المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارس الاستشراق ... المدرسة الهولندية


Eng.Jordan
06-02-2013, 01:11 PM
د. أنور محمود زناتي


يذكر الدكتور قاسم السامرائي في كتابه: (الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية): أن الاستشراق الهولندي لا يختلف عن الاستشراق الأوروبي، في أنه انطلق مدفوعًا بالروح التنصيرية، وأن هولندا كانتْ تدور في الفلك البابوي الكاثوليكي[1]، وقد اهتمَّ المستشرقون الهولنديون باللغة العربية ومعاجمها، كما اهتمُّوا بتحقيقِ النصوص العربية، ومما يميِّز الاستشراق الهولندي وجودُ مؤسسة "بريل" التي تولَّت طباعة الموسوعة الإسلامية ونشرها في طبعتيها الأولى والثانية، كما تقوم هذه المؤسسة بطباعة الكثير من الكتب حول الإسلام والمسلمين.



وأسَّست هولندا معاهدَ متخصِّصة؛ من أهمها: المعهد الملكي للغات، والمعهد الشرقي لدراسة الشرق والإسلام، وزخرتْ هولندا بالمكتبات الغنية بالتراث الإسلامي، مثل: مكتبة جامعة ليدن Leiden، التي تضم نفائس المخطوطات، ومكتبة المجمع الملكي في أمستردام، ومن أهم مستشرقي هذه المدرسة إربنيوس، الذي يعدُّ مؤسِّس النهضة الاستشراقية بعد تأسيسه المطبعة العربية الشهيرة (بريل)، ومن أبرز المستشرقين الهولنديين سنوك هرجرونيه (1857م - 1936م)، الذي ادَّعى الإسلام وتسمى باسم الحاج عبدالغفار، وذهب إلى مكة المكرمة، ومكث ستة أشهر حتى طردتْه السلطات من هناك، فرحل إلى إندونيسيا ليعمل مع السلطات الهولندية المحتلَّة لتدعيم الاحتلال في ذلك البلد الإسلامي، ومن أعلام الاستشراق الهولندي أيضًا: دي خويه (1836م - 1909م)، وكذلك المستشرق فنسنك، والمستشرق دوزي، الذي يعد أشهر مستشرقي هذه المدرسة، مؤلِّف كتاب تاريخ المسلمين في إسبانيا، وناشر كتاب: "البيان المغرب في أخبار المغرب"، وقد خلَّف العشرات من الكتب المؤلَّفة والمحققة حول العربية والإسلام، ونجد أيضًا فنسنك vensinek واضع الأساس الأول للمعجم المفهرس لألفاظ العربية، وصاحب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وله كتاب في العقيدة الإسلامية، وقد تولَّى تحريرَ دائرةِ المعارف الإسلامية، وكانت له فيها مقالات قيمة، وذكر الدكتور السامرائي أن الاستشراق الهولندي شَهِد في السنوات الماضية ظهورَ تيارٍ من المستشرقين الشباب الذين يَمِيلون إلى النظرة الموضوعية إلى الإسلام وقضاياه، وهذا ما أثار حنق وغضب المستشرقين الأكبر سنًّا، ولهولندا مركز للبحوث والدراسات العربية والإسلامية في مصر.



ويوجد في هولندا عدَّة كراسيَّ للغات الشرقية في كلٍّ من جامعات ليدن Leiden، وأمستردام، وأوترخت؛ مما ساعد على إيجاد أجيال من المستشرقين في كافَّة ميادين المعارف الشرقية.



ومن أبرز مستشرقي هذه المدرسة:

R. Dozy - دوزي (1820م - 1883):

هولندي الجنسية يرجع إلى إقليم دويزي[2] oisy,d، وتعلم البرتغالية، ثم الإسبانية، فالعربية، وانصرفتْ عنايته إلى الأخيرة؛ فاطَّلع على كثير من كتبها في الأدب والتاريخ، وقد حصل دوزي على درجةِ الدكتوراه من جامعة ليدن Leiden عام 1881، وأثناء زيارته لألمانيا وفِّق في العثور على مخطوطة الذخيرة لابن بسَّام الشنتريني في مكتبة جوته، فنقلها وانكبَّ على دراستها، وقد عُنِي دوزي بتحقيق ونشر طائفة قيمة من الكتب العربية، ما بين تاريخية وأدبية؛ مثل كتاب: نفح الطِّيب للمقري، ونشر مخطوطة الشريف الإدريسي: "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، كما نشر الجزء الأول والثاني من كتاب: "البيان المغرب" لابن عذاري عام 1848، (وقد قام بروفنسال الفرنسي بنشر الجزء الأخير منه).



