المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشكلات الفتاوى في عالم السياسة


Eng.Jordan
06-05-2013, 11:22 AM
نهال محمود مهدي

العلاقة بين ما هو سياسي وما هو شرعي، السبل الواصلة والفاصلة بين الفتوى والسياسة وكيف ننظر إلى التداخل بينهما في عمل فقيه اليوم، وهل يجوز للدولة أن تحصر الفتوى بجهة معينة، وتمنعها عمن سواها، وكيف يتجنب الفقيه توظيف الدولة لفتواه.

أسئلة ومحاور عديدة طرحتها حلقة برنامج "الشريعة والحياة" يوم الأحد 20-8-2006 على ضيفها المستشار فيصل مولوي الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان، ونائب رئيس مجلس الإفتاء الأوروبي.

السياسة الشرعية

بداية قدم الشيخ فيصل توضيحا لمفهومي الفتوى والسياسة والعلاقة بينهما؛ فالفتوى هي "تبيين الحكم الشرعي لمن سأل عنه، والحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين؛ إذًا فبين الفتوى والحكم الشرعي تواصل دائم لأن الفتوى هي تعبير عن حكم شرعي. لكن الفرق أن الفتوى هي سؤال يوجه للمفتي فيجيب عليه، أما الحكم الشرعي فهو جميع الأحكام المبثوثة في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وفي اجتهادات العلماء جميعا؛ هي منظومة متكاملة تشمل حياة المسلم كلها.

ثم انتقل إلى تقديم تعريف للسياسة، فتحدث عن أنها قديما كانت محصورة في الحاكم وما يتعلق به، وفي ممارساته لسلطته على الرعية. أما سياسة اليوم فقد أخذت معنى أوسع؛ لأنها لم تعد متعلقة بالحاكم فقط وإنما هي متعلقة بالمجتمع كله: أفراده وأحزابه ونقاباته ومؤسساته؛ لذلك يعرفها علماء السياسة بأنها البحث عن الصالح والمفيد للمجتمع. أما علماء الشريعة والفقهاء فيعرفونها بأنها تدبير شئون الجماعة وفق الأحكام الشرعية؛ وهذه هي السياسة الشرعية".

وفي تدرج للحديث أوضح الشيخ فيصل الفارق بين ما يسمى بالسياسة الشرعية وما يسمى اليوم بالسياسة فأشار إلى أن السياسية عندما تسعى لتدبير شئون الناس بناء على العقل المجرد أو على الظروف المحيطة دون أن يكون لها مرجعية معينة فهي سياسة مدنية خاضعة لآراء الناس.

أما السياسة الشرعية فمرجعيتها أحكام الشرع؛ لذلك لا يمكن للمسلم أن يكون له موقف أو رأي أو عمل سياسي دون أن يسأل ما هو حكم هذا العمل أو ذلك الموقف في نظر الشريعة؟.

وحول كيفية اعتبار الفتوى هي حكم الله، رغم أنها قد تعتمد في كثير من الأحيان على استنباط الفقيه لأحكام الشارع من النصوص الشرعية؟! أجاب الشيخ بأن الفتوى إذا كانت مستخرجة وفق الأصول الشرعية فهي حكم الله تعالى حسب اجتهاد المفتي وليس بالضرورة أن يكون هذا الاجتهاد صوابا، فقد يجتهد المفتي ويخطئ وقد يجتهد ويصيب، لكنه يقدم للناس رأيه إذا كان مبنيا على دليل شرعي؛ على أنه إشارة إلى حكم الله في هذه القضية.

وأضاف أن المسلم بإمكانه أن يفرق بين ما هو رأي لمفت له فيه الخيار، وما هو حكم لله عز وجل ملزم له؛ فإذا كان موضوع الفتوى اجتهاديا كما هي موضوعات السياسة كلها؛ فمن الطبيعي ألا يتفق الناس على رأي واحد، وليس هناك نص قاطع في أي مسألة سياسية؛ لذلك من المرونة أن تكون هناك عدة آراء بعدد المفتين أو العلماء أو المراجع، وكل يقدم حكمه في هذه المسألة. والأمة تتقبل هذا الحكم أو ذاك وتمضي به. وكل حكم تقبلته الأمة طالما هو صادر عن دليل شرعي معتمد، فهو بإذن الله حكم مقبول عنده تعالى.

أما إذا كان موضوع الفتوى أمرا عقائديا يعتمد على نص واضح لا مجال فيه للاجتهاد فهو حكم من الله عز وجل علينا الامتثال له.

