المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مكتبة المنزل.. مكان للراحة والذكريات


Eng.Jordan
06-13-2013, 09:05 AM
الموسوعة العربية :
عبد الرحمن ******: الرياض

بدأت عندي الكتب تنمو بطيئاً قبل ثلاثين عاماً, كانت عبارة عن زاوية صغيرة في حجرة, ثم نمت إلى غرفة، ثم تمددت في حيز صالة، ثم صارت جناحاً في القبو. وضعتُ لها رفوفاً خشبية قشيبة بين نباتات زاهية، لتكون تحفة المنزل مبنى ومعنى. فإذا كان المثل الصيني يقول: (الكتاب مثل حديقة تحملها في جيبك)؛ فإنني أقول إنها تحملني كملاذ ومنتزه أخضر.

http://www.users.zetnet.co.uk/buness-house/images/library_x.jpg



لكن ما الذي سوف يبقى من عروش هذه المكتبة أمام الجهاز الإلكتروني الذي يتمدّد كأعشاش العنكبوت ليغطي الكتب الورقية؟ ملايين الكتب تحويها هذه الشبكة العنكبوتية, لجة بحر يغرقنا بأمواج المعلومات وتيارات المعرفة من كل حدب وصوب وفي كل برهة.
أدخلُ صالة المكتبة وكأن عليها ذلك النقش الذي وضع على بوابة مكتبة مدينة طيبة في مصر القديمة: (علاج الروح)، كانت مكتبتي غذاء للروح وعلاجاً ليس للروح وللعقل فقط بل حتى للبدن، فقد كانت مرشداً وإسعافاً أولياً حالة الطوارئ, ومرجعاً دوائياً حالة المرض. الآن في صالة المكتبة أصبحت الكتب زينة ولوحات جداريه وصار الجهاز الإلكتروني هو المعنى!
كنتُ أكتب على الطاولة أمام يدي عشرات الكتب والعديد من أوراق البحث العلمية كأمواج على الطاولة, أجمع بينها، أفرق بينها، وأكتب على ورق. الآن الطاولة صحراء نظيفة فارغة إلا من المحمول, وحده المحمول تأخذ منه وتعطيه, انتهى زمن الورق, حتى سلة مهملات المكتبة لم تعد تختلف عن غرفة السفرة: كيس شاي، مناديل، قصاصة شوكولاته، عبوة لبن.. لكن لا ورق!
تحول الأصبع الذي يقلب الورق باحثاً عن فكرة هادئة تهبط رويداً رويدا، فصار بضغطة زر تتفجر حوله المعلومات ويجد كل أدوية العقل والمعرفة والجسد, لكنه قد لا يعرف كيف يختار! فالوقت يداهمه والخيارات كثيفة كسيل عرم, وأكبر ما يربك أن أكثرها إغراء هو أكثرها بريقاً، وليس كل ما يلمع ذهباً بل غالباً ما يكون أرخصها وأتفهها! وصار الإنترنت يغريك بألف خدعة وخدعة لشراء كتب لم تكن تشتريها, حتى رخصت قيمة الكتاب معنوياً، فهناك الآن كتب قيِّمة لا يقرؤها إلا بضعة أفراد وكتب رديئة يقرؤها الملايين!
وتحولت مكتبة المنزل إلى مكان للراحة، للعبور، للذكريات وكأنها ألبوم صور, وقلما تكون للقراءة، فتلك مهمة نقوم بها مع الحاسب. ويسألك بعض الضيوف قاصدين المكتبة: ماذا تريد بهذا (التجميع)؟ لا إجابة لدي! لعلهم صادقون؟ فقد صارت عبئاً على المنزل تتطلب عناية وتنظيفاً ولا تقدم غير الذكريات، لكنها جزء من الروح.. جزء من تاريخي الذهني والجسدي، رغم أن القراءة الورقية التي مازلتُ أمارسها في هذه المكتبة تغيرت طبيعتها نفسياً وجسدياً.. أقصد بجسدي غياب كوب الشاي وغياب الجلسات الطويلة والمتكررة, فالإنترنت في الانتظار, فقد أصبحت القراءة بالمكتبة للعبور أو لتوثيق معلومة ضائعة أو لالتقاط فكرة شاردة.
هل سنودع مجلس خير الأصدقاء قريباً، والجهاز الإلكتروني يتمدّد في فضاء المعرفة ليزيح الكتاب والمكتبة؟ هل يمكن أن أتنازل يوماً ما عن هذه المتعة القديمة؟ هل يمكن أن تتحول هذه الكتب إلى سماد عضوي للشجر بدل البشر؟ إلى أية درجة سيمتد الغزو الإلكتروني على المكتبة؟ وما الذي سيُبقي منها وما الذي سيمحوه؟ مهما كانت الإجابة، فالأكيد أن المكتبة لن تصبح مثلما كانت.. ربما تتحول تدريجياً إلى زخرفة تراثية توضع لتزيين المكان بعبق الزمان.