وتنوَّعتْ إصدارات دوزي ما بين مخطوط يحققه، وموضوع يبحثه، وكتاب يؤلفه، ودراسة ينشرها، ومحاضرة علمية يلقيها.



أشهر آثاره: "معجم دوزي" في مجلدين كبيرين بالعربية والفرنسية، اسمه: Supplément aux Dictionnaires Arabes (ملحق بالمعاجم العربية)، ذكر فيه ما لم يجد له ذكرًا فيها، وله: "كلام كتَّاب العرب في دولة العبَّاديين" ثلاثة أجزاء، وبالألمانية: "تاريخ المسلمين في إسبانية" ترجم كامل الكيلاني فصولاً منه إلى العربية في كتاب: "ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام"، وله: "الألفاظ الإسبانية والبرتغالية المنحدرة من أصول عربية" بالألمانية، ومما نشر بالعربية "تقويم سنة 961 ميلادية لقرطبة" المنسوب إلى عريب بن سعد القرطبي وربيع بن زيد، ومعه ترجمة لاتينية، وتوفِّي دوزي قبيل انعقاد مؤتمر المستشرقين الدولي في لندن، والذي كان مقدَّرًا أن يرأسه، وانعقد المؤتمر ودوزي تحت الثرى، ولكن قرئ بحثه الذي كان قد أعدَّه ليُلقِيه في هذا الجمع من كبار العلماء.



Arndjan Wensink - أرندجان فنسنك (1882 - 1939)[3]:

كان أستاذًا للغة العربية في جامعة ليدن Leiden من سنة 1927م إلى مماته، وقام برحلات إلى مصر وسوريا وغيرها من بلاد العرب، اهتمَّ بالحديث النبوي، وتولَّى الإشراف على تحرير معظم موضوعات: "دائرة المعارف الإسلامية" سنة 1925م بلغاتها الثلاث، فأتمَّ منها أربعة مجلَّدات وخمس ملازم، وكتب مقالات كثيرة في مجالات مختلفة، وله كتب بالإنجليزية عن الإسلام والمسلمين.



رشِّح فنسنك لعضوية مجمع اللغة العربية في مصر، ولشدَّة تعصُّبه ضدَّ الإسلام رُفِضتْ عضوية فنسنك في المجمع، وكان السبب في هذا الهجوم قيامه بنشر آرائه في القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - مدَّعيًا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألَّف القرآن تلخيصًا للكتب الدينيَّة والفلسفيَّة التي سبقته؛ ولهذا عرف بأنه عدو لدود للإسلام ونبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ومتعصِّب بكتاباته كما في كتابه: "عقيدة الإسلام"، الذي صدر في سنة 1932م.



ولما كانت مدينة "ليدن" وجامعتها في هولندا قد اشتهرتْ بغزارة إنتاجها الاستشراقي، فقد ترأس فنسنك - الذي كان يدرِّس فيها مجموعة من زملائه - للقيام بعملين كبيرين:

أولهما: دائرة المعارف الإسلامية، التي ضمَّنها أخطر آرائه، منها ما ورد في كلمة "إبراهيم"، وفي كلمة "كعبة"؛ فقد أشار تحت لفظ "إبراهيم" إلى أن الآيات المكيَّة ليس فيها ذكر لنسب إسماعيل لإبراهيم، ويقول: إنه لا يعرف شيئًا عن شعور محمد نحو الكعبة في شبابه، وأن ما لديه من تاريخ حياته لا يصحُّ أن يؤخذ أساسًا تاريخيًّا.



