المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفحات مشرقة من تراثنا البحري الأسطول البحري في الفكر العسكري للناصر صلاح الدّين الأيوبي


Eng.Jordan
06-05-2013, 09:54 AM
وفيق بركات

مقدمة:‏

شهد القرن الحادي عشر الميلادي هجمة قوات الفرنجة الغاشمة التي جاءت تحت ستار حماية المقدسات المسيحية واستطاعت تلك القوات الكبيرة أن تحتل بالقوة الشريط الساحلي لبلاد الشام، فسيطرت على المدن والحصون وشيدت القلاع(1) في المواقع الاستراتيجية وبذلك أمنت طريقاً مفتوحة بين القسطنطينية والقدس.‏

كان العرب في ذلك الحين يعيشون حياة التفرقة والتمزق ويتنازعون الدويلات والإمارات وكانت سلطة الخلافة العباسية ضعيفة، وبرز في تلك الظروف القائد الكبير صلاح الدين الأيوبي فوحد كلمة العرب في مصر والشام وقادهم إلى الانتصار التاريخي في حطين (24 ربيع الآخر 583/1187م)(2).‏

ولد صلاح الدين الأيوبي في شهور سنة 532هـ الموافق 1137-1138م(3) بقلعة تكريت، وكان أبوه أيوب بن شادي والياً بها، حيث اضطر أبوه وعمه إلى الرحيل عنها بأمر من شحنتها(4) بعد ولادته بفترة قريبة جداً. (وتذكر المراجع التاريخية أن الترحيل تم في اليوم التالي لولادته).‏

نشأ صلاح الدين في أسرة من القادة والأمراء وتعلم عن أبيه أيوب براعته في السياسة وشجاعته في الحروب فنشأ متشبعاً بالدهاء السياسي والروح الحربية، كما تعلم علوم العصر الدينية فحفظ القرآن ودرس الفقه والحديث وتعلم طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد(5).‏

لم يبرز صلاح الدين كشخصية عسكرية وسياسية إلا حين ذهب مع همه أسد الدين شيركوه إلى مصر حيث وصلوها في 2 جمادى الآخر سنة 558هـ الموافق 1164م(6) وكان في السابعة والعشرين من عمره، وبدت مهارته العسكرية في السنوات التالية حين قام شيركوه بفتح مدينة الإسكندرية في جولته الثانية إليها 562هـ/1167م(7) وترك ابن أخيه صلاح الدين نائباً عنه فيها مع ألف جندي فقط، واتجه هو على رأس الجزء الأكبر من قواته إلى الصعيد(8) فوقف صلاح الدين موقفاً "قوياً" متماسكاً من ملك بيت المقدس الصليبي الذي حاصره في الإسكندرية وشدد عليه الحصار على الرغم من قلة المؤن والرجال داخل الإسكندرية التي أحبه أهلها وساعدوه في هذا الثبات(9) واستمر في تماسكه حتى وصل عمه أسد الدين شيركوه بجنده إلى الإسكندرية، فعقد صلحاً مع الصليبيين تم بنتيجته فك الحصار وتبادل الأسرى. وحين دخل شيركوه للمرة الثالثة إلى مصر سنحت له الظروف أن يتسلم الوزارة ولقب بالمنصور(10)، لكنه ما لبث أن توفي بعد شهرين في 22 جمادى الثانية سنة 564هـ/آذار 1169م فخلفه فيها ابن أخيه صلاح الدين ولقب بالناصر(11) في عهد الخليفة الفاطمي العاضد بالله.‏

نهض صلاح الدين بأعباء الوزارة بهمة واقتدار فاستمال الناس بالبذل والعطاء، واستقرت له القواعد واستتبت الأحوال على أحسن نظام "وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله عليه فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بلباس الجد والاجتهاد وما عاد عنه ولا ازداد إلا جداً(12).‏

وقد أسهم صلاح الدين الأيوبي في إسقاط الدولة الفاطمية بحنكة ودهاء وبشكل تدريجي حتى كانت الجمعة الأولى من المحرم سنة 567هـ/10 أيلول 1171م حيث أمر بإبطال ذكر الخليفة الفاطمي(13) العاضد في خطبة الجمعة والاستعاضة عن ذلك بالدعوة للخليفة العباسي وتوفي العاضد بعد ذلك بثلاثة أيام.‏

لقد اعترى الضعف دولة الفاطميين في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي بسبب انقساماتها الداخلية فتقلصت قوتها البحرية وعجز أسطولها عن حماية المدن الساحلية الشامية من هجمات الأساطيل الصليبية، فلم ينته القرن الحادي عشر الميلادي إلا وكان الأوربيون سادة لصقلية وجنوب إيطاليا والأقاليم الساحلية في الشام، إلى جانب تحكمهم في طرق التجارة البحرية بين الشرق والغرب(14).‏

ولما دالت الدولة الفاطمية وقامت الدولة الأيوبية (1171-1250م) وانتقلت السلطة إلى صلاح الدين بن أيوب مؤسس الدولة الأيوبية، خص الأسطول بعناية فائقة وأفرد له ديواناً خاصاً وميزانية خاصة "وقد نال الأسطول الأيوبي من النصر المبين ما توج به رأس مصر والإسلام بأكاليل العز والفخار، وسطّره له التاريخ بحروف من ذهب(15).‏

وكانت البحرية العربية في مصر والشام قد ضعفت تماماً بعد أن استولى الصليبيون على عسقلان وصور وعكا وغيرها من القواعد البحرية في الشام، وامتدت غاراتهم إلى المدن الساحلية المصرية كالإسكندرية ودمياط وتنيس ورشيد، ولهذا اهتم الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي منذ بداية حكمه بإحياء البحرية العربية كسلاح مضاد للعدوان الصليبي، وقام في سبيل تقويتها بعدة إجراءات وإصلاحات جسدت مكانة الأسطول البحري في الفكر العسكري لذلك البطل العظيم.‏

1-ديوان الأسطول في عهد صلاح الدين:‏

عندما تولى صلاح الدين السلطة أفرد للأسطول ديواناً خاصاً به أسماه ديوان الأسطول(16) بعد أن كان اسمه أيام الفاطميين "ديوان الجهاد أو ديوان العمائر"(17) فغير اسمه وعززه تعبيراً عن أهمية الأسطول في خططه وتفكيره، وولى عليه قائداً من قبله عرف بصاحب الأسطول، وفي سنة 587هـ/1191م عين صلاح الدين أخاه العادل رئيساً عاماً لديوان الأسطول، ثم عين العادل بدوره صفي الدين بن شاكر نائباً له في ذلك الديوان(18).‏

كان ديوان الأسطول هو الديوان المختص بالنفقة على شؤون القوات البحرية من سفن حربية وجند وبحارة وأسلحة ومؤونة بالإضافة إلى دور الصناعة التي قامت بأعمال ال***** اللازمة للأسطول وأمدها بكل ما تحتاج إليه من أخشاب وآلات.‏

وكتب صلاح الدين إلى ولاة الأعمال المصرية والشامية يأمرهم بتنفيذ طلبات صاحب الأسطول (رئيس الديوان) كلما وصلت إليهم من حيث جمع الرجال للخدمة: "والقول قول صاحب الأسطول وأن لا يمنع من أخذ رجاله وما يحتاج إليه".‏

وخصص صلاح الدين لديوان الأسطول متحصلات إقليم الفيوم وحبس الجيوش وخراج السنط وحصيلة النطروان التي بلغت إذ ذاك 8 آلاف دينار، وذلك فضلاً عن متحصل الزكاة و قدره أكثر من 50 ألف دينار، وأجرة المراكب الديوانية بالإضافة إلى المخصصات الأخرى(20).‏

2-الدفاع الساحلي في خطط صلاح الدين:‏

الدفاع الساحلي هو جزء من منظومة الدفاع عن ساحل الدولة ومياهها الإقليمية، ويشكل ترساً واقياً في وجه الغزاة القادمين من البحر.‏

وقد اهتم صلاح الدين بتقوية أجهزة الدفاع والحراسة الساحلية كالرباطات والمحارس والمناور والمناظر الممتدة على طول سواحل مصر والشام فحشد فيها الأجناد البطالين(21) والأيزاك(22) والأبدال(23) والمنورين للمرابطة فيها وحراستها وقد أصدر مرسوماً بهذا المعنى (هو بمثابة توجيه عملياتي) جاء فيه (إن مرسومنا الشريف اقتضى الاجتهاد في حفظ السواحل والموانئ والاهتمام بأمرها وإقامة الأيزاك في أوقاتها على العادة) وإلزام أربابها بمواظبتها وكذلك المنوّرون بالديدبانات(24) والمناظر والمناور في الأماكن المعروفة وتعهد أحوالها.."(25).‏

وكان على المنورين إذا ما كشفوا عدواً في البحر مقبلاً من بعيد أن يشعلوا النار على قمم المناور أو المنائر إذا كان الوقت ليلاً أو أثاروا فيها الدخان إذا كان الوقت نهاراً، هذا إلى جانب استخدام الطبل والنفير لتحذير أهالي المدن المجاورة من غارة العدو. وكثيراً ما استعمل المنورون إشارات نارية أو دخانية بطرق أو حركات معينة للإخبار عن حالة العدو أو عدده أو جنسيته أو غير ذلك، مع أن المراجع لم تشرح لنا طريقة إرسال هذه الإشارات(26)؟ وبهذه الطريقة التي تشبه صفارات الإنذار في وقتنا الحاضر كان من الممكن إبلاغ القاهرة عن وقوع غارة بحرية في أقصى شمال الشام في ليلة واحدة أو نهار واحد(27).‏

