsche Orientalisten Seit Theodor Noldeke, Steiner Wiesbaden, 1966 .

[7] كارل بروكلمان (1868-1956) مستشرق ألماني، يعتبر أحد أبرز المستشرقين في العصر الحديث، متخصص في تاريخ الأدب العربي.

[8] Carl Brockelmann: Geschichte der Arabischen Literatur, Leiden 1938

[9] عبدالله بن محمد الحبشي: تصحيح أخطاء بروكلمان، الأصل - الترجمة، ط/ المجمع الثقافي - أبو ظبي، 1998م.

[10] ساسي: ج1، ص 130.

[11] ميشيل جحا: المرجع السابق، ص 196.

[12] كان السمعاني يتقن ثلاثين لغة، وقد ألَّف المئات من الكتب، ومن أعماله: فهرس المخطوطات الشرقية في الفاتيكان.

[13] الغزيري: راهب ماروني، عمل في الشام، ثم التحق بمكتبة الأسكوريال بمدريد، وعمل بها حتى نهاية حياته، وله مجلدان في مخطوطات المكتبة.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/49273/#ixzz2V3Gyk4nA