بين الفتوى والسياسة

انتقل الحديث بعد ذلك إلى بيان العلاقة بين الفتوى والسياسة. وفي محاولة لفك الخيوط التي تشابكت وجعلت العلاقة بينهما معقدة أشار الشيخ مولوي إلى أن الموقف السياسي عند المسلم لا بد أن يكون مبنيا على حكم شرعي وبالتالي على فتوى، وإلى أن الناس يخلطون بين الفتوى والحكم الشرعي؛ ويرجع ذلك من وجهة نظره إلى أن الفتوى عادة ما تكون فتوى جزئية وفي قضية محددة، أما الحكم الشرعي فهو عادة حكم مطلق، وما يطرح في القضايا السياسية هو الأحكام الشرعية المطلقة وليس الفتوى الجزئية؛ لأن القضايا السياسية هي معالجة لشئون الأمة وهي معالجة عامة.

ونبه الشيخ على أن كل الآراء في السياسة مبنية على أدلة شرعية، وقد يكون له ترجيح لأحدها على الآخر وغيره كذلك؛ فالمسلمون في سعة بالأخذ للأقرب للدليل الشرعي الذي يوافقهم.

كما ألمح إلى ما يروجه البعض من أن تلك الاختلافات في الآراء تذهب بهيبة الفقهاء؛ وأوضح إلى أن الحقيقة على غير ذلك؛ فتلك الخلافات بين العلماء تدور جميعها في فلك الحدود الشرعية ولا تنفك عنها، ولا يصح لأحد أن يرجح رأيه ويخطأ الرأي الآخر؛ فالثوابت موجودة إلا أن كيفية تطبيقها من الوارد أن يقع فيها اختلاف بين بلد وآخر، بين عصر وآخر، بين شعب وآخر، ولا ضرر في ذلك.

تشابك الفقه والسياسة

وعن ضرورة إلمام الفقيه بما يحيط بموضوع فتواه من جوانب وملابسات، وتحديدا إذا تعلقت الفتوى بشأن من شئون السياسة قال الشيخ مولوي: إن هذا ليس مقتصرا على الفتوى في هذا العلم فقط، وإنما في كل الفتاوى وكل الأحكام الشرعية المستنبطة، الأصل أن الفقيه يعرف النص الشرعي المتعلق بالمسألة ويعرف الواقعة التي تطبق فيها هذه المسألة، وكذا كيفية إنزال هذا النص على هذه الواقعة؛ فالحكم الشرعي والفتوى لهما ثلاثة أركان.

وفي الموضوع السياسي؛ الأركان نفسها مطلوبة؛ فالفقيه لا بد أن يعرف النص الشرعي المتعلق بالمسألة السياسية، ويجب أن يعرف الواقعة السياسية، وهذا يشمل العلوم السياسية المعاصرة كما يشمل الظروف السياسية المحيطة في بلد معين وفي ظروف معينة، وإذا لم يكن يعرفها تماما فلا يمكن أن يصل لحكم شرعي صائب، ثم بعقله ينزل هذا النص على هذه الواقعة ويستنبط الحكم الشرعي المناسب.

كما شدد على ضرورة سؤال أهل الخبرة في المجال السياسي حال عدم وضوح الرؤية للفقيه حتى لا يستدرج لفتوى بعينها، من قبل ساسة أو إعلاميين؛ فالتحري في أمور الفتوى مطلوب وبشدة، كما نوه بنقطة بالغة الخطورة تخفى على كثيرين وهي "مآل الفتوى"؛ فالمفتي عندما يطلق فتوى بناء على حكم شرعي عليه معرفته لنتيجتها فقد تكون نتيجتها في هذا الظرف بالذات مخالفة لما قصده الشرع منها وعلى ذلك فلا يفتي بها، وهذا يقع كثيرا للأسف.

ثم أشار إلى أن اجتماع رأيي السياسي والفقيه لهو أمر مطلوب وكذا التحاور والتواصل حتى تحدد مصالح الأمة في ضوء الشريعة.

تسييس الفتوى

عند هذه النقطة كانت مداخلة من الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ النظرية السياسية بجامعة القاهرة الذي قدم بداية تحليلا لمفهوم "فتاوى الأمة" من حيث كونها فتاوى لا تتعلق بالأعيان والأفراد أو تختص بأبواب الفقه المختلفة كالطهارة والنكاح... فهي فتاوى تتعرض لقضايا تتعلق بالأمة بمفهومها الواسع، وماذا تعني الأمة بالنسبة للمفتي من حيث مصالحها وقضاياها والأدوار المنوطة بها، من حيث وجودها وكيانها وتمكينها، وعليه فإن فتاوى الأمة -على حد قول د. سيف- يجب أن تكون على نفس مستوى الأمة ذاتها؛ من حيث اتساعها وشمولها.

ثم أوضح إلى أنه في هذا السياق من المهم الإشارة لعملية "تسييس الفتوى" والتي تأخذ أشكالا ثلاثة:

الشكل الأول: تهميش فتاوى الأمة؛ حينما نحاول -خاصة في أبواب الفتاوى- طرح موضوعات شديدة التكرار وربما شديدة التفاهة أيضا. وهذه من المسائل التي تعد من إضاعة الفتوى التي تقصي قضايا الأمة الحقيقية.