وقد عمل صلاح الدين على تحصين الثغور المصرية المطلة على البحر المتوسط مثل الإسكندرية ودمياط وتنيس، فأمر بعمارة أسوارها، وأبراجها وحفر الخنادق حولها، وحرص على تفقد سير العمل فيها بنفسه، فزار دمياط يومين متفقداً حصونها(28)، وكذلك أمر بإخلاء مدينة تنيس المجاورة لها وإعادة بناء أسوارها ولم يترك فيها سوى المقاتلة فقط(29).‏

أما أسوار الإسكندرية فكان البدء في عمارتها وتجديدها سنة 566هـ/1171م حينما كان صلاح الدين وزيراً للخليفة العاضد الفاطمي، ثم زارها للمرة الثانية في أوائل سلطته 572هـ/1176م عقب زيارته لمدينة دمياط وذلك لمباشرة سير العمل في أسوارها(30).‏

وخلال زيارة صلاح الدين الثالثة لمدينة الإسكندرية سنة 577هـ/1181م عاين خلالها سور المدينة بعد إتمامه، فكان من أحسن الآثار والمآثر(31) ويقال أن صلاح الدين في خلال تلك الزيارة أمر والي المدينة واسمه وقتذاك فخر الدين قراجا بكسر أربعمائة عمود روماني كانت تحيط بعمود السواري (اسم منطقة بالإسكندرية) وإلقائها عند شاطئ البحر لمنع مراكب العدو من الوصول إلى مرساها أو لكسر حدة الأمواج على سور الإسكندرية(32) وهذا النوع من العوائق الهندسية البحرية المعمول به في العصر الحديث.‏

ولما كانت المدن المصرية في ذلك العصر تعاني غزوات الروم وشدائد حصارهم، خاصة ما وقع منها على ساحل البحر، مما اضطرها إلى دفع الخطر المتوقع في كل آن بكل ما تيسر من حيلة ووسيلة، فأقام أصحابها الأسوار المنيعة حولها من طرف البر ومدواً سلاسل الحديد أو المآصر البحرية ذات الأبراج الرصينة في موانئها من طرف البحر فأصبحت الثغور المصرية منيعة لا ترام ولا يوصل إليها.‏

ولما كانت دمياط والإسكندرية والسويس بمثابة المفاتيح الرئيسة لمصر وأهم ثغورها فقد مدت المآصر البحرية عند مداخلها، ونصبت كذلك في رشيد والبرلس وتنيس والغرما (بور سعيد).. وغيرها من المدن الساحلية. ويقول المقريزي عن سلسلة ثغر دمياط في أيام صلاح الدين الأيوبي: "إن برج دمياط كان برجاً منيعاً فيه سلاسل من حديد غلاظ تمد على النيل لمنع المراكب الواصلة في البحر الملح من الدخول إلى ديار مصر في النيل"(33).‏

المآصر: جمع مأصر من أصر يأصره إصراء أي حبسه، والموضع مأصر وهو محبس السفينة بمعنى الحاجز. (راجع أساس البلاغة الزمخشري، ج1، ص14 والقاموس المحيط ج1 ص361، الفيروزآبادي، والأصفهاني: المفردات في غريب القرآن/ ص17).‏

والمآصر البحرية: سلاسل حديدية ضخمة كانت تعترض الميناء فتحده من جهة البحر وكان يرسخ أحد أطرافها في صخرة مرتفعة مشرفة على جانب الميناء، ويربط طرفها الآخر بقفل محكم الصنع يوضع داخل برج مطل على الميناء من جهته الثانية. ويجلس في البرج شخص يطلق عليه اسم صاحب القفل عنده الأمر والنهي في خروج السفن من الميناء ودخولها إليه فيعمل على رفع السلسلة أو خفضها(34).‏

وقد استخدمت هذه المآصر (السلاسل) في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، كما استعملها البيزنطيون في القرن الذهبي أثناء هجوم السلطان محمد الفاتح، ومازالت تستخدم في بعض الدول في العصر الحديث.‏

وهكذا نجد أن صلاح الدين قد استهدف تقوية الدفاع الساحلي في مرحلة تقوية الأسطول بعد الضعف الذي اعتراه في أواخر العهد الفاطمي وحتى لا يفرض عليه العدو معارك بحرية قبل تجهيز أسطوله.‏

3-الجهاد البحري في فكر صلاح الدين:‏

ترادف معنى كلمتي القتال والجهاد في آيات القرآن الكريم: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم..( سورة البقرة 190، و (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيلا لله...( التوبة 41، والجهاد بالنفس في الآية الكريمة مرادف للقتال في سبيل الله.‏

وقد ذهب ابن خلدون إلى اعتبار القتال في البحر جهاداً في أكثر من موضع في بند "قيادة الأساطيل" المقدمة "... وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته، واستحدثوا بصراءبها فشرهوا إلى الجهاد فيه وأنشأوا السفن والشواني وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح وأمطَوْها العساكر المقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر.."(35).‏

وقد عمل صلاح الدين الأيوبي على بث روح الحرب والجهاد في نفوس المسلمين وجعل الأسطول البحري من أدواته الرئيسة في جهاده ضد الغزاة الصليبيين.‏

ويورد بهاء الدين بن شداد حديثاً لصلاح الدين عن الجهاد البحري: "انه متى يسر الله فتح بقية السواحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم أتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت.."(36) لقد كان الجهاد وحبه له والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا اهتمام إلا برجاله ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه(37).‏

وقد ارتبطت الفتوحات البحرية بمبادئ الجهاد في سبيل الله، وعزوا إلى رسول الله ( أنه قال: "إن الجهاد في البحر فيه عشرة أمثال الجهاد في البر(38)".‏

4-السياسة البحرية لصلاح الدين في البحر الأحمر:‏

أطلق العرب على هذا البحر أسماء مختلفة هي نفس أسماء المدن والبلاد المطلة عليه: بحر القُلزُم(39) (السويس) بحر جده، بحر عيذاب، بحر اليمن، بحر الحجاز، بحر فرعون (تعبيراً عن قصة غرق فرعون ملك مصر في هذا البحر أثناء مطاردته للنبي موسى الكليم عليه السلام) أما قدماء المصريين فكانوا يطلقون عليه: الأخضر العظيم.‏

وحينما ولي صلاح الدين حكم مصر سنة 564هـ/1169م وجه عنايته نحو حماية البحر الأحمر وتجارته وحجاجه والأماكن المقدسة المطلة عليه من خطر المستعمر الصليبي الذي كان يحتل سواحل الشام وفلسطين.‏

اعتمد صلاح الدين في تنفيذ تلك السياسة على أسطوله البحري، فعمل على تقويته مستغلاً في بنائه أخشاب السنط التي كانت تنمو بكثرة في وادي النيل وصحراء سيناء.‏

وفي سنة 566هـ/1170م عزم صلاح الدين على احتلال قلعة أيلهْ (في العقبة) التي تقع على باب البحر الأحمر ومداخله، وكانت بأيدي الصليبيين، فعمر لها المراكب الحربية في دور صناعة مصر (الفسطاط) ثم نقل أجزاءها وأخشابها مفككة على الجمال إلى ساحل البحر الأحمر حيث تم تركيبها وشحنها بالرجال والآلات ومن هناك "هاجم القلعة المذكورة وفتحها واستباح بالقتل والأسر أهلها وملأها بالعَد والعُدد وحصنها بأهل الجلاد لأنها في ممر حجاج مصر(40).‏

وبعد سنوات قليلة من فتح أيله أرسل صلاح الدين حملة بقيادة أخيه تورانشاه احتلت اليمن سنة 569هـ/1173م ثم بسط نفوذه على الحجاز وصار يدعى له على منابر مكة. وكان هدف صلاح الدين من هذا التدخل في البلاد المطلة على البحر الأحمر جنوباً وشمالاً هو: "السيطرة على مداخل هذا البحر وحماية تجارته وحجاجه من الخطر الصليبي المرابط في سيناء وجنوب فلسطين".‏

