المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رصدتها لوحات عالمية أطلال المدن الرومانسية


Eng.Jordan
06-13-2013, 08:55 AM
الموسوعة العربية : د.نبيل سليم علي: مصر

بكل مدينة في أوروبا شيء تشتهر به وتفخر بوجوده, ليس شرطاً أن يكون هذا الشيء أثراً تاريخياً أو خرائب عريقة، فقد يكون ذلك مثلاً طريقة خاصة في شيّ السمك، أو جامعة، أو مقهـى كان يجلس فيه هذا الأديب أو ذاك الفيلسوف.


http://forum.mn66.com/imgcache/2/325118women.jpg


وربما كان هذا المكان مجرد طريق يصعد في جبل, كذاك الموجود في مدينة هايدلبرج الألمانية، الذي يسمونه طريق الفلاسفة، حيث يؤكدون لك أن (كانط) و(هيجل) اللذين عاشا فترة في هذه المدينة الجامعية الكبيرة كانا يحبان تسلق هذا الطريق في نزهات هادئة للتأمل والتفكير. في نهاية الطريق أقيم مقهى صغير يؤمه السياح، يتناولون فيه المرطبات، كما أقامت بلدية هايدلبرج على قمة تلـك الربوة جهاز تليسكوب يستطيع السائح خلاله أن يرى عبر عدسته معالم المدينة وقصورها التاريخية، ومناظرها الخلابة الفاتنة لقاء قطعة نقد صغيرة تلقى في مكان معين.


هايدلبيرج الأسطورة تلك (المدينة الرومانسية) بها أطلال قصر حافلة بالأسرار، مدينة قديمة بألوان ساحرة، وادي نهر النيكر الخلاب, هذا الثلاثي الفريد يعني في جوهره مدينة هايدلبيرج، فعلى سفوح الجبل المعروف باسم (كرسي الملك) أكثر من ثلاثة ملايين إنسان يستمتعون سنوياً بهذه المشاهد الرائعة، والأجواء العالمية المتنوعة، إضافة إلى الشعور الجميل بالراحة والنظافة. وقد حركت مدينة هايدلبرغ وجدان الشعراء والرسامين، كما استلهم الموسيقيون أنغامهم الرقيقة من طبيعتها الخلابة ليحولوها إلى أسطورة الرومانسية الألمانية.
تقع أطلال قلعة مدينة هايدلبرج المشهورة بشموخها فوق التل المحيط بالمدينة التي يطلق عليها رمز الرومانسية الألمانية، وهي تفتن السائحين الذين يتهافتون بالملايين لزيارتها، والنزهة عبر شوراعها الضيقة. وتعتبر القلعة التي أنشئت في القرن الخامس عشر أهم المزارات التي تحيط بها الغابات الخضراء ويجري في سفحها نهر النيكر لتكمل الصورة الجميلة التي ألهمت مشاهير الألمان والأجانب مثل أيشندورف وجوته وفيكتور هيجو ومارك توينو.
على الجانب الآخر من النهر يمتد (طريق الفلاسفة) في الجبل, والذي يمكن التمتع من خلاله برؤية القلعة بموقعها الخلاب وسط الخضرة والماء.
يعتبر هذا الطريق من أجمل أماكن التنزه في أوروبا، كما تسمح الشمس الساطعة والحرارة المرتفعة في هذا الموقع الذي يعد أحد أكثر أماكن ألمانيا دفئاً، بنمو نباتات البلاد الحارة في حديقة الفلاسفة. وترجع تلك التسمية لكون العديد من الفلاسفة والمفكرين الألمان قد زاروا ذلك المكان، ويمكن للوصول إلى قمة الجبل المسمى بالجبل المقدس (هايليجنبرج) والذي يرتفع 330 متراً باستخدام القطار القديم الذي يصعده ببطء. وهناك يمكن أيضاً زيارة أطلال كنيسة القديس ميخائيل، إضافة إلى تخليد الفنانين لمدينة هايدلبرج في أعمالهم لاسيما في القرن التاسع عشر، ففيها أيضاً أقدم جامعة ألمانية استطاعت أن تجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين الجمال والعلم, وتفخر جامعتها التي يعود إنشاؤها لعام 1386 بتدريس مشاهير العلماء والفلاسفة مثل هيجل وجاسبرز وجادامر, كما تفخر حالياً بكونها مركزاً مهماً للأبحاث وبكونها مركزاً يجذب الطلاب من كل بلاد العالم، لذا صارت من أهم المدن الجامعية في العالم.
