المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارس الاستشراق ... المدرسة الأمريكية


Eng.Jordan
06-02-2013, 01:05 PM
د. أنور محمود زناتي (http://www.alukah.net/Authors/View/Culture/827/)


يعتبر عمرُ الاستشراق الأمريكي - قياسًا بالاستشراق الفرنسي أو الهولندي - قصيرًا، ويعد امتدادًا واستمرارًا للاستشراق الأوروبي، وارثًا مجملَ تصوُّراته المسبَقة عن العالَم العربي والإسلامي، وترجعُ أُولَى اهتمامات أمريكا بالشرقإلى سنة 1810م، عبر إرساليات التبشير التي تعدُّ "الجمعية التبشيرية الأمريكية" أهمَّ مؤسساتها، وفي البداية كان اهتمامُ الولايات المتحدة الأمريكية منصبًّا على علومِ اللغة العربية، ويرجع ذلك إلى محاولةِ فهمِ اللغة العِبْرية لِمَا بينهما من ارتباطٍ في الاشتقاق والبِنْية اللغوية لفهم التوراة، وانصبَّ منذ البداية على الحملات التبشيرية، والتي كان بدايتُها أول بعثةٍ وصلتْ لبنان عام 1830م.



وأُنشِئتْ أول مدرسةٍ لتعليم البنات داخل الإمبراطورية العثمانية، وتطوَّرت للكلية السورية الإنجيلية 1866م، واتخذتْ من بيروت مقرًّا لها، ثم اتسعت وأطلق عليها اسم "الجامعة الأمريكية"، التي لا تزال موجودةً إلى يومنا هذا، ومن أهم المستشرقين:

"إيلي سميث"، وهو الذي أدخل المطبعة الأمريكية العربية إلى لبنان، وكذلك "رودلف برونو" و"ماكدونالد"، و"صمويل زويمر"[1]، وفيليب حتى "1886 - 1978"[2]، صاحب تاريخ العرب المطول، و"فرانز روزنثال"، الذي تناول العَلاقات الثقافية اليهودية الإسلامية، ومناهج العلماء المسلمين في البحث العملي، وهو كتاب قيِّم أنصف فيه العربَ، وأشاد بمناهجهم العلمية.



وهناك المؤرخ الأمريكي (واشنجتون إرفنج)؛ فهو من أوائل المؤرِّخين الأمريكيين الذين اهتمُّوا بالدراسات الإسلامية، ويعتبَر كتابُه: (حياة محمد) من أفضل التراجم التي كتبها مؤرِّخون مستشرقون؛ فقد اهتمَّ بجمع الحقائق التاريخية، وعرضِها عرضًا شائقًا، في أسلوب جميلٍ واضح، وابتعد عن القدح والتعريض والروح الصليبية، كما ناقش الحقائق التاريخية مناقشةً هادئة منطقية بعيدة عن التعصب.



إلا أن الاستشراقَ الأمريكي بدأ عمليًّا بعد الحرب العالمية الثانية، وشَهِد نهضةً شاملة حينما أَخْلَتْ بريطانيا مواقعَها للنفوذ الأمريكي؛ كما ذكر ذلك "مايلز كوبلاند" ضابط المخابرات الأمريكي في كتابه: (لعبة الأمم)، ووجد الأمريكيون أنهم بحاجةٍ إلى عددٍ كبير من المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، فأصدرتِ الحكومة الأمريكية مرسومًا عام 1952م خصصتْ بموجبِه مبالغَ كبيرة لتشجيعِ الجامعات على افتتاحِ أقسام الدراسات العربية الإسلامية، واستقدم لذلك خبراء في هذا المجال من الجامعات الأوروبية، وحضر من بريطانيا كلٌّ من: "جوستاف فون جرونباوم"، و"هاملتون جب"، و"برنارد لويس"، وغيرهم، فأسَّس هاملتون جب مركزَ دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، و"جرونباوم" أسَّس مركزًا في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس.