وفي سنة 578هـ/1182م حاول الأمير الصليبي أرناط(41) (كما عرف في المصادر العربية) Renaud de chatillon صاحب حصن الكرك جنوب فلسطين مهاجمة مكة والمدينة عن طريق البحر "فبنى سفناً حربية حملها على جمال الأعراب المجاورين بكراء اتفق معهم عليه، فلما بلغ ساحل البحر أكمل إنشاءها وتأليفها ودفعها إلى البحر، ثم أوقف منها مركبين عند قلعة أيله لمنع أهلها من استقاء الماء، بينما سارت بقية السفن جنوباً نحو عيذاب، فقتلوا واسروا وأحرقوا في البحر نحو ستة عشر مركباً وأخذوا بعيذاب مركباً قادماً بالحجاج من جدة وأخذوا في الأسر قافلة كبيرة من الحجاج بين قوص وعيذاب وقتلوا الجميع وأخذوا مركبين فيهما بضائع جاءت من اليمن واستولوا على أطعمة كثيرة من الساحل كانت معدة لميرة الحرمين، وأحدثوا حوادث لم يسمع في الإسلام بمثلها ولا وصل قبلهم رومي إلى ذلك الموقع، فإنه لم يبق بينهم وبين المدينة النبوية سوى مسيرة يوم واحد... ثم مضوا إلى الحجاز يريدون دخول مدينة الرسول وإخراجه من الضريح المقدس وأشاعوا في ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم(42)، فلما وصل الخبر إلى مصر وبها الملك العادل نائباً عن أخيه صلاح الدين أمر الحاجب حسام الدين لؤلؤ(43) فعمر المراكب بمصر وسار بها براً إلى القلزم حيث أنزلها في البحر هناك وشحنها بالرجال ذوي الخبرة والتجربة من أهل الدين والحمية، مع أنجاد من المغاربة البحريين(44) وسار إلى أيله فظفر بالمركب الفرنجي عندها فخرق السفينة وأخذ جندها ثم عدى إلى عيذاب، وشاهد بأهلها العذاب ودلوه على مراكب العدو فتبعها فوقع بها بعد أيام فأوقع بها وواقعها وأطلق المأسورين من التجار ورد عليهم ما أخذ لهم ثم صعد إلى البر فوجد أعراباً قد نزلوا منه شعاباً، فركب خيلهم وراء الهاربين وكانوا في أرض تلك الطرق ضاربين، فحصرهم في شعب لا ماء فيه، وأسرهم بأسرهم وكان ذلك في أشهر الحج فساق منهم أسيرين إلى منى كما يساق الهدي ونحرهما بها كما تنحر البدن وعادا إلى القاهرة بالأسرى في ذي الحجة 578هـ/1182م(45).‏

وقد أثار هذا التدخل الصليبي في البحر الأحمر انتباه سلاطين الأيوبيين (والمماليك من بعدهم) إلى ميناء عيذاب فازداد اهتمامهم به وبالمنطقة عموماً.‏

5-السياسة البحرية لصلاح الدين في البحر الأبيض المتوسط:‏

عند قيام الدولة الأيوبية على أنقاض الدولة الفاطمية، كان الصليبيون قد استولوا على عسقلان وصور وعكا وغيرها من القواعد البحرية الواقعة على ساحل البحر المتوسط، الأمر الذي دفع بالسلطان صلاح الدين إلى إحياء البحرية العربية لمواجهة العدوان الصليبي، واتخذ إجراءات كثيرة في هذا المجال منها: ديوان الأسطول وزيادة رواتب البحارة وتخصيص الأموال اللازمة للأسطول وتنشيط دور الصناعة لبناء المزيد من السفن وتقوية الثغور وأجهزة الدفاع والحراسة الساحلية وبث روح الحرب والجهاد المقدس في نفوس المسلمين وحصر نقل السلاح والعتاد، إذ منع الأهالي والتجار من التعامل مع الفرنجة في المواد الحربية وأصدر مرسوماً في هذا الصدد جاء فيه: ".. واقتضى مرسومنا الشريف أن لا يمكن أحد من نقل سلاح ولا عدة إلى جهة البلاد الرومية، ومرسومنا للمقر الكريم أن يتقدم أمره العالي بأن لا يمكن أحد من نقل سلاح ولا عدة إلى جهة البلاد المذكورة، والاحتراز على ذلك كل الاحتراز فيحيط علمه بذلك"(46).‏

وبعد عشر سنوات قضاها الأسطول الأيوبي في الإعداد والتدريب قام بعدة عمليات ناجحة ضد العدو في مياه البحر المتوسط وهي:‏

آ-الغارة على السواحل البيزنطية (575هـ/1179م):‏

يصفها القاضي الفاضل بأنها كانت غارة لستين شنياً(47) أغارت على سواحل الإمبراطورية البيزنطية وعلى الإمارات الصليبية بساحل الشام، حيث هبط المجاهدون المسلمون وتوغلوا في داخل أراضيها وأسروا فيها ما يقرب من الألف أسير "أحضروهم قيد الإسار وغنمت من هذه الغزوة أقوام كانت أعينهم لا تعرف عين الدرهم ولا وجه الدينار(44).‏

ب-معركة بحرية قرب الإسكندرية:‏

كانت معركة بحرية مع سفن العدو ظفر منها الأسطول العربي ببطُستين(49) كبيرتين استولى عليهما وقادهما إلى الإسكندرية مستصحباً ألف رأس من السبي(50). وقد حدث هذا النصر في الوقت الذي انتصرت فيه جيوش صلاح الدين بالبر عند "مرج عيون" بنواحي مدينة بانياس على الساحل الشامي. وفي ذلك يقول القاضي الفاضل: "فما أقرب ما بين النصرين في المصرين، وما أعذب عذاب الفئتين، وتجريعهما الأمرين، لقد عم النصر وتساوى فيه البر والبحر"(51)، إذ أنه في شهر آذار 1178م/573هـ سار صلاح الدين قاصداً "سوريا" فنزل دمشق وتنقل من بلد لآخر ونازل الصليبيين في حماة وانتصر عليهم في شهر آب 1178م وفي 9 حزيران عام 1179 علم صلاح الدين أن الصليبيين قد خرجوا إلى الحرب فالتقى بهم وتقاتلوا قتالاً شديداً في موقعة مرج عيون وانتصر المسلمون على الصليبيين وأسرت فرسانهم وانهزم رجالهم وبلغ عدد الأسرى 270 ونيفاً عرضوا على صلاح الدين فأمر بنقلهم إلى دمشق، وكان عدد الصليبيين عشرة آلاف فارس وانهزم ملكهم جريحاً(52).‏

ج-هجوم الأسطول العربي على عكا (14 تشرين أول 1179م):‏

يعتبر القاضي الفاضل ميناء عكا قسطنطينية الفرنج. فتحرك الأسطول العربي من مصر لغزو فلسطين، التي اعتصم فيها الصليبيون (بعد أن احتلوا موانيها في أواخر العهد الفاطمي) ومنازلة أساطيلهم على متن البحار، وكانت قوة الأسطول الأيوبي قد زادت في تلك السنة واستخدم فيه بحارة من بلاد المغرب ممن سبق لهم غزو الفرنج. وفي يوم 14 تشرين أول 1179م/ 11 جمادى الأولى 575هـ وصل الأسطول المصري إلى ميناء عكا الذي كان يعج بسفن الصليبيين ومراكبهم التجارية فاستولى الأسطول الأيوبي على عدة منها تحطيماً وأخلى الميناء من الباقي مدة يومين "وهذا ما لم يقم به أسطول مثله في سالف الدهر، ولا في حالة قوة إسلام ولا في ضعف كفر(53) ومما يذكر أن عساكر الأسطول قتلوا بعض رجال قلعة عكا رمياً بالسهام من بعد كبير، وهذا دليل على الكفاءة العالية في الرماية والقتال.‏

د-الهجوم على جزيرة أرواد في سنة 576هـ/1180م:‏

هاجم الأسطول الأيوبي في مصر جزيرة أرواد واستولى عليها، ومن هناك صار يغير على مدينة انطرطوس (طرطوس) المواجهة لها فخرب مبانيها وأشعل النار فيها(54).‏

هـ-في عام 577هـ/1180م ظفر الأسطول العربي الأيوبي ببطسة عظيمة من سفن العدو كانت قادمة من إيطاليا وتحتوي على ألفين وخمسماية نفس من رجال القوم وأبطالهم(55)، وهذا يمثل من وجهة نظر فن الحرب (قطع خطوط المواصلات البحرية المعادية).‏

و-في سنة 578هـ/1182م أصدر صلاح الدين أوامر إلى الأسطول المصري بالذهاب إلى بيروت فأقلع إليها ونازلها وأغار عليها، وسار صلاح الدين فوافاه إليها وضرب الحصار حولها براً وبحراً عدة أيام. وبينما هو كذلك تلقى نبأ نزول جمع من الفرنج في ميناء دمياط، كما تلقى من مظفر الدين كوكبري صاحب حران رسالة يطلب فيها سرعة قدومه إلى الفرات، فقام صلاح الدين من فوره وسار إلى الرها فحاصرها وملكها ثم واصل سيره إلى الرقة فملكها ومنها إلى نصيبين والموصل وسنجار(56) أما بيروت فلم تسقط في قبضة صلاح الدين إلا في السابع من آب 1187م/ جمادى الأولى 583هـ(57).‏

كما قام في نفس العام بغارات على جزيرتي كريت وقبرص والسواحل الجنوبية لآسيا الصغرى ظفر منها بمراكب شحن صليبية كبيرة تحمل أخشاباً إلى عكا ومعها نجارون ليبنوا منها شواني للصليبيين فأسر النجارين ومن معهم وهم نيف وسبعون. أما الأخشاب فقد انتفع بها المجاهدون، وهذه العملية يمكن تصنيفها أيضاً كقطع لخطوط مواصلات العدو البحرية.‏

