المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأصولية الغربية ومعاداة الإسلام


Eng.Jordan
06-13-2013, 08:43 AM
الموسوعة العربية - د. صديق محمد جوهر: الإمارات

لقد بلغت الأطروحات والأكاذيب الغربية المعادية للآخر ذروتها عشية أفول القرن العشرين، وتزامن ظهورها مع تفكك واضمحلال الكتلة السوفيتية مما مهد الطريق أمام العولمة وبزوغ حقائق جيوسياسية جديدة على المسرح السياسي الدولي مما عزز من قوة الجناح الفكري الراديكالي في أمريكا من أمثال صموئيل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما اللذين دشنا المناظرة المشهودة حول صراع الحضارات ونهاية التاريخ، واستشرفا حتمية الحرب بين الإسلام والغرب.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه هنتنغتون أن (الحضارات هي أعلى أشكال التكوينات القبلية البشرية، وأن صدام الحضارات إن هو إلا صدام قبلي على مستوى عالمي)، فإن فوكوياما في نظريته عن نهاية التاريخ يؤكد هو الآخر تفوق وهيمنة القيم والمثل الغربية، وحتمية انهيار كافة الأيديولوجيات غير الغربية.
يذهب فوكوياما إلى أنه (بالرغم مما يبدو على الإسلام من قوة في مرحلة تجدده الراهنة، فإنه لا يعدو أن يكون ذلك الدين الذي لم يعد يجذب إليه أحداً، وظل محصوراً في نطاق الدائرة الثقافية الإسلامية التي كونها منذ قرون طويلة. ومن المؤكد، أن أيام الغزو الثقافي الإسلامي قد ولت إلى الأبد، قد يسترد الإسلام بعض الأنصار المرتدين الماضويين، لكنه عديم الصدى في برلين وطوكيو وموسكو).
وفي عداء مبين للآخر العربي المسلم، يؤكد فوكوياما أنه في الوقت الذي يشكل فيه المسلمون قرابة المليار من البشر؛ فإنهم عاجزون عن تحدي الليبرالية الديمقراطية في عقر دارها على مستوى الأفكار. ويشير فوكوياما إلى أن (العالم الإسلامي هو الذي ستغزوه الأفكار الليبرالية الغربية على المدى الطويل، لا العكس، طالما أن الليبرالية قد اجتذبت إلى ساحتها أشياعاً وأنصاراً كثراً من المفكرين والسياسيين والقادة النافذين في المجتمعات الإسلامية على مدار المئة وخمسين سنة الماضية).
ويرى فوكوياما أن (العقود القادمة سوف تشهد نهاية تاريخ الأيديولوجيات، وسيادة مطلقة للأفكار الغربية الليبرالية، وأن المد الأصولي الإسلامي ليس مسألة قيم قديمة موروثة مازالت قابلة للتطبيق في الأزمنة الحديثة؛ إذ أن هذه القيم والأفكار: المحرف منها، والمعتدل المتحرر نسبياً قد صادفت فشلاً ذريعاً خلال المئة عام الفائتة). ويلاحظ فوكوياما أن ثمة تشابهاً ظاهرياً، من أكثر من زاوية، بين الأصولية الإسلامية الحالية والفاشية الأوروبية في الأزمنة البائدة. ومن وجهة نظر فوكوياما، فإن الحرب العالمية الثانية كانت حتمية تاريخية باعتبارها الخيار الوحيد أمام الغرب لدحر الفاشية والقضاء على النازية. وفي رأيه قد يكون الغرب مضطراً لخوض غمار حرب أخرى (الحرب العالمية الثالثة) ضد الفاشية الإسلامية، وهو لا يرى ثمة مهرب من هذه الحرب تأكيداً لانتصار القيم الليبرالية الديمقراطية الغربية. ومما لا شك فيه أن لب أطروحة فوكوياما الذي أسس عليه هنتنغتون نظريته الذائعة يشكل دعوة صريحة لخطاب تصادمي بين الحضارات.
يقتفي هنتنغتون آثار فوكوياما، فيرى أن البلدان التي تأخذ بحضارات متباينة، وتعتنق ثقافات مختلفة لابد من أن تتصارع فيما بينها، وأن الدين هو السمة الفارقة التي تميز وجه أي حضارة، وبالتالي، فإن (الحضارات الكبرى في تاريخ البشرية قد ارتبطت ارتباطاً لا انفصام له بالديانات العظمى في كل أنحاء العالم). ولما كان الدين هو حجر الزاوية في أية حضارة، فإن النزاعات الحضارية، في رأيه، هي صدامات مستمرة (بين شعوب ذات ديانات مختلفة). ويذهب هنتنغتون إلى أن ثمة حرب ستدور رحاها على مستوى السياسات الدولية، قطباها: الإسلام والغرب باعتبارهما عدوين تاريخيين لدودين، وأن (الصراع على طول خطوط القتال بين الحضارتين الغربية والإسلامية ظل دائراً متواصلاً على مدى 1300 عام).