تمتاز المدينة الرومانسية كذلك بالعديد من المباني التاريخية (الريتر) أو منزل الفارس سان جورج الذي يعد قطعة فنية, وأحد المباني القليلة التي بقيت من عصر النهضة بعد تدمير المدينة في الحرب التي دارت خلال الفترة من 1689 إلى 1693, وقد تحول هذا المبنى إلى فندق حالياً. أما حرب الثلاثين سنة (1618-1648) فقد خلفت أنقاض الحصن العميق (تيفبورج Tiefburg) الذي يرجع للقرن الثاني أو الثالث عشر. وحسب تقاليد ذلك العصر فمن المرجح أن الحصن كان محاطاً بالمياه ولم يبق منه اليوم سوى القليل من الجدران. وتعود بوابة كارل وكذلك جسر كارل تيودور للقرن الثامن عشر, وقد بني من الحجر على أنقاض الجسر الخشبي القديم الذي أعيد بناؤه ثلاث مرات, وذكر لأول مرة في أوائل القرن الثالث عشر.
أما في مدينة (جراتس) النمساوية وهي مدينة جامعية أيضاً تمتلك فضلاً عن جامعاتها وجبالها العظيمة ومرابعها الغناء قصراً بديعاً كان مقراً لأمراء المقاطعة وله تاريخ حافل. ما كان لمثل هذا القصر أن يستحق أكثر من نظرة عابرة فهو واحد من مئات أمثاله في سائر أنحاء النمسا وألمانيا وفرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية؛ إلا أنه تفرد بميزة طريفة حولته من قصر عادي إلى محجة حقيقية لا يصح لسائح يزور (جراتس) إلا أن يعرج عليه ويمتع النظر بروائعه النادرة.
قبل أن نتحدث عن هذا القصر نود أن نشير إلى خبر طالعناه قبل فترة وجيزة يقول إن الحكومة الألمانية طرحت للبيع بالمزاد العلني أكثر من عشرين قصراً تاريخياً بعضها في حالة جيدة جداً وصالحة للسكنى والبعض الآخر يحتاج إلى ترميم، ومبرر هذا التدبير أن هذه القصور قد آلت ملكيتها للحكومة بعد أن انقرضت سلالات ملاكها، وقد اشترطت الحكومة على كل من يحصل عليها أن يعمد إلى صيانتها وترميمها وعدم التفريط فيها حفاظاً على الثروة المعمارية والسياحية والتاريخية في البلاد.
مثل هذا الاهتمام بالآثار التاريخية والمراكز السياحية، ظاهرة عامة لدى الأمم الراقية المتحضرة التي جعلت للسياحة الثقافية والتاريخية مقاماً مرموقاً جداً في تنظيماتها واقتصادها، ولم تدخر وسعاً في إبراز المميزات التي ينفرد بها كل مركز سياحي وابتكار كل ما من شأنه إغراء السائح بزيارة تلك المراكز. من هذا القبيل القصر الكبير (أكجنبرج) في جراتس الواقع في الجانب الغربي من المدينة الذى حولت البلدية طابعه الأول إلى متحف صيد فريد في بابه.
القصر محاط بحديقة قديمة، فسيحة، بديعة التنسيق، كان في العصور الخوالي مقراً لأمير المقاطعة منذ القرن السادس عشر، وقد اكتسب القصر اسمه من الأسرة الحاكمة التي انتقلت إلى جراتس في القرن الخامس عشر وابتنته بين عامي 1625 و1635 بإشراف مهندسين إيطاليين، أما الدور الثاني فتشغله ردهات الاستقبال وغرف النوم الخاصة وغيرها من الحجرات والأروقة التي تم تزيينها خلال السنوات 1660، 1685، وما تزال حتى الآن على صورتها الأصلية، فسقوف الصالونات الفسيحة مزينة بلوحات تمثل وقائع تاريخية مختلفة وقصصاً مستقاة من التوراة ومن الميثولوجيا القديمة، وقد صنع لكل لوحة إطار بديع على أشكال هندسية رائعة. لعل أطرف ما في ذلك تلك اللوحات المدهشة التي صنعها بالألوان الزيتية رسام البلاط (آدم ويسنكيرشر) وهي 17 لوحة تمثل الكواكب, وقد أدخلت فيها ببراعة مرموقة شعارات نبلاء الأسرة.
اليوم القصر الكبير مهيأ لاستقبال ضيوف المدينة البارزين، ولن نسهب عن تاريخ هذا القصر الفاره فهو تاريخ طويل، لكن تجدر الإشارة هنا إلى أنه قد استقبل في عام 1765 الإمبراطورة (ماريا تريزا) وعدداً من أولادها بينهم ملكة فرنسا التعيسة الحظ (ماري أنطوانيت) وما تزال غرفة نوم الأمبراطورة وغرفتها حين كانت أميرة على حالتهما حتى اليوم بكل ما احتوته من أثاث ورياش وطنافس، ويؤكد دليلنا أن سرير ماريا تريزا مازال بفراشه ووسائده وملاءاته، تماماً كما كان أيام كانت تنام فيه منذ أكثر من مئتي عام.
إحساس بالمكان
عندما دخلت غرفة نوم الأمبراطورة - وهي أشبه بصالون فسيح منها بحجرة نوم يتصدرها السرير الكبير ذو القوائم العالية والغطاء الأحمر – قلت للدليل: هل أستطيع التقاط صورة ؟
أجاب: التصوير في الداخل ممنوع.
سكت، وتركته حتى خرج والزائرون وراءه، وناولت زوجتي آلة التصوير وأسرعت فجلست على سرير الأمبراطورة، فاختطفت لي زوجتي عدة لقطات.
لماذا فعلت ذلك؟ لست أدري.. إنها رغبة حمقاء في لمس شيء حميم طالما لمسته امرأة شهيرة في التاريخ، ليس فقط لأنها كانت إمبراطورة بل سيدة في فنون الحب والإغراء والتآمر.
دلفنا بعد ذلك إلى حجرة نوم ماري أنطوانيت.. إنها أصغر وأقل ترفاً وفخامة، ولم أتلكأ فيها كثيراً، فشبح المقصلة لاح لي منعكساً على المرايا الفضية المتألقة في الحجرة.
أما الدور الأول في القصر فقد أقيم فيه متحف صيد قل نظيره في مدن العالم، والنمسا بلاد تشتهر بالصيد، وفيه عرض تاريخي للوحات الفاخرة للصيد منذ أقدم الأزمنة في التاريخ، منذ العصر الحجري وحتى يومنا هذا. اللوحات تمثل عمليات الصيد بمختلف الأسلحة التي عرفها الإنسان، يضاف إلى ذلك مجموعات نادرة من جميع الحيوانات المعروفة محنطة ومنتشرة في جنبات المتحف إلى مجموعات لا تقل ندرة لأسلحة الصيد ابتداء بحربة الصوان وانتهاء بأرقى البنادق النارية والليزرية. يضم القصر كذلك المتحف البلدي لمدينة جراتس بما يحتوي عليه من مناظر خلابة للمدينة في مختلف مراحل تاريخها ومن وثائق تروي تطورها الثقافي والعمراني والفني والسياسي.
إن جولة تستغرق ساعة وبضع الساعة في هذا القصر المتحف تغنيك عن مطالعة مجلدات ضخمة ذات موضوعات تاريخية وفنية وسياسية معتمة، وقد قدّم (مركز الوثائق الوطنية) معرضاً أعاد فتح التحقيق الذي أوصل ماري أنطوانيت إلى المقصلة، بينما أحيا قصر فرساي ذكرى ملكته في معرض عنوانه (ماري أنطوانيت، امرأة حقيقية، امرأة أسطورية). بدوره، يفتح (القصر الكبير) اليوم أبوابه للملكة في معرض كبير.