ز-وفي سنة 579هـ/1183م ظفر المسلمون ببطسة مقلعة من الشام فيها: "ثلاثمائة وخمسة وسبعون علجاً منهم خيالة ذوو شكة وازعة وتجار أولو ثروة واسعة"(58).‏

إن تلك الانتصارات تبين بوضوح أن نشاط الأسطول العربي الأيوبي ضد قوافل العدو وقواعده البحرية في البحر المتوسط خلال السنوات العشر التي سبقت وقعة حطين، قد عملت على شل حركة إمداداته ومواصلاته البحرية مما ساعد على نجاح خطط صلاح الدين في الشام وانتصاره التاريخي في حطين (تموز 1187م/ 583هـ).‏

6-موقعة حطين طريق صلاح الدين إلى تحرير السواحل والقواعد البحرية الشامية:‏

كان صلاح الدين خلال تلك المدة يعمل على جمع كلمة العرب وتوحيد الممالك العربية المتفرقة، واستطاع أخيراً أن يكون جبهة عربية متحدة تمتد من برقة غرباً إلى الفرات شرقاً ومن الموصل وحلب شمالاً إلى النوبة واليمن جنوباً(59). وقد شرح صلاح الدين سياسته هذه في خطاب أرسله إلى الخليفة العباسي المستضيء بالله (1171-1180م) الخليفة العباسي 33(60) يقول فيه: "ولو أن أمور الحرب تصلحها الشركة لما عز علينا أن يكون هناك كثير من المشاركين ولا أساءنا أن تكون الدنيا كثيرة المالكين، وإنما أمور الحرب لا تحتمل في التدبير إلا الوحدة، فإذا صح التدبير لم يحتمل في اللقاء إلا العدة"(61).‏

وجدير بالذكر أن الخليفة المذكور احتجب عند ظهور صلاح الدين.‏

وكانت الخطوة التالية لهذه الوحدة أن يقوم صلاح الدين بهجوم عام على مملكة الصليبيين في بيت المقدس، فاتجه بجيوشه إلى قلعة طبريا فحاصرها وسيطر على آبار المياه المجاورة، وجعل نهر الأردن وراءه. وكان هدفه من ذلك هو استدراج الجيوش الصليبية من ساحل الشام إلى المكان الذي حدده للمعركة وهو تل صخري مجاور، لا مياه فيه وهو "تل حطين" وعرف في بعض المراجع التاريخية بـ "قرون حطين".‏

ففي هذا المكان أنزل صلاح الدين بالصليبيين هزيمة فادحة في تموز 1187م 583هـ وقتل وأسر منهم عدداً كبيراً حتى قال المؤرخ ابن الأثير: "وكان من يرى القتلى يحسب أن ليس هناك أسرى ومن كان يرى الأسرى يحسب أن ليس هناك قتلى"(62).‏

ولقد فتح هذا النصر الطريق إلى بقية الممتلكات الصليبية واختار صلاح الدين أن يبدأ أولاً بالمدن الساحلية ليحرم الصليبيين من قواعدهم البحرية التي تربطهم بالعالم الخارجي وخاصة غرب أوروبا قلب الحركة الصليبية فيصبحوا محصورين داخل بلاد الشام ويسهل القضاء عليهم، هذا فضلاً عن أن استيلاء صلاح الدين على موانئ الشام سيمكنه من تحقيق الاتصال البحري السريع بين شطري دولته في مصر والشام(63).‏

ولقد نظم صلاح الدين تعاون البحرية المصرية مع الجيوش الشامية على استرداد عكا وقيسارية وبيروت وجبيل وعسقلان وغيرها من الثغور الشامية(64) الساحلية، كما خرج صلاح الدين من نصر حطين بإحراز انتصارات أخرى حرر فيها فلسطين واسترد بيت المقدس في ذكرى ليلة الإسراء والمعراج في 27 رجب 583هـ/1187م كما استرد جميع القواعد البحرية الشامية باستثناء صور وطرابلس وأنطاكية. وقد عبر صلاح الدين عن هذا النصر بقوله في رسالة إلى أخيه تورانشاه باليمن: "وإن بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلا سلاماً سلاماً".(65).‏

وتجدر الإشارة إلى أنه اعتباراً من معركة حطين عادت المبادهة الاستراتيجية إلى جانب العرب المسلمين وأخذت كفة فن الحرب الإسلامي ترجح على الفن الصليبي حتى تفوق عليه وزال الخطر الصليبي.‏

7-الصراع البحري للسلطان صلاح الدين مع الغزاة الصليبيين بعد تحرير القدس:‏

آ-أحدث تحرير بيت المقدس وضياع معظم الممتلكات الصليبية رد فعل قوي في غرب أوروبا، إذ أخذت البابوية تبشر بحملة صليبية جديدة وتحض الملوك والحكام على فض منازعاتهم الداخلية والاشتراك في هذه الحملة. وقد لبى الدعوة ثلاثة من كبار ملوك غرب أوروبا وهم فردريك بربروسا إمبراطور ألمانيا وريتشارد(66) قلب الأسد ملك إنكلترا وفيليب الثاني ملك فرنسا، وعرفت هذه الحملة بالحملة الصليبية الثالثة وامتدت ثلاث سنوات (1189-1192م) وتعتبر من أكبر الحملات الصليبية في عدد جيوشها وأساطيلها(67).‏

وقد بلغت أخبار الاستعداد لهذه الحملة مسامع صلاح الدين، ونصحه بعض رجاله بتخريب عكا وتدمير أسوارها وإقامة عدد من المرابطين مكانها لخطورة موقعها على المسلمين إذا ما تملكها الصليبيون، غير أن صلاح الدين كان لا يميل إلى تخريب المدن العامرة(68) وفضل أن يزيد في استحكامات عكا ووسائل الدفاع عنها واختار لهذا الأمر الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي الذي سبق أن أدار السور حول القاهرة وبنى قلعة المقطم "فاستدعاه من مصر هو وأساتيذ العمل وأنفاره ودوابه وآلاته وأبقاره وفوض إليه عمارة عكا وعينه والياً عليها". كذلك استدعى حامية من جنود مصر للمشاركة في الدفاع عن هذا الثغر(69) الهام.‏

ب-حصار عكا:‏

أخذت حشود الصليبيين وأساطيلهم تنزل تباعاً على عكا في سنة 585هـ/1189م ويقدر عدد سفنهم بما لا يقل عن 552 سفينة من مختلف البلاد الأوروبية، وهذا العدد كان يزيد بكثير على ما كان عند صلاح الدين من سفن حربية. وقد اعترف صلاح الدين بهذا التفوق البحري للعدو في بعض رسائله مثل قوله: "ومن خبر الكفار أنهم الآن على عكا يمدهم البحر بمراكب أكثر عدة من أمواجه، ويخرج للمسلمين منهم أمرّ من أجاجه... فإذا قتل المسلمون واحداً في البر بعث البحر عوضاً عنه ألفاً"(70).‏

على أن صلاح الدين لم يقف ساكناً حتى تكتمل تجمعات العدو حول عكا بل سارع في مهاجمته، واستطاع فتح الطريق إلى المدينة لإمدادها بالمؤن والأسلحة والرجال، كما رتب اليزك الدائم (الحرس) لمنع العدو من الخروج من خيامه فانحصر فيها بحيث صار لا يخرج منها أحد إلا يقتل أو يجرح(71).‏

وأظهرت حامية المدينة تحت قيادة قراقوش بطولة وشجاعة تسترعي الانتباه واستمر الوضع على هذا النحو والقتال دائر على عكا إلى أن كثرت جثث القتلى وجيف الدواب من الجانبين، وقد أفاد الصليبيون من هذا الانسحاب إذ تمكنوا من إطباق الحصار حول المدينة وقطع الطريق إليها(72).‏

وهنا نجد البحرية العربية تتحمل عبء الاتصال بحامية المدينة من جهة البحر وإمدادها بالمؤن والأموال والذخائر والرسائل وغير ذلك. ويرى أبو شامة أن السلطان صلاح الدين استدعى الأسطول المصري في أواخر 585هـ/1189م فقدمت خمسون قطعة بقيادة أمير البحر حسام الدين لؤلؤ الذي فاجأ مراكب العدو في مياه عكا وانتصر عليها وبدد شملها وظفر منها بمركبي شحن مملوءتين بالغلال والأموال والرجال، كما أمد حامية المدينة بما تحتاج إليه من طعام وسلاح(73).‏

ويروي سيد علي الحريري بعض التفاصيل عن ذلك القتال فيقول: "وكان صلاح الدين قد ركب في العساكر جميعها وقاتلهم من كل جهة لينشغلوا بقتاله عن قتال الأسطول فيتمكن من دخول عكا فلم ينشغلوا وخرج أسطولهم، وكانت الناس قد خرجت على جانب البحر تقوية للأسطول وإيناساً له ولرجاله. وقد التقى الأسطولان في البحر والعسكران (يقصد الجيشين) في البر واضطرمت نار الحرب واستمرت وباع كل فريق نفسه ودار قتال شديد انجلى عن نصرة الأسطول المصري بعد أخذ مركب منه وقتل من كان بأسطول الصليبيين ونهب ما فيه ودخل الأسطول المصري عكا وكان قد صحبته مراكب من الساحل فيها ميرة وذخيرة.."(74) وطابت قلوب أهل البلد بذلك.‏