ثانيا: إسناد المواقف السياسية بالفتوى وهي مسألة غاية في الخطورة: هناك مواقف سياسية تتخذ من الدول أو من المسئولين أو من الأنظمة السياسية، ثم يأتي المفتي ليسند هذا الرأي الذي يتعلق بالنظام السياسي الرسمي.

الشكل الأخير: حالة التفاتي؛ أو حروب الفتوى التي تكون أحيانا بين الفقهاء وبين المفتين؛ ففارق كبير بين اختلاف التنوع في الفتوى واختلاف التضاد الذي يؤدي إلى اتخاذ مواقف سياسية وليس مواقف إفتائية تتناسب مع تلك الحالة الإفتائية.

أما المداخلة الثانية فكانت من قبل الأستاذ الدكتور -رحيل غرايبة- أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الزرقاء الأهلية بالأردن : والتي تناول فيها نوعا آخر من أنواع تدخل الجهات السياسية في مجال الإفتاء من خلال حديثه عن بعض الجهات في الوطن العربي التي تستعد لإصدار قوانين تقنن الإفتاء إلا على جهات بعينها دون غيرها والذي يعد من وجهة نظره شكلا آخر من أشكال تسييس الفتوى، وأن تعمد بعض الحكومات إلى حصر الفتوى في جهات لا يجوز لغيرها الإخبار بحكم الشارع لهو مخالفة واضحة لأحكام الشريعة وأصول الفتوى التي هي ليست على سبيل الإلزام بل على سبيل التخيير.

استبداد ديني

عاد الحديث للشيخ فيصل ليتفق مع ما قاله دكتور غرايبة مضيفا أن "إصدار مثل هذه القرارات هو نوع من أنواع الاستبداد الديني يضاف للاستبداد السياسي؛ فنحن للأسف في بلادنا نسمع بالديمقراطية، ولا نرى سوى مصادرة الرأي الآخر".

وفي نفس الإطار كانت مجموعة من الأسئلة التي وجهت للمستشار مولوي والتي تتعلق بتحول كثير من المفتين لموظفين حكوميين تقتصر فتواهم على شئون دولهم لتتحول فتاواهم إلى فتاوى قطرية كما نسب لتصريح للإمام الأكبر شيخ الأزهر، ومن شرعية تولية الحكام لبعض المفتين لتتفق فتاواهم مع ما تراه حكومات بلادهم؟.

كانت إجابة الشيخ فيصل فيما يتعلق بالسؤال الأول أنه بطبيعة الحال: إذا كانت القضية موضع الفتوى خاصة بقطر معين -القطر محل الفتوى- فلا حرج، أما إذا كانت قضية لها علاقة بقطر آخر فإن استطاع الإمام أو الفقيه الإحاطة بظروفها فهو يملك أن يفتي بها أيضا؛ فنحن أمة واحدة، وعندما يكون هناك قضية تتعلق بشأن من شئون المسلمين في أي قطر؛ علينا أن نعلم جميعا الحكم الشرعي فيها.

ثم تعجب من محاولات تقزيم دور الأزهر الذي يعتبر طوال عمره مرجعا للمسلمين في شتى أنحاء العالم؛ ليكون محصورا في مصر فقط بينما الجميع يتطلع إليه!!.

أما السؤال الثاني فقد كان رد الشيخ مولوي منفعلا قاطعا: فالعالم إذا كلف بمهمة وشعر أنه ملزم بأن ينفذ رأي الحاكم ولو خالف شرع الله فعليه ألا يقبل، وإن قبل هذه المهمة فهو آثم وسيحاسب أمام الله عز وجل يوم القيامة.

أما إذا قبل المهمة وحافظ على حرية رأيه وضميره وموقفه ولو أدى ذلك إلى إبعاده عن الوظيفة فهذا نوع من الجهاد مطلوب إن شاء الله؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنهاه فقتله"؛ فليس دور العالم تقديم فتاوى تزين انحراف حاكم جائر، بل من باب أولى أن يكون عالما يرشد الناس ويعلمهم. فأفضل جهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

وفي الختام وحول مدى إمكانية الوصول إلى تشكيل مرجعية موحدة تفصل في أمور الأمة، وتصدر فتاوى بخصوصها وتكون فتواها ملزمة للجميع كان رأي الشيخ فيصل مولوي بأن هذه المرجعية من الصعب تحققها في ظل تفرق المسلمين إلى دول وإطارات سياسية كثيرة واضطرار أو إجبار العلماء في كل بلد على أن يبقوا في إطار بلدهم وحكوماتهم.

لذا لا بد أولا أن يقع اجتماع سياسي واحد للمسلمين في دولة واحدة، ثم يترتب على ذلك جمع العلماء في إطار واحد لتخرج عنهم في بعض الأحيان فتاوى واحدة.

-------------------------------------------

* محررة بالنطاق الشرعي لشبكة إسلام أون لاين

اسلام اون لاين