وانتشرتْ مراكز الدراسات العربية الإسلامية وأقسام الشرق الأوسط في الجامعات والمعاهد العلمية الأمريكية، حتى تجاوز عددها المئات، وبدأتْ نشاطًا محمومًا في دراسة العالم الإسلامي.



وبعد مضي مدة من الزمن - لم تطُلْ كثيرًا - أصبحتْ هذه المراكز عصبَ السياسة الأمريكية تمدُّ السياسيين بالمعلومات والمقترحات والآراء والخطط، وحدث تبادلٌ في المراكز؛ فكم من مستشرق أو متخصِّص في الدراسات العربية الإسلامية انتقل إلى العمل السياسي، وكم من سياسيٍّ ترك السياسة إلى العمل الجامعي والبحث والدراسة[3].



وقد طوِّرت الدراساتُ العربية الإسلامية في الولايات المتحدة لتأخذَ مفهومًا جديدًا وشكلاً جديدًا، فقد انتهى إلى حدٍّ كبير عهدُ المستشرق الذي يزعم لنفسه معرفةَ كلِّ ما يخص العالَم العربي الإسلامي في جميع المجالات، فأخذتِ الدراسات تُصبِح أكثر دقَّة وتخصصًا في منطقة معينة، وفي فرع من فروع المعرفة.



ويمكن لنا إيجاز أهم خصائص هذه المدرسة في الآتي:

• كان الاستشراق الأمريكي على اتصالٍ وثيق بالاستشراق البريطاني.



• الاهتمام الملحوظ بأحوال الشرق الاقتصادية والسياسية، على حساب الجوانب اللُّغوية والأدبية والحضارية.



• التركيز على دراسات التاريخ الحديث والمعاصر أكثر من التراث في الفترة الإسلامية.



• استقطاب الطاقات البشرية لخدمة الأمن القومي عبر الاستشراق.



• العمل على إنجاز دراسات تخصُّ جهود الدولة في تأمين الموارد الضرورية لكيانها الاقتصادي.



• العناية بالدراسات الإقليمية.



• التركيز على العلوم الاجتماعية.



• الإهمال شبه الكلي لدراسة اللغة والآداب الشرقية.



• ليس هناك مستشرق أمريكي ذو قيمة علمية من أصل أمريكي، وإن بعض خبراءِ الإسلاميات في أميركا - كفيليب حتى (لبناني)، وجوستاف فون جرونباوم (نمساوي)، وجوزيف شاخت (ألماني)، وإدوارد سعيد (فلسطيني) - هم أساتذة في الجامعات الأميركية، لكنهم غرباء المولد.



• محاولة تحقيق توجيه الاستشراق لخدمة أهداف سياسية استعمارية، ما زال الشرق يشهد آثارها إلى اليوم.



• العمل على خدمة الأهداف الصِّهْيَونية.

[1] ساسي: ج1، ص156.

[2] فيليب حتى: ولد في شملان بلبنان، درس في الجامعة الأمريكية ببيروت، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة كولومبيا الأمريكية عام 1915 في اللغات الشرقية وآدابها، وعَمِل هناك لخمس سنوات، ثم عاد إلى بيروت، ومكث حتى عام 1925، حين سافر إلى أمريكا من جديد ليدرس مادة التاريخ في جامعة برنستون، وهناك أقنع الإدارة بإدخالِ مواد تدريس اللغة العربية، والأدب العربي، والدين الإسلامي، تخرج على يديه قسطنطين زريق، وجبرائيل جبور، ويعتبر رائد المدرسة الحديثة في التاريخ العربي، وأوَّل مؤرِّخ لبناني حديث، له: تاريخ العرب المطول، تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين.

[3] مازن مطبقاني: في الاستشراق الأمريكي المعاصر، ص4.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/49537/#ixzz2V3HO17SA