على أن هذه الميرة لم تلبث أن نفدت بعد قليل مما اضطر الأمير بهاء الدين قراقوش والي المدينة إلى الاستنجاد بصلاح الدين من جديد(75) واستمر الأسطول المصري يشق طريقه بنجاح إلى عكا حاملاً إليها مختلف الإمدادات. وقد اتخذ من ميناء حيفا في جنوبها مأوى يختبئ فيه إذا ما اشتد خطر الفرنج في البحر، وكثيراً ما ارتطمت بعض سفنه بصخور الشاطئ بسبب هيجان البحر في فصل الشتاء وقد اضطر الملك العادل أن يرابط بجيوشه عند ميناء حيفا للإشراف على السفن القادمة من مصر في طريقها إلى عكا(76).‏

أما في شمال عكا فكانت مدينة بيروت قاعدة الأسطول الشامي، وكان يوجد على سواحلها في مكان يسمى الزيب أو الزئب طائفة من المسلمين يجهزون السفن الداخلة إلى عكا ويقطعون الطريق على الفرنج، وكان لأمير بيروت في ذلك الوقت واسمه عز الدين سامة غزوات كثيرة في البحر ضد مراكب العدو المارة ببيروت في طريقها إلى عكا، فغنم هم ورجاله مغانم كثيرة، ويؤثر عنه أنه استولى على خمس سفن من أسطول ملك إنكلترا ريتشارد قلب الأسد كانت مملوءة خيلاً ورجالاً ونساء وأموالاً(77).‏

وكان السلطان صلاح الدين "قد أمر نواب الإسكندرية بتجهيز سفن كبار وتعميرها بالغلال والأقوات وتسيرها إلى عكا ولكنها أبطأت عن الموعد المطلوب مما أضر بالمقيمين بمدينة عكا. وفكر صلاح الدين فيما يتعجل به الغرض فكتب إلى متولي بيروت عز الدين سامة، فجهز بطسة كبيرة ملأها ميرة وغلة كثيرة وأركبها جماعة على زي الفرنج ممسوحي اللحي وأصحبهم صلباناً وخيل بهم رهباناً، وكانت هذه البسطة من الفرنج مأخوذة وهي بساحل بيروت منبوذة، فامر السلطان صلاح الدين بترميمها وتتميمها، فملئت بالشحوم واللحوم وأربعمائة غرارة وأحمال من النشاب والنفط ورتب فيها رجالا مسلمون ونصارى من أهل بيروت وأرادوا أن تتشبه ببطس العدو في البحر، فشدوا زنانير واستصحبوا خنازير وساروا بها في البحر بمراكب الفرنج مختلطين، إلى محادثتهم ومجاذبتهم منبسطين(78).‏

ويذكر ابن شداد(79): "واعترضهم في الحراقات (يقصد سفن الصليبيين وقالوا: "نراكم قاصدين البلد". واعتقدوا أنهم منهم فقالوا: "ولم تكونوا قد أخذتم البلد؟" فقالوا: "لا لم نأخذ البلد بعد" فقالوا: "نحن نرد القلوع إلى العسكر ووراءنا بطسة أخرى في هوائنا، فأنذروهم حتى لا يدخلوا البلد، وكان وراءهم بطسة فرنجية قد اتفقت معهم قاصدين المعسكر، فنظروا فرأوها فقصدوها لينذروها، فاشتدت البطسة الإسلامية في السير واستقامت لها الريح حتى دخلت الميناء وكان ذلك في العشر الأخير من شهر رجب 586هـ"(80). بذل صلاح الدين كل ما بوسعه لإنقاذ عكا فأرسل في سنة 586هـ/1190م سفيراً من قبله هو الأمير عبد الرحمن بن منقذ إلى خليفة المغرب يعقوب المنصور الموحدي يطلب إعانته بالأساطيل البحرية لتحول بين أساطيل الأعداء وبين إمداد أساطيلهم في الشام. وعلى الرغم مما قيل من أن المنصور رفض هذا الطلب لأن صلاح الدين لم يلقبه في رسالته بلقب أمير المؤمنين(81) أي لم يعترف بخلافة الموحدين، فقد ذهب بعض المؤرخين المغاربة إلى أن المنصور قد أرسل لصلاح الدين مئة وثمانين سفينة حربية لمنع الصليبيين من سواحل الشام(82) وكيفما كان الأمر فإنه يلاحظ أن أساطيل الموحدين في ذلك الوقت كانت هي الأخرى تجابه أخطاراً جسيمة في مياه المحيط الأطلسي غربي الأندلس، حيث كانت أساطيل الألمان والإنكليز والفلمنك (سكان الأراضي الهولندية) المتجهة إلى الشام، كثيراً ما ترسو في الموانئ البرتغالية وتعاون ملك البرتغال سانشو الأول في مهاجمة جيرانه المسلمين في غرب الأندلس لهذا كان على أسطول الموحدين أن يعمل على حماية هذه الأطراف المغربية الإسلامية من هذا الخطر الصليبي(83).‏

وفي أوائل سنة 1191م اشتد ضغط الصليبيين على عكا وعظمت شكاية حامية المدينة من طول المقام بها ومعاناة التعب والسهر وملازمة القتال ليلاً ونهاراً، وقرر صلاح الدين تجديد حامية المدينة بواسطة أسطوله (أي تبديل القوات أو تبديل المناوبة القتالية في الظروف الحديثة).‏

إلا أن هذه العملية لم تتم بنجاح بسبب صعوبة الظروف التي تمت فيها وتكالب العدو على المدينة من كل ناحية. ويعلق كل من ابن الأثير وأبي شامة على ذلك بقوله: ودخل إليها عشرون أميراً عوض ستين، فكان الذين دخلوا قليلاً بالنسبة إلى الذين خرجوا، فلا جرم أن وقع الوهن وقضي الأمر"(84).‏

ويذكر ابن شداد في هذا المجال تحت عنوان إدخال البدل إلى البلد: "ولما هاج البحر وأمنت غائلة مراكب العدو ورفع ما كان له في البحر من الشواني إلى البر، اشتغل السلطان –رحمة الله عليه- في إدخال البدل إلى عكا، وحمل الميرة والذخائر والنفقات والعدد إليها وإخراج من كان بها من الأمراء لعظم شكايتهم من طول المقام بها ومعاناة التعب والسهر، وملازمة القتال ليلاً ونهاراً، فكان مقدم البدل الداخل من الأمراء هو الأمير سيف الدين علي المشطوب، دخل في يوم الأربعاء السادس عشر المحرم من شهور سنة 587هـ وفي ذلك اليوم خرج المقدم الذي كان بها وهو الأمير حسام الدين أبو الهيجاء وأصحابه ومن كان بها من الأمراء ودخل مع المشطوب خلق من الأمراء وأعيان من الخلق، وتقدم إلى كل من دخل أن يصحب معه ميرة سنة كاملة..)(85).‏

هذا وقد زاد الموقف حرجاً احتلال ملك إنكلترا ريتشارد لجزيرة قبرص من أيدي البيزنطيين في نفس تلك السنة 1191م ومن ثم صارت قبرص قاعدة بحرية جديدة للصليبيين ومركزاً دائماً لتموين إماراتهم في الشرق العربي.‏

وقد أثار هذا الحادث موجة من الفرح والحماسة في نفوس الصليبيين فشددوا هجماتهم على عكا واضطرت حامية المدينة أن توجه آخر نداء بالحمام الزاجل إلى صلاح الدين يقولون فيه: "إننا قد بلغ منا العجز إلى غاية ما بعدها إلا التسليم، ونحن في الغد ثامن الشهر (جمادى الأولى سنة 587هـ/1191م إن لم تعملوا شيئاً نطلب الأمان ونسلم البلد(86).‏

ولم تنجح جميع المحاولات العسكرية التي بذلها صلاح الدين لإنقاذ عكا فاضطر قائدها قراقوش إلى الاستسلام في تموز 1191م بعد مقاومة دامت سنتين تقريباً.‏

ج-ثم واصل الملك ريتشارد زحفه جنوباً بحذاء الساحل وأساطيله تسير بجواره في البحر واستطاع أن يستولي على فلسطين من عكا إلى يافا ثم انحدر جنوباً نحو عسقلان وخشي صلاح الدين على مصر من أطماع الصليبيين خصوصاً وأن ملك إنكلترا ريتشارد قد صرح بذلك مراراً وحصل على كثير من الجمال والظهر لهذا الغرض(87). واضطر صلاح الدين إلى تخريب عسقلان فحرم الصليبيين من هذه القاعدة البحرية التي كان من الممكن استغلالها في مهاجمة مصر ومثلما فعلوا بعد سقوطها في أيديهم من قبل سنة 1153 على عهد الفاطميين. وهكذا استطاع صلاح الدين أن يحتفظ بمفتاح المسالك الشرقية المؤدية إلى مصر(88).‏

د-وحاول ريتشارد قلب الأسد أن يسترجع بيت المقدس ولكنه فشل تماماً واضطر أن يعقد (صلح الرملة) مع صلاح الدين في تشرين الثاني 1192م/588هـ وأهم شروطه أن يحتفظ الصليبيون بالمدن الساحلية من صور إلى يافا ويبقى بيت المقدس تحت الحكم الإسلامي(89).‏