ويقرر هنتنغتون أن الحروب العقائدية التي شكلت جوهر الحرب الباردة قد تحولت اليوم إلى حروب حضارات. وفي القلب من صدام الحضارات عند هنتنغتون، يأتي الصراع التاريخي المزمن بين الإسلام والمسيحية. ويزعم أن دواعي العداء بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية، لا تعود إلى (ظواهر عارضة مثل الحملات الصليبية ذات الوجه المسيحي المتعصب في القرن الثاني عشر، ولا الصحوة الأصولية الإسلامية في القرن العشرين، لكنها على الأصح، تنبع من اختلاف جوهر الديانتين، وما بني على هذين الجوهرين المختلفين من حضارتين متعارضتين).
وتأسيساً على ما سبق، فإن هنتنغتون يدعي أن الإسلام قد ظل على حاله، منغلقاً على نفسه، وظل الغرب على حاله، وإن (الصراع الجوهري بين هاتين الحضارتين الكبيرتين، وطرق الحياة في بلادهما، سيظل يحدد شكل العلاقة بينهما خلال العقود القادمة).
وفي سياق التنبؤ بحتمية الصدام بين الإسلام والغرب في حقبة ما بعد الحرب الباردة، يزعم هنتنغتون أن (حدود الدول الإسلامية هي حدود صراعات وحشية، وساحاتها الداخلية الوطنية هي ساحات صراع دموي)، ويهاجم جوهر الدين الإسلامي زاعماً أن المشكلة الرئيسة التي تواجه الغرب ليست هي صحوة الأصولية الإسلامية، بل إنها الإسلام في حد ذاته باعتباره حضارة يؤمن أصحابها بأن ثقافتهم الإسلامية هي الأعلى والأرقى والأجدر بالهيمنة، فيما يتملكهم الإحساس، في الوقت نفسه، بضآلة شأنهم السياسي، وعدم تناسبه مع اعتقادهم الجازم بسمو حضارتهم.
ومن المؤكد أن الأحداث المأساوية التي وقعت في الولايات المتحدة في الحادي عشر من أيلول 2001، قد ضاعفت من قوة الراديكاليين الجدد من أمثال هنتنغتون، وفوكوياما، ممن أشعلوا أوار الحرب المعادية للإسلام والمسلمين. ومهما يكن من أمر، فمن دواعي الأسف أن الشعبين الأفغاني العراقي قد تعرضا للقتل والتدمير مع بداية فترة الحرب على الإرهاب بسبب هذا العداء الفاحش للمسلمين. ومما لا ريبة فيه أن الحملة الدولية على الإرهاب قد تسببت في تشويه ومسخ صورة العرب والمسلمين في كافة أرجاء الأرض، عندما عمدت إلى الربط بين بعض البلدان العربية الإسلامية، وما أسماه جورج دبليو بوش (محور الشر).
لقد كانت أحداث الحادي عشر من أيلول السبب الرئيس في التعجيل بتحويل الجدال الدائر حول العولمة، كأيديولوجية استعمارية تستهدف السيطرة على مقدرات العالم الاقتصادية، إلى صيحة مدوية نافذة تعلن على الملأ مبدأ صدام الحضارات الذي يربط ربطاً وثيقاً بين البلدان العربية الإسلامية، والإرهاب الدولي.
وعوض استخلاص المفكرين الغربيين ما كان يتعين استخلاصه من أن المشروع الاستعماري الأمريكي الجديد إنما يسعى جاهداً للسيطرة على منابع النفط العالمية تحقيقاً لمصلحة الرأسمالية العالمية، فإن هؤلاء راحوا يتشدقون بأن بعض بلدان العالم العربي التي ينتمي إليها بعض الجماعات والتنظيمات الإرهابية من شذاذ الآفاق الذين نبذتهم شعوبهم، هي العقبة الكأداء في طريق (النظام العالمي الجديد). ولا شك في أن هذا التصور يعطي زخماً لنبوءة صراع الحضارات التي تعد تحذيراً وإنذاراً بمدى الخطر الذي تمثله المجتمعات العربية والإسلامية ذات (الحدود الملطخة بالدماء)، وفق رؤية هنتنغتون مما يستدعي ضرورة إيجاد آلية للتواصل مع الغرب وتفعيل ديناميكية حوار الحضارات على كافة الأصعدة من أجل رخاء البشرية جمعاء.