المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أوزان الشيبيات


Eng.Jordan
06-13-2013, 09:20 AM
الموسوعة العربية : ناصر غريب الضيف الله: عرعر


عند الحديث عن الشيب نرى تباين رؤية الشعراء والأدباء، فمنهم من يمدحه ويذمه. وشعراء العربية صوروا ذلك في قصائدهم، فكل شاعر سطر رؤيته وفلسفته الخاصة، فهذا (علقمة الفحل) يذكر بأن النساء يعرضن عمن شاب رأسه في بيته المشهور:


إذا شاب رأس المرء أو قل ماله
فليس له في ودهن نصيب

http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQGMRbmww-c410o-5xG-mlk2W2y2Hdw03oCMMYQu1ELpyTbmv4avA


وقد لخص المرتضى آراء الناس حول الشيب فقال: «واعلم أن الشيب قد يمدح ويذم على الجملة..، فيمدح بأنه فيه الجلالة والوقار، والتجارب والحنكة، وأنه يعظ من نزل به..، ومن يذمه يقول بأنه رائد الموت ونذيره، وأنه يوهن القوة ويضعف المنة ويطمع في صاحبه، وأن النساء يصددن عنه، ويعبن به، وينفرن عن جهته...»، كما يقول عمر بن ربيعة:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي
فأعرضن عني بالخدود النواظر
ويذكر الخطراوي -رحمه الله– أن المرتضى في كتابه (الشهاب في الشيب والشباب)، والذي اعتمد عليه كمرجع رئيس في دراسته عن (الشيب في الشعر العربي)، يحوي ألف بيت وبيتين عن الشيب لأربعة شعراء هم: (المرتضى 463، الرضي 314، البحتري 140، ابن الرومي 46، أبو تمام 39)، وابن الرومي ليس أساسياً وإنما كان يورد له بالمناسبات المختلفة.
يقول الخطراوي: «وقد رأيت أن أسميهم باسم (الشعراء الشهابيين) على نحو ما يقال من شعراء الحماسة أو شعراء المفضليات». فمن هذا الكتاب اهتدى الخطراوي إلى كتابة بحثه السابق الذي أشرنا إليه حيث يقول: «ومن خلال معايشة الشهاب والشهابيين تطورت الفكرة إلى كتابة بحث متكامل في الشيب يشمل جميع العصور، وبخاصة العصر الحديث الذي لم تشمله دراسة الدارسين لهذا النوع من الشعر، ولا أدركه جمع الجماعين». ويذكر أن أقدم من كتب وألف في الشيب أسامة بن منقذ في كتابه (الشيب والشباب). وقد قسم الخطراوي الشيب إلى ثمانية موضوعات أساسية وهي أبواب كتابه، فكل قسم بوبه باسم عذق خاص به:
العذق الأول: طلائع الشيب ومباغتاته.
العذق الثاني: مواجهة الشيب.
العذق الثالث: الشيب والخضاب.
العذق الرابع: الشيب في عيون الغواني.
العذق الخامس: الشيب عظة وإنذار.
العذق السادس: التشكيل بالشيب.
العذق السابع: المقدمة الشيبية.
العذق الثامن: الشيبيات.
والذي نريد أن نصل إليه هنا من حديثنا السابق أن الخطراوي توصل من خلال بحثه إلى قصائد تفردت واستقلت بموضوعها في الشيب والمشيب وسماها بالشيبيات يقول: «على وزن الخمريات، والزهديات، والروميات..»، ثم يقول يبدو أن الشيب كالغزل والخمر وغيرهما مما بدأ العهد به مقدمة لغيره، ثم عرف التفرد والاستقلال، تبعاً لاتساع معانيه وشدة ملامسته لوجدان منشئيه وتحوله إلى تجربة إنسانية متكاملة قادرة على تقديم تجربة إبداعية شعرية، ومن ذلك قول الشريف الرضي:
ليس على الشيب للغواني
وإن تجملن من قرار
كأنما البيض من لداتي
ضرائر البيض من عذاري
إن خيمت هذه بأرضي
تحملت تلك من دياري
أرين في رأسي الليالي
شر ضياء لشر نار
إلى أن يقول:
فمذ أضاء المشيب فودي
تورع الزور عن مزاري
مثل الخيالات زرن ليلاً
وزلن مع طالع النهار
ويذكر أن المرتضى أكثر من ذكر الشيب في قصائد مستقلة يقول:
تقول لي ومآقيها مطفحة من ذا أبان على صبغ الدجى قبسا؟
من ذا الذي غل من فوديك لونهما وسل حسنك فيما سل أو خلسا؟
مالي أراك ونور البدر منكسف في وجنتيك وخط فيهما طمسا
كأنما أنت ربع طل ساكنه ومنزل عطل من أهله درسا
ما ضر شيئاً وقد وافى بمنظرة تقذي النواظر لو أبطا أو احتبسا
إلى أن يقول:
لا تطلبي اللهو مني والمشيب على رأسي فإن قعود اللهو قد شمسا
ولا ترومي الذي عودت من ملق وكل ما لان من قلبي الغداة قسا


ويذكر أن الشيب صار مطلعاً للقصيدة عند بعض هؤلاء الشعراء، يقول الرضي في مقدمة قصيدة:
من شافعي وذنوبي عندها الكبر إن المشيب لذنب ليس يغتفر
راحت تريح عليك الهم صاحية وعند قلبك من غي الهوى سكر
رأت بياضك مسوداً مطالعه ما فيه للحب لا عين ولا أثر
إلى أن يقول:
أنساك طول نهار الشيب آخره وكل ليل شباب عيبه القصر


وقال في مقدمة قصيدة يمدح بها الخليفة العباسي الطائع لله:
مسيري إلى ليل الشباب ضلال وشيبي ضياء في الورى وجمال
سواد ولكن البياض سيـادة وليل ولكن النهار جـلال
وما المرء قبل الشيب إلا مهند صدي وشيب العارضين صقال


وقدم الخطراوي بين يدي كتابه (الشيب في الشعر العربي) قصيدة مطولة عنوانها (بوابة الموت) تخللتها فلسفته ونظرته للحياة والشباب والشيب والمشيب فالموت، يقول:
عبث الشيب برأسي
وسرى الهم بنفسي
واحتمى يومي بأمسي
فتوارت رغباتي
وتدانت خطواتي
وتحيرت بأمري
بين أوصافي وذاتي..!
وانتهت نضرة وجهي
بتجاعيد عديدة
إلى أن يقول:
وعلى بوابة الموت وقفت
ورأيت ما رأيت
فترددت كثيراً
وتراجعت قليلاً
ثم قررت الرحيلا
في طريق واحدة
وسألت الله أن يحفظ شيبي وشبابي
وحضوري وغيابي