وقام صلاح الدين عقب هذه الهدنة بالعمل على خلاص أصحابه من الأسر ومنهم بهاء الدين قراقوش والي عكا ثم تفقد الثغور الشامية فزار صيدا وبيروت وعاد إلى دمشق حيث وافته المنية في سنة 589هـ/1193م ودفن هناك ومعه سيفه الذي كان معه في الجهاد ليتوكأ عليه إلى الجنة(90).‏

هـ-البطولات البحرية العربية خلال معارك عكا:‏

ظهرت خلال معارك عكا بطولات عديدة نذكر منها:‏

بطولات الضفدع البشري عيسى العوام:‏

كان يشد على وسطه الرسائل والذهب ثم يغوص ليلاً في البحر على غرة من العدو ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو، ويدخل عكا حيث يسلم الرسائل إلى رجال الحامية بينما كان الذهب يصرف نفقة للمجاهدين. وقد ذكر ابن شداد: "ومن نوادر هذه الواقعة ومحاسنها أن عواماً مسلماً كان يقال له عيسى وكان يدخل إلى البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلاً، على غرة من العدو وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو وكان ذات ليلة شد على وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينار وكتُب للعسكر وعام في البحر فجرى عليه أمر أهلكه وأبطأ خبره عنا، وكانت عادته أنه إذا دخل البلد طار طير عرفنا بوصوله، فأبطأ الطير، فاستشعر الناس بهلاكه. ولما كان بعد أيام بينما الناس على طرف البحر في البلد، وإذا البحر قد قذف إليهم ميتاً غريقاً فافتقدوه فوجدوه عيسى العوام ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب، وكان الذهب نفقة للمجاهدين، فما رؤي من أدى الأمانة في حال حياته وقد أداها بعد وفاته إلا هذا الرجل، وكان ذلك في العشر الأخير من رجب 586هـ"(91).‏

بطولة الأمير مجاهد جمال الدين:‏

تخلفت سفينة الأمير مجاهد جمال الدين محمد بن أرككز عن بقية الأسطول المصري فأحاطت بها مراكب العدو واضطر ملاحوها إلى القفز في الماء طالبين النجاة بأنفسهم بينما ظل أميرهم يقاتل ويقاوم، فعرض عليه الصليبيون الأمان إذا استسلم لهم فقال: "ما أضع يدي إلا في يد مقدمكم الكبير، فلا يخاطر الخطير إلا مع الخطير". فجاء إليه المقدم وظن أنه قد حصل له الأسير، فعاقره وعانقه وقوي عليه وما فارقه، ووقعا في البحر وغرقا وترافقا، وعلى طريق الجنة والنار افترقا"(92).‏

بطولة يعقوب الحلبي:‏

خرج يعقوب الحلبي من بيروت على رأس سفينة كبيرة (بطسة) مشحونة بالآلات والميرة والرجال لإمداد حامية عكا فاعترضه ملك إنكلترا ريتشارد قلب الأسد وحاصره بسفنه التي كانت تبلغ الأربعين قطعة فقاتلهم المسلمون قتالاً عنيفاً وأحرقوا لهم سفينة كبيرة غرقت بما فيها ولما تكاثر العدو على سفينة المسلمين وكاد أن يستولي عليها قال المقدم يعقوب: "والله لا نقتل إلا عن عز ولا نسلم إليهم من هذه البطسة شيئاً". ثم حطموا جوانب البطسة بالمعاول حتى فتحوها فامتلأت ماء وغرق جميع من فيها وما فيها ولم يظفر العدو منها بشيء(94).‏

وتلقف العدو بعض من كان فيها وأخذوه إلى الشواني من البحر وخلصوه من الغرق ومثلوا به وأنفذوه إلى البلد ليخبرهم بالوقعة... والسلطان يتلقى ذلك بيد الاحتساب في سبيل الله تعالى والصبر على بلائه(95).‏

بطولة بحارة البطس العربية القادمة من مصر:‏

ذكر ابن شداد: "لما كان العشر الأوسط من شعبان 586هـ كتب بهاء الدين قراقوش وهو والي البلد، والمقدم على الأسطول وهو الحاجب لؤلؤ يذكران للسلطان: "لم يبق بالبلد ميرة قدر يكفي البلد إلى ليلة النصف من شعبان لا غير" فأسرّها يوسف (يقصد السلطان صلاح الدين) في نفسه ولم يبدها لخاصٍ ولا عام خشية الشيوع والبلوغ إلى العدو، ويضعف به قلوب المسلمين. وكان السلطان قد كتب إلى مصر بتجهيز ثلاث بطس مشحونة بالأقوات والآدام والمير وجميع ما يحتاج إليه في الحصار، بحيث يكفيهم ذلك طول الشتاء، وأقلعت البطس الثلاث من الديار المصرية ولججت في البحر تتوخى النوتية بها الريح التي تحملها إلى عكا، فطابت لهم الريح حتى ساروا ووصلوا إلى عكا ليلة النصف من شعبان المذكور وقد فنيت الأزواد ولم يبق عندهم ما يطعمون الناس في ذلك اليوم، وخرج عليها أسطول العدو فقاتلها، والعساكر الإسلامية تشاهد ذلك من الساحل والناس في تهليل وتكبير، وقد كشف المسلمون رؤوسهم يبتهلون إلى الله تعالى في القضاء بتسليمها إلى البلد، والسلطان رحمه الله على الساحل كالوالدة الثكلى يشاهد القتال ويدعو إلى ربه بنصره، وقد علم من شدة القوم ما لم يعلمه وفي قلبه ما في قلبه والله يثبته، ولم يزل القتال حول البطس من كل جانب والله يدفع عنها والريح تشتد والأصوات قد ارتفعت من الطائفتين والدعاء يخرق الحجب حتى وصلوا بحمد الله تعالى سالمين إلى ميناء البلد، وتلقاهم أهل عكا تلقي الأمطار عن جدب، وامتاروا ما فيها، وكانت ليلة بليال، وكان دخولها عصر يوم الاثنين رابع عشر شعبان من السنة المذكورة".‏

8-فن الحرب البحرية في معارك صلاح الدين(94):‏

إن دراسة الهجوم على عكا وتحرير السواحل والقواعد الشامية 1179م ودراسة حصار عكا وسقوط السواحل الشامية بأيدي الصليبيين 1191م من وجهة نظر فن الحرب البحرية ومكانة الأسطول البحري في الفكر العسكري للناصر صلاح الدين الأيوبي تقودنا إلى الاستنتاجات التالية:‏

آ-لم يكن صلاح الدين يقاتل بشكل عشوائي بل كان يضع مخططاً للقتال ويدرسه بدقة وعناية ثم يتحرك بحسبه(95م).‏

ب-إن عملية الهجوم على عكا 1179م هي جزء من استراتيجية وضعها صلاح الدين افتتح بها الساحل الشامي، إذ كانت غايته الأولى فتح بيت المقدس واستعادته من الصليبيين لكنه لم يبدأ بفتحه مباشرة بعد انتصار حطين خشية أن يحرك ويثير الغرب الأوروبي ضده فيفشل بل رأى أن يبدأ بفتح المدن الساحلية فيضمها إليه ويبعد الصليبيين عنها وبذلك يفقد القوات التي تحتل بيت المقدس إمكانية وصول إمدادات غربية عن طريق البحر. وفقدان الأمل هذا هو الذي يساعده على فتح بيت المقدس دون إراقة دماء أو فقدان أحد من جنوده، وقد أثبت التاريخ بعد نظره الاستراتيجي(96) وهكذا فإن التكامل في التخطيط العسكري بين الجبهة البرية والجبهة البحرية قد ساعد على تحرير القدس، وقد ظهر بعد نظره الاستراتيجي أيضاً في موقعة حطين إذ وضع خططه وفرض على العدو زمن المعركة ومكانها وشروطها، كما ظهر ذلك في تقوية الدفاع الساحلي في مرحلة تقوية الأسطول.‏

ج-قاد صلاح الدين خلال الهجوم على عكا 1179م عمليات بحرية مشتركة شارك فيها الأسطول البحري والقوات البرية في عملية مركّبة شملت:‏

د-تدمير قوى العدو البحرية في البحر وهذا نوع من أنواع العمليات البحرية من منظور فن الحرب البحرية الحديثة.‏

هـ-اختراق الحصار البحري لتموين القوات المحاصرة.‏

و-التعاون بين القوات البحرية والقوات البرية في الأعمال القتالية المشتركة واستدعاء الأسطول البحري لذلك من مصر للتعاون بين مصر والشام في قتال العدو الصليبي، وهذا تعاون على المستوى الاستراتيجي والعملياتي.‏

ز-استخدام الخداع والتمويه في الأعمال القتالية البحرية.‏

ح-لجأ صلاح الدين إلى تبديل القوات المحاصرة المنهكة بقوات جديدة عن طريق البحر لاستمرار الصمود وهو نوع من تبديل المناوبة القتالية وبالرغم من أن تلك الخطة لم يكتب لها النجاح بسبب الظروف الجوية والعسكرية القاسية، إلا أن ذلك يدل على المستوى العالي في التفكير العسكري لصلاح الدين الأيوبي.‏

ط-اعتمد صلاح الدين على شجاعة وتضحية البحرية العربية وعقيدة الجهاد في قتالها ضد عدو يفوقها قوة وكثرة واعتمد في المقاومة على عنصري المفاجأة والحيلة مع صدق العزيمة. وفي هذا الصدد يقول صلاح الدين نفسه في إحدى رسائله: "وكان عدد مراكبهم كبيراً ولكن لقيناهم بأصدق منهم عزيمة والقليل مع العزم الصادق كثير"(97).‏

ط-ابتكار مبدأ استخدام الضفادع البشرية للاتصال في حالة الحصار ولاختراق منطقة حشد أسطول العدو.‏

ي-أثبت صلاح الدين أن الوحدة قوة، فوحد الصفوف العربية، وجند إمكاناتها البرية والبحرية والاقتصادية وبث روح الحرب وعقيدة الجهاد فصمد العرب في وجه الأطماع الصليبية.‏

خاتمة:‏

نرى مما تقدم أن الحملة الصليبية الثالثة قد فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي وهو استرداد الأماكن المقدسة في فلسطين من المسلمين إلا أنها في الوقت نفسه استطاعت أن تسيطر على معظم شواطئ الشام بما فيها من موانئ مثل صور وحيفا وقيسارية وأرسوف(98) ويافا فضلاً عن عكا التي غدت المنفذ الرئيسي لمملكة بيت المقدس الصليبية على البحر المتوسط(99) إلى أن استطاعت دولة المماليك البحرية (1250-1382م) أن تقضي على دولة الصليبيين في الشام وتطردهم منه نهائياً سنة 1291م(100).‏

ولاشك أن البحرية العربية قد خسرت كثيراً من جراء ضياع معظم سواحلها وقواعدها الشامية، وفقد العرب سيطرتهم على البحر المتوسط منذ قيام الحركة الصليبية وتمكنت أوروبا الغربية من السيطرة على سواحل هذا البحر وجزره وتجارته بحيث صار بحراً أوربياً. وقد اعترف ابن خلدون بهذا التحول بقوله: ".. لما قام صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام باسترجاع ثغور الشام تتابعت أساطيلهم بالمدد لتلك الثغور من كل ناحية، فأمدهم بالعدد والأقوات ولم تقاوم أساطيل الإسكندرية لاستمرار الغلب لهم من ذلك الجانب الشرقي من البحر وتعدد أساطيلهم فيه، وضعف المسلمين منذ زمن طويل عن ممانعتهم هناك. ولم يكن سلطان الفرنج على غرب البحر المتوسط بأقل منه على شرقه، فلقد ملكوا الجزائر التي بالجانب الغربي من البحر الرومي وقويت ريحهم في بسط هذا البحر واشتدت شوكتهم وكثرت فيه أساطيلهم، وتراجعت قوة المسلمين فيه إلى المساواة معهم، ثم تراجعت بعد ذلك قوة المسلمين في الأساطيل لضعف الروم ونسيان عوائد البحر.. وصار المسلمون فيه كما الأجانب إلا قليلاً من أهل البلاد الساحلية(101).‏

وزاد الطين بلة أن وفاة صلاح الدين قد أدت إلى وقوع خلافات ومنازعات بين أبناء البيت الأيوبي مما أضعف المقاومة العربية بصورة عامة.‏

كان صلاح الدين من الحكام القلائل الذين أدركوا قيمة السلاح البحري في جهاد الصليبيين وتأمين سلامة بلاده(102) وشكل الجهاد البحري مكانة هامة في استراتيجيته العسكرية التي اعتمدت على العوامل الأساسية التالية:‏

آ-الوحدة العربية والتعاون بين الأقطار العربية في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية في الصراع مع العدو (القاعدة المادية والبشرية لانطلاقته).‏

ب-قوة الأسطول البحري والمناورة الاستراتيجية والعملياتية بالقوات والعتاد بين مصر والشام.‏

ج-عقيدة الجهاد الذي استولى على قلبه وسائر جوانحه بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا اهتمام إلا برجاله ولا ميل إلا إلى من يذكره(103) وإيمانه بالجهاد البحري الذي وضعه نصب عينيه في أفقه البعيد.‏

"وبعد صلاح الدين قل الاهتمام بالأسطول وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه، فإذا دعت الحاجة إلى تجهيزه طُلب له الرجال وقبض عليهم من الطرقات وقيدوا بالسلاسل نهاراً وسجنوا في الليل حتى لا يهربوا، فصارت خدمة الأسطول عاراً يُسبُّ به الرجل بعد ما كان خدام الأسطول يقال لهم: المجاهدون في سبيل الله والغزاة في أعداء الله، ويتبرك بدعائهم الناس(104).‏

الحواشي:‏

(1)حول الوظائف الحربية للقلاع الصليبية وأشكالها: راجع فن الحرب عند الصليبيين في القرن الثاني عشر(ر.س. سنجل: ترجمة وليد جلاد ص299-364).‏

(2)بهاء الدين بن شداد: (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية) ص97 (وزارة الثقافة السورية).‏

(3)نفسه ص9.‏

(4)شحنة البلد: من أقامهم الملك لضبطها (الشرطة).‏

(5)ابن خلكان: (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان) تحقيق الدكتور إحسان عباس جزء 7 ص129.‏

(6)بهاء الدين بن شداد: (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية) (وزارة الثقافة) ص44.‏

(7)نفسه ص46.‏

(8)أبو شامة: (تاريخ الروضتين في أخبار الدولتين) جزء 1 ص145 (بيروت- دار الجيل).‏

(9)أبو المحاسن بن تغري بردي الأتابكي: (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. ج6 ص3-4 (القاهرة دار الكتب المصرية).‏

(10)ابن قاضي شهبة: (الكواكب الدرية في السيرة النورية) تحقيق محمود زايد (بيروت دار الكتاب الجديد) ص178.‏

(11)المرجع السابق: ص67- ابن شداد ص50.‏

(12)ابن شداد: ص50.‏

(13)ابن واصل: (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب) ج1 ص174.‏

(14)ارشيبالد لويس: القوى التجارية والبحرية في حوض المتوسط ص382-383 ترجمة أحمد محمد عيسى.‏

(15)المقريزي: المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار ج3، ص194 وعلي حسن: مصر في العصور الوسطى ص358.‏

(16)وهو ما يعرف اليوم بالأركان.‏

(17)العمائر: السفن.‏

(18)المقريزي: السلوك لمعرفة دولة الملوك، ج1، ص107-108.‏

(19)أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، ج1، ص269.‏

(20)عبادى وسالم: ص202، راجع المقريزي نفس المرجع، ج1، ص73.‏

(21)البطالون من الأمراء والأجناد هم العاطلون من أعمال الدولة ووظائفها لأسباب ودوافع مختلفة. راجع المقريزي/ السلوك، ج1 ق1، ص73 حاشية 4.‏

(22)اليزك، الأيزاك: الحواس.‏

(23)الأبدال بمعنى البدل الذي يحل محل الحرس.‏

(24)الديدبان: كلمة فارسية الأصل (ديده بان) ومعناها المراقب أو الحارس وتعني أيضاً مكان المراقبة في موضع مرتفع.‏

(25)القلقشندي: صبح الأعشى ج7، ص204، ح10 ص212.‏

(26)د.أحمد مختار العبادي/ دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص301.‏

(27)د.عبادي د.سالم: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص375.‏

(28)أبو شامة: كتاب الروضتين ج1 ق1 ص689.‏

(29)المقريزي: السلوك ج1 ق1 ص111.‏

(30)خصص الزيارة الثانية لتعمير الأسطول وتسليحه وشحنه بالرجال، أبو شامة ج1 ق2 ص289-290.‏

(31)أبو شامة: ج1 ق1 ص689-690.‏

(32)عبد اللطيف البغدادي: كتاب الإفادة والاعتبار ص28.‏

(33)جميل خانكي: تاريخ البحرية المصرية ص157.‏

(34)المقريزي: المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار ج1 ص215.‏

(35)مقدمة ابن خلدون –بند قيادة الأساطيل: ص253.‏

(36)ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي –مستخرج وزارة الثقافة عن الكتاب الأساسي: تحقيق الدكتور جمال الدين الشيال) ص25 انظر البلاذري: فتوح البلدان ص193 وخانكي ص118.‏

(37)نفسه: ص22-23.‏

(38)الأمير شكيب أرسلان: تاريخ غزوات العرب، ص108.‏

(39)قلزم الشيء: ابتلع÷.‏

(40)محمد حمدي المناوي: الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي ص229.‏

(41)بعد انتصار حطين كان أرناط بين الأسرى (إلى جانب الملك جفري وأخيه) فاستحضره صلاح الدين وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد عليه الصلاة والسلام، ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل، ثم سل المنجاة (خنجر مقوس، بالفارسية) وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر ورمي على باب الخيمة (ابن شداد ص103-104) وقعة حطين.‏