وينسب فنسنك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يشذَّ عن الجماعة في العبادة المكية؛ أي - بعبارة أكثر وضوحًا -: إنه كان وثنيًّا قبل البعثة.



ويفتري فنسنك حين يصرِّح أن كلمة ابراهيم اخترعت اختراعًا، ويزعم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أراد بهذا الاختراع أن يتصل بإبراهيم.



ويطرح رأيه هذا ليؤكِّد نفس المقولة التي ردَّدها أسلافه اليهود والنصارى عندما بُعِث النبيُّ محمد - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام، والتي ردَّدها القرآن الكريم بقوله - تعالى -: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾ [آل عمران: 67].



ويستمر فنسنك في افتراءاته؛ فيشارك كلاًّ من المستشرقين "سبرنجر" و "سنوك" في ترجمة النبي إبراهيم - عليه السلام - ضمنَ دائرة المعارف الإسلامية، قائلاً: إن القرآن لم يحفلْ بإبراهيم، ولم يذكر أبوَّته لإسماعيل، ولا أبوَّته للإسلام، إلا في السور المدنية، وسرُّ هذا الاختلاف أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - اعتمد على اليهود في مكة، فلما اتخذوا حياله العداءَ لم يجدْ بدًّا من أن يلتمس غيرهم ناصرًا؛ هناك هداه ذكاءٌ شديد إلى شأن جديد لأبي العرب إبراهيم، وبذلك استطاع أن يتخلَّص من يهودية عصره، ليصل حبلَه بيهودية إبراهيم، تلك اليهودية التي كانت ممهِّدة للإسلام.



ثانيهما: في مجال فهرست السنة أصدر كتابين؛ أحدهما: معجم بالإنجليزية للألفاظ الواردة في أربعة عشر كتابًا من كتب السنن والسيرة، نقله إلى العربية الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي، وسماه (مفتاح كنوز السنة)، والآخر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، الذي نشره بالعربية وتوفِّي قبل إتمامه.



وقد حقَّق فنسنك بهذا المشروع الضخم هدفينِ أساسيين كان يسعى إليهما أغلبُ المستشرقين في أعمالهم الاستشراقية في هذا الباب العلمي:

الهدف الأول: هو تيسير العمل أمام المستشرقين لتناولِ السيرة النبوية بشكل تفصيلي دقيق، يمكِّنهم من استقصاء ما يُمكِن أن يكون - بعد العلاج - موردًا للنقض والتشكيك والنَّيْل من الإسلام ونبيِّه - صلى الله عليه وسلم.



والهدف الثاني: تحويل توجُّه الكتَّاب والباحثين عن السنَّة النبوية إلى المراجع الاستشراقية، خصوصًا إذا لوحظ امتيازها الفنِّي والموسوعي، مما يجعلها في الصدارة والمجال الأول بين مراجع المسلمين، فيعتمدون عليها ويكتفون بها رغم ما فيها من خلط وتحريف وافتراء، وينسون مع تقدُّم الزمان مراجعهم الأصلية.



وقد أدخل فنسنك بكتابيه "كنوز السنة" و"المعجم المفهرس لألفاظ الحديث" أخبارًا وتقارير شاذة وضعيفة مردودة، نشرها في الكتابين، ودسَّها في سياق الصحيح لتسوغَ معه وتشتبه به، وليستقرَّ في ذهن القارئ أنها من الثوابت الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



ويمكن لنا إيجاز أهم خصائص هذه المدرسة في الآتي:

• الشمولية المطلقة مكانًا ونوعًا إلى حدٍّ كبير.

• البعد الملحوظ عن التجني والعداوة للإسلام مقارنة ببعض المدارس الأخرى.

• الكشف عن الحضارة الإسلامية في إسبانيا والتراث الأندلسي.

[1] قاسم السامرائي: الاستشراق بين الموضوعية، الرياض، دار الرفاعي، 1983،
ص 103.

[2] حسن حبشي: مقدمة كتاب: المسلمون في الأندلس لدوزي، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998،ص 6 وما بعدها.

[3] انظر فؤاد كاظم المقدادي: الإسلام وشبهات المستشرقين.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/50748/#ixzz2V3IqhNEp