وُلدت ماري في فيينا العاصمة النمساوية, وكانت الابنة الصغرى والمفضلة للأمبراطور فرانسيس الأول وماريا تيريزا حاكمي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وقد تمت تربيتها على أمل أن تصبح يوماً ما ملكة لفرنسا، تزوجت الدوفين الفرنسي (ولي العهد) في عام 1770م، وبعد أربعة أعوام أصبح الدوفين الملك لويس السادس عشر, وأصبحت ماري الملكة. لم تلد الملكة إثر زواجها ولكنها بعد أن ارتقت العرش بسنوات، وضعت طفلتها الأولى ماريا تريزا في 1778م. فتعالى الهمس وأخذ الفرنسيون يتساءلون من يكون والد هذه الطفلة؟
في زمن الثورة الفرنسية، تحولت ماري أنطوانيت إلى أيقونة تجسّد فساد العهد البائد وانحلاله. على مدى عقود من الزمن، تبارى الكتّاب والرسّامون والمغنّون في تصوير فسق الملكة وغطرستها، مما ساهم في تكريس هذه الصورة في الذاكرة الجماعية. في القرن العشرين، بدأ الفرنسيون ينظرون إلى العهد الملكي بنوع من التجرد، ووجدت ماري أنطوانيت من ينظر إليها بشكل حيادي. في العام الماضي، عادت ماري أنطوانيت إلى الواجهة وكأن شعبها لم (يسأم) بعد من قصصها. ظهرت الملكة في شريط سينمائي يروي سيرتها بشكل جديد، وتزامن عرض هذا الفيلم مع صدور كتب عدة تبحث في (وجوهها) المختلفة.
هي ماريا أنطونيتا جوزيفا يوهانا فون هايسبورج لوترين. والدها ملك اللورين فرنسوا الأول. والدتها إمبراطورة النمسا ماريا تيريزا. وُلدت في عام 1755 ونشأت بين قصر هولفبورج وقصر شونبرون مع إخوتها الخمسة عشر، وأُرسلت في عام 1770 إلى فرنسا كي تقترن بأمير فرنسا، وكان الغرض من هذا الزفاف المدبّر تقوية العلاقات بين السلطتين الفرنسية والنمساوية. كما يذكر أهل التاريخ، لم تكن الأميرة تجيد الفرنسية يوم قدمت من فيينا، وقيل إنها كانت تتحدث الألمانية بشكل سيئ. تلقّت الأميرة آداب السلوك الملكي على يد فريق من المعلّمين، ووجدت نفسها ملكة وهي لم تزل صبية، وعُرفت باسم ماري أنطوانيت. كانت في الرابعة عشرة حين عُقد قرانها، وكان عريسها يكبرها ببضعة أشهر. بعد أربع سنوات، توفي الملك لويس الخامس عشر، فخلفه لويس السادس عشر، وتُوّجت ماري أنطوانيت ملكة فرنسا ونافار, وهي في الثامنة عشرة من عمرها. ظلّت الملكة (غريبة) في أعين الفرنسيين، وظهرت الأغاني المعادية لها بسرعة في باريس، ووصل مسمعها إلى فرساي، غير أن الملكة لم تأبه لها. تمرّدت ماري أنطوانيت على العادات الملكية الفرنسية، وأحاطت نفسها بحلقة من المقرّبين غير مكترثة بانتقادات أهل القصر، وعاشت على سجيّتها، وسحرت بنزقها قلوب حاشيتها.
التذوق الفني أبرز سماتها
يؤرخ معرض (القصر الكبير) تلك الحقبة من تاريخ الملكة عبر مجموعة كبيرة من اللوحات الزيتية التي تصوّرها في أحلى ثيابها. في الثانية عشرة من عمرها، تبدو دوقة النمسا الكبرى صبية جميلة تواجه الناظر إليها وهي تلقي ذراعها على أريكة أرجوانية فاخرة، وفي الرابعة عشرة، تظهر أميرة المجر وبوهيميا الملكية في صورة شقراء يافعة تعقد حول عنقها (بابيّون) فيروزياً بلون فستانها يكشف عن أعلى صدرها. نتعرّف إلى الملكة في قصرها عبر لوحات زيتية عدة تحمل توقيع الرسامة إليزابيت لويز فيجيه لوبران، وتقابل هذه اللوحات مجموعة من التماثيل أشهرها تلك التي نحتها لوي سيمون بوازو. تبدو هذه الأعمال أشبه بعرض أزياء تقوم به عارضة واحدة. تتجلى عبادة الذات في هذه الحلقة المتسلسلة من اللوحات والمنحوتات التي تحتل جدران قاعات (القصر الكبير)، حيث تقف ماري أنطوانيت وهي تمسك وردة، ثم تجلس بفستانها الفضفاض وهي تلقي بيمناها فوق كرة دائرية تمثّل العالم.
في القسم الأكبر من هذه الزيتيات الأكاديمية بامتياز، يظهر الأثاث الملكي في أدق تفاصيله في محيط اللوحة. في عرض موازٍ، تحضر قطع من الأثاث الملكي إلى جانب هذه الزيتيات، وكأنها تقارب بين الصور والمثال المادي الذي شكّل أساساً لها. تشهد هذه القطع المختلفة لتاريخ صاحبتها التي أدمنت الرفاه والبذخ والدلال، والمعروف أن ماري أنطوانيت لم ترع الفنون (الكبرى) في حياتها، غير أنها كانت من أكبر مشجعي الصناعات التزيينية في زمنها، وكان لها ذائقة مميزة في هذا الميدان، حتى أن أسلوب بعض الأثاث الفاخر يُعرَف اليوم باسمها. وقد سحر هذا الأسلوب أغنياء عصرها، كما سحر بورجوازيي الشرق منذ القرن التاسع عشر، على الرغم من التحوّل الكبير الذي عرفته الذائقة الغربية في تلك الفترة. ويمكن القول من دون مبالغة إن هذا النوع من الأثاث عاش في الشرق بعد موته في أرض منشأة، وهو بلغة نقّاد العصر الحديث أسلوب ثقيل متكلّف يخلو من أي روحانية شفافة.
عاشت ماري أنطوانيت على سجيتها، وكانت لها مزرعة خاصة في منطقة هامو حيث عمدت الى إقامة الحفلات الخاصة بعيداً عن رقابة أهل القصر. راجت الأقاويل التي تحكي عن عشّاقها، وكان أشهر هؤلاء العشاق الكونت آرتوا شارل العاشر، شقيق زوجها، والكونت الأسوجي هانس آكسيل دو فارسين، وقيل إن الكونتيسة يولاند دو بولينياك كانت عشيقتها. شكلت هذه الحكايات مادة لمجموعة من القصص الخلاعية انتشرت سراً فيما بعد، مما جعل ماري أنطوانيت بطلة لسلسلة بورنوجرافية طويلة يعرفها إلى اليوم هواة هذا النوع من (الأدب).
نتعرف إلى الملكة الأم في لوحات تمثلها برفقة أطفالها في القصر كما في النزهات والرحلات. تحافظ الملكة على شبابها في اللوحات التي مع أطفالها، وليس في ذلك أيّ خدعة لدى الرسّامين الذين صوّروها، فقد أنجبت ماري أنطوانيت أولادها الأربعة بين 1778 و1787م، وهي في هذه الصور سيدة شقراء لها عينان زرقاوان تميلان إلى شيء من الجحوظ ووجنتان بلون الورد. وجهها بيضاوي يتميّز بجبهته العريضة، وشعرها مرفوع إلى الأعلى في تسريحات مختلفة. كما في أيام صباها، تحضر ملكة فرنسا النمساوية في فساتين مطرّزة بالريش والشرائط والأحجار الكريمة. لم تغيّر ماري أنطوانيت من أسلوبها في الحياة بعدما أصبحت أماً، وأدمنت الإسراف والترف دون قيد فقد كانت الملكة الصغيرة جميلة وذكية ومتهورة، وقد ملَّت الشكليات الرسمية لحياة البلاط، لذا اتجهت إلى الترويح عن نفسها بالملذّات، مثل: الحفلات الفاخرة والتمثيليات المسرحية وسباق الخيول والمقامرة. كان ينقصها التعليم الجيد، وقد انتشرت أخبارها في الوسط العام مع اندلاع ما يُعرف بـ(قضية العقد) حيث طالب أحد كبار صنّاع المجوهرات ملك فرنسا بمبلغ مليون ونصف مليون ليرة ثمناً لعقد ماسي اشترته منه ماري أنطوانيت. بُرّئت الملكة، واتضح أن أصل هذه القضية مؤامرة دُبّرت على غفلة منها، إلا أن ماري أنطوانيت بقيت مُدانة من شعبها، وشاعت في الأسواق رواية هزلية بعنوان (غراميات شارلو وطاونيت) تتعرض لحياة القصر بأسماء مستعارة.
من لم يجد خبزاً يأكل كعكاً
ماري أنطوانيت كان عمرها 18 عاماً حينما أصبحت ملكة فرنسا ولم تكن يوماً تحلم أبداً بالسلطة، ولم يكن لها مشاركة فعلية في الحكم، بخلاف غالبية زوجات الملوك في ذلك الزمن. أسرفت سيدة القصور في البذخ, بينما كانت خزانة الدولة تعاني الإفلاس بعد سلسلة الحروب المتواصلة من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر. ساهم قصور النظام الضريبي في إفقار الدولة والشعب، وبدأت الرأسمالية الحديثة تتهيأ لضرب السلطة الملكية الإقطاعية. عصفت الثورة الفرنسية بالأسرة الحاكمة في عام 1789 بعد تظاهرات هائجة عمّت باريس تنادي بـ(الحرية والمساواة والإخاء). تقول الرواية الشائعة إن ماري أنطوانيت سألت عن سبب هذه التظاهرات، وعندما قيل لها بأن الجماهير تطلب الخبز المفقود من الأسواق، أجابت: (ما عليهم سوى أن يأكلوا كعكاً). اقتيد لويس السادس عشر مع عائلته إلى الأسر، وجرى إعدامه في عام 1793. عُزلت زوجته بعيداً عن أولادها في انتظار محاكمتها. في الثالث من شهر تشرين الأول، اتُّهمت ماري أنطوانيت بـ(امتصاص دم الشعب الفرنسي منذ وصولها إلى فرنسا)، وبأنها أصل البلاء الذي ينهك البلاد منذ أربع سنوات. إثر صدور الحكم عليها بالإعدام، اقتيدت الملكة المخلوعة في عربة مكشوفة في شوارع باريس حيث رمتها العامة بكل ما يقع تحت يدها، ونُفِّذ فيها الحكم بعد مرور تسعة أشهر على إعدام زوجها.
يقدّم (القصر الكبير) رسوماً عدة تصوّر مشهد محاكمة الملكة المخلوعة. تتجرد ماري أنطوانيت من زينتها وتظهر في هيئة امرأة معدمة زائغة النظر تقف في ثوب بال في جلسة المحاكمة. تشكل الرسوم في تسلسل الأحداث التي تنقلها ما يشبه الشريط المصوّر. تظهر مرةً في سجنها الانفرادي في مبنى (الكونسجيري)، ثم تظهر مرةً أخرى وهي تواجه وحيدةً الحكم الصادر في حقها. نراها مقيّدة اليدين في رسم تخطيطي ينسب إلى رسام الثورة الأول جاك لوي دافيد. هي هنا في جلستها الأخيرة تستسلم عاجزةً لقدرها. إلى جوار هذا الرسم، يُعرض الرداء الذي لبسته المرأة يوم اقتيدت إلى المقصلة التي جزّت رأسها، وهو عبارة عن خرقة بيضاء بالية لا يتجاوز طولها 160سم. نقرأ على بطاقة تحمل توقيع ماري أنطوانيت: (يا إلهي ارحمني! لم يعد لعيني دموع كي أبكي لأجلكم يا أطفالي المساكين).
ماري أنطوانيت لم تكن تعطي الأمور الجادة إلا القليل من الاهتمام، ولم تتردد في عزل وزراء فرنسا القادرين الذين هددت جهودهم خفض النفقات الملكية على ملذاتها. لقد أعطاها الملك لويس السادس عشر قصر بتي تريانون، حيث كانت الملكة وأصدقاؤها يقومون بالترويح عن أنفسهم، حتى أصبحت مكروهة جدًا، وتم تأنيبها على فساد البلاط الفرنسي, ولم تعط أي اهتمام للأزمة المالية التي حلت بفرنسا. لقد رويت القصص الكاذبة والسيئة عنها إلى حد أن أثيرت شائعات بأنها كانت جاسوسة لحساب النمسا.