(42)المقريزي السلوك: ج1 ص79.‏

(43)كان أرمني الأصل أشهر إسلامه وعينه صلاح الدين الأيوبي مقدماً للأسطول (أي قائداً للأسطول).‏

(44)أبو شامة: كتاب الروضتين ج2 ص35-37.‏

(45)المقريزي: (كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ج1 ص78-79)، وسيد علي الحريري –كتاب الأخبار السنية في الحروب الصليبية ص140.‏

(46)القلقشندي: صبح الأعشى ج7 ص205، تركت الصياغة دون أي تعديل.‏

(47)الشيني: جمعها شواني وهو مركب حربي كبير ذو أبراج وقلاع يستعمل للدفاع والهجوم ويجهز في أيام الحرب بالسلاح والتغطية ويحشد بالمقاتلة والجنود البحرية متوسط ما يحمله الشيني الواحد في الأسطول العربي الإسلامي 150 رجلاً ويجدف بمئة مجداف.‏

(48)أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية ج1 ص11.‏

(49)البطسة: مركب كبير الحجم يستخدم لنقل الجنود.‏

(50)سيد الحريري: الأخبار السنية في الحروب الصليبية ص134.‏

(51)أبو شامة: المرجع السابق ج2 ص9.‏

(52)خانكي ص147-148، الحريري: نفسه.‏

(53)أبو شامة: نفس المرجع ج2 ص13-14 سيد علي الحريري: نفس المرجع ص136.‏

(54)الباز العريني: مصر في عصر الأيوبيين ص174.‏

(55)أبو شامة: كتاب الروضتين ج2 ص27.‏

(56)الحريري: ص139.‏

(57)خانكي: ص149.‏

(58)أبو شامة: المرجع السابق ص48/ ص224.‏

(59)أحمد مختار العبادي، السيد عبد العزيز سالم: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص279.‏

(60)المنجد في اللغة والآداب والعلوم ص495.‏

(61)أبو شامة: ج2 ص48.‏

(62)ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج11 ص224.‏

(63)المقريزي: السلوك ج2 ص93، 96.‏

(64)فتح عكا: ربيع الآخر 583هـ- فتح بيروت: جمادى الأولى 583هـ- فتح عسقلان: جمادى الآخر هـ -فتح أنطرطوس: جمادى الأولى 584هـ- فتح جبلة: جمادى الأولى 584هـ- فتح اللاذقية: جمادى الأولى 584هـ- المرجع: ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية.‏

(65)القلقشندي: صبح الأعشى ج7 ص24.‏

(66)هو ريتشارد بلانتا جنيت Richard plantagenet حكمت أسرته بريطانيا وكان متفوقاً في الأساليب التكتيكية: فن الحرب عند الصليبيين ر.سي سميل ترجمة وليد جلاد ص295.‏

(67)عمر كمال توفيق: مملكة بيت المقدس الصليبية ص201.‏

(68)أبو شامة كتاب الروضتين ج2 ص192.‏

(69)أبو شامة: ج2 ص125-138.‏

(70)القلقشندي: صبح الأعشى ج7 ص127-128.‏

(71)أبو شامة: المرجع السابق، ج2 ص142.‏

(72)عبادى وسالم: ص284.‏

(73)أبو شامة: ج2 ص148، 154، ابن واصل: مفرج الكروب ج2 ص305.‏

(74)سيد علي الحريري: ص184، انظر أيضاً ابن شداد ص179-180.‏

(75)أبو شامة: ج2 ص161.‏

(76)أبو شامة: ج2 ص181-182.‏

(77)نفسه: ج2 ص183-184.‏

(78)نفسه: ج2 ص161.‏

(79)لاحظ الصياغة: تركت كما وردت في النص الأصلي دون تعديل وهنالك بعض المراجع أدخلت تعديلات على صياغة بعض الجمل لتصبح أكثر ملاءمة من الناحية اللغوية، مع المحافظة على المضمون.‏

(80)ابن شداد: ص204-205.‏

(81)أبو شامة: ج2 ص175 وما بعدها.‏

(82)السلاوي الناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ج2 ص162-163.‏

(83)ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ج4 ص175.‏

(84)أبو شامة: ج2 ص180-182 سعيد عاشور: الحركة الصليبية ج2 ص862.‏

(85)ابن شداد: ص233-234 (وزارة الثقافة: مستخرج من الكتاب الأصلي تحقيق جمال الشيال: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية).‏

(86)ابن شداد: (كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية) تحقيق جمال الشيال ص267-268.‏

(87) أبو شامة: ج2 ص199-200.‏

(88)الباز العريني: مصر في عصر الأيوبيين ص186.‏

(89)سعيد عاشور: الحركة الصليبية ج2 ص898.‏

(90) أبو شامة: ج2 ص215.‏

(91)ابن شداد: ص206.‏

(92) أبو شامة: ج2 ص162.‏

(93)جمع بطسة: نوع من السفن (سبق شرحها).‏

(94)ابن واصل: مفرج الكروب ج2 ص351.‏

(95)ابن شداد: ص252-253.‏

(94م)تجدر الإشارة إلى أن مسألة فن الحرب البحرية في مرحلة الغزو الصليبي لم تدرس كموضوع مستقل بالرغم من أن الغزو قد بدأ عن طريق البحر وانحسر أيضاً عن طريقه حتى أن كتاب ر.سي. سيميل (فن الحرب عند الصليبيين في القرن الثاني عشر) وهو أحدث كتاب يعالج هذا الموضوع، لم يتطرق لأي جانب من جوانب فن الحرب البحرية في تلك المرحلة.‏

(95م)الفكر الاستراتيجي العربي: العدد 19 ص227.‏

(96)نفسه.‏

(97)ابن واصل: مفرج الكروب ج2 ص351.‏

(98)عتليت حالياً وهو ميناء بحري شمال يافا.‏

(99)سعيد عاشور: الحركة الصليبية ج2 ص902.‏

(100)المقريزي: الخطط ج1 ص202.‏

(101)مقدمة ابن خلدون: بند قيادة الأساطيل ص255 (دار القلم –بيروت 1984 الطبعة الخامسة).‏

(102)عبادى وسالم: ص291.‏

(103)ابن شداد: ص22-23) انظر أيضاً ص25 حول الجهاد البحري من نفس المرجع.‏

(104)المقريزي الخطط ج2 ص174 انظر أيضاً جورجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي ج1 ص197 حيث يقول: "وفي أواخر الدولة الأيوبية وأوائل عهد المماليك أصبحت الخدمة في الأسطول عاراً لتشبيه البحارة بالقادمين من البحر لغزو الأقطار الإسلامية...".‏

المراجع:‏

حسب تسلسل ورودها في البحث‏

(1)بهاء الدين بن شداد (أبو المحاسن يوسف بن رافع): النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية –تحقيق جمال الشيال (مستخرج وزارة الثقافة السورية).‏

(2)ابن خلكان: وفيات الأعيان وأبناء أبناء الزمان تحقيق الدكتور إحسان عباس.‏

(3)أبو شامة (عماد الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل): تاريخ الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية.‏

(4)أبو المحاسن بن تغري بردي الأتابكي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.‏

(5)ابن قاضي شهية: الكواكب الدرية في السيرة النورية. تحقيق محمود زيدان.‏

(6)ابن واصل (جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليم الشافعي): مفرج الكروب في أخبار بني أيوب.‏

(7)المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي): المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار.‏

(8)المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك.‏

(9)علي حسن: مصر في العصور الوسطى.‏

(10)أرشيبالد وليس: القوى التجارية والبحرية في حوض المتوسط ترجمة أحمد محمد عيسى.‏

(11)د.أحمد مختار العبادي ود.السيد عبد العزيز سالم: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام.‏

(12)القلقشندي (أبو العباس أحمد): صبح الأعشى.‏

(13)د.أحمد مختار العبادي: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس.‏

(14)عبد اللطيف البغدادي: كتاب الإفادة والاعتبار.‏

(15)جميل خانكي: تاريخ البحرية المصرية.‏

(16)الأمير شكيب أرسلان: تاريخ غزوات العرب.‏

(17)البلاذري (أحمد بن يحيى بن جابر): فتوح البلدان.‏

(18)محمد حمدي المناوي: الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي.‏

(19)سيد علي الحريري: الأخبار السنية في الحروب الصليبية.‏

(20)د.السيد الباز العريني: مصر في عصر الأيوبيين.‏

(21)المنجد في اللغة والأدب والعلوم.‏

(22)ابن الأثير (علي بن أحمد بن أبي الكرم): الكامل في التاريخ.‏

(23)عمر كمال توفيق: مملكة بيت المقدس الصليبية.‏

(24)السلاوي الناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.‏

(25)ابن عذاري: (أبو العباس أحمد): البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب.‏

(26)سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية.‏

(27)الفكر الاستراتيجي العربي العدد 19.‏

(28)مقدمة ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد): بند قيادة الأساطيل.‏

(29)فن الحرب عند الصليبيين في القرن الثاني عشر (1097-1193). ر.سي –سميل: ترجمة محمد وليد الجلاد.‏

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 35 و 36 - السنة التاسعة - نيسان وتموز "أبريل ويوليو" 1989 - رمضان وذي